-->

الفصل الثالث والعشرون - ظلام البدر - دجى الليل

الفصل الثالث والعشرون

جلس بغرفة مكتبه وهو يحتسي من زجاجة الفودكا مباشرة دون أن يُلاحظ مقدار ما يتناوله وهو يُفكر بكل ما مر عليه معها.. أحقاً ظلمها لذلك الحد؟ ألم يلاحظ توسلاتها بألا يتركها مع زوج والدتها؟ أحقاً كان أعمى لتلك الدرجة؟ .. با له من مختل، فعلته دفعتها لتفقد الذاكرة لأحداث سنتان بأكملهما!!..

لا.. لم يكن أعمى.. لقد عرف أن والدتها قد تركت كل أموالها لزوجها لأنها تعرف كم أن ابنتها استغلالية ومادية.. لقد سمعها بأذنيه وهي تخبر كريم بأن يترك أخته.. كل الدلائل التي ملكها وتوصل إليها تُجبره على تصديق أن تلك الفتاة ماكرة مستغلة.. ليس إلا!!

ولكن شاهندة لن تكذب عليه.. حسناً لقد فعلت مرة.. ولكن لتحمي نورسين من غضبه وظنه بها.. فلو علم منذ البداية أن زوج والدتها كان يتحرش بها لكان ظن أن كل ذلك مجرد تمثيلية رخيصة حتى يتآمرا على زياد أو كريم وتأتي له بالأموال..

أيضاً يسري لا ينفك يطالب كريم بالأموال وأخبره أنه يريد أن يزوجها لمن يعطيه أموالاً.. إذن زوج والدتها هو الآخر مستغل مثلها..

دموعها وصراخها، تذللها له بعد أن أهانها وأذاقها وابل من العذاب، لا يزال يشعر بإرتجافة جسدها بين ذراعاه عندما حملها، لا يزال يتذكر صراخها آلماً، ماذا كان ليحدث إن لم يذهب عائداً لها في ذلك الوقت؟!

في النهاية هي لا زالت على اسمه، أمام الجميع هي زوجته، ماذا لو كان تركها ولم يستمع لأخته؟ أكانت ستصبح زوجته مُغتصبة بتلك الدناءة ومن مَن.. من زوج أمها؟!!

ألقى الزجاجة أرضاً ليهشمها بغضب جم والذنب والندم يبددان سائر حواسه، يشعر بالغضب تجاه نفسه أولاً وثانياً تجاه كل ما يحدث، لا يدري أيُصدقها أم يُصدق الأطباء الذين أكدوا بفقدها لذاكرتها بسبب تلك الصدمات التي تعرضت لها أم يُصدق نفسه وكل ما لديه من براهين على أنها مُستغلة!! وما تلك البراهين التي يمتلكها سوى حفنة مشاعر بالخوف على عائلته من أي أحد قد يستغلهم أو قد يُخرب حياتهم؟!

رأسه تتهشم من كثرة التفكير، لا يدري ولا يعلم أين الحقيقة.. هو أذنب بحقها ويشعر بالندم جراء كل ما فعله معها.. لقد عذبها بأبشع الطرق التي يكرهها هو نفسه، لقد أجبرها على الزواج منه بتلك السن الصغيرة، هناك صراع من نوع جديد قد نما منذ تلك اللحظة التي رآها بها أسفل يُسري، ولكنه حتى الآن لا يستطيع نسيان ما سمعته أذنيه

"يبقا تسيبها، تسيبها وتبعد عنها، متفضلش معاها وتظلمها.. كل اللي بتقوله أصلاً مش مبرر إنك بتحب حد"

شعر وكأنه سيجن حتماً من تلك الإنفجارات بعقله ثم تجرع ما تبقى في الزجاجة الثانية بأكملها التي لم يدرك متى بدأ في احتسائها ليتذكر فجأة العديد من الذكريات المؤلمة التي جمعتهما سوياً وهو لا يدري أهو يظلمها أم هو على حق أم ماذا يفعل وكيف يتصرف مع كل ذلك الذي يحدث من حوله..

لقد هذت عندما جاءتها الحمى بمنتهى الخوف.. لقد بكت وتوسلته كثيراً بألا يعاود ضربها ثانية وهو لا ينفك يفعلها، لقد تذكر ملامحها عندما أخبرته أنها ليست استغلالية مثل والدته، كيف علمت هذا على كل حال؟ لقد تذكر تلك الكلمات جيداً عندما كانت أمام قبر والدتها، تذكر كيف نامت على الأرضية عندما واتتها عادتها الشهرية، وهنها وتحرجها عندما أخرجها من ذلك الدولاب الذي اغلقه عليها.. وتلك العلامات التي طبعها دون رحمة على جسدها حتى انسابت دمائها.. صفعاته لها، عنفه معها، فزعها منه..
أيُمكن أنه بكل ذلك الوقت كان يظلمها؟!!

لا بالتأكيد لم يظلمها.. هو حتى لا يستطيع أن يتخيل أنه قد فعل كل ذلك مع فتاة بريئة.. لابد وأن يرى كل ما قد تفعله تلك الفتاة ويتأكد بنفسه، كل ذلك العذاب الذي يعذبها به لم يجعلها تنبث ولو بحرف واحد، لازالت مصممة على أنها لم تفعل شيء، لازالت تبكي بتلك الدموع التي تبدو بريئة بها وتتحكم حتى به هو نفسه عندما يراها.. عليه أن يجدطريقة أخرى.. حسناً سيراقبها بينما يسمح لها بالمزيد من الحرية قليلاً وسيرى ما الذي ستفعله حينها!!

سيترك المنزل لها كل يوم وسيذهب للشركة ولن يتوانى عن مُراقبتها في صمت شديد وسيشاهد تسجيلات أجهزة المراقبة وهو حتى لن يبالغ معها بالعنف مثل السابق خاصة بسبب حالتها النفسية، سيدعها لتفعل كل شيء ولكن تحت عيناه حتى يستطيع التأكد من حقيقة إنكارها للأمر، ومن حقيقة فقدانها للذاكرة.. وسيعرف المزيد عن زوج أمها هذا القذر.. حتى لو قتله بيداه ولكن سيعرف كل شيء عاجلاً أم آجلاً..

هكذا قرر ثم نهض وقد شعر بعدم تركيزه ليذهب بخطوات متباطئة وأعين نصف مغلقة ليتوجه لغرفته وبالكاد قد حدد الوقت الذي سيستيقظ به بمنبه هاتفه ثم وصد عيناه ليذهب في ثبات تام..

--

"يعني إيه جوزي؟ يعني أنا في سنتين بس اتجوزت.. وماما.. ماما راحت فين!! هي فعلا ماتت زي ما هو ما بيقول؟! أنا مش مصدقة.. ازاي أنا ناسية كل حاجة كده؟!" تحدثت إلي نفسها ببراءة وإنكار تام ثم تساقطت دموعها في وهن شديد وهي بالكاد تصدق كل ما تتعرض له اليوم!

خللت شعرها الحريري بيدها ترفعه وهي جالسة بغرفتها في خوف، هي لا تعرف ذلك الرجل، تيتسلل إليها شعور هائل بالخوف منه، لا تعرف لماذا ولكن هناك بداخلها شيئا يخبرها بأن ذلك الرجل لا يجب أن تتعامل معه..

هيئته ونظرات عيناه مرعبتان.. طريقة تحدثه.. قليل الكلام معها للغاية.. حتى ولو كان زوجها مثل ما يدعي، لا هو لا يدعي لقد رآت عقد زواجهما بنفسها.. هل من الممكن أنه صادقا؟!

لم يعد عقلها يستطيع أن يواكب ما يحدث، بين يوم وليلة استيقظت لتجد أنها متزوجة، والدتها قد ماتت.. فقط هذا كل ما عرفته منه، ولكن كيف يتعاملا هكذا وهما المفترض أنهما متزوجان حديثا من عدة أيام قاربت على تكوين اسبوعان؟! هي لا تستطيع التفكير بالأمر أكثر من ذلك أبدا..

"لأ.. ده مش إنسان طبيعي بجد.. شكله وشعره وعينيه.. لو كان جوزي بجد كنت افتكرته.. وهو ليه بيعاملني بالأسلوب ده" تحدثت ثم أخذت تتجول بالغرفة وهي تحاول فرك رأسها ومنعت نفسها عن البكاء فالبكاء الآن لن يُفيدها بشيء وأثناء تجولها وجدت بعض الملابس التي تخصها على الأريكة لتدرك أنه قد وضعها لها دون أن تلاحظ..

اقتربت من الباب لتتأكد من أنه موصد جيداً وهي لا تدري لماذا شعور الخوف يسيطر عليها من ذلك الرجل المسمى ببدر الدين وبعد مجهود كبير منها وضعت الأريكة خلف الباب ثم ارتدت تلك الملابس وذهبت لسريرها لتحاول أن تنال قسطاً من الراحة..

--

انتهى من غسل وجهه ربما للمرة المائة وهو يحاول أن يستيقظ فهو لم ينم جيداً ليلة أمس بعد كل ما حدث وذلك الشراب اللعين الذي احتساه لم يتركه إلا وهو يشعر بالصداع الشديد وتركه عكر المزاج وحاد للغاية..

ظل يراقبها بعد أن جعل مختص يرسل له بالتسجيلات الخاصة اول بأول على بريده الإلكتروني وأنتظرها لتستيقظ ولكنه يراها نائمة ولم تحرك ساكنًا وظل يعمل في إنتظار وبين الحين والآخر يراقب ما ستفعله عندما ستدرك أنها وحدها ولسوء حظه وجد شاهندة أمامه..

"ليه يا بدر تعمل فيها كده؟ ليه باعدها عني ومش عايزني اطمن عليها؟!" سألته أخته التي وجدها أمامه فجأة وهي تنظر له بلوم ليحترق هو غضباً ويوصد شاشة حاسوبه وهو بحالة مضطربة من المشاعر المتعارضة.. هل له أن يثق بنورسين، هل تتدعي، أم هو من أذاها!! لا ينقصه سوى حديث شاهندة هي الأخرى

"شاهندة مش وقته.. سيبيني أكمل شغلي لو سمحتي" اخبرها بضيق وهو يحاول أن يتحاشى نظراتها لأنه لن يستطيع الشعور بالذنب تجاه نورسين مجدداً

"وامتى وقته، وأنت مش مخليني أشوفها ولا اطمن عليها؟ لما أسمع منك فجأة انك رجعتها لجوز أمها الحقير ده وبعدين اروح الاقيه سايح في دمه.. متخيل اني هاسكت"

"لو مكونتيش خبيتي عليا من الأول مكانتش الأمور وصلت لكده"

"كنت عايزني أقولك ايه؟ اقولك اني شوفته وهو بيتحرش بيها وهي عندها انهيار ومامتها مكملتش كام ساعة ميتة؟ مكنتش هتقولي انها بتمثل؟ كنت عايزني اقولك ايه يعني؟!" نظر لها في غضب جم وهو لا يدري أهذا بسبب الشراب ومزاجه العكر أم هو غاضب من أخته أم من نفسه لأنه يشعر بالندم تجاه ما فعله بنورسين..

"تقدر تقولي ايه اللي حصل ما بين اتنين يادوبك اتجوزوا من كام يوم يخليك ترجعها لجوز أمها؟" سألته بإنفعال ليصدح رنين هاتف بدر الدين

"لو سمحتي يا شاهندة سيبيني اكمل شغلي" تظاهر بالإنشغال لينظر لهاتفه في اهتمام

"ماشي يا بدر!! بس كلامنا لسه مخلصش.." أخبرته ثم توجهت للخارج في عصبية وأوصدت الباب خلفها

"معلش يا بدر بيه اعذرني.. آخر مرة أنا مخدتش بالي من كلامي.. بس بجد اللي هقولهولك ده غريب اوي"

"انطق.. عرفت ايه؟!" صاح للطرف الآخر بنفاذ صبر

"المحامي اللي بيتعامل معاه يُسري من زمان طلع صاحبي وحبيبي.. بيقول إنه كلب فلوس، ودايماً مكنش بيسب مراته اللي ماتت وهي اللي فاتحاله الشركة دي.. بس الغريبة إن دايماً وصية الست دي كان فيها ودايع لبنتها وأسهم في الشركة ليها ولبنتها.. فجأة كده قبل ما تموت بيجي اسبوع راحله واداله وصية مراته الجديدة عشان يسجلها ويخلص إجراءاتها، بس المرادي مكنش فيها أي حاجة تخص بنتها ولا ليها، وصت انها كل اللي بإسمها يبقا ليسري وحتى ودايع بنتها نقلتها بإسمه" تريث الرجل لحظة ليعقد هو حاجباه في تعجب مما سمعه

"بس المحامي يعني هيعمل ايه.. هو بيتعامل معاه من زمان وعارف إنه راجل مش سهل وسخيف.. قام ساعده يخلص الإجراءات واخد اتعابه وزيادة كمان"

"بدر باشا.. أنت معايا؟!"

"آه معاك.." ازدرد وهو يُفكر في ذلك الكلام الذي استمع له للتو

"بس حبيت أعرف سيادتك وكمان كريم الدمنهوري.. امبارح طلع من البيت وفضل يلف على كذا ATM (ماكينة صراف آلي)، وكان بياخد الفلوس ويحطها في شنطة.. وفجأة راح الشركة عند سيادتك وبيعدين راح ليُسري، وحالاً هابعتلك مكالمتهم بتاعت امبارح.. والنبي يا باشا حقك عليا يعني مكنتش اقصد امبارح الـ.."

"تمام تمام.. ابعتلي المكالمة.. حصل خير.. سلام دلوقتي"

أنهى بدر الدين المكالمة ثم تهاوى بجسده على كرسيه وهو يشعر بالتشتت مما سمعه!! أحقاً هناك أحد ما يفعل ذلك بفتاة صغيرة؟! هز رأسه بإنكار ليتذكر والدته التي صممت على أخذ جميع مستحقاتها عندما توفي والده ووضعتهم بمأزق ولم تنتظر حتى ولو يوماً واحداً في المطالبة بإرثها من والده ليسحق أسنانه في غل شديد وآخذ يفكر كيف تغيرت وصية تلك المرأة بين يوم وليلة هكذا.. وتوجه ليستطلع كاميرات مراقبة الشركة والتسجيلات الخاصة بها ليعرف ماذا فعل كريم!!

--

"ايه ده.. ايه اللي عمل فيك كده!!" صاح كريم عندما وقعت عيناه على يُسري الذي اختفت ملامحه بالدماء

"ابن الكلب جوزها.." اجابه يسري بصعوبة فهو لا يستطيع التحدث فتوجه كريم نحوه على مضض ليساعده من القيام من على الأرض

"ونور.. نور فين؟" سأله في لهفة

"اخدها معاه.. لما منعته مد ايده عليا..هسس آه" توجع يسري وهو يمرر يده على فكه

"وايه اللي رجعه ده؟"

"معرفش بس اخته جت ولقيتها بتسأل على نور قولتلها انها مع جوزها المفتري ده"

"وايه اللي جاب شاهندة كمان؟!" تعجب كريم

"معرفش.. كان معاها جوزها كمان!"

اخذ كريم يُفكر بحقد شديد في كل ما حدث ليلة البارحة وهو الآن لم يعد فقط يُفكر بنورسين بل ببدر الدين أيضاً!! ذلك الآمر الناهي الذي يتحكم بكل شيء، الذي يذعن له الجميع بكل آوامره، ماذا يظن نفسه؟! ماذا يعتقد أنه فاعل؟ أسينتصر عليه تلك المرة أيضاً؟ أسيأخذ منه تلك الفتاة.. حسناً.. إن لم يكن برضاه ليكن رغماً عن أنفه!!

"ماشي يا بدر الدين يا خولي.. مش هاسيبك تاخدها مني.. ولو بالعافية كمان.. مبقاش خلاص قدامي حل غير ده!! والذل اللي انت ذلتهوني هذلك زيه وأكتر كمان" تمتم متحدثاً ليبتسم بشر وغلٍ شديد وهو يُفكر بخطته القادمة!

--

"يااه يا شاهي، شايلة كل ده لوحدك ومحكتليش حاجة" تحدث حمزة لشاهندة

"اعمل ايه بس يا حمزة.. محبتش اضايقك بهمومي وأنت مشغول ومرهق والشغل واخد كل وقتك" تنهدت بحزن

"احنا بردو فيه ما بينا الكلام ده.." رفع يدها له في لطف ثم قبلها "اياكي تخبي عليا حاجة تاني!!" نظر لها بلوم وابتسم لها بهدوء

"أنا بحب البنت دي أوي، صعبان عليا بجد كل اللي حصلها، واللي عمله بدر ده معاها زمانه بهدلها أوي يا حمزة، أنا عارفة بدر أخويا كويس، لما بيتعصب مبيشوفش قدامه، حنيته دي بس لو تبان للناس أكتر كلهم هيفهموه زيي، لو يعرفوا اتعذب قد ايه هيعذروه، بس نور لسه صغيرة، لسه متعرفش من الدنيا حاجة، أنا خايفة عليها، وخايفة عليه، بجد بدر مينفعش يضيعها من ايديه"

"متقلقيش.. المتجوزين ياما بيحصل ما بينهم واكيد زمانهم اتصالحوا"

"اشمعنى احنا عمرنا ما حصل ما بينا كده؟!" نظرت له بأعين توسعت في استفسار

"عشان محدش في الدنيا زينا ولا حد في الدنيا هيحبك ويخاف على زعلك قدي" اقترب ليقبل مقدمة رأسها لتبتسم هي وتنظر له

"وأنا كمان عمري ما اقدر ازعلك ولا حد هيحبك قدي"

"كفاية بقا زعل، العيون الحلوة دي عايز اشوفها بتضحك على طول.."

"مش هرتاح غير لما اطمن على نور.. عايزة أتأكد انها وبدر كويسين!"

"طب يا ستي تحبي تطمني ازاي وأنا اعملك كل اللي نفسك فيه"

"مش عارفة.. بس يا حمزة لو بتحبني حاول تقرب من نور، اعتبرها بنتك أو أختك الصغيرة.. لازم نكون جنبها الفترة الجاية دي ولازم نطلعها من المود شوية، يا عيني البنت من موت أمها لقذارة جوزها وبعدين عصبية بدر اللي مبتنتهيش دي.. لازم فعلاً نفرحها ونبسطها شوية"

"عيوني.. آوامر يا حبيبة قلبي.. تعالي نفسحها الأجازة الجاية.." نظرت له شاهندة مضيقة عيناها

"تصدق فكرة!!" ابتسمت له "أنت والله بتقول كلام هايل" أمسكت بيده في فرحة

"فكرة ايه؟" تعجب حمزة وهز كتفاه في تعجب

"ايه رأيك بقا في اللي هقولك عليه ده...." آخذت شاهندة تقص على زوجها خطتها ليبتسم لها موافقاً على كل ما سمعه منها..

--

تنهد وهو ينظر بشاشة حاسوبه التي يراقبها عليها كل يوم، لأسبوع كامل لا تفعل شيئاً سوى القيام بالنظافة وبترتيب المنزل وبطهي الطعام هذا فقط ما تفعله..

هو لا يستطيع بعد التعامل مع فقدانها للذاكرة ذلك الذي يتابعه مع الأطباء، لا يدري كيف عليه أن يتحدث لها، بأي طريقة؟ بظنها أنها مستغلة لزوج أخته وتريد تدمير زواجهما أم أنها فتاة بريئة من كل ما يُفكر به وبكل ما عذبها به وهي بالفعل قد فقدت الذاكرة مثل ما يخبره الأطباء؟!

لا يرى ولا يلاحظ عليها أي شيء.. تذكر كيف ارتاب عندما دلفت مكتبه منذ يومان ولكنه لم يكن يعرف أنها رسامة بارعة، فهي قد توجهت لتحضر قلماً واوراق ليس إلا.. لقد رآى كيف ملئت العديد من الأوراق بالرسومات لجميع الأشخاص الذين يعرفهم وقد وجدت صورهم مُعلقة بمنزله كأخته شاهندة ووالدته نجوى والذين لم يعلم عنهم شيئاً ولكنه قد توقع أنه احد الأشخاص هي أمها وآخر هو أبيها الذي لا ترسمه إلا بطريقة واحدة وكأنها تتذكره فقط بتلك الملامح..

أما تلك الطريقة التي ترسمه بها تبدو مريعة!! يبدو مُخيفاً للغاية بلوحاتها تلك، بالرغم من أنها لم تستخدم سوى القلم الرصاص ولكنها تستطيع التعبير عن مشاعرها بنقلها خلال تلك الرسمات..

وأكثر ما تعجب له هو نقلها لصورة ليلى الموضوعة بجانب سريره حتى جعلتها تبدو أجمل مما رآها يوماً بحياته..

لا يستطيع إنكار تلك الطريقة التي تعامله بها، تبدو دائماً خائفة دائماً منه، يتذكر عندما أقترب منها بالمطبخ ليلة أمس ليضع صحنه بالمغسلة لترتجف وابتعدت للخلف على الفور لتهرب منه وكأنه سيأتي ليعذبها مجدداً، ثم تحولت وقتها نظراته لنظرات مبهمة تجاهها وتركها وغادر..هل يُمكن أنها تتدعي فقدان الذاكرة وحتى اقنعت الأطباء بذلك؟ ..

لقد توقف عن إلقاء الآوامر لها، أعاد إليها ملابسها، لم يعد يعذبها ولم يعد يقسوا عليها مثل السابق ولكن لابد وأنها لازالت غير مطمئنة له، بالطبع وكيف ستفعل!! هي حتى لا تتذكره، وحتى ولو تذكرت هو يعرف جيداً أنه قد بالغ كثيراً معها وتأثير ما فعله معها على الأقل كان سيسبب لها حالة نفسية لولا صغر سنها وبرائتها، أو ربما لخطة ما تخطط لها، أو يمكن أنها تعذبت من قبل ذلك.. لا يدري، لا يدري كيف تحملت هي كل ذلك دون أن تسوء حالتها أكثر؟! ربما فقدان الذاكرة كان رحمة من الله إليها بعد محاولة اغتصاب ذلك الحقير لها وبعد كل ما فعله هو بها!!

"ادخل.." صاح سامحاً للطارق بالدخول ليجدها رنا سكرتيرته التي قد عادت من اجازتهاالمرضية

"اسفة لو حضرتك مشغول بس Mrs. شاهندة محتاجة باسبور حضرتك وباسبور المدام عشان Update (تحديث) بيانات الموظفين وأسرهم.. أومأ لها وأعطاها جواز السفر الخاص به الذي أخرجه من درج مكتبه ثم دون أن يتمادى في الحديث مع رنا أعاد النظر لشاشة حاسوبه بتلهف..

"والمدام؟!"

"مالها.. هي كويسة اهى وكانت بتعمل الأكل من شوية.." اجاب بتلقائية ثم أومأ لشاشة حاسوبه بعفوية ليدرك للحظة ما أخبرها ليعقد حاجباه ثم نظر لها في قسوة ورسمية شديدة لتنظر له هي بإندهاش وخجل ليحمحم مستدعيا ملامح الجدية

"في البيت هابقى اجبهولك.. اتفضلي على مكتبك" أخبرها بلهجة لا تحتمل النقاش لتتوجه هي مسرعة للخارج وهي تتعجب مما سمعته منه فلم يكن هذا رئيسها أبداً لتبتسم في تعجب وهي تتمتم

"شكلنا اتغيرنا خالص.. يالا اهو اتبهدل كتير بردو لما مراته ماتت"

لا يدري كيف يتحدث هكذا أمام احدى موظفيه.. لا يعرف كيف قد أصبح يتابع تحركاتها البسيطة مثلاً عندما تتحرك بخفة بين أرجاء منزله لتعد الطعام أو لتنظفه، وعندما ترسم.. لا يُصدق أنه لم تعد تغيب عيناه عن حاسوبه إلا في أضيق الحدود.. حتى ولو كانت نائمة يظل يتابعها بعينيه إلي أن تستيقظ.. لعن داخل نفسه وهو لا يُصدق كيف أصبح يضيع وقته بأكمله عليها هي فقط ليزجر نفسه وحاول التركيز ليجرى مكالمة هاتفية

"هبعتلك اسم بالكامل.. عايزك تطلعلي باسبور ليها في خلال يومين أو تلاتة بالكتير.." تنهد ثم ارسل اسمها بالرسالة لمن حدثه منذ قليل ثم توجه مرة أخرى ليراقبها ثم خطر على باله أن يعود مبكراً للمنزل اليوم حتى يرى كيف ستكون ردة فعلتها عندما تراه؟..