-->

الفصل الثالث والعشرون - نعيمي وجحيمها

  

الفصل الثالث والعشرون

 

على مكتبه بداخل الشركة التي تولى إدراتها خلفًا لرئيسه الغائب كان يمارس نشاطه اليومي في العمل الدئوب بكل همة وجدية كعادته حتى تفاجأ بالأتصال على هاتفه ، ضيق عينيه قليلًا وهو ينظر للرقم الغريب ، قبل أن يجيب وقد بدأ يخمن هوية المتصل من الرقم المميز :

- الوو....... مين معايا ؟

- الوو ياكارم دا أنا ولا يكونش كمان نسيت صوتي؟

استغرب قليلًا من نبرتها الحادة ثم تدارك يرد بدلوماسية كعادته :

- ازاي الكلام دا يافندم وهل يخفى القمر؟ اهلًا بيكِ ياميري هانم .

- ياأهلًا .

قالتها بعنجهية وتابعت .

- بقولك ايه انا عايزة اسألك دلوقت حالًا وتجاوبني على طول، جاسر فين ؟

أجابها على الفور بنبرة عادية وكأنها كان على استعداد تام لها :

- جاسر باشا ياهانم سافر بلاروسيا يوقع عقد الشراكة لمصنعه الجديد.

صمتت قليلًا ثم سألته بتصميم :

- إنت متأكد من كلامك دا ياكارم ؟ عشان عارف لو كنت بتكدب هاتشوف اللي يحصلك بجد ، وافتكر كويس ان منصب والدي يمكني اتأكد بمتهى السهولة من المطار ، ان كان سافر ولا دي لعبة.

رد بهدوئه المعتاد:

- طبعًا متأكد ياهانم ، هو انا أجرؤ برضوا للكدب عليكِ ، وعلى العموم هو سافر بالطيارة الخاصة بوالده ، يعني مسافرش بالمطار

استمع قليلًا لصوت انفاسها الحانقة قبل أن تقول:

- ماشي ياكارم سيبنا من جاسر دلوقتِ ، انا كنت عايزة أسألك بقى على البنت السكرتيرة بتاعته دي كمان ، هي مش قاعدة على مكتبها ليه تراعي مصالح جاسر في غيابه؟

أجابها عن سؤالها الاَخر أيضًا بحنكة قائلًا :

- تقصدي زهرة السكرتيرة ؟ البنت حصل معاها ظرف طارق ياهانم واضطرت تاخد أجازة كام يوم، ما انتِ عارفة نظام الشركات في المجموعة، معندناش تعسف ولا تضيق على الموظفين.

--

انهت المكالمة لترمي الهاتف بطول ذراعها على التخت أمامها قبل أن تلتف للناحية الأخرى وتجلس مقابل صديقتها بجوار الشرفة ، تتناول سيجارة من العلبة وتشعلها بالقداحة قبل أن ترميها هي الأخرى على المنضدة بعصبية

قالت مرفت والتي كانت تراقب صامتة:

- شكله هو كمان ماريحكيش .

نفثت ميري دخانً كثيفًا قبل أن ترد عليها :

- قال نفس الكلام اللي قالوا عامر ، بس برضوا انا مش مطمنة وحاسة ان فيه حاجة .

سألتها مرفت :

- قالك ايه طيب عن البنت السكرتيرة ؟

أجابتها ميري بتهكم :

- بيقولي قال ان حصل عندها ظرف طارق، وقال ايه الشركة بتاعتهم شركة محترمة مابتضيقش على الموظفين ولا تتعسف معاهم .

مطت مرفت بشفتيها ولم تعقب فهتفت عليها ميريهان :

- سكتي ليه ياانتِ كمان ؟ ماتقولي ايه رأيك في الكلام اللي اتقال ده؟

ردت مرفت بلهجة هادئة :

- يعني عايزاني اقولك ايه يعني؟ مش يمكن يكون كلامه صح والبنت فعلًا عندها ظرف طارق.

- في نفس الوقت اللي مسافر فيه جاسر؟

قالت ميري بتشكك فردت مرفت بمكر :

- حد عارف بقى يمكن صدفة

صاحت الأخرى بانفعال :

- هي ايه اللي صدفة يابت انتِ ؟ هو انت عايزة تحرقي دمي بكلامك وبعدها تقولي يمكن ومش يمكن .

ردت مرفت حانقة :

- الله ياميري ، هي دي جازاتي يعني ان بقولك على

اللي بشوفه عشان تاخدي بالك وتحرسي .

هتفت ميري بعدم سيطرة:

- احرس فين ولا اَخد بالي من إيه ؟ هو مديني فرصة لأي حاجة ، جاسر بايع واتوقع منه أي فعل .

--

بداخل سيارته والتي كانت تقطع المدينة الساحلية كان يتحدث في الهاتف مع والده :

- يعني هي اتصلت بيك النهاردة وسألتك؟ طب وانت قولتلها إيه بقى؟

أجابه عامر عبر الهاتف:

- ايوة ياجاسر زي مابقولك كدة يابني وحمد لله أن والدتك مكانتش موجودة وإلا ماكنتش هاخلص من تحقيقها معايا دي كمان، على العموم انا رديت عليها وقولت انك مسافر بس بصراحة انا استغربت قوي .

رد جاسر بابتسامة ساخرة :

- وانت استغربت من ايه بقى ياوالدي ؟ على السرعة ولا ان الهانم افتكرت ان ليها جوز ؟

وصله صوت أبيه القلق :

- من الاتنين ياجاسر ، واضح كدة انها متابعة وليها عيون في الشركة ودي نفسها حاجة تقلق .

رد جاسر باستخفاف:

- لا ياوالدي ماتقلقش انا عارف مين اللي متابع معاها أساسًا، وعلى العموم انا كنت عامل حسابي .

- عامل حسابك! طيب ياسيدي ربنا يهنيك بعروستك ، إلا قولي هي فين صحيح عشان ابارك لها بنفسي؟

تزينت زواية فمه بابتسامة سعيدة وهو يلتف لها ليعطيها الهاتف فوجدها غفت بجواره في الكنبة الخلفية للسيارة ، هدهدها بصوت خفيض :

- زهرة يازهرة .

انتفضت مستفيقة تردد له :

- ايوة جاسر معلش خدتني نومة بس انا بصراحة مش متعودة على السهر.

رد بابتسامة مستترة وعيناه انتقلت نحو السائق وحارسه الشخصي في الأمام بحرج :

- خلي بالك من كلامك يازهرة وفوقي كويس عشان تكلمي والدي

- بتقول والدك ؟!

اردفت بها وهي تتناول الهاتف بعد أن أومأ لها برأسه ، فخرج صوتها برهبة :

- الوو .... عامر بيه؟

وصلها صوت ضحكة كبيرة من الرجل مرددًا:

- بيه ايه بس يازهرة ماخلاص بقى؟ الف مبروك يابنتي .

شعرت بالدفء في صوت الرجل الذي جعلها تكمل المكالمة معه بارتياح

--

بعد قليل

توقفت السيارة أمام مبنى رائع بتصميمه المميز والذي لفت نظرها من غرابته ، فالجزء الأمامي والذي بدا كالسور كان مبني من الحجارة والجزء الاَخر ظهر أمامها وهي تدلف معه للداخل بشكلٍ هندسي كالمثلثات، كانت كالتائهة وهو تخطو معه ويدها الصغيرة تضمها كفه الكبيرة نحو مدخل المبنى وأقدامها تدب في الأسفل على الأرض المرتصفة بأحجارٍ دقيقة وصغيرة انتبهت على مسبح عملاق وحوله عدة شمسيات تبدوا وكأنها صنعت من سعف النخل ام شئ اَخر يشبهه بالإضافة الى الطولات البلاستيكة والمقاعد ، دارت رأسها لتسأله بحيرة :

- هو انتوا عاملين هنا حوض سباحة والبحر قدامكم على طول .

التفت رأسها اليها بابتسامة رائعة قائلًا بتفكه:

- عشان لما نزهق من البحر نغطس في البسين ولو زهقنا من البسين نروح للبحر ، ايه رأيك بقى مش لعبة حلوة ؟

ختم جملته بغمزة بوجنته أربكتها ثم تمتمت بداخلها :

- ناس فاضية .

حينما ولجت للداخل افتغر فاهاها وتوسعت عيناها بانبهار على الرغم من بساطة الاثاث الا أنه كان رائع مع الأشكال الغريبة في الديكور، عكس منزله بالقاهرة الذي يتميز بالفخامة والكلاسكية بشكل عصري ، انتابها الخوف من هذا العالم الغريب عنها والتي لم تطمح ولا حتى حلمت في القرب منهم ، لتجد نفسها الاَن بينهم ولا تعلم ان كانت ستظل بموقعها هذا أم أنها سترتد بالخلف للعودة لبيئتها التي أتت منها، شهقت فجأة حينما وجدته يرفعها بغتة بذراعٍ واحدة سائلًا :

- سرحانة في إيه؟

هتفت بجزع :

- ايه اللي بتعملوا ده ياجاسر؟ مش خايف لحد يشوفنا؟

ضحك متسليًا :

- لا ماهو مافيش حد معانا ياعيون جاسر ، الشاليه والمنطقة كلها خاصة ، يعني حتى الخدامين هايجوا في وقت محدد وينصرفوا ويروحوا .

قالت بعدم فهم :

- ازاي يعني خاصة؟ طب والبحر القريب دا كمان تبعكم برضوا ؟

- اااه

قهقه مرددًا بتأوه حارق وهو يضغط بأسنانه على شفته السفلى ضاحكًا بسعادة، وأسئلتها العفوية دائمًا ماتذكره ببرائة الأطفال .

- هاتعملي فيا إيه تاني يابنت محروس ؟

--

خرجت من عملها متأففة وهي تدب بكعبها ذا الصوت العالي بعدم اكتراث لانتباه المارة حولها والتي تتلفت اليها بدهشة، حتى التقت عيناها به واقفًا تحت ظل شجرة قريبة منها ، تقدمت بخطواتها حتى وصلت اليه فخاطبته:

- انت واقف عندك بتعمل ايه ياعماد ؟

صافحها بالتحية أولًا قبل أن يجيبها وعيناه تتلفت خلفها:

- أنا واقف ياستي مستني واحد صاحبي ؟ بس انتِ إيه أخبارك؟

قالت رافعة حاجبها الرفيع بمكر :

- واحد صاحبك برضوا ؟ وبتتهرب مني بسؤالك عن أخباري ياعماد ؟

أومأ برأسه قائلًا باستسلام :

- امال يعني عايزاني اقولك إيه بس وانا شايفك خارجة لوحدك ، هي زهرة مخرجتش معاكي ليه؟

ردت بابتسامة جانبية :

- لا ياسيدي مخرجتش معايا زهرة عشان هي مجاتش النهاردة الشغل أساسًا .

قطب يسألها بقلق :

- ليه مجاتش بقى ؟ دا حتى امبارح انتظرتها كتير وبرضوا مجاتش ، هي تعبانة ولا حاجة ؟

تنهدت مطولًا قبل أن تقول بخبث :

- اَه ياعماد دا انت باينك طيب قوي وعلى نياتك ، هو انت ماتعرفش ايه اخر اخبارها ؟

ازداد قلقه فردد يجيبها

- اخبار ايه ياغادة ؟ انا لسة شايف كاميليا امبارح وكلمتها على زهرة عشان تفاتحها في موضوعي ، وهي سمعت مني ومقالتش أي أخبار عنها .

مصمصت بشفتيها تدعي التأثر لتزيد من حيرته ثم قالت :

- والنبي انت صعبان عليا ياعماد ، شوف انت يامسكين بتعمل ايه عشانها وهي ياسبحان الله اتجوزت امبارح .

هتفت متسع العيناه ومجعد الجبين بصدمة:

- بتقولي ايه؟ اتجوزت كدة على طول وبالسرعة دي ؟ طب هي كاميليا مقاتليش ليه امبارح وانا بكلمها ، يعني هي تسمع مني وتسيبني على عمايا كدة، طب ليه ؟

ردت غادة بخبث :

- تلاقيها خافت منك لتبوظ الجوازة ولا حاجة .

أظلم وجهه فقال بحريق اشتعل بصدره :

- انا فعلًا كنت هابوظ الجوازة لو كنت عرفت ، انا بس كنت عايز فرصة اتواصل معاها بيها ، يمكن كنت لقيت حل ، لكن كدة اتغفل وانام بحلم بيها عشان اصحى تاني يوم على كابوس انها اتجوزت من امبارح وبقت ملك واحد تاني، حسبي الله ونعم الوكيل ، حسبي الله ونعم الوكيل .

ظل يردد بها وهو يسير مبتعدًا عنها مكسور الخاطر ، وهي تتبعه بعيناها بامتعاض.

حتى تفاجأت بصرير سيارة توقفت بالقرب منها ليطل منها هذا الحارس ثقيل الظل برأسه إليها يتطلع اليها من نافذة السيارة التي يقودها بنفسه هذه المرة ويخاطبها بتفكه:

- واقف في الشمس ليه ياجميل؟ مش خايف منها  لتحرقك؟

زفرت تشيح بوجهها عنه حتى التفت تقول له من تحت أسنانها :

- هو انا مش هاخلص منك ياجدع انت؟ ماتحل عني بقى وشوف وراك ايه؟

قال بسماجة اعتادت عليها منه :

- كدة برضوا تكسري بنفسي وانا معدي على الشركة مخصوص دلوقتِ عشان اشوفك في ميعاد انصرافك ، رغم ان حيلي مهدود والنعمة بعد سفر رايح جاي مع البيه بتاعنا وحرمه الجديدة، الله يسامحك ياغدغود .

- غد غود!

تمتمت الأسم الذي نطق به بقرف قبل أن تنتبه على باقي كلماته :

- انت بتقول انك سافرت مع البيه وحرمه الجديدة! قصدك مين ؟ زهرة ؟

هتف متفكهًا :

- امال هايكون مين غيرها بس؟ دول حتى رايحين  يقضوا شهر العسل ياعسل .

اغمضت عيناها وقد أصابتها كلماته في صدرها المحتقن لتفاجأ بمزاحه الثقيل

- عقبالنا يارب دا انا من ساعة ماشوفتك امبارح بالفستان العرياني ده وانا عايز اتجوزك النهاردة مش بكرة.

هتفت بعدم السيطرة وقد بلغ حنقها من هذا الشخص مداه:

- ياخي ان شالله تتجوزك عقربة تلوشك يابعيد ، دا ايه النصيبة دي .

قابل انفعاها متبسمًا ببرود فهمت تتحرك لتذهب وتتركه ولكن الفضول داخلها جعلها تتوقف لتسأله ببعض اللطف :

- طب على كدة بقى انت عارف المكان اللي راحوا فيه ؟

هتف يرد بحماس :

- اه امال إيه، دا انا ممكن كمان اوصفلهولك بالملي بس بقى لو قبلتي تركبي معايا اوصلك .

فتحت فاهاها لتمطره بالسباب ولكنها تماسكت وهي تذكر نفسها بالغاية التي ستحصل عليها من وراء توصيلهِ لها، رفعت بذقنها ترد باستعلاء :

- هاركب معاك بس عشان انا واثقة من نفسي.

تغاضى إمام عن لهجتها المستعلية بل وتوسعت أبتسامته باستخفاف يتابعها حتى انضمت بجواره في الأمام ، وسألته غادة على الفور:

- امال فين السواق نفسه عشان تسوق انت ؟

رد إمام وهو يدير المحرك ويتحرك بالسيارة :

- عبده روح ياستي مفرهد من المشوارين وانا بقى هاوصلك وارجع بالعربية على فيلا جاسر بيه ، المهم بقى، احنا كنا بنقول إيه ؟

--

كانت تقف بشرفتها إحسان تلملم الملابس التي جفت من الشمس بعد غسيلها لتطويها وتضعها في السبت البلاستيكي ، حينما لمحت السيارة الفارهة التي اقتحمت الحارة الضيقة لتفاجأ بتوقفها أمام منزلها عصرت رأسها لتتذكر أين رأت هذه السيارة حتى صعقت برؤية ابنتها وهي تترجل منها تشير بطرف كفها للسائق قبل أن تدلف لداخل البناية ، انتظرت قليلًا إحسان حتى سمعت بصوت الباب الخارجي وابنتها تدلف منه ، خرجت اليها من الشرفة بوجه حائر لتسألها :

- عربية مين دي ياغادة اللي وصلتك لحد باب البيت؟

غمغمت غادة بحنق وهي تخلع عن قدميها الحذاء ذو الكعب العالي:

- يعني هايكون عربية مين بقى ؟ خطيبي مثلًا بلا حسرة؟ دي عربية الباشا جوز الهانم بنت أخوكي .

- بنت أخويا ؟!

أردفت بها بحيرة لتضع سبت الغسيل على الأرض بعد أن استرعت انتباهاها لتلحقها بغرفتها وتسألها على الفور:

- انتِ ماشية على طول يابت من غير ماتفهميني ، ايه اللي ركبك عربية جاسر الريان يامنيلة؟

هتفت غادة بضيق وهي تخلع ملابسها :

- ركبت مع الزفت الحارس بتاعه ياما ، عشان اعرف منه اخبار بنت اخوكي اللي هايصة مع جوزها في الساحل الشمالي في العز والهنا اللي هي فيه .

قالت الاخيرة بصرخة قبل أن تسقط على التخت بأنفاسٍ متهدجة ، جلست بجوارها إحسان تخاطبها بهدوء :

- طب مضايقة نفسك ليه ؟ ماهو دا الطبيعي ياغادة بعد ماربنا فتح في وشها طاقة القدر .

ردت غادة من تحت أسنانها :

- مقهورة يامّا بعد ما سمعت بالتفاصيل اللي قالهالي إمام عن المكان اللي خدها فيه جاسر الريان ، دي حاجات احنا بنشوفها في التليفزيون ونستعجب عليها لكن ماحدش جرب ولا قرب حتى منها لكن بنت اخوكي بقى ، حظها نااااار

صمتت إحسان قليلًا بتفكير ثم قالت :

- واضح كدة ان اللي اسمه إمام بيعزك ياغادة عشان يحكيلك دا كله .

التوى ثغرها لترد بتهكم :

- الزفت عايز يتجوزني يامّا، شوفتي الهنا اللي انا فيه، انا غاادة عايز يتجوزني حارس أمن!

ردت إحسان بهدوء وابتسامة جانبية :

- وتاخدي على اعصابك ليه ياهبلة؟ هو لزق فيكِ يعني ، خدي منه مصلحتك وبعدها اديلوا صابونة.

قطبت غادة تسألها:

- قصدك ايه ياما ؟

- ماقولنا خدي منه مصلحتك وزحلقيه هي غنيوة

اردفت بها إحسان وهي تنهض من جوارها لتترك غادة تعيد الكلمات برأسها بتفكير عميق.

--

على الشاطئ الذي خلا إلا منهم كانت جالسة على الكرسي ومستندة بمرفقها على المنضدة الصغيرة تراقبه وهو يسبح وحده بعد أن رفضت النزول معه الى البحر لعدم معرفتها بالسباحة، مازالت تكتم غيظها منه من وقت أن أصر على ارتدائها لهذه القطعة الخفيفة، مدعيًا انها ملابس الشاطئ وعلى الرغم من استمتاعها  به وهو يتطاير مع الهواء في اندماج واضح مع هذا الجو الساحر ، ولكنها لم تنسى مقلبه معها حينما خدعها وترك حقيبتها ليأتي بحقيبة ملابس انتقاها هو من خزانتها لهذه الملابس الغريبة عنها في تصميم واضح لارتدائها ما ينتقيه بنفسه لها حتى الأشياء الخاصة ، لا تصدق أن جاسر الريان بجلالة قدره وهيبته ووقاره ووجهه المتجهم دائمًا، يصغر بعقله لهذه الأمور التافهة والصغيرة؛ ولكنها لا تنكر في قرارة نفسها أنها تسعد بما يفعله لإرضاءها، حتى لو كانت رفاهية الأشياء بالنسبة لها شئ عادي بالنسبة له ، لكن يكفي أنه يفعل وأنه يسعى لإسعادها، استفاقت من شرودها على صوت هاتفها الوارد بمكاملة، فتحت ترد بلهفة بمجرد رؤيتها للرقم :

- الوو.... ايوة ياخالي وحشتني ياحبيبي .

وصلها صوته المرح ؛

- وحشتك فين يابكاشة؟ هو انا لو وحشتك صحيح كنت سافرت على طول كدة يابت من غير ماتستنيني اشوفك ؟

ردت بحرج :

- طب اعمل ايه بس ياخالي مع وجاسر واخد أجازة لنفسه يومين بس ومش عايز يقعدهم في البيت ، بس بصراحة بقى انت وجدتي وحشتوني قوي .

قال خالد بسعادة :

- ياحبيبة خالك انتِ ، يابت انا ملحقتش اشبع منك وغراب البين دا طار بيكِ، حاولي بقى ماتتأخروش عايز أقعد معاكي ونحكي في تفاصيل حياتك من وقت ما سافرت انا وطول فترة غيابي .

ردت هي بتأكيد :

- طبعًا ياخالي، دا انا واحشني الرغي والهزار معاك قوي ، يمكن أكتر منك كمان.

 

تابعت زهرة حديثها الممتع مع خالد ورقية التي كانت تناكشها ببعض الكلمات الجريئة التي كانت تجعل زهرة تغضب حرحًا منها وبنفس تتحدث بابتسامة مستترة تصل اليهم رغم عدم رؤيتهم لها ، حتى أثارت انتباه جاسر فخرج لها من البحر بجسده العضلي وقطعة السباحة يرتديها و التي جعلتها تشيح بوجهها خجلًا منه حتى وصل اليها يدنوا بجذعه يتطلع اليها بجرأة أربكتها فنهت المكالمة معهم بتوتر ، قال متسليًا بصوته الأجش

- كنتِ بتكلمي مين ؟

رمقته بعيناها سريعًا قبل تجيبه على وضعها بلأرتباك :

- كنت بكلم خالي وجدتي طبعًا أصلهم اتصلوا عشان يطمنوا عليًا.

مال إليها قائلًا بابتسامة عبثية :

- هاا بقى وطمنتيهم ؟

ضيقت عيناها قليلًا حتى فهمت مغزى سؤاله ثم التوى ثغرها بحنق تغير مجرى حديثهم :

- على فكرة بقى هما سألوا عليك وانا قولتلهم انك بتعوم في البحر ومش فاضي تكلمهم .

مط بشفتيه قائلًا بتنهيدة :

- على كدة بقى قولتيلهم اني بعوم وحيد في بحر طويل عريض وعروستي مش معبراني ولا هاين عليها حتى تشاركني العوم .

التفت اليه قائلة بحدة :

- في إيه ياجاسر ؟ يعني عايزني أعوم ازاي بس وانا أساسًا مبعرفش؟

- أعلمك !

أردف بها سريعًا قبل أن يجفلها بحمله لها بين ذراعيه لتصرخ زهرة بخوف:

- واخدني ورايح بيا فين ؟ بقولك معرفش .

قهقه ضاحكًا يردد :

- وانا قولتلك هاعرفك يبقى لزوموا إيه بقى الخوف؟

اخذت تصرخ معترضة وهي ترفس باقدامها حتى أدخلها معه وهي تصرخ تناجيه بتركها ، فما كان منه الا أنه فلت أقدامها فقط واحتفظت ذراعيه بضمها من الخصر بقوة وهو يقول لها بمرح :

- سيبي نفسك معايا وماتخافيش ، انا لسه مادخلتش بيكِ في الغويط ، استمتعي يازهرة وخلي عندك ثقة فيا .

قالت مرتجفة بخوف وقد غطتها المياه إلى أسفل كتفيها:

- ياجاسر ماتستهونش بخوفي، دا ممكن يغرقني بجد .

- بقولك ثقي فيا ، بقولك ثقي فيا.

هتف بها حازمًا وهو يميل بها لتغطيها المياه حتى راسها وشعرها فشهقت مجفلة بلهاث بعد أن أعادها سريعًا :

- حرام عليك ياجاسر والله بجد حرام اللي بتعمله فيا ده.

- حرام على مين بس يازهرة بحلاوتك دي؟

ردد بها بعدم تركيز وهو ينظر لهيئتها الشهية بعد أن ابتل جميع شعرها وسقطت خصلاته الطويلة السوداء على وجهها فكان يزيحها بكفه من وجنتيها التي تخضبت بالحمرة مع انفعالها ، أهدابها الكثيفة والتي أسبلتها مع لهاثها خوفًا من المياه ، انتبهت هي على أشتعال عينيه فقالت بتوتر :

- طب كفاية النهاردة وخلينا.........

قطع جملتها بقبلة مباغتة اعترضت عليها تدفعه عنها حتى نزع نفسه عنها ينظر إليها باستغراب فهتف غاضبة :

- مش تخلي بالك لحد يشوفنا .

رد بانفعال :

- أخلي بالي من إيه يابنتي ؟ بقولك دي منطقة خاصة ومحدش يجرؤ يقرب منها عشان دي ملك العيلة أساسًا .

هتفت متشدقة:

- وافترض ان ماحدش يقدر يقرب، ماهو ممكن حد يشوفنا من عمارة بعيدة ولا عيل طايش يبص علينا بالميكرسكوب واحنا مش واخدين بالنا .

- ميكرسكوب ايه ؟

سأل بعدم استيعاب فقالت هي بحنق:

- عدسة مكبرة ياجاسر بتقرب البعيد وتكبره ، هو انا هافهمك برضوا يعني إيه ميكرسكوب؟

سهم من مقولتها الغريبة فجعلته يلتفت بعيناه للبعيد ، استغلت هي ارتخاء ذراعيه لتفلت نفسها منها وتخرج من البحر هاربة ، انتبه هو فقال متوعدًا وهو يخرج للحاق بها:

- يامجنونة ، طب وديني ما انا سايبك النهاردة يازهرة.

--

في المساء .

كانت ترتدي فستان اَخر من التشكيلة التي أتى بها من سفرته، يناسب لخروجها معه إلى أشهر المطاعم في هذه المنطقة الساحلية، الفستان كان طويل حتى الكاحل ، منتفش في أكمامه ليتنهي عند الرسخ بحلقة صغيرة وضعت عليه أسورته لتبرز جمالها ، الصدر كان مغطى بالتطريزات الخفيفة والتي تنتهي عند الخصر بحزام التف حول جسدها وحذاءٍ في الأسفل ناسب لونه الأرجواني وحجابها في الأعلى لفته على رأسها بشكلٍ عصري أشعرها بالرضا عن نفسها وقد نال إعجابها حقًا، لم تكن تظن انه يملك خبرة أيضًا في ملابس النساء؟

أجلسها على طاولتهم بعد أن رحب بهم النادل ودلهم عليها ، أشار له جاسر على عدة مأكولات بحرية من القائمة يتميز بها المطعم هنا قبل أن يصرفه ، ثم التفت إليها سائلًا :

- إيه رأيك بقى يازهرتي ، عجبك المطعم ؟

ردت بابتسامة منبهرة :

- طبعًا عجبني ، دا شكله فخم ومشهور قوي .

- ولسة كمان لما تجربي أكلهم هاتنبهري بجد ، عليهم طريقة تخليكِ تشتاقي للمكان وتزوريه في السنة كذا مرة .

ابتسمت بحرج وعيناها تلتف حولها :

- بس شكله غالي قوي بدليل الناس اللي حوالينا كلهم بهوات وهوانم .

- مااحنا بهوات وهوانم برضوا ، ولا انتِ نسيتي يازهرة هانم ياحرم جاسر بيه ؟

قال ببساطة أجفلتها لتعود برأسها بتفكير بما يذكرها به ، انها بالفعل أصبحت منهم بانتمائها إليه ، وهل هذا حقًا ؟!!

تناول كفها يخرجها من شرودها قائلًا :

- الجميل سرحان في إيه ؟

انتبهت إليه نظراته المحدقة بها بتفحص لتقول:

- لا عادي يعني بس انت عارف بقى، اني لسة باخد على الجو وبحاول استوعب النقلة الغريبة دي .

رفع كفها يقبلها بحنان :

- استوعبي ياقلبي براحتك ، بس ياريت بقى في وقت تاني ، عشان طول ما انتِ معايا عايز تركيزك وعقلك وتفكيرك كله معايا انا لوحدي ، ماشي ياروح جاسر.

اومأت برأسها بتشتت فكيف تنفذ مايقوله لها وعقلها مازال لا يستوعبه هو نفسه بأفعاله معها وهذه الشخصية المعاكسة لهيئته الأولى على الأطلاق.

استطرد متابعًا لها :

- عارفة يازهرة، انا طول عمري مافرحتش اوي كدة ، على قد ما سافرت وروحت وحققت انجازات وفرحت بيها ، لكن كل ده جمب فرحتي بيكِ لا يسوى شئ ، بجد بجد اول مرة اعرف يعني ايه سعادة.

- طب وف جوزاتك الأولى مافرحتش بعروستك ؟

تمتمت به بداخلها تود لو تستطيع البوح بهذا السؤال لتعرف الإجابة منه ولكنه لم يعطيها فرصة وهو يشرح لها عن المطعم وتاريخ انشاءه ومعرفته به وهو عائلته، حتى انتبه الاثنان على وقوف طفلة رائعة الجمال بالقرب منهم ، تتطلع بابتسامة شقية إليهم.

اقتربت برأسها منها تسألها زهرة :

- إنت مين ياقمر واسمك ايه ؟

اجابتها الفتاة :

- انا تاليا .

- الله اسمك حلو اوي ياتاليا .

رددت بها يازهرة وتدخل جاسر بسؤاله للصغيرة والتي تبدوا في الرابعة من عمرها .

- انتِ حلوة أوي ياتاليا في حد كبير بقى معاكي؟

أسبلت عيناها الصغيرة بانتشاء وقد أعجبها ثناؤه لها فمالت برأسها تتلاعب في خصلات شعرها قائلة بغنج اثار الضحك لدى الإثنان :

- جيت مع والدي ووالدتي .

- ياروحي أنا يابنتي ايه الحلاوة دي ؟

اردفت بها زهرة بقلب يقفز بالفرح لهذه الطفلة الرائعة والتي أثارت الحنين بقلب جاسر أيضًا في الحصول على طفلة مثلها من محبوبته وقد نبت بداخله الأمل بعد زواجه منها

- مساء الخير احنا أسفين ياجماعة .

انتبه لها فجأة الاثنان من إمرأة شديدة الجاذبية والجمال وهي تتناول الصغيرة وترفعها إليها، قالت زهرة وهي تنهض لترحب بالمرأة :

- مساء النور ، بتعتذري ليه طيب وتاخديها ؟ دي زي القمر وماازعجتناش خالص والله .

ردت المرأة بابتسامة رائعة كطفلتها :

- ياحبيبتي ربنا يرزقكم بواحدة زيها بس تبجى أهدى شوية عشان دي مطلعة عيني.

- انتوا هنا وانا بدور عليكم .

صدرت بالقرب منهم بصوتٍ رجولي انتبه على صاحبه جاسر فنهض مرحبًا بالرجل بتهليل :

- رؤوف الصيرفي ! انت فين ياعم ؟

- جاااسر .

اردف بها الرجل قبل أن يجفله جاسر بعناقٍ أخوي وهو يبادله الترحيب بحرارة هو الاَخر مع بعض كلمات العتاب والمزاح أيضًا ،

خاطبت زهرة المرأة :

- طب ماتتفضلي حضرتك اقعدوا معانا مدام طلعوا اصحاب وبيعرفوا بعض .

ردت المرأة بمودة:

- ياريت كنت اجدر والله بس احنا مستعجلين وعندنا مشوار ضروري ومتأخرين عنه بسبب العفريتة دي .

انتبهت زهرة على لكنة المرأة المختلطة ببعض الكلمات الصعيدية قبل ترد بمزاح للطفلة:

- قصدك العفريتة اللي اسمها تاليا ؟

اجابتها المرأة بضحكة :

- ايوة هي اللي جايبالنا الكلام على طول .

- بس اسمها حلو قوي ، مين سبب التسمية انتِ ولا والدها ؟

سالتها زهرة فاأجابت المرأة :

- لا انا ولا والدها جدها اصله فنان وشاعر وحكاية الأسامي عنده لازم تبجى بمعنى وحكاية من وراه ...

- سمرا

قطعت جملتها لتلتف لزوجها الذي القى بالتحية لزهرة برأسه قبل أن يلتفت لزوجته ويشير لها بالأنصراف فااستأذنت منها مودعة لتغادر ويعود جاسر لمقعده بعد أن انهى لقاءه الصغير مع صديقه وعادت زهرة هي الأخرى لمقعدها تسأله :

- مامسكتش فيهم ليه عشان يكملوا السهرة معانا مدام طلع صاحبك ومراته ؟

رد جاسر:

- مسكت فيه والله بالجامد كمان بس المجنون ده بيقولي ان وراهم مشوار مهم والعفريتة بنته هي اللي غفلته ساعة ماراح يشتريلها أيس كريم ، وحشني بجد ابن الذينة بقالي زمن ماشوفتهوش.

انتبهت على نبرته السعيدة في الحديث عن صديقه ليستطرد قائلًا :

- عارفة بقى يازهرة ، اهي مراته دي كانت شغالة في البداية عندهم جليسة لجدته قبل مايحبها ويتجوزها وقتها انا كنت مستغرب قوي لكن دلوقتي بس قدرت موقفه لما جربت.

- هو عرف اني مراتك ؟

أجفلته زهرة بسؤالها فقال هو باستدراك :

- تصدقي اخدنا الكلام ونسيت اقوله ، بس هو لو سألني كنت أكيد هاجاوب على طول ، دا صاحبي وغالي عندي قوي .

اومأت برأسها لتخفي ماانضمر بصدرها من إجابته والتفت برأسها لتتابع ذهاب الرجل وامرأته مستغلة اندماج جاسر مع النادل الذي أتى بالطعام .

لفت نظرها رعاية الرجل لزوجته بتناوله للطفلة ليحملها عنها ثم نظرته الولهة لها وكأنه لايرى من النساء غيرها ، متأبطة ذراعه الحرة بثقة في جمالها وعشق زوجها الذي يبدوا للأعمى كم هو فخور بها وهي تستحق ، كما لفت نظرها أيضًا هذا الرجل الذي يتابعهم بعيناه ورأسه مغطى بالكاب من ناحية غير مرئية لهم مع الإضاءة الخفية !!

 

يُتبع..