-->

NEVER LET ME GO 3 (AFTER BURN) - الفصل العشرون الجزء الثاني


 

الفصل العشرون 
(الجزء الثاني)



الغفران طريقة أخرى لقول

إن أمرًا ما لم يحدث..

وأنا أرفض إعطاءك هذا الحق!!

لو كان عليّ جرّ ثقلَ أسوأ ما فعلتَ خلفي في كل مكان..

إذًا، عليكَ أيضًا!!

 

-فورتيسا لاتيفي-



 

وقف ماتيو في نهاية الطابق بنقطة تُمكنه من مراقبة فريدة التي أصرّت على العودة إلى منزلها بحُجة تبديل ملابسها وأخذ بعض الأغراض، متجاهلة موافقته من عدمها بعد رفضت أن يقوم لها بهذه المهمة.. تعجب حينما رآها تدس يدها بين الشجيرات الصغيرة الموضوعة أمام شقتها والتقطت منها مفتاح احتياطي طالما اعتادوا وضعه في أصيص الزرع، لتلتفت بَغتة على أصوات نباح كلب تأتي من الشقة المقابلة.. لثانية، نظرت فريدة للشقة بتردد، وبعدها تجاهلت هذا وعادت لشقتها مجددًا..

 

على الفور، تقدم ماتيو ليسبقها إلى الداخل ويتأكد من سلامة المكان، خاصة بعد محاولة الاغتيال الأخيرة وارتيابه من العودة لشقتها في مثل هذه الظروف، لكنه فوجئ بفريدة تصدّ الباب عنه وتمنعه من الولوج رافعه حاجبها بنظرة حادة:

-  إلى أين تظن نفسك ذاهب؟؟

 

لثانية، لم يفهم مقصدها وآثر تفسير الجملة على أنها سؤال وليس استنكار ليجيبها على مضضّ:

- لتأمين المكان والتـ...

 

 

لم يكمل بقية الجملة إلا ووجد الباب يُصفع بوجهه بفظاظة ودون انذار!!

 

 

أوصدت فريدة القفل الإضافي لتتأكد من أن المجرم الذي ينتظرها بالخارج ويسمى بـ(حارسها الشخصي) لن يتهور ويكسر الباب .. تفحصت الشقة من حولها، كانت مغطاة بطبقة جيدة من الأتربة نظرًا لفترة غيابها التي تجاوزت الشهر .. والآن، ماذا؟!.. هي لن تستطيع المكوث هنا بعدما جرى مع مراد، والذي بالمناسبة يقيم بالشقة المقابلة لها، وأسوأ ما في الأمر هو تحيز أهلها ضدها .. للمرة الثانية، تجد نفسها وحيدة ووالدتها تتخذ الصف الآخر، أما أخاها فكان صدمتها عن حق لدرجة أنها لا تمنح نفسها فرصة التعمق في تلك الصدمة كيلا لا يزداد بؤسها مكيالين .. للمفارقة، هذه المرة لم تتأثر في شيء ولم تُثار داخلها مشاعر الخذلان والأسى، بالعكس، لم تلتفت البتة للأمر ولم يحرك داخلها ذرة .. ما تشعر به عن حق، أنها ما عادت تملك مساحة نفسية شاغرة لهُرَاءَات الأسرة والعلاقات العائلية السخيفة وسوء الفهم الغير مناسب لأوانه والمجادلات والمخاصمات التافهة ولعبة:

 ”افعلي ما نريده وإلا لن تكوني مِنّا!!“

 

حقا اكتفت وتكوّنت لديها طبقة سميكة من البلادة والمناعة ضد هذا النوع من الحساسية .. مَن يريد نبذها أو الرحيل من حياتها فليرحل في صمت رجاءً ولا يُوجع دماغها، يكفيها لُعبتها التي جُبرت على الدخول فيها ومجبورة على انهاءها!!.. لذلك تحركت بوتيرة بطيئة صوب الحمام، ملئت حوضه ثم خلعت ملابسها، وبحذر شديد تركت الماء يغمرها حتى صدرها دون أن يلمس مكان أصابتها.

 

 

استرخت ملامحها نسبيًا، لكن عقلها.. عقلها أرعبها كثيرًا .. كان في سُبات مريب حتى عليها هي، تعرف، هذا السُبات لا يبشر بخير .. تعامله السلبي مع مجريات الأحداث كان به خللٍ ما .. ثمة فوضى تستشعر مناوشتها من بعيد، تمامًا  كالنار الموقدة تحت الرماد، لكن عقلها لا يتوقف عن تجاهلها وكبتها كلما تصاعدت للسطح .. عقلها لا ينفك يحافظ على فراغه .. لا ومضات من ماضيها، لا أفكار سوداوية كالمعتاد، لا طنين مزعج، كل ما هنالك فـراغ!! .. فراغ مُوحش تألفه .. فراغ الانكار والانفصال!!

 

 

هذا ليس جيد!!

همسٌ تحرك داخلها، ولم تكن بحاجة لسماعه لأنها تعلم ما تمر به .. عقلها يفعلها مجددًا، طريقته التي يعرفها في حمايتها وتجنيبها الألم .. مسألة وقت، وسيدوي الانفجار كالمعتاد، مُضاعف، وبأثر رجعي .. سيأتي ليُطالب بفاتورة كل ما حماها منه بَغتةً ودفعة واحدة، وليس هناك فترة سماح للدفع .. لذا، ولأنها موقنة من كل هذا قبل أن يحدث، لا بأس من أن تعيش اللحظة وتستمتع بالهدوء النسبي، على وعد أنها ستعطي الألم حقه بضمير حينما يحين وقته!!

 

 

بعد فترة، فرغت من حمامها واستعادت جزء من راحتها، أخرجت حقيبة كبيرة لتُعبئ فيها كل ما لها، ولكن قبل هذا عليها أن تفعل شيء ضروري .. رفعت سماعة الهاتف الأرضي بعد أن تعثر عليها إيجاد هاتفها ورجحت أنه قد ضاع في حادثة المطار لتطلب طعام جاهز .. حيث شعرت بالجوع يمزق معدتها بشراسه وشهية كبيرة للعديد من المأكولات لخصتها في ساندويتش (أمريكان تشيز برجر) تقليدي مع مكملات الوجبة من بطاطس مقلية وبيبسي .. كانت تفتقد تلك الأشياء بقوة وتشعر بالحرمان بعد ما عاناته مع ذلك المستبد على المركب طوال شهرٍ كامل .. لذلك، أجل، كان هذا ما تشتهيه في الوقت العصيب الذي تمر به، فقط حمام دافئ في بيتها ووجبة دسمة مُشبعة بالدهون والكولسترول تُصيبها بالتُخمة لتنام بعدها مطمئنة هانئة، كأي شخص يقضي يومه العادي .. وكأن همومها في الحياة قد تبخرت!!

 

 

ليوم.. فلتنسى همومها ليوم!! .. لن تذهب الهموم لمكان بالتأكيد، في أي وقت ستعود ستجدها في انظارها كما هي!!

 

 

حسنًا في الوقت الحالي يمكنها تحقيق الأمنية الأولى والثانية من حلمها ولا تطمع بالثالثة لأن في كل الأحوال لن يسعها المكوث هنا بعد الآن وذلك ليس له علاقة بصاحب الحُسن والجمال الذي يحتضر بالمستشفى بل لأن أمرها مع أسرتها بات محتومًا به أو بدونه!! .. تصيبها الغرابة كلما فكرت في علاقتها بالجميع فيما سبق، وكأنها شخص غير الشخص .. لا التفكير ولا المشاعر ولا حتى الاستجابة ظلت واحدة، لا شيء يربطها مطلقًا بنسختها قبيل سفرها، وقبيل زواجها، وبعد زواجها .. ثمة أشياء كثيرة تغيرت، وصار من المستعصي عليها مجاراة هذه التغيرات .. الأشياء التي كانت تزعجها، باتت لا تلاحظها قط، وكل ما أحبته واعتقدت في حتمية وجوده، لم يكن بالأساس له وجود!! .. خسرت في كل رهان دخلته واستأنست مذاق الهزيمة الكريه ولم تعد تؤذيها كالسابق .. لم تعد تتألم!! .. أكثر ما يشغلها حقًا؛ ماذا يسمون ذلك؟! .. تقدم أم تدهور في حالتها؟؟ .. نضج أم مرض؟؟ .. قوة اكتسبتها أم سلبية واستسلام؟؟

 

 

الحقيقة.. حتى الإجابة عن هذا السؤال لم تعد تشغلها!! .. فمِن فرط نضجها أو مرضها، فقدت شغفها في كل شيء .. حتى نفسيتها!! .. ليس فقط شغفها في علم النفس ومتعة البحث في خبايا النفس البشرية وحل تعقيداتها.. بل نفسيتها هي كذلك، لم تعد تشغلها!! .. بات الأمر بالنسبة لها أقرب لقطار ركبته بالخطأ، لا يتوقف بأي محطة، ويسير بسرعة البرق صوب وجهة مجهولة، سواء شاءت أم أبت سيصل لوجهته تلك، ولا يهم في أي محطة سينتهي بها المطاف، طالما لم تكن المحطة المنشودة!!.. فالرحلة من البداية كانت خاطئة!!

 

في السابق، كانت تقضي وقتًا طويل في التعرف على نفسها واستكشاف أفكارها ومعالجة منظومتها الداخلية أول بأول .. أما الآن، فصارت تتهرب منها وتختبئ خلف ميكانزمات عقلها كلما صادف واختلت بها .. وأكبر مثال، ما تفعله الآن، تنظر للمرآة ولا ترى نفسها .. ترى أعقاب امرأة نفخ 'أدهم' دخانها بتَباهٍ ودعس بقاياها أسفل قدمه حالما انتهى منها .. وترى أيضًا جروح جديدة، ستزيد لندوبها ندوب عما قريب، مما جعلها تلاحظ أنها منذ أن تلاقت طرقهم وهي لا تفعل شيء سوى إحصاء الندوب التي يخلفها لديها كل يوم!!

 

 

❈-❈-❈


 

 

في غضون نصف ساعة، انتهت فريدة من جمع أشياءها، وتفرغت لارتداء ملابسها التي كانت أسوأ ما تمر به، من أول حمالة صدرها التي لم تتفق مع اصابة كتفها لتجعلها تدور حول نفسها قليلًا قبل أن ينتهي بها الأمر بارتداء واحدة رياضية مطاطية وقد بدأت تفكر جديًا في التخلي عن فكرة ارتداءها نهائيًا، بعدما اعتادت على هذا الوضع المريح طول مكوثها على المركب!! .. نظرت لشعرها، لا تعرف من أين تبدأ معركتها معه، خاصة وهي بذراع عاجزة وأصابه قرب محيط الرقبة، باختصار كان معركة خاسرة، لتقرر أنها ستُسلم أمره لمُصفف شعر وهي في طريقها للمشفى.. والآن، حان الوقت للاستمتاع بوجبتها العزيزة!!

 

 

توجهت للباب ما إن دق لتُخمن أنه عامل التوصيل، حملت حقيبتها وأشياءها قبل أن تفتحه وتجد ماتيو يقف في مقابلتها يقطع الطريق على العامل وملامح وجهه مقتضبه وقبل أن يسألها، تجاهلته تمامًا بينما ترمي عليه حقيبتها آمره بغطرسه:

- حاسبه، واحمل هذه لنذهب!!

 

 

كزّ ماتيو على أسنانه ليحتوي السخونة التي اعترت جسده من فوران غضبه.. طوال حياته المهنية مع أصعب الشخصيات لم يتعرض لمثل هذه الإهانة، ومن امرأة أيضًا!! .. ذَكـرّ نفسه أن هذا عمله، وأنها زوجة رب عمله، وتمر بظروف نفسية معينة ولا يجب أن يأخذها على محمل الجدّ، وإلا انتهى به المطاف نهاية كارثية ليست على قائمة أمنياته!!

 

 

أثناء ذلك، فُتح الباب المقابل بينما تعبره فريدة لتُحبس أنفاسها وهي تعد نفسها لمواجهة جديدة صعبة، ولكنها كانت مواجهة من نوعًا آخر..!!

 

- ماما فريدة .. هل أتيتِ لتأخذيني؟؟

 

دون أن تعي انكبت على ركبتيها تحتضن الصغيرة التي تناديها بـ(ماما) لتُوجع قلبها وتُثقل أعباءها.. في ذلك الحُضن الصغير، فجأة اندثرت كل ألامها وشعرت بضآلة ما تمر لتُقايضه بهذا النوع من الحُب الذي لا يُعوض .. فجأة دموعها المتحجرة منذ أن استفاقت اندفعت كالسيل.. جلدت نفسها بقسوة على قرارها المندفع بشأن الانفصال عن مراد دون أن تضع صغيرته في الحُسبان!! .. كيف بحق الجحيم اختارت الرحيل واستطاعت أن تتخلى عن الشيء الوحيد الذي مكنها من التنفس .. طاقة الحب النقي والبراءة، واحتياج الطفلة لها الذي أشعل بداخلها غريزة الأمومة التي كانت يومًا إحدى نزاعتها مع أدهم، واختبرتها لأول مره مع تلك الصغيرة..!!

 

سنتين تكبر في رعايتها وتُشبع بها جوعها وحرمانها لعاطفة الأمومة طوال حياتها، كانت علاجها الأقوى من أي علاج .. تُعيدها للحياة من جديد، وتُوجد بداخلها مشاعر ظنت أنها أُعدِمَت.. تُعطيها الأمل في أنه يمكنها العيش بعدما حدث، يمكنها أن تشعر، أن تحب، وتكون سوية في يومٍ ما!! .. أجل، في خضم كل مآسيها، وجدت أمانها والحب الذي طالما توحشته على مدار حياتها داخل ذلك الحضن الهش للصغيرة التي منذ أن رأتها وأصبحت ابنتها .. أنّى لأم أن تنسى ابنتها؟! .. أي نوع من الأمهات هي؟! .. يبدو أنها كما وصموها دومًا.. أنانية، لا ترى إلا نفسها في أي شيء!!

 

 

أو ربما لأنها في الحقيقة ليست أمها من الأساس..!!

 

 

وذلك، شطرها من الداخل للأشلاء .. لا يمكن لهذا أن يكون حقيقي .. انفصالها عن مراد يعني أنها لن ترى تلك الصغيرة مرة أخرى ثانيةً، وهذا لا يُحتمل، لقد تعلقت روحها بها، لو كان هناك حقًا شيء جعلها تقف بعد كل ما جرى فهو وجود تلك الصغيرة بحياتها .. بل هي تعني حياتها ذاتها .. الآن فقط أدركت ما فقدته بعدما خمد بركانها!!

 

 

”اللعنة عليك أدهم!!“

 

ها هو مجددًا، عاد ليسلبها كل ما تعلقت به روحها لتصبح مجرّدة تمامًا في النهاية كما سبق وأخبرها..:

”عندما سأنتهي منكِ..

لن يكون لكِ حياةً من بعدي!!“

 

 

جاءت لتُخرج الكلمات، بكت!! .. جاهدت لبلع حجرة صخرية حالت مرور الكلمات بحلقها إلا وتفجرت عيناها بمخزون نحيب تكَوّن مع أيام فاجعتها الكبرى على كل عزيز فارقته دون أن يمهلها الوقت حق العزاء أو الحداد .. بكت بنحيب مسموع أرعب الصغيرة التي بحضنها، بكت في أحضانها هي وكأنها كل ما كانت تحتاجه .. أرادت أن تتوقف، كانت فاقدة السيطرة على دموعها وبالكاد استطاعت أن تُبعد نفسها الطفلة التي ارتعبت وانخرطت في البكاء هي الأخرى، دون أن تعي ما يحدث، وكأنها تشاطرها حزنها!! .. لتنشغل فريدة بتهدئتها بدلًا من إيقاف عيونها التي تسيل بغزارة، وكأنه جرحًا مميت ينزف حتى يتصفى الجسد!!

 

 

ابتسامتها كانت كبيرة ومركبة بشكل متناقض مع وجهها الباكي، ومع ذلك حاولت إقناع الصغيرة بأن لا شيء يحدث:

- هاي بيبي، اهدئي، لا داعي للبكاء! .. انظري، إني بخير وهنا من أجلك!!

-  لكنكِ تبكين.. هل يدك تؤلمك؟؟ لمّ تربطينها؟؟

- كلا، أخبرتك إني على ما يرام، الأمر أنني..

 

 

سكتت، وتعذر عليها تفسير إصابة ذراعها، لتُغيّر الحديث متهربةً:

-  الأمر أنني اشتقت لكِ كثيرًا وحزنت لفراقك..

-  وانا أيضًا .. بابا أخبرني أنكِ كنتِ مسافرة.. !!

-  وها قد عدت!!..

- أجل أجل، وستنامين معي كالسابق!!

 

رددت الطفلة بحماس، لتغتم فريدة شاعره بانفطار قلبها وتيار من الأفكار الهوجاء يعبث بعقلها، وأنه لابد لها العدول عن قرارها الغبي، فليس ذلك أبدًا ما أرادته أبدًا .. فعندما ارتبطت بمراد وقررت الزواج منه، وهي لم تنتهي بعد من توابع فَوضتْها، كان شعورها الجارف بالانتماء لتلك الطفلة أكبر دافع، الحاجة لتكوين بيت يملأه الأمان والدفيء، لتستعيد نفسها من جديد مع طفلة رائعة وزوج سويّ، وعائلة مترابطة تدعمها .. فقط حياة هادئة بسيطة هي كل ما طَمِحَتْ له، تُقسم أن بحياتها لم تَتُقْ لشيءٍ قدر هذا!! .. كل المشاعر التي انكرتها سابقًا هاجت داخلها الآن وبعنف، هاجت لتُذكرها بأحلامها الجميلة وتصفعها بواقعها المُريع، حيث لا مكان للأحلام الجميلة!!

 

وكذلك قالها أدهم يومًا!!

 

 

تآكلت جدران صدرها وضاقت بينما كل ما تستشعره الآن هو الوحشة المقبضة بدلًا عن كل ما تمنته .. يبدو أنه قد كُتب عليها أن يرافقها ذلك النوع من الفقد ما بقيت.. الفقد الذي عانت منه منذ أن كانت طفلة، طفلة كتلك الطفلة التي أمامها، تعاني من إهمال والدتها لها!! .. لذلك، دون أن تدري أرادت تعويضها، واعطائها كل ما تحتاجه وافتقدته هي سابقًا .. أن تكون لها الأم التي تمنت الحصول عليها في صغرها، كان من الصعب عليها أن تتركها تعاني ما عانت وتقف تشاهد نسخة أخرى منها تتكون أمام عينها لتصبح في النهاية فريسة لمسخ كـأدهم!! .. ولكن على ما يبدو أنها قد اخفقت تلك الغاية، وبدلًا من أن تمنع مشكلة من التكوّن، تسببت في حدوثها، وربما أسوأ منها .. وإلا ماذا توقعت أن يحدث للطفلة بعد أن تتركها؟!

 

 

انتشلها من أفكارها، كلبها 'بلوتو' الذي قفز عليها من اللامكان، لتبتهج فريدة رافعه إياه بذراع واحد لتحتضنه بقوة، فقد كان من فصيلة (الجريفون) اللطيفة والمسالمة إلى حد الجُبن، والتي تتميز بقوائمها القصيرة وجسدها المكتنز وفروها الأبيض الغزير..

 

علقت 'فريدة' الصغيرة على المشهد باغتباط متحمس:

-  انظري، حتى 'بلوتو' اشتاق لكِ!! .. لمّ لا ندخل؟؟ جدتي ستفرح كثيرًا .. لا أحد سوانا هنا، عمتي و 'ديدا' ليسوا هنا، حتي أبي خرج باكرًا ولم يَعد حتى الآن .. هيا تعالي!!

 

تلجلجت فريدة ولم تفهم لما الصغيرة بمفردها مع جدتها وأرادت أن تستفسر عن ذلك:

-  حبيبتي.. انتظري وأفهميني .. أيـن ذهبت عمـ..

-  ماذا تفعلين هنا؟!

 

تصلب جسدها بفزع على صوت مراد الغاضب الذي ظهر من العدم ولم تشعر بخروجه من المصعد، ليتقدم ماتيو الذي كان يقف كمشاهد من بعيد كل هذا الوقت ولم يغادر ولم يصدر حركة حتى نست أمره، والآن تراه يتحرك تجاه وهيئته لا تبشر بخير.. لتنتفض فريدة متصدره طريقه قبل أن يفتعل شيء إجرامي تجاه مراد كأفعال سيده..

 

 كلب سيده!!

 

خاطبته بلهجة جافة آمره:

- توقف عِندك، وانتظرني بالأسفل!!

 

لم يجيب فقط حدجها بحده هي ومن خلفها مراد .. لم يكن يفهم العربية، لكنه بارع في قراءة تعابير الوجه والجسد والتي ترجمت له نية مراد السيئة تجاه فريدة، إضافة لما يعرفه سابقًا عن كواليس تلك العلاقة .. ولذلك، اندفع ماتيو نحوه محاولًا تخطي فريدة التي صرخت به في انفعال جمّ مكرره أمرها:

- إياكِ أن تتخطى حدودك معي، هل تفهم؟! .. وإلا لن يعجبك تصرفي معك ومع الذي شَغَّـلَك!! .. إلى الأسفل، حالًا!!

 

 

شملها من موضعه بنظرات مبهمة توقعت بعدها أي شيء إلا أن يستجيب ويتحرك من أمامها بسكون شديد وملامح مصمته كأن شيئًا لم يحدث .. ما إن اختفى ماتيو داخل المصعد، هتف مراد باستهجان:

- ما الأمر، فريدة؟؟ .. هل أتيتِ بأحد بَلْطجِيَّة مُطلَّقك المحترم ليتعدى عليّ نيابةً عنه ريثما يفوق؟!

 

 

أُلجمت وما أمكنها الرد، فقد كسرتها النظرة التي بزغت بعينه ورأت من خلالها كل ما تجلى بذاكرتها عن أحداث تلك الليلة التي تعدى فيها أدهم عليه، وكان الوضيع ماتيو يقف كذلك يُحَجمها ككلب أمين .. لذلك، لم تستطع الدفاع عن نفسها أو تبرير أي شيء، ليُنقذها من نظراته القاسية صوت ابنته التي أمسكت ببنطاله لتجذب انتباهه لها:

- بابا .. ماما 'فريدة'، قد عادت للتو من السفر!!

- عودي للداخل، 'فيري'!!

 

أردف مراد ببرود و حدة لتتلهف ابنته وتعترض أكثر:

- بابا..

-  قلت ادخلي!!

 

عندما خرج انفعاله بشكل عنيف تجاه الصغيرة، أوقفته فريدة رغم استغرابها لتصرفه وحتى لو كان على عداء معها، لمَّ يوجه هذا العداء لابنته؟!

 

-  مراد، ما هذا؟!

هتفت فريدة باستنكار .. لتحتد نبرة مراد أكثر:

-  لا تتدخلي!! .. 'فيري'، سمعتِ ماذا قلت؟؟

 

 

نهرها بنظرات متقرفه قبل أن يكرر كلامه للصغيرة التي امتلأت عيناها بالدموع بينما تقوس شفتيها بحزن .. لتهتاج مشاعر فريدة وتشعر بسوء لما جرت له الأحداث، خاصة أن الصغيرة أصبحت جزءًا من هذا .. انخفضت من جديد على مقربة منها لتحدثها بلين ولطف كي تستوعب ما يحدث:

-  ادخلي حبيبتي الآن، واسمعي كلام بابا..

- وأنتِ؟؟ .. لن تذهبي صحيح؟؟ .. بابا أرجوك لا تجعلها تذهب!!

 

 

خاطبتها من جديد بنبرة باكية هزت كيانه من الداخل، لكن ما عاد بالإمكان شيء ليفعل، صدقًا لقد حاول كثيرًا تجنيبها تلك اللحظة لكن فريدة كان لها خططها الخاصة .. تنهد بلوع وهو يرمقها بحنق بينما تستطرد محدثه ابنتها:

-  سأعود لكِ حبيبتي مرة أخرى.. أعدك!! .. اعتني بـ 'بلوتو' من أجلي!!

 

-  أنا مَن اعتنيت به طوال سفرك، عمتي و'ديدا' لم يفعلوا له شيء وذهبوا وتركوني أنا وهو وحدنا .. لن أكلمك إذا تركينا أنتِ أيضًا مثلهم!!

 

 

أجابتها الصغيرة دون أن تنظر لها وهي تلعب في شعر الكلب بينما توقفت عن البكاء لثواني وفي نهاية جملتها نظرت لها نظرة لائمة معاتبة تعقد فيها كلا حاجبيها بغيظ .. لتهز فريدة رأسها بالنفي بينما الدموع عادت لتُسكب على وجهها:

- كلا كلا .. لا أستطيع فعل هذا، ساعـ..

 

- حبيبتي.. خالتك 'فريدة'، جاءت لتخبرك أنها لن تأتي مرة أخرى لأنها ستسافر مجددًا!! .. والآن، ودعيها واعطيها كلبها حالًا!!

 

هنا، ولم يستطع مراد أن يبقى ساكنًا، لن يسمح لها بأن تلعب بمشاعر طفلته أكثر وبتبجح تعدها بشيء لن تفعله لتكسر قلبها دون رحمة .. لذلك كان حازمًا فيما قاله!!

 

- مراد..

 

حاولت فريدة الاعتراض وهي تنهض ببطيء ممسكة بيد الصغيرة .. كان يحدقها بنظرة صلبة يتحدها بها أن تنكر ما قاله، ليتجاهلها تمامًا متابعًا أمره لابنته التي اصابتها الربكة من صوته العالي ولم تستوعب بعد ما يحدث:

- سمعتني، 'فيري'؟!

 

اجهشت الطفلة بالبكاء واستجابت لأمره وجسدها الصغير يرتعش من الحزن والغضب، لم يحدث من قبل أن عاملها أحد بهذه الطريقة، فكم صدمها فعله كثيرًا!! .. وهذا ما شعرت به فريدة لتنفعل في وجهه معنفة إياه:

-  بربك، ماذا الذي فعلته؟!

 

أجابها ببرود ونظرات قاسية:

-  أصحح خطأ .. اسمعيني جيدًا، لن أسمح لكِ أبدّا أن تؤذي مشاعر ابنتي كما سبق وفعلتِ معي!! .. أن تعديها بالحب والحنان ولا تجد منكِ سوى النبذ والجفاء!! .. والآن، خذي كلبك، ولا تقربي من ابنتي مطلقًا!!

 

ومع جملته كاد يغلق الباب إلا أن حالت فريدة بذراعها السليمة دون ذلك بينما تدفع بالكلب الذي كان يرتجف تلك اللحظة من الاصوات العالية ناحيته مخاطبة إياه برجاء:

- دعه معها رجاءً .. إنها متعلقة به!!

 

رمقها باشمئزاز وقست نبرته كثيرًا لدرجة ما أمكنها التعرف عليه:

- لن تعرفي مصلحة ابنتي أكثر مني، لا نريد منكِ شيئًا يذكرنا بكِ وبما فعلتيه .. فلتغربي عن حياتنا وكفى، وسأتكفل بتعويض ابنتي لأنني جعلتها تتعشم بأشياء لن تكون لها!!

 

وهذه المرة اغلق الباب بالفعل ولم تمنعه!!

 

بهدوء لم تعرف من أين أتت به، حملت كلبها الذي اغتبط كثيرًا بقُربها وظل يلعق وجهها، وبتباطؤ هبطت درجات السلم ولم تستعمل المصعد، فقد كانت في حاجة لدقيقة كي تستوعب ما حدث للتو .. لم تكن مدهوشة من ردة فعل مراد، فربما كان ذلك بديهيًا بعد ما حدث، الأمر كله أنها ليست مستعدة لهذه المواجهة الآن، خاصة في حضور الصغيرة القريبة من قلبها..

 

 

لكنه حدث!!

وانتهى بالمناسبة وإن كان سيء!!..

والآن، لتلتفت لحياتها فلازال أمامها الكثير من المواجهات التي بانتظارها!!

 

ما إن لمحها ماتيو تدلف من مدخل العقار حتى تحرك ليُغطي حمايتها ويفتح لها السيارة بالخلف، لتُبادر فريدة بدفع كلبها نحوه ليحمله عنها ويضعه بجانبها بالمقعد الخلفي..

 

 

كان يرتدي نظرات شمسية مع ذلك اقسمت فريدة أنه كان يزجرها بعين حمراء وأسنان متلاحمة بينما يتلقف منها الكلب .. لم تهتم كثيرًا، فكل ما تفعله كان متعمد بالأساس، فليفتح فمه معها إذا استطاع ذلك!!

 

فور أن استقل مقعده بالأمام، حتى خاطبها بلهجة شديدة الرسمية:

- لن يُسمح باصطحاب الكلب في المستشفى!!

- ومَن قال أننا سنذهب إلى المستشفى؟؟

 

تعجبت بأقصى درجات البرود بينما تُمسد عنق الكلب وتتفاعل معه وتلاطفه بإيماءات وجهية تنضح بالحب كادت تُصيب ماتيو بذبحة صدرية وقد وصل أقصى درجاته من الاستفزاز ليسألها دون استباق:

-  وأين تنوين الذهاب؟؟

 

 لم تجيب .. ظلت تداعب كلبها وتسأله عن أحواله بلطف شديد متجاهل ماتيو عن عمد .. ليناديها بنبرة محتدة:

-  سيدتي..!!

 

هنا فقط، تركت فريدة الكلب ورفعت رأسها متصنعة عدم الانتباه:

-  معذرةً؟؟

- كنت أسألك أين سنذهب؟؟

 

علمت فريدة أنه كان محنك وأذكى من أن يقع بسهولة في فخ الاستفزاز الذي تتعمده .. فقد كان واضحًا له ما تحاول فعله منذ البداية، وما لا تعرفه أن أمثاله من ذوي الدم البارد أبعد ما يكون عن هذا القدر من السذاجة .. لذا أحبط محاولتها حينما حدثها بأدب وتحفظ اكتفت به فريدة كمكسب صغيرة، فمن الجيد أنه بعرف حجمه معها ولا يتخطاه، وبهذا الشأن قد أحسن أدهم اختيار خادمه عن حق!! .. خادم من الطراز القديم، لذا لن تتوانى أبدًا عن استغلال هذا!!

 

تشدقت وكأنها تتكرم عليه بالإجابة:

- سنتوجه لصالون تجميل أولًا ثم سننطلق إلى أي مكان يمكنني المكوث به هذه الفترة .. كانت المستشفى فكرة غبية  في ظل هذه الظروف؛ لذا سنذهب إلى أي مكان عدا الفندق..!!

-  أي فندق؟؟

 

تجاهل كل حديثها وسألها باقتضاب عن آخر جزئية لتحدجه فريدة من خلال المرآه بنظرة بالغة السُميّة:

-  أنت تعرف أي فندق أقصد!! .. والآن ناولني طعامي!!

 


-❈-❈

 

 

همهمت سارة ترجف بأجفانها ويغمرها شعورها، وكأنها نامت ألف سنة، ليس فقط رأسها هو الثقيل بل جسدها أيضًا، متيبس ويصعب عليها رفع إصبع .. تأوهت بخفوت وبعض من ضوء الغرفة يتسلل من بين أجفانها ليوقظها، ومن ثم بدأت تدرك هاديات المكان .. مزيج من الطلاء الكريمي والسماوي مريح للعين، وأثاث قليل متناثر في غرفة واسعة زاد من وسعها رخام الأرضية الفاتح..

 

 

انتفضت من مكانها حينما أدركت الكارثة، وآخر الأحداث راحت تتدفق داخل عقلها بغزارة .. لقد انتهت إن كان ما وَعته قد صار!!

 

همت بالنهوض لتنتبه بأنها لاتزال بملابسها السابقة، أصبها دوار واختل توازنها وهي تفارق الفراش، لتتعثر وتسقط بالأرض بينما تحاول الاستناد على أي شيء، لكن مجددًا، ولقلة الأثاث بالغرفة، قابلت الأرض بوجهها .. ورغم توجعها بصوتٍ عالي، لم يمنعها ذلك من ملاحظة أن تلك الغرفة ليست كالتي دخلت قبل تخديرها!!

 

 

- عَلَى مَهْلِكَ.. انتظري!!

رفعت رأسها ببطيء لترى شخص مألوف يقترب منها وينحني ليساعدها في النهوض، ومن فرط الراحة التي تدفقت داخلها دفعة واحدة لتُميت كل مخاوفها، ظنت أنها تتوهم رؤية 'كمال'!!

 

 

من ثواني خالت أنها هالكة، والآن..!! .. حمدت ربها بسرها كثيرًا بينما يُعيدها 'كمال' إلى الفراش مجددًا ويتفحص إذا كان هناك أي إصابات بها:

- هل هناك شيء يؤلمك؟؟

 

 

هزت رأسها نافية قبل أن تبتلع ريقها المتحجر بينما تتأمل ملامحه القلقة:

-  ماذا حدث؟؟ .. آخر ما أتذكره أن...

 

 

وتكسرت حروفها وشعرت برجفها داخلها من الاعتراف بما حصل لها لتُفاجئ بيد كمال تربت على كتفها مطمئنًا:

- لم يُصِبكِ أي أذى، اطمئني!!

 

لانت ملاحها نوعًا قبل أن تهتف بلوع:

- وابنتي..؟؟

-  نائمة بالغرفة المجاورة..

 

اجابها مجددًا لتعود لها أنفاسها، وتريح رأسها على الوسادة غارقة بكل ما جرى .. ماذا كان ليحدث لو لم تستنجد بـ كمال وتستشيره لخبرته بالقانون ولأنه الشخص الوحيد الذي كان متاحًا أمامها بعد انشغال اخيها؟! .. بزغت الدموع بعينها فور أن تذكرت أنه قد أنبئها بتلك الخطة اللعينة، وأن ذلك الحقير لم يمنحها العديد من الحلول، إما أن تذهب لها ويفضحها بتهمة زنا مُلفقة لينتقم منها ويجبرها على أيٍ مما يريده، وإما أن تُبلغ الشرطة واحتمال كبير لن ترى ابنتها مطلقًا!! .. حينها من فرط سذاجتها رفضت التصديق، بل وكانت معارضة لفكرة تتبعه لها من بعيد كحل وحيد لتأخذ ابنتها بالقوة وتحسبًا لأية خديعة.. ولولا إصرار كمال عليها وتهديده لها بأنها إذا رفضت سيخبر الشرطة وأخيها، لكانت تبكي الآن بدل الدموع دماء ندمًا!!

 

ابتلعت سارة صدمتها قائلة بصوتٍ مرتجف:

- كنت محق .. لا أصدق حتى أنه أقدم على فعل هذا بي!!

- واستحق جزاءه!! .. لا تقلقي حول ذلك لن تريه مجددًا..

 

أجابها ببساطة ممتزجة بنبرة واثقة، ليجتذب فضولها:

- ماذا حدث؟؟

 

برزانة شديدة التقط أوراق كانت على الطاولة المجاورة لفراشها وسلمها إياها:

-  لقد وقع هذه الوثيقة قبل سفره .. تنازل عن وصاية 'داليدا' لكِ بشكلٍ تام وتعهد بعدم الاقتراب مجددًا!!

-  لم أفهم .. لمَ عساه يفعل هذا؟؟

 

ابدت سارة استغرابها وهي تعتدل في الفراش وقد جذبها ما حدث بين ليلة وضحها، فحسب معرفتها بـ 'ياسر'، ليس من السهل جعله يوقع على شيءٍ كذلك، خاصة بعد اليأس الذي تملكه وجعله يقدم على ما فعله .. والاكثر غرابة أنه قد سافر أيضًا!!

 

سيقتلها فضولها إن لم تعرف ما حدث؟!

 

 

نهض كمال ليردف ببساطة بينما يخرج من الغرفة ويعود حاملًا صينية صغيرة تحمي وجبة خفيفة:

- لأنه لا يريد أن يقضي بقية حياته فالسجن بتهمة خطف وتحريض على الاغتصاب!!

 

وبذوقية شديدة سلمها الطعام لتستقبله منه وقد زادت حيرتها أكثر لتسأله وهي تتناول كوب الماء بلهفة:

- وكيف حدث ذلك؟! .. أقصد كيف اثبت التهمة


 تبسم لها ابتسامته الهادية ذاتها والتي تُخفي خلفها أعظم فيديو إباحي صنعه ليلة أمس لذلك العاهر ياسر بينما يتم اغتصابه من القذر الذي حرّضه على اغتصاب سارة!! .. تلك الليلة، كان ينتظر بزاوية بعيدة يراقب العقار الذي صعدته سارة، ودب القلق بجسده ما إن شاهد ياسر يهبط بعد دقائق قليلة من صعودها .. أمر سيارة اخرى بتتبعه وتكفل هو بالصعود ليلحق المصيبة التي على وشك الوقوع!! .. وبالفعل، ما حسبه وجده، لذلك لم يدخر جهدًا في تلقين ذلك الحثالة درسًا سيمحيه من الوجود نهائيًا وجعله يوقع بمحض إرادته على اوراق التنازل عن الوصاية ليسافر بعدها حيث لا عوده، فقط لان لا يرغب في أن يكون اشهر شخص في مصر بوصمة لن تنتهي إلا بانتحاره.. ولولا فقط وجود الطفلة في الأمر، لما اكتفى كمال بذلك أبدًا!!  

 

دار كل ذلك في ذهنه بينما يراقب حيرتها اللطيفة ثم تمتم لها بنبرة ذات مغزى:

- تلك أسرار المهنة!!

 

ضحك بمزاح معها ليقطع عليها أية اسئلة أخرى مكتفيًا بجملة مقتضبة:

- لا تهتمي بتلك الصغائر، الأهم الآن أنكِ قد تخلصتِ من ذلك الندل للأبد!!

 

تخبطت سارة من ردة فعله وعرفت أن وراء الحديث حديث لكنها أجلت ذلك لما بعد فالشيء الهام بالفعل هو تخلصها من ذلك الكابوس:

- أجل، لا أعرف كيف أوفيك شكرك!!

 

 

توسعت ابتسامته بصدق هذه المرة وهز كتفيه بعدم اهتمام:

- لستِ في حاجة لذلك وليس بيننا شيئًا من هذا القبيل!!

 

اومئت له بامتنان لكن أضاف مستكملًا:

- لكن إذا اصررتِ، ثمة طريقة لذلك..

 

هتفت سارة على الفور:

-  ماذا .. أخبرني، أنا مستعدة!!

 

قضم جنب شفته وهو يراقب ملامحها الملائكية البسيطة وجمالها الناعم قبل أن يردف بجدية شديدة:

- واحدة بيتزا من التي كنتُ أتناولها عندكم ويخبرني مراد أنها من صنعك ستكون كافية!!

 

فتحت سارة فمها بطريقة كوميدية لثانية قبل أن تضحك بعفوية:

- أتمزح؟! .. هل تعرف لمّ كان يطعمك مراد الوغد منها كلما أتيت؟؟

 

ضيق كمال عينه بتساؤل قبل أن تقهقه بقوة قائلة كلماتها بصعوبة من فرط الضحك:

- لأن لا أحد كان يأكلها لدينا .. حتى البنات الصغار يقولون عليها كرة عجين..!!

 

غرق في رنين ضحكاتها التي تنبض بالحياة ولا تعطيها عمر أكبر من عمر طفلتها ولأول مرة يسأل نفسه كيف لم ينتبه لها من قبلها؟! .. غمغم ببحة مشبعة بالافتنان:

- حسنًا، كرة العجين تلك كانت أطعم ما تذوقت!!

 


❈-❈-❈


 

بتلك الساعة الباكرة من الصباح، جلست فريدة على طاولة منزوية بإحدى المطاعم  التابعة للمشفى، تقبض أصابعها على كوب قهوة مُرة، كسابق عهدها .. عينيها شارده نوعًا ما بينما تراقب الحديقة الأمامية من خلف النافذة المجاورة، وبانعكاس الزجاج، ترى ظل ماتيو الذي لا يفارقها في الخلفية .. كانت تتعجب من كونه لا يتعب ولا يمل من مرافقتها ومراقبتها على مدار اليوم، ولا ينبث بكلمة واحدة متذمرة مهما عملت على استفزازه .. بالعكس، دائمًا كان يقتلها بمحافظته على هدوءه، وكأنه يَعدّ مهامه جيدًا، والتي لا تتضمن التجاوز عليها مهما فعلت!! .. وللحق، هذا أعطاها مساحة جيدة لتفريغ شحنة الغضب التي كانت تحملها كلما لمحته بالجوار .. تذكرت ما حدث قبل خمسة أيام عندما اصطحبها لشقة خاصة بناءً على طلبها، ولم يجرؤ على التغابي عليها أكثر من هذا أو أن يوصلها للفندق الخاص بأدهم، والذي تحمل ذكريات تَسُرّ القلب لدرجة أنها لا تريد تذكرها!!

 

لا تنكر أنه فاجئها حينما تحرك لتلك الشقة بإيماءة بسيطة، والتي بالمناسبة تُجزم بأنها واحدة ضمن العديد من الأماكن التابعة لأدهم بمصر؛ لأنه لم يأخذ الكثير من الوقت في تدبيرها، فقط الوقت الذي استغرقته في صالون التجميل تصفف شعرها..  إضافة إلى كون الشقة كانت مجهزة بكافة الوسائل الأمنية .. لا يهم، طالما سيعفيها هذا من الاحتكاك بعائلة أدهم، والاعلام المحيط بهم كالذباب!!

 

 

تلك العائلة الملكية الكريمة التي بدى جميع أفرادها، حتى أصغرهم، متحفز للاشتباك معها وكأنها قاتلة ابنهم، وهي لم تكن في مزاج رائق لهذا بكل صراحة!! .. لذلك تحاشت أية صراعات معهم واعتكفت في مكان بعيدًا عنهم، لتقضي نهارها طوال الأيام السابقة بالقرب من المشفى، تتابع على حالة أدهم من الطبيب المشرف مباشرةً، وفي الليل تعود للشقة تريح رأسها مع كلبها الصغير.. ولا شيء جديد بالأمر سوى جرحها الذي تماثل للشفاء، وفي غضون أيام قليلة ستنزع الغرز المزعجة أخيرًا..

 

أجل، لا شيء جديد وتلك هي المشكلة!!

  

 

تشددت أصابعها على الكوب لتُخفي الشيء الذي يحاول الصعود من خلف ملامحها الهادئة واستكانتها وملابسها البيضاء الرياضية .. كل ذلك لم يكن يُوحي أبدًا بالأحداث المضطربة التي مرت بها الفترة السابقة، خاصة الأيام الخمسة الأخيرة .. واليوم بالتحديد!! .. فاليوم من المقرر نقل أدهم في طيارة مُجهزة بعد عدم تحسن حالته، رغم أمهر الأطباء الذين استدعاهم والده من الخارج خصيصًا .. الحقيقة أن حالته لم تتحسن، وكذلك لم تسوء؛ مما جعل والده يهرع لتجهيز نقله للخارج  وإيجاد متبرع مناسب تحسبًا للأسوأ، والذي لم تشك قط في أنهم سيغلبون في تدبيره قبل وصول أدهم لهناك!!

 

ارتشفت من كوبها لتطرد البخار الطفيف للقهوة الساخنة من بين شفتيها، محاولة تجاهل الرسالة التي وصلتها ما إن فتحت حساب التواصل الخاص بها، والتي تحوي جُمل مقتضبة يخبرها أخيها من خلالها بكل ما توقعت أن يقوله، وعن كونها قد خيبت آملهم، وبعدما فعلته مع مراد لم تعد هناك صلة قرابة تربطها بهم، ولتكمل حياتها مع المجرم الذي فضلته علي عليهم بعيدًا عنهم!!

 

 

ولذهولها هي من نفسها، استقبلت كل هذا ببرود شديد عكس الانهيار الذي توقعته .. الأمر كله، أنها باتت لا تعرف ما تشعر به حقًا، فمنذ أيام كانت مشاعرها باردة واستجابتها بليدة، رغم هذا توقعت أن تبدأ حالتها في الانحدار مع مرور الوقت، لكن ليس بهذه السرعة!! .. فما عَجلّ من ذلك هو مجيء 'مريم'، التي أفجعها مصاب أدهم ولم تتكمن من عدم رؤيته!! .. عمت الفوضى داخلها بمجيئها، ثمة شيء يخص تلك المرأة حمل لها كل ألمها بجرعة مُضاعفة، رؤيتها آذتها كثيرًا، خامرها شعور بحضور شخص سبق وكان شاهدًا على عُريها، وتكفي نظرة واحدة بعينه لترى ذلك!!

 

 

دار حوار طويل كان من جانب واحد فقط، جانب مريم!! ... لم تقاطعها أبدًا، ولم تبدي أي ردة فعل أمام انهيارها في البكاء طالبة العفو منها لأنها لم تتمكن من فعل شيءٍ لها .. كانت هادئة رغم صدمتها حينما عرفت بِـردة فعلها من أدهم بعد ما حدث .. حكت لها بعض الكواليس الخفية عن تلك اللعبة القذرة التي حِيكت ضدها، متضمنه بعض الأسماء التي قد ماتت بذاكرتها، وعن محاولة قتلها بالمشفى، حتى تعرض أدهم لأزمة صحية كادت تُودي بحياته بعدما اكتشف الحقيقة .. وانغمست في الحديث عن حالته تلك الفترة وما بعدها، ولم تنسى أن تستشهد ببعض صعوبات طفولته التي سبق وعرفتها بالكامل منه هو شخصيًا، مع ذلك سمعت فريدة منها للنهاية .. ومع تلك النهاية، كانت الدموع تغرق وجهها .. لا تعرف السبب، ولا يسألها أحد عن السبب، فقط هكذا، تشققت طبقة الجليد التي كانت تكسو مشاعرها لتنفجر كبركان غاشم!!

 

 

تمامًا كحالتها الآن!!

 

 

لم تدري بنفسها متى بدأت البكاء، ولا لمّ؟! .. تلك الأيام صارت تبكي فجأةً دون سابق إنذار، وبشكل غير قابل للسيطرة!! .. فقط تبكي بنشيج حاد، دون أن تحدد حتى ما يُبكيها، ودون أن تعرف علاما تُعلن الحِداد؟؟ .. في كل مرة تنحدر لهذا السؤال، ولا تجد سوى 'نفسها'!! .. أنها تُنعي نفسها، وتبكي علاما أصابها، وما اضطرت للخوض به، وما ستضطر لاحقًا لتحمله!! .. وبالأخص، إذا لم ينجُ أدهم!!

 

 

منذ اللحظة التي اخترقت الرصاصة صدره بدلًا عنها، وقد كانت متيقنة من أن أمثاله لا يصابون بأي ضرر، وليس بالشيء الهين سقوطهم، لكن مع ظهور بوادر مؤشراته الحيوية التي لا تتحسن، بدأت تتزعزع تلك القناعة!!.. راح عقلها يفكر ماذا ستفعل في حال حدث الأسوأ؟! .. لم تستغرق كثيرًا ولم تمضي المزيد في التفكير بهذا السيناريو لأنه أمر بديهي بالنسبة لها!! .. كان بديهيًا لدرجة مروعه لأنها سبق واختبرته بنفسها من قبل!! .. لذا، وجدت نفسها تصاب بحالة هلع لمجرد تصور ما ستؤول إليه الأحوار .. كل الأحوار بدايةً من حالها، ووصولًا لأبعد قريب لها!!

 

 

طالما كانت علاقتهما تحمل التناقض في طياتها، منذ البداية وحتى تلك اللحظة .. وبغض النظر عن كونه مُسبب في الخطر الذي يَحُفّ بها، لكنه بالوقت ذات كارت الأمان الخاص بها!!

 

 

ولأول مرة يعتريها الشعور المريع ذاته الذي أبت الاعتراف به ولو أمام نفسها..

 

 

أدهم بتلك اللحظة كان أمانها!!

 

 

وتلك الفكرة أحرقت روحها بالمعنى الحرفي للكلمة.. أن تعود لسابق عهدها، وتُنسج داخلها المشاعر المقيتة ذاتها، والتي تسبب بما هي عليه الآن!!.. فطالما حاصرتها كنقطة ضعف مميتة، كبداية لهلاكها ونهاية لأحلامها الوردية!!

 

 

لكن أكثر ما أزعجها هو فشلها في تحديد ما الذي يحضّضها على تحمل كل ذلك؟! .. لما لا تترك كل ما يؤذيها وتهرب لبعيد، حيث الأمان والاستقرار الذي تلتمسه؟!

 

 

الحقيقة، أن تلك هي معضلتها؛ المكان الذي يحوي البساطة والاستقرار، الحياة الهادئة والسكينة، تلك الأشياء لم تعد تناسبها البتة!! .. هذا ما ثبت لها بالنهاية وما وجدته كإجابة لسؤالها.. بات وكأنها عرفت ما كان ينقصها السنوات التي قضتها من دون أدهم؛ لقد اعتادت حياتها على هذا المنوال الخطير!! .. الأمر كله، أنها ألفت حياتها المفتقدة لكل شكل من أشكال السلام والهدوء، حتى أنه حينما توفر لها ما تفتقده عادت طواعية وفتشت عن كل ما هو سيء ويؤلمها!!

 

 

تلك هي النقطة، لقد اعتادت الألم؛ لذلك بيئة محفوفة برائحة الموت صارت تلائمها تمامًا!!

 

 

وعليه، كان طبيعيًا أن تفشل في تكوين حياة سوية مع أي شخص، لأنها كانت لتظل دائمًا تبحث عن المتاعب وما يُوجع قلبها!!

 

 

نتيجة كتلك، وجدتها مثيرة للسخرية، حتى أن وجهها الباكي تضاربت تعابيره الحزينة بأخرى ضاحكة، مما جعلها تطمئن على سلامتها العقلية!! .. يبدو أن كل من الدكتور هشام ومراد كانوا على حق حينما وصفوها بأنها مصابة بمتلازمة "ستوكهولم"!!

 

 

سحبت أحد المحارم الورقية وانشغلت بإيقاف الدموع التي انكبت من عينيها دون رادع.. تلك الأيام صارت تنتابها نوبات بكاء مفاجئة وغير قابلة للسيطرة تستنزف كاملة طاقتها، وكانت على وعيٍ تام بكافة الأسباب .. لذلك بهدوء راحت تمسح وجهها حابسه انفاسها قدر الامكان كيلا تلفت الأنظار حولها في المكان، والأهم، ألا تلفت أنظار ذلك الذي يقف كالصنم في الخلفية!! .. لكن يبدو أن أوان ذلك قد فات، فحينما فتحت رأسها وجدت شخصًا ما يقف أمام طاولتها بتهذيب ويسألها عن حالها!!

 

 

فور أن انقشعت غمامة الدموع من عينها تعرفت عليه، كان الطبيب المشرف على حالة أدهم والذي بدى أنه ينتهز أي فرصة لتبادل أي حديثٍ معها، خاصة بعد ما انتشر من شائعات عن هوسها بأدهم وذلك الوشم بصدره الذي لم يبق شخص بالمدينة لم يعرف عنه، كانت تعاني عن حق من الهمهمات الدائمة والتغامز الدائر خفيةً كلما مرت بالجوار، وصدقًا كان ذلك الطبيب أكثر هؤلاء الأوغاد فضولًا حول الأمر .. زفرت أنفاس ساخنة حاملة نفسها على محادثتها، ففي النهاية كانت مستفيدة من عدم تضامنه سريًا مع رغبات عائلة الشاذلي!!

 

- صباح الخير، دكتور .. تفضل!!

 

اغتصبت فريدة ابتسامة سمجة وهي ترحب به ليتنحنح قائلًا وهو يجلس:

- أتمنى ألا أكون قد أزعجتك ولكني رأيتك من بعيد تبكين وحدك، وما أمكنني منع نفسي من القدوم لأخبرك بأنني بدأت أحسد السيد أدهم لأن هناك امرأة بهذا الجمال تبكي لأجله!!

 

 

تيبست ملامح فريدة بدهشة من جرأته فالحديث معها وأرادت بشدة صب كامل بؤسها فوق رأسه، لكنها في النهاية اكتفت بابتسامة باهتة يصحبها التقزز وتغاضت عما قاله صوب هدفها من تحمله:

- قُل لي، متى من المفترض أن يسافر أدهم، أعني هل بدأوا في إعداده أم..؟؟

- آوه .. أنتِ لا تعرفين؟!

 

رفع الطبيب حاجبه بتعجب لينقبض صدر فريدة، رطبت شفتيها بلسانها لتقاوم الجفاف الذي اعتراها:

- ماذا؟! .. هل سافر دون أن أعلم؟؟

 

ازددت عقدة حاجبيه أكثر من جهلها بما حدث ليردف:

- كلا .. لم ولن يسافر!!.. أنتِ لا تعرفين بالفعل إذًا!! .. لقد تحسنت حالته جزئيًا وأظهر استجابة تعافي ليلة أمس.. يبدو أن العلاج الجديد الذي جرّبه الطبيب الانجليزي قد أتى بثماره أخيرًا!! .. تهانيَّ بالتعافي!!

 

شعرت بتذبذب في إدراكها لتتأكد من أكثر ما شغلها:

- تعني أنه أفاق؟؟

- ليس تمامًا .. تعالي معي، من المفترض أن أمُرّ عليه بعد ساعة ولكن لا بأس من أن نفعلها الآن .. ليس بعد أن رأيت اللهفة بعينك!!

 

غمزها بمرح مُلمحًا مرة أخرى عن شغفها بأدهم بينما ينهض مستبقًا إياها، وبالخلف كانت خطواتها شبه بطيئة تمامًا كإدراكها وهي تجاهد لإخفاء صدمتها .. لمّ لم يتكرم أحد ويخبرها؟! .. فهي تمكث لوقتٍ متأخر بالمشفى وليلة أمس بالتحديد ما أمكنها النوم بتاتًا لتأتي قبل بداية اليوم!! .. وهنا تلاقت عينها مع ماتيو الذي كان يسألها عن وجهتهما، لكنها فقط أوغرت له نظرة متوعدة قبل أن تتدارك وصولها سريعًا لغرفة أدهم .. كانت شاكرة لعدم وجود مريم أو أيٍ من عائلته يحوم بالجوار في تلك الساعة .. لازال بالعناية المركزة كآخر مرة رأته بها، كل ما اختلف أن صدره ولأول صار مغطى .. وبالرغم من بشرته التي تلونت بالشحوب الذي ينُمّ عن ضعفه الشديد، إلا أن ذلك لم يبدد من الشعور بالرهبة الذي يخامرها كلما كانت في حضرته!!

 

- يمكنكِ الدخول!!

 

التفتت للطبيب بنظرة شاردة، ودون أن تُبدي استجابة تبعته إلى غرفة التعقيم مع إحدى الممرضات قبل الدخول، وطوال ذلك لم تكن منتبهه لما تفعله بسبب ضياعها في زحام أفكارها .. في غمرة خوفها، نعم، لازلت تخشاه كثيرًا كما فالسابق، حتى وهو على حافة الموت.. ما تركه داخلها جعلها تخشاه لدرجة تجنبها لرؤيته، ولو من بعيد طوال الأيام السابقة، بحُجة أنها تتحاشى الاحتكاك بأسرته، لكن بقرارتها كانت تعلم أن السبب هو خوفها منه، ومن ذلك الشعور الذي امتزج بخوفها وسبق وأربك كيانها أول مرة..!!

 

 

والآن، ها هي تدخل له واضعه قناع لمنع العدوى نظرًا لضعف مناعته بالوقت الحالي، وفي داخلها، كانت ترقب التناقض المقيت ذاته يتحرك.. تمزع مميت وتصدع في قناعتها لا يمكن تجاهله، كخصمان يحتكمان أمام عقلها، الأول تم تدنيسه ببشاعة، والثاني يحمل كل البراهين على براءته!!.. هذا بالتحديد ما راوضها، شعور ضحية من قوة افحام وبراعة دفاع الجاني، أضحت هي شاهدة على براءته عن اقتناع، شاهدة على نفسها وإدانتها وحدها!!

 

 

أجل، ذلك ما عليه الأمر!! .. ما كان يُميت أنفاسها الآن هو الموقف الذي تركها به، سواء خطط لهذا أم لا، إلا أن كل ما فعله ترك أثرًا داخلها صارت مهمتها كل يوم أن تكافح لتمحوه!! .. وبالأخص، اسمها القابع بصدره صحبة رصاصة مسممة كانت بالأساس من نصيبها، فسواء شاءت أم لا، أعادها ذلك للحظة سقوط 'بن' وهو يحمي جسدها بليلة أمطرت فيها السماء رصاصًا!!

 

آلمها، آلمها كثيرًا ما فعله وحقيقة أنه وقف بوجه الموت دفاعًا عن حياتها .. رغمًا حقدها تهاوى أمام حقيقة موته بسببها .. كانت تتمنى سماع موته وتخشى ذلك أكثر!!.. الحقيقة أن ذلك أشد ما كرهت، ولو كان هناك سبب لبرودها الفترة السابقة وتجاهلها لما يحدثها، فذلك لأن عقلها كان يواصل إنكار أنها قد تتعرض لنفس الشعور المؤذي مجددًا، أن يموت شخصًا آخر بسببها .. حقًا لقد أخذت كفايتها من حمل أوزار مَن ماتوا بسببها، حتى لو كان أدهم الذي سبق وجرّب فيها الموت من قبل!! .. الحقيقة، أنه ذبحها بسكين الدَيّن، فباتت حُجتها ضعيفة ضده، كان نصلًا حادًا يدحض أي كراهية عالقة .. لكنه أبدًا لم يُمحيها!!

 

ولن يُمحيها!!

 

 

الأمر أشبه بالأرواح المعلقة.. تظل دائمًا تطوف حبيسه بين هنا وهناك، لا هي بقادرة على العودة لما كانت عليه في الحياة .. ولا هي تنال راحة الأموات الأبدية!!

 

 

تصلب جسدها وهي تشعر بأصابع دافئة تربت على ظهرها بحميمية زائدة، وبسبب غشية الدموع التي تفاجأت مجددًا بها تعثر عليها معرفة الشخص حتى تحدث:

- ألم يخبرك أحد أنه ممنوع البكاء في العناية المركزة؟!

 

تبًا

 

لعنت داخلها وهي تجد الطبيب اللزج ذاته، والذي بدى قد انتهى للتو من تفقده لحالة أدهم أثناء شرودها!! .. رفعت عينها لها لتجده يبحلق بها بنظرة يتصاعد منها القلوب وبحركة مباغتة كانت أصابعه تمسح عنها رذاذات الدموع:

- هل أخبرتك من قبل أنني تمنيت بشدة لو كنت محل السيد أدهم الآن وتلك الدموع تُذرف من أجلي؟؟

 

وقبل أن تتبدل ملامحها أو تفترق شفتيها لمهاجمته، جاء الرد من خلفهما من خلال صوت خشن يصدر نَخِيرًا في مخارجه بث الفزع في كليهما:

-  انا سأحقق أمنتيك وأجعلك ترقد محلي!!