-->

الفصل التاسع والأربعون - ظلام البدر - دجى الليل

 


الفصل التاسع والأربعون


بعد مرور خمس سنوات.. عام 2006..

نظر لتلك النائمة بجانبه، لا يُصدق أنه لا زال يعشقها كل تلك السنوات بنفس الطريقة، لم يتغير أي شيئا بينهما أبدا بل تصبح الحياة أجمل فقط بوجودها بجانبه، لطالما عرفت كيف تحتويه، منبع حنانها الذي لا ينفذ أبدا كان كفيلا بأن يجعله الرجل الذي هو عليه اليوم، عشقها الذي لم يختبر مثله جعله غارقا بأبحر من السعادة لم يكن ليتخيلها من قبل.. لم يقل عشقه لها ولو بمقدار ضئيل بالعكس يزداد يوما بعد يوم.. لقد كانت بجانبه دائما، بكل الصعاب وقفت بجانبه، لم تتركه ولو للحظة واحدة، كيف له أن يوفيها حقها؟ ولو عاش عُمرا فوق عمره لا يستطيع إلا أن يعشقها مجددا.. تلك المرأة كلما نظر لها لا يُصدق تلك السعادة التي يحياها، تشعره دائماً أنه يُحلق بالسماء السابعة ولا يريد أبدا الإبتعاد عنها ولو للحظة واحدة..

"صباح الخير.. كل سنة وأنت طيب يا حبيبي" تمتمت بنعاس ثم تفقدت ملامحه التي باتت محفورة بطيات كلا من عقلها وقلبها ليبتسم لها ثم قبلها على رأسها وهي تهنئه بقدوم العيد

"وأنتي طيبة يا حبيبتي.. كل سنة وأنتي معايا"

"ايه مش هنروح النهاردة نزورها؟" ابتسمت لما أخبرها به وتوسعت ابتسامته هو لعدم نسيانها ذلك الأمر أبدا ليومأ لها بالموافقة "طيب أنا هاصحي سيدرا وأكيد سليم زمانه صحي بس هاعملهم فطار.. أنت كمان قوم أجهز ومتتأخرش"

قبّل كف يدها في حنان مبتسما لها بينما نهضت هي وتوجهت بحيويتها المعهودة للحمام ليتابعها بثاقبتيه إلي أن أختفت بالحمام ثم شرد بكل ما حدث منذ خمس سنوات ليتنهد في راحة وأخذ يتذكر تلك الذكريات الأخيرة التي جمعتهما معا ولم يكن ليتحمل كل ما حدث له بذلك الوقت لولا وجود تلك الرائعة بجانبه ماذا كان بفاعل لو لم تمده بتلك القوة الهائلة؟..


❈-❈-❈

"ليلى!! أنتي.. أنتي عايشة كل ده.. أنا مش بحلم صح؟!" تحدث في صدمة وهو يتفقدها بثاقبتيه لتبتسم هي له في وهن وهي بالكاد تستطيع الوقوف

"ليلى أنتي كويسة؟!" صاح في لهفة ليقترب منها مُسرعا وهي يراها لا تستطيع الوقوف ومظهرها مريض للغاية فأسرع ليسندها بيديه

"خدني العربية يا بدر.. السواق مستنيني.. لازم أقولك على كل حاجة.. مبقاش فيه وقت خلاص" همست بصعوبة وهي تحاول أن تتماسك قدر الإمكان وكذلك تهاجم ذلك الشعور بفقدان وعيها ثم أشارت نحو السيارة بيدها ليجد نفسه يحملها وقد تمزق قلبه لرؤيتها بهذا الشكل ولكنه أيضا يكاد يجن من إدراكه أنها لا زالت حية..

دلفا السيارة سويا وبدر الدين لا يدري ما الذي يحدث لها وأخذ يتفحصها بأعين متألمة ومستفسرة عن حالتها بل ومستفسرة عن العديد من الأشياء التي لم يستطع التفوه بها..

"خدني في حضنك يا بدر.. يمكن تكون دي آخر مرة قبل ما أموت" همست بإحتياج شديد وهي على مشارف البُكاء ليسحق بدر الدين أسنانه ووجد نفسه بتلقائية يجذبها لصدره في رفق ويكاد يفقد عقله من كل ما يحدث حوله ثم شعر بالحزن لمحاولتها الفاشلة بإحاطة صدره بذراعها لتبادله العناق هي الأخرى ولكن سقط ساعدها ليأخذ يدها رافعاً اياها وثبتها بيده وكاد أن يبكي لأجلها ولكنه يريد أن يفهم ما الذي يحدث وما الذي حدث ولماذا توصلت هي لتلك الدرجة من الوهن الشديد؟!

"ليلى.. أنا هتجنن، أنتي ايه اللي بيحصلك؟ أنتي تعبانة كده ليه؟!" صاح بين أسنانه المُطبقة

"أنا.. أنا.. لما مشيت وروحت عند أختي في فرنسا مركبتش الطيارة اللي وقعت.. أنا كنت في اللي قبلها.. روحت وقعدت يومين وعملت فحوصات حمل واطمن اني لو نزلته مش هيبقا فيه خطر وكنت فعلا هنزل البيبي.. أنا مكنتش عايزة أزعلك.. بس.." تحدثت بمشقة ليشعر هو بالتآلم ولكنه يريد معرفة كل ما حدث فتريث حتى تستطيع إخباره بالمزيد

"اكتشفت إن عندي ورم.. لكن قالولي عادي الحمل معاه بس في خطورة.. وأنا مكنتش عارفة أعمل ايه.. أنا منزلتوش يا بدر.. مقدرتش.. استنيت لما ولدت سليم مع إن كان فيه خطر بس مقدرتش أفرط فيه.." نظر لها في صدمة وتوسعت عيناه وهو لا يُصدق تلك الكلمات التي وقعت على مسامعه

"كنت حاسة إنه يمكن تكون دي آخر حاجة تربطنا ببعض، مش عارفة ليه يومها من تسع سنين حسيت إن عمري ما هاشوفك تاني.. بس استنى اسمعني للآخر.. متظلمنيش أرجوك" انهمرت دموعها في وهن وهي تشعر بالآلام تفتك بجسدها

"أنا عارفة إنك عمرك ما كنت عايز أطفال.. بس أنا مقدرتش.. مقدرتش أموت حتة منك ومني.. مقدرتش أموت طفل احتمال يطلع شبهك وأحرم نفسي من إني أشوفه.. وأنا كنت حاسة إنها هترسى على موتي في الآخر.. عشان كده اخترت إني أخليه" بللت شفتيها بصعوبة ثم تابعت

"استنيت لما ولدت واطمنت عليه وبعد الولادة بشهرين عملت استئصال للورم.. بس كنت خايفة يرجع تاني.. كنت.. كنت عايزة أرجعلك وأنا كويسة.. مكنتش عايزاك تعاني وتتعب بسببي لما تشوفني مريضة.. فضلت مستنية سنة بعد الإستئصال واللي كنت خايفة منه حصل تاني.. أكتشفت ورم جديد.. فعشان أطمن أكتر عملت استئصال للرحم كله"

أجهشت بالبكاء ليشعر بدر الدين أنه كالمشلول ولا يدري أيلومها على عدم تواجدها معه أم يكره نفسه لعدم بحثه عنها وتصديق عائلتها بسهولة عندما أخبروه بموتها أم ماذا عليه أن يفعل وهو يتهشم قلبه بتلك الإرتجافات على صدره التي كادت أن تخلعه من مكانه

"الوجع بعدها كان وحش أوي يا بدر، أنا كنت حاسة إني مش هاعرف أكون كويسة تاني"

بكت ليجد عيناه تترقرق بالدموع حتى كونت غمامة لم يستطع الرؤية من خلالها ولم يخرجه من حالته تلك إلا وصول السيارة أمام المشفى فحملها متوجها للداخل بعد أن أخبره السائق بغرفتها وما إن وصل حتى تبعه طبيب وممرضتان ليساعدوه في وضعها بالسرير وآخذوا يتفقدون حالتها ومؤشراتها الحيوية وهو يشعر بالصدمة التامة من كل ما يحدث حوله خاصةً بعدما علم أنها قد غادرت المشفى على مسئوليتها حتى تأتي لتراه.

"استنيت بتاع تلت شهور لغاية ما بقيت كويسة، كنت وحشتني أوي يا بدر ونفسي أرجعلك وأحكيلك على كل اللي حصلي.. بس أنا كنت عايزة أتأكد إني لو رجعتلك مش هايحصلي حاجة تاني.. عملت فحوصات على جسمي كله.. طلعت مريضة سرطان ثدي!!" انهمرت دموعها ليبكي هو الآخر مما يسمعه فأكملت بصعوبة

"عملت استئصال على طول.. مردتش أدور على حلول كتيرة وقولت بعده هاعمل عملية تجميل وخلاص.. مكنتش قادرة ابعد عنك أكتر من كده وكنت عايزة أربي ابني زي أي أم طبيعية، اخدت كيماوي بعديها لمدة ست شهور عشان أقضي على أي حاجة ممكن تحصل" انهمرت المزيد من دموعها وهو جالس أمامها لا يدري ماذا عليه قوله وآخذ يحاول التحكم في صدمته ولكن دون جدوى

"لما خلصت كل حاجة بقيت مجنونة، عندي فوبيا من الأمراض، عملت فحص تاني عشان أكتشف.. إني.. إن عندي الخلايا السرطانية نشطة.. ممكن ينتشر في أي مكان في جسمي!!" توسعت عيناه وهو ينظر لها في صدمة ليتعالى بكاءها "مش عارفة ليه كل حاجة يا بدر كانت بتبعدني عنك.. زي ما يكون قدري معرفكش تاني" ازداد بكائها ليبكي هو أيضاً

"ربيت سليم وأنا مفهماه إني هموت.. ربيته وعرفته كل حاجة عنك.. مكنتش عايزة أقرب منك وأشوفك وأنت منهار بسببي.. أنا حبيتك يا بدر ولسه بحبك بس مقدرتش أشوفك موجوع بسببي عشان كده بعدت.. كان نفسي أشوفك مبسوط في حياتك ولما أتجوزت كنت ابتديت أطمن وكنت خلاص هاجيلك بس لما سافرت وسفرك طول كنت قلقانه ما اشوفكش قبل ما أموت.."

"ليلى متقوليش كده، أكيد فيه حل.. أنتي.. أنتي هتبقي كويسة.. استحالة تـ.."

"دورت يا بدر.. وحياتك عندي دورت" قاطعته بين بكائها لتقاطع هي تلك اللهفة وملامحه المصدومة "انتشر في جهازي الهضمي.. وكمان بقا عندي لوكيميا خلاص.. بس أنا محظوظة" ابتسمت في وهن وبصعوبة شديدة أستطاعت التحدث

"أنا شوفتك تاني قبل ما أموت.. قرب مني يا بدر واحضني.." توسلته ليهرع نحوها ليجلس بالقرب منها بعناية شديدة ليحتضنها

"سليم ده معجزة.. أنا كنت خايفة عليه يجراله حاجة.. بيحبك أوي يا بدر.. متسيبوش أرجوك.. خليه قدام عينيك عشان يفكرك بيا.. حتى لو هيتربى مع طنط نجوى وشاهي بس روحله وحاول تكون حنين عليه.. ممكن تبتدي تاخده من بكرة ومتخافش.. هو عاقل اوي وفاهم كل حاجة وهادي جداً مش زي باقي الأطفال"

وكأنما توقفت حواسه عن العمل وآخذ يشعر بالشلل التام وهو يدرك أنه قد أصبح لديه ابن بالتاسعة من عمره، لا يدري كيف سيتعامل معه، لا يدري كيف سيصبح أباً لذلك الطفل.. شعر بالآسى على حاله، وكذلك على حال ذاك الطفل الذي سيفقد أمه لا محالة وقدره أن والده لا يستطيع أن يكونمثل بقية الأباء..

"ليه يا ليلى مخلتنيش جنبك.. ليه عملتي كل ده من ورايا؟" همس متسائلاً لتفيض عيناه بالدمع المنهمر

"مكنتش عايزة أشوفك بتعاني.. كان نفسي أشوفك مبسوط.. مكنش ذنبك اللي حصلك زمان ولا ذنبك إنك تتحمل مرضي.. انت قاسيت كتير يا حبيبي.. على قد ما كنت بتعذب وأنا بعيد عنك على قد ما كان نفسي أشوفك مبسوط ومشوفاكش عايش في هم ونكد بسبب اللي أنا فيه"

لم يتوقف احدهما عن البكاء، لم يستطع تركها، يشعر بالخوف الشديد مما سمعه منها لم يعد يدري لماذا دائماً يقع في تلك الصراعات التي لا تنتهي؟ لماذا عليه أن يشعر بالخزي والمهانة الدائمتان وعدم مقدرته على عدم الشجاعة ليواجه مجريات الأمور بحياته؟

"أنا كنت بكلمك.. كنت بحكيلك على كل اللي حصلي.. كنت دايماً بحتاجك.. صورتك عمرها ما فارقتني.. ليه بس خبيتي عليا كل ده؟ كان زماننا مع بعض.. عارفة إني ندمت إني سيبتك تسافري وإني قولتلك نزليه.. لو كان رجع بيا الوقت مكنتش هفرط فيكي لحظة.. أنا حصلي حاجات كتيرة وأنتي بعيد" همس بحرقة باكياً

"احكيلي كل حاجة.. بس احكيلي الأول.. أنت مبسوط معاها؟" همست بين دموعها ليومأ هو

"عمري ما كنت مبسوط في حياتي قد ما اتبسطت معاها.. أنا آسف يا ليلى أنا حبيتك وكنت سعيد معاكي بس نوري حبها غيرني.. خلاني إنسان تاني" ابتسمت هي في وهن لتوصد عيناها على صدره

"احكيلي يا بدر كل حاجة.. احكيلي كل اللي كنت بتحكيهولي زمان وأنا مش جنبك"

"حاضر.. هاحكيلك"

--

شُل عقلها من كثرة التفكير، سيارته لم تغادر مرأب الشركة، ولكن لم يراه أحد.. لا يجيب على هاتفه، أين عساه قد ذهب؟ لقد أقتربت الساعة من الثانية صباحا.. لا يعرف أحد أين هو!!

سمعت مفتاحه بالباب فانطلقت كالطلقة نحوه وهي بأشد غضبها لتنظر له في انفعال وكادت أن تتحدث ولكن مظهره أرعبها، فهو لم يبدو منهاراً بتلك الطريقة من قبل إلا عندما أعترف لها ذلك اليوم بكل ما حدث له.

أقتربت منه وهي تتفحصه بزرقاويتيها المتستعتان خوفاً عليه لينظر هو لها في حُزن وإنكسار ثم احتضنها دون مقدمات فبادلته العناق وآخذت تُربت على ظهره في حنان وهي لا تريد أن تسأله وتركته حتى ابتعد قليلاً عنها ونظر لها بإحتياج طفل لأمه ولم يستطع لسانها الصمود أمام تلك النظرة ولا الصمت أكثر من ذلك.

"مالك يا حبيبي؟"

"أنا محتاجك اوي يا نوري.. مش عارف أعمل ايه.. أنا حاسس إني تايه" همس بإنكسار لتنظر هي له في قلق وتلك الإنحناءه بجسده جعلت خشيتها عليه تزداد

"أنا جنبك يا بدر.. هنلاقي حل لكل حاجة سوا.. متخفش.." حاولت الإبتسام له لتطمئنه ولكنه لم يستطع تحمل نظرة تلك الزرقاوتان أكثر من ذلك فهي تشتته أكثر فأقترب منها يقبلها ودموعه انهمرت رغما عنه لتشعر هي بها وكذلك شعرت بشفتيه المرتجفتان في خوف ولأول مرة يقبلها مثل تلك القبلة!

"عايزك تاخديني في حضنك يا نورسين.. أنا حاسس إن حياتي دايما هتفضل في خراب، حاسس إن عمري ما أقدر أكون بني آدم.. أنا خايف اوي"

"متخفش.. طول ما احنا ما بعض عمر ما هيحصل حاجة وحشة.." أحتضنته مجددا وتزايدت خفقات قلبها وقد أقتربت من فقدانها لعقلها فهي تريد معرفة ما الذي يدفعه لكل ما يُخبرها به فأزادت من قوة عناقها لتجده يرتجف باكيا

"ليلى عايشة يا نورسين!! أنا أب.. ليلى هتموت تاني.. أنا مش عارف أعمل ايه.. أنا مرعوب" همس لها بصعوبة وأنهمرت دموعه وهو لا يدري لماذا قدره أن يُرغم على كل ما يحدث له دون اختيار منه؟.

--

"ازيك يا بدر؟" ابتسم سليم وهو جالس بجانب بدر الدين ليندهش هو رافعاً حاجباه بينما استمعت نورسين لحديثهما وهي واقفة على مقربة منهما

"تمام" تمتم مجيبا وهو لا يعرف كيف عليه التحدث له وشعر بالخوف ليبتلع وحاول أن يتابع الحديث معه!! "ازيك أنت كمان؟"

"أنا كويس.. أنا بس ورايا حاجات كتيرة جدا.. بحضر الشنط بتاعتي عشان ماما قالتلي إني هازور تيتا نجوى، هي فعلا تيتا نجوى طيبة أوي؟ أنا عارف إنك بتحبها جدا"

"أيوة طيبة أوي وهتحبها أنت كمان يا سليم"

"بصلي كده" نهض ذلك الصغير ليقف أمامه وأخذ ينظر له ليعقد بدر الدين حاجباه في تعجب من ذلك الذي لم يكمل بعد العشرة أعوام ليلاحظ طوله الفارع بالنسبة لمن هم في عمره بل وكذلك وجهه الذي يُذكره بنفسه عندما كان في مثل عمره

"أنا شبهك أوي مش كده؟!" سأله ببراءة طفولية ولكن ذلك الطفل يتحدث وكأنه بالعشرينيات من عمره فأومأ له بدر الدين بالموافقة ليجده يمد يده مباغتاً اياه وأخذ يعبث بشعره

"أنا هاربي شعري زيك بالظبط.. شكلي أظن هيبقا حلو زيك" ابتسم سليم له ليجد بدر الدين ابتسامة ارتسمت على شفتيه ثم توقف وهو ينظر له وكأنما يتفقد شيئا جديدا

"استنى أنا جايبلك حاجة معايا" صاح مُخبرا اياه بحيوية ثم اختفى من أمامه ليتنهد بدر الدين في ضيق وهو الذي قد نسي تماما أن يُحضر له شيئا ولو حتى بسيطا ثم رآه يعود ليقف أمامه ثم مد يده له بصندوق ليتناوله منه وهو ينظر له بإستفسار

"ده فيه كل حاجة عني عشان تعرف تصاحبني بسرعة.. صوري وصوري أنا وماما وتيتا وجدو وأصحابي في المدرسة وكمان شهاداتي واشتراكي في النادي واللعب اللي أنا بحبها" ابتسم له ولم يصدق بدر الدين أن ليلى كانت جادة للغاية بشأن ذلك الطفل كما تذكر أيضا طريقة ليلى التي تحدثت له بها أول مرة ليرى الشبه بينهما في طريقة التعامل أما وجهه فكأنما رُسم على يد رسام بارع ليرسم صورة طبق الأصل منه

"فين بقا طنط نورسين عشان أعرفها.. ماما قالتلي أنها جت معاك النهاردة" ابتسم له ابتسامة شابهت ابتسامة ليلى وقبل أن يجيبه صاحت نورسين

"لا بقا طنط ايه كده تكبرني.. قولي يا نور" ابتسمت له وأقتربت لتقبل رأسه

"لأ أنا هقولك يا نوري.. أحلى مش كده؟" ابتسم لها لينظر بدر الدين ونورسين لبعضهما البعض بإندهاش شديد ثم نظرا لذلك الصغير الذي يسبق عمره بأعوام

"أنت تقولي بقا اللي نفسك فيه.. تعالى أنا جيبتلك بقا حاجات كتيرة يارب تعجبك" ابتسمت له ثم أمسكت بيده ليذهبا سويا ليتابعهما بدر الدين بعينيه ثم شاهدها وهي تقوم باحتضانه ليبتسم متنهداً من تلك الصغيرة التي تنجح بكل شيء بسهولة وسلاسة دون أن تشعره أبدا بالخوف.

--

"مامي أنا عايزة اروح لأدهم وأسما.. يالا بقا" صاحت سيدرا وهي عابسة وهي على مشارف البكاء فهي تعشق أولاد عمتها وتنتظر بفارغ الصبر أن تذهب لهما وكاد بدر الدين أن ينهيها عما تقوله ولكن سليم فرغ من قراءة الفاتحة لوالدته ووضع بعض الورود على قبرها وتوجه نحو سيدرا

"قوليلي بقا هنجبلهم ايه قبل ما نروح.." ابتسم لها سليم بينما أمسكت نورسين بيد بدر الدين وهي تنظر له نظرة بأن يدعهما وعليه فقط أن يشاهد كيف يتعامل معها ذلك الصبي الذكي للغاية الذي انخفض بجسده ليُصبح على مستوى قامتها

"مش مهم.. انا عايزة العب معاهم" ازداد عبوسها

"لأ ازاي.. مش طنط شاهي دايما بتجبلك حاجات حلوة معاها؟" أومأت له لتتساقط خصلاتها الحريرية التي شابهت خصلات نورسين ليرفعها سليم خلف احدى اذنيها

"طيب لازم نروح كلنا نجيبلهم حاجات عشان يبقوا مبسوطين زي ما بيبسطونا وكمان نجيب لزينة هدية معانا.. وليكي عندي بقا النهاردة مفاجأة.."

"مجافأة ايه؟!" اتسعت زرقاوتاها وهي تصيح بطفولية وهي إلي الآن لا تستطيع نطق مفاجأة بطريقة صحيحة

"لما تقوليها صح الأول أبقا أقولك.." أمسك بيدها لتتصنع هي العبوس "يالا بينا عشان منتأخرش.. أنا كمان تيتا وحشتني اوي" نظر لنورسين وبدر الدين ليصيح وهو يتقدمهما ممسكا بيد اخته الصغيرة "يالا يا بدر علشان منتأخرش" أخبره لتنظر له نورسين بعشق ثم تمتمت

"شوفت السيطرة.. شوفت بيعرف يتعامل معاها ازاي" ابتسمت له ليبادلها الإبتسامة ثم تنهد

"تربيتك.. بس مش هتعلميني بقا أتعامل معاها ازاي؟!" نظر لها بتوسل طفولي "عاجبك كده سليم واكل مني الجو.."

"فداه.. وسيبك منها.. اتعامل معايا أنا وبس مش مهم سيدرا خالص، سيبها لسليم هيعرف يتعامل معاها.."

"ده احنا بنغير بقا ولا ايه؟" غمز لها واتسعت ابتسامته

"أنا أغير منها.. ليه يعني.. ده أنا الأصل وهي التقليد.. يالا يالا نلحقهم" تصنعت العبوس بعد أن أخبرته بدلال ليضحك بدر الدين عندما تركته وتوجهت للخارج فهي لا زالت طفلة صغيرة وستظل طفلته الصغيرة دائما..


..يُتبع