-->

الفصل الخامس والعشرون - نعيمي وجحيمها


 الفصل الخامس والعشرون

 

أمام مراَته التي كان يعقد عليها رابطة عنقه بروتينة وهو يزفر متأفافًا من فمه، بعد أن اضطر لقطع أجازته ويعود ليلًا مع عروسه كي يحضر الإجتماع الدوري للمجموعة في هذا الوقت من الشهر ، فالبرغم من حسابه لكل شئ واعتماده على طارق وكارم في تسوية معظم الأعمال في غيابه ، الأ أن هذا الأجتماع لا يصح بدونه ولم يقدر على تأجيله مع حجم الموضوعات المطلوب مناقشتها والبت فيها سريعًا، تابعت عيناه خروجها من حمام الغرفة وهذه الفرحة المرتسمة على وجهها ونظرة الشقاوة التي تناظره بها ، فتمتم لانعكاس صورتها في المراَة :

- لم نفسك يازهرة ، انا على اَخري .

ردت ببرائة :

- الله وانا عملتلك إيه طيب ؟

استدار بجسده إليها قائلًا بوجهه العابس :

- بتغيظيني يازهرة، الفرحة اللي هاتنط من عينك دي لوحدها بتغيظني.

- برضوا أغيظك ليه بس يابني ؟ مش فاهمة أنا .

هتفت بها مدعية عدم الفهم قبل أن تشهق مجفلة على تحركه سريعًا نحوها ليتمكن من القبض عليها بين ذراعيه، قائلًا من تحت أسنانه وعيناه تحدجها بحدة :

- يعني انتِ بجد مش فاهمة انا متغاظ ليه ؟

ردت بمهادنة لحالته :

- صلي على النبي ياحبيبي وماتعصبش نفسك ، انا عارفة طبعًا انك مضايق عشان قطعنا الاَجازة بسبب اجتماع المجموعة الضروري ده، لكن أنا بقى مضايقاك في إيه ؟

- مضايقني انك بتضحكي ومبسوطة عشان رجعنا وانت شايفة و عارفة اني قطعت الأجازة مضطر ، يبقى تخلي عندك دم وتقدري احساسي .

رددت خلفه بعدم فهم :

- اقدر احساسك! يعني اعمل ايه ؟

اجابها بجدية :

- تقلبي وشك انتِ كمان وتكشري، ماشوفش ضحكتك ولا ابتسامتك الحلوة دي خالص لحد مااخرج .

هزت برأسها تراضيه وهي تكتم ابتسامة ملحة وكأنها تعامل طفلًا صغير :

- حاضر تمام مش هاضحك وابتسم خالص .

تنفس من صدره بقوة لتتركها ذراعيه ويلتفت عنها نحو المراَة يكمل مايفعله ، فغمغت بصوتِ خفيض من خلفه :

- كل ده عشان رايح شغلك، اشحال ان ماكنت مادد اًجازتك من يومين لعشرين يوم .

- بتبرطمي بتقولي إيه؟

قالها وهو يرمقها بنظرة حانقة قبل أن يتناول سترة حلته ويرتديها ، أجأبته بابتسامة متردد:

- كنت بقول يعني مدام انا مش رايحة الشغل زيك غير على أول الأسبوع زي مااتفقنا ، فاانا عايزة اروح لجدتي بقى .

التفت يرد عليها وهو يسحب في أكمام سترته والقميص :

- يعني مش قادرة تصبري يومين كمان؟ هو انتِ لحقتي تريحي من تعب السفر ؟

ردت بلهفة :

- لا ياجاسر انا مش تعبانة والحمد لله ، ولو تعبانة هابقى اريح هناك في أؤضتي وعلى سريري .

عبس وجهه من جديد وهو يستدير ليمشط شعره وقال:

- تنامي فين يازهرة؟ مافيش نوم طبعًا ، هي ساعة ولا ساعتين وتيجي على بيتك .

ردت قاطبة وقد تغير لون وجهها وذهب عنه المزاح :

- ليه بقى ساعة ولا ساعتين ومنامش كمان ؟ وانت أساسًا بتتأخر في اجتماعك ده ومش بعيد تيجي على اَخر اليوم .

دفع بعنف فرشاة شعره أمامه والتف إليها متخصرًا بقبضتيه ، يتطلع الى غضبها فتنفس قليلًا بعمق يستدعي الحكمة قبل أن يرد عليها :

- انا مش عايز اضايقك ، بس بصراحة انا خايف عليكٍ، من العمارة بتاعتكم دي اللي أيلة للسقوط يازهرة .

عقدت حاجبيها قليلًا قبل أن ترد بابتسامة مندهشة:

- وافرض يعني زي مابتقول ، ما انا طول عمري عايشة فيها وستي وعيلتي كلها ، وخالي دا اللي سافر من غير مااشوفه، برضوا هايفضل عايش فيها لحد اما يتجوز وياخد ستي معاه .

تأمل هيئتها المتحفزة فقال ملطفًا وهو يقترب منها :

- عارف والله كل اللي بتقوليه ده ، بس اعمل ايه انا بقى في عقلي ده اللي هايفضل مشغول عليكِ طول الوقت ، انا راجل بخاف ياستي.

عادت إليها ابتسامتها فقالت برقة وهي تمسح بكفها على صدره العريض من فوق السترة :

- لا ياحبيبي ماتخافش ولا تشغل بالك حتى ، دا بيتنا واحنا متعودين عليه،

- انتوا متعودين لكن انا مش متعود .

تفوه بها وتابع بحدة :

- لولا خايف بس من دماغ خالك لايعند ويعملنا مشاكل لكنت نقلت عيلتك كلهم في شقق جديدة خارج الحارة والمنطقة كلها ، بس شكلي كدة هاعملها قريب وعنه مارضي....

قاطعته على الفور مرددة :

- لا اوعى ياجاسر تعمل كدة ، انا خالي صعب وحاجة زي دي هايخدها على كرامته ، دا انا لسة شايلة هم شقته اللي انت سددت اقساطها .

قربها يضمها إليه أكثر وهو يقول بصوت أجش :

- طب امال اعمل ايه بس ؟ وانا مش قادر امنعك ولا قادر الاقي حل مع راس خالك الناشفة دي؟

ردت زهرة وهي تلف ذراعيه حول جذعه :

- سيبها على الله ياسيدي .

- ونعم بالله .

اردف ومال عليها يقبلها ويزيد من ضمه إليها بشوق لا ينضب ولا يهدأ أبدًا ، بعد قليل وحينما تركها يجبر أقدامه جبرًا للذهاب ، أردف لها :

- عم رزق السواق الجديد هاياخدك ويرجعك ، ومافيش مشوار تاتي هاتعمليه من غيره ، حتى مشاوير الشركة .

هتفت اليه بعدم تصديق :

- انا بقى عندي سواق مخصوص ؟

أجابها بثقة :

- وعربية مخصوص كمان .

--

خرج محروس من غرفته وهو يسعل بصوت متحشرج في عرض يومي كل صباح نتيجة لامتلاء صدره بالتدخين والمواد المخدرة ، ورغم ذلك لا يتوانى عن إخراج سيجارته ليشعلها ويدخنها في نفس الوقت .

- أرحم صدرك يامحروس او حتى اشربلك حاجة سخنة تريحه الأول قبل ماتدخن .

هتفت بها سمية وهي تعمل بروتينها اليومي في ترتيب المنزل ونظافته ، نفث أمامها دخانً كثيف بتحدي لما تقوله قبل أن يجلس على أريكته الخشبية المنجدة ، يخاطبها والسيجارة في فمه:

- ملكيش دعوة بصحتي ياختي ، انا فل وعال العال بطلي انتِ رغي وحضريلي الفطار .

استقامت بجذعها عن تنظيف الارض لتسأله بانتباه :

- عايزني احضرلك الفطار والساعة داخلة على عشرة ، هو انت مش رايح ورشتك كمان النهاردة .

أجاب بتعالي وهو يضع قدمًا على قدم :

- واروح ليه واتعب نفسي؟ وانا عندي بدل الصبي تلاتة واربعة يشتغلوا تحت إيدين الواد عامري ، هما يخلصوا الطلبية وانا اسلمها للزبون واستلم حقها ، كفاية كدة

لوت ثغرها بامتعاض قبل أن تقترب لتجلس بجواره قائلة بلطف حتى لا تثير غضبه :

- يامحروس ، المال السايب بيعلم السرقة ، والفلوس اللي انت خدتها مهر لزهرة وبتبعتر فيها شمال ويمين دي؛حاول تلم إيدك فيها شوية ، انت معاك بنات عايزين يتعلموا وعايزين جهاز لما يجيلهم عدلهم .

رمقها بنظرة مستنكرة صامتًا فتابعت هي :

- دا غير الشقة اللي احنا ساكنين فيها دي ، حل الكيس وشوفلنا لو حتى اوضتين في عمارة تانية غير اللي ممكن توقع علينا دي .

رد محروس مستخفًا بكلماتها :

- والله وبقالك حس يا سمية وبقيتي تخططي كمان ، عايزاني اسيب الشقة اللي عايشين فيها بقالنا سنين وتغيري ؟ لا وكمان عايزاني أحوش لجهاز بناتك ، احوش ليه انا واديقها على نفسي من دلوقتِ ، مايشدوا هما حيلهم لما يكبروا ويتعلموا من اختهم الكبيرة ، اللي وقعت الباشا على بوزو .

ضربت سمية بكفها على صدرها قائلة بجزع :

- يالهوي يا محروس، انت برضوا اللي بتقول كدة على بنتك؟ دي زهرة مافيش في أدبها ولا احترامها.

لسعته كلماتها الحادة فانتفض يصيح نحوها بغضب :

- وانتِ بقى هاتعلميني اتكلم ازاي على بنتي؟ قومي ياولية انتِ حضري الفطار زي ماقولتلك ، بلا وجع دماغ ورغي كتير على اول الصبح ، قوومي .

نهضت سريعًا من جواره ، تتفادى يده التي امتدت لضربها ، واتجهت نحو المطبخ مذعنة لطلبه ، وهي تتمتم داخلها :

- روح ياشيخ ربنا يهدك على بهدلتلك وعمايلك فيا .

--

وصلت زهرة بالسيارة السوداء الفخمة التي اقتحمت الحارة لتلتفت إليها جميع الوجوه من مارة وسكان ، وزاد الفضول حينما توقفت أمام بنايتهم ، سهمت زهرة في الوجوه الناظرة بتساؤل نحوها بتخوف :

- مش هو دا البيت حضرتك ولا انا غلطت في العنوان؟

اردف بها السائق وهو رجل في عقده السادس ، يتكلم بتهذيب وعيناه لا يرفعها نحوها ، ردت زهرة باحترام للرجل المسن والذي اختاره جاسر بعناية :

- لا هو نفسه ياعم رزق ، انا اللي سرحت شوية بس حالا نازلة اهو .

قالتها وتناولت حقيبتها وأكياس الهدايا المعلبة فسألها الرجل :

تحبي أشيلهم انا حضرتك ؟

نفت برأسها وهمت لفتح الباب فتابع لها :

- طب ارجوا منك يازهرة هانم ، ترني في أي وقت تعوزيني فيه على أي مشوار ، مش المرواح بس .

اومأت لها برأسها وترجلت بالخطوة السريعه تدلف للبناية لتصعد لجدتها ، وجدت والدها امام باب شقته الذي كان خارجُا منها حالاً، فهتف عليها بصوت عالي:

- حبيبة ابوكي، انتِ جيتي يامرات الباش... قصدي الشيخ.

قالها واقترب يضمها بذراعيه ويقبلها بوجنتيها ، ردت بابتسامة مجاملة على كلماته باقتضاب قبل أن تفلت نفسها منه لتحتضن سمية التي خرجت إليها وشقيقاتها ، وترد على تهاني الجيران الذين خرجوا على هتاف ابيها ثم هرولت بسرعة لجدتها التي استقبلتها فاتحة ذراعيها من مكانها وقد تنبهت هي أيضًا لعودتها ، ارتمت زهرة بأحضانها تعود لأمانها و حصنها الدائم حتى لو كانت قعيدة ومريضة.

- وحشتيني يابت الجز.......

هتفت بها رقية وهي تشدد من احتضانها وتلكزها بقبضتها بخفة ، رفعت إليها رأسها من داخل أحضانها زهرة ترد بابتسامة باكية:

- مافيش فايدة يارقية ، لازم لسانك يشتم .

تأملمتها جدتها جيدًا عن قرب ، وجهها المضئ وقد ازداد توهجًا ، عيناها التي تلمع بالسعادة مع هيئتها الجديدة والملابس الغالية التي ترتديها ، مما أدخل السرور بقلبها فقالت مناكفة :

- وشك منور وعنيكي بتلمع ، دا باينه حصل .

- ايه هو اللي حصل ياستي ؟

سألتها بعدم فهم ، لكزتها رقية مرة أخرى مجيبة بمرح :

- حبتيه ووقعتي ياموكوسة ، هو احنا لسة هانفسر

يأست منها زهرة لتدفن رأسها داخل أحضانها مرة أخرى مرددة بخجل :

- ياباي عليكِ يارقية ، مافيش فايدة فيك أبدًا .

صدرت ضحة رنانة من رقية وهي تقبلها فوق رأسها وقد تأكد تخمينها

--

دلفت مرفت لحجرة الاجتماعات التي قاربت على الإكتمال بأعضاءها ، جلست بالقرب من جاسر المشغول بمراجعة بعض الأمور مع كارم قبل بدء الفعلي للأجتماع فخاطبته تجذب انتباهه :

- حمد لله على السلامة ياجاسر.

التفت إليها برأسه مرددًا التحية على مضض :

- الله يسلمك يامرفت ، عاملة ايه انتِ بقى ؟

ردت بميوعية وهي تُعيد في خصلات شعرها للخلف:

- انا كويسة ياسيدي ، انت بقى اللي اختفيت وقولت عدولي ، الا قولي صحيح ياجاسر ، هو انت فعلًا مضيت عقود مع شركا مهمين زي ماعرفنا ؟

اعتدل بجذعه للخلف فقال بابتسامة متسلية :

- في الحقيقة يامرفت انا مامضتش ولا حتى ناقشت أي مشروع في الفترة اللي فاتت ، دي كانت حجة عشان اطمن بيها والدي وأي حد يسأل عليا.

تغير وجه مرفت فرددت باستفسار :

- حجة! امال انت كنت فين بقى ؟

طقطق من فمه بصوت ساخر يجيبها بابتسامة متلاعبة:

- عيب يامرفت ، إن اقول ولا اصرح حتى بالكلام ده وانتِ ست مطلقة بقالك فترة كبيرة، يمكن تفتكريني بتحرش بيكِ

سهمت بوجهها تنظر إليه بازبهلال وقد وصلها تقريعه الغير مباشر والمختلط بسخرية، بلعت ريقها تعتدل بجذعها بعيدًا عن محيطه ، لتلملم كرامتها فوقعت عيناها على كارم الذي كان يخبئ بطرف كفه ابتسامة او ضحكة كبيرة مستترة جعلت وجهه الأبيض يتحول للحمرة الشديدة وهو مطرق برأسه ينظر للأوراق التي على سطح المكتب أمامه مدعي التركيز، مما ساهم بامتقاع وجهها واشتعالها غيظًا من جاسر الريان الذي كان مازال على نفس وضعه ينظر إليها بثقة وتحدي .

قطع شرودها مجئ طارق وخلفه هذه الكاميليا فارتفعت انظار كارم إليها بتركيز ليتلقى تحيتها بابتسامة عريضة زينت وجهه ، تتابعهم انظار طارق بوجه واجم على غير عادته ليلقى التحية على صديقه الذي نهض عن مكتبه يتلقفه بالأحضان والاَخر يبادله بابتسامة شاحبة لفتت انتباه جاسر، قبل ان يتبادل المصافحة والتحية مع كاميليا التي التفتت بعدها لتجلس على مقعدها المخصص على الطاولة الكبيرة المستديرة ليتبعها طارق بتجهم يأخذ مكانه بجوارها وانظار جاسر تتابعه بقلق ، عاد إليها مرفت الفضول لتخاطب كارم بلؤم :

- كتير قوي عليك المجهود دا ياكارم وانت شايل فوق طاقتك، هي البنت السكرتيرة دي مش ناوية بقى ترجع لمكانها وشغلها ، ولا هي استحلت الدلع ؟

تغير وجه كارم واتجهت انظاره نحو جاسر الذي تكلف هو بالرد بحزم :

- تدلع ولا تستحلالها حتى ، انت مالك يامرفت ، هي شغالة تبعي أنا ولا تبعك انتِ ؟

صكت على فكها وقد افحمها رده المفاجئ وزاد بداخلها الشكوك أيضًا .

--

- انت متأكد إنها هي يالا ؟

تفوه بها فهمي سائلًا لصبيه الذي أجابه بحماس :

- والنعمة زي ما بقولك كدة يامعلم ، انا شوفتها بنفسي وهي بتخرج من العربية السودة الكبيرة وجريت تدخل عمارتهم جري ، بس ايه بقى يامعلم ، بقت حاجة تانية خالص ، لبس ايه وحلاوة ايه ، دي بقت ولا الهوانم بجد يامعلم .

هرش فهمي بطرف سبابته يردف بغيظ وعيناه نحو مدخل العمارة:

- زهرة بنت محروس بقت هانم ؟ دي سابت وعيلت قوي .

هز الفتى رأسه باستنكار ارضاءً لمعلمه يقول:

- عندك حق يامعلم، دي بت قادرة وعينها قوية عشان سابتك ولحقت تلاقي غيرك .

ارتفعت زاوية فمه بابتسامة ساخرة يردد:

- دي لحقت في ظرف يومين تتخطب وتتجوز كمان ، ولا اكنها كانت مرتبة من الأول .

ارتفعت انظاره فجأة للفتى يأمره:

- روح انت دلوقتِ وشوف وراك إيه، بس ماتغيبش عن عيني عشان لما اعوزك الاقيك وخليك صاحي لأي حركة غريبة في الحارة .

- عنيا يامعلمي.

هتف بها الفتى وانطلق  مهرولًا اذعانًا لأمر فهمي الذي تمتم بتصميم:

- وانا بقى قاعد هنا ومش متعتع من عالقهوة ، اما اشوف السنيورة الهانم دي كمان بقت ازاي ؟

وفي الأعلى كانت زهرة مازالت ملتصقة بجدتها وشقيقتها وسمية يتفحصن الهديا التي أتت بها إليهم.

- الله يا أبلة ، حلو قوي الشوز اللي جبتيها ده ؟ دا مشكله غالي قوي كمان .

هتفت بها صفية بانبهار وهي ترتديه ، ردت زهرة بابتسامتها الرائعة :

- انا عارفاكي من الأول نفسك في النوع ده ، عشان تقلدي البنات اصحابك ، قولت بقى اجيبهولك عشان تريحينا من زنك ياستي عن سيرة البنات اللي بيلبسوه وانتِ لأ

لاح على وجه صفية التأثر وقالت سمية بامتنان :

وانا بقى كنتِ عارفة اني هاموت والبس الدهب عشان كدة جايبالي الخاتم الحلو ده صح؟

ردت زهرة بزوق حتى لا تخجلها :

- لا طبعًا انا مكنتش اعرف بحكاية ان نفسك في الدهب ، انا قولت اجيبلك زي ما جيبت لستي ، وانا اش عرفني باللي نفسك فيه ياولية انتِ أساسًا ؟ حتى بصي كدة .

قالت الاَخيرة وهي ترفع إليها كف رقية التي قبلتها من رأسها هي الأخرى ، وسمية تهتف بانبهار :

- الله ياخالتي ، دا حلو قوي الخاتم على ايدك ، زوقك حلو اوي يازهرة .

ردت رقية بمرح :

- مش زوقها وبس ياختي ، دا إيدي هي اللي حلوة .

انطلقت الضحكات على جملة رقية ثم تابعوا اكتشاف بقية الهدايا الخاصة بشقيقتها الصغيرات قبل أن تنهض سمية لتحضير وجبة الغذاء لهم جميعًا .

--

انتهى الأجتماع الذي استمر لساعات وانسحب الأعضاء تباعاً ولم يبقى سوى جاسر الذي كان يفرك وجهه من التعب والإرهاق مع بعض الأعضاء القلائل ، وكارم الذي كان يراجع على محضر الإجتماع وملاحظات الرئيس والقرارات التي اتخذت أيضًا .

وقف جاسر ليهندم سترته وهو ينتظر صديقه ليخرجا معاً وقد أقلقه هيئته الغريبة عنه، والذي أتى إليه بعد ذلك بخطوات مثقلة وكأنه يجر أقدامه جرًا :

- إيه يابني مالك ؟ هو انت تعبان ؟.

اردف بها جاسر متسائلًا وهم الاَخر أن يجيبه ولكن توقفت الكلمات على لسانه وهو يلمحها تغادر بهيئتها الإنيقة دومًا ، وخلفها خرج كارم يلحق بها.

اتسعت عيناه لتنهش الغيرة بصدره وهو كالعاجز لا يملك حق الأعتراض أو التحرك لمنع تواصلهم معًا ، اقدامه تحثه على اللحاق بهم وعقله يصرخ رفضًا لكرامته ، قطع شروده جاسر الذي انتبه إلى مايتطلع إليه صديقه ، فخاطبه بصوت خفيض :

- بقولك إيه انت منظرك كدة مش عاجبني تعالى روح معايا في عربيتي خليني اشوف إيه حكايتك .

اجابه بلهجة يائسة :

- حكاية إيه؟ هي بدأت أساسًا عشان احكي عنها ، انا حكايتي انتهت من قبل ما تبتدي .

قطب على لهجته المحبطة فجذبه من مرفقه بحزم خفيف ليسحبه معه مرددًا :

- لا دا انت متتتسبش، تعالى معايا .

استسلم له طارق وخرج ليغادر معه .

--

فور خروجها من الإجتماع على الفور اتصلت بشريكتها لتخبرها بما حدث :

- والله زي مابقولك كدة ، دا حتى مرعاش العيش والملح وهو ييحرجني ويلقح بالكلام قدام كارم اللي  ممسكش نفسه دا كمان وضحك عليا.

سألتها ميري بعدم فهم :

- طب انا مفهمتش برضوا ، يقصد إيه بكلامه ده ؟

زفرت مرفت بضيق وهي تقطع الرواق المؤدي للباب الرئيسي للخروج :

- كل دا ومافهمتيش ياميري ، معني كلامه انه كان مقضيها صرمحة ولعب ، لا ومن بجاحته بيقولي عيب اتكلم لاتفتكريني بتحرش بيكِ ، جوزك بيقولنا اخبطوا راسكم في الحيط ياميري ، عشان عارف اني صاحبتك ويهمني اللي يهمك .

غمغمت ميري تسب ببعض الكلمات الإنجليزية على جاسر قبل ان تتايع سائلة :

- طب والبنت السكرتيرة دي كمان، رجعت النهاردة بقى من أجازتها برضوا.

أجابتها بلهجة مغيظة:

- لا ياحبيبتي مارجعتش وانا لما سألت كارم عن تأخرها رد عليا جوزك المحترم وقالي ، هي شغالة عندك ولا عندي ، اقطع دراعي ان ماكان في مابينهم حاجة وحكاية جوازها بالراجل العربي ، انا مش بلعاها.

رددت ميري خلفها بيأس :

- عندك حق يا مرفت، انا دلوقتِ قلقت اوي وبدأت أشك زيك .

تنهدت مرفت بصوتِ عالي قبل أن ترد على صديقتها وقد وصلت بخطواتها بالقرب من سيارتها  :

- عشان تعرفي بس اني همي على مصلحتك، وإني.....

قطعت جملتها مرفت وارتخت ذراعيها عن فتح باب السيارة وهي تلمح غادة وهي تطرق بكعب حذائها على الأرض لتنعطف نحو الجهة الأخرى من الطريق لتلحق بسيارة تقلها للعودة لمنزلها ، تطلعت إليه جيدًا تقيمها بنظرة متفحصة ، من ماترتديه ملابس محكمة على جسدها وطريقة سيريها بتمايل لتلفت إليه الأنظار ، مساحيق وجهها الثقيلة ، من مظهرها اخدت فكرة عامة عن شخصيتها، قطع شرودها صرخة بصوت رفيع وحاد:

- روحتي فين وسيبتيني ؟ هو انا هاكلم نفسي بقى ولا إيه ؟

جزت على أسنانه تفتح السيارة لتندس داخلها بعنف تهتف:

- بتصرخي في ودني ، هاتخليني انطرش ، فيه آيه يابنتي ؟ بالراحة شوية مش كدة .

صمتت ميري وظهر فقط صوت أنفاسها العالية ، فتابعت لها مرفت ببعض التحكم في عصبيتها :

- بقولك إيه ياميري ، انا هاجيلك النهاردة وارغي معاكي ماتقلقيش ، انا بس هاقفل واسيبك دلوقتِ ولما اجيلك هافهمك إللي في دماغي .

--

وبسيارة جاسر التي أصر ان يقودها بنفسه بصحبة صديقه الذي تولي قيادة سيارته، وتولى السائق عبده وإمام الحارس الخاص لجاسر قيادة السيارة الاَخرى ليتبعانهم من الخلف، كان طارق يتكلم ويبوح بما بداخله وكأنه انتهزها فرصة ليجد من يشاركه أوجاعه :

- قلبي محروق منها يا جاسر ، نفسي افهم هيا بتعاملني كدة ليه ؟ طيب لو عشان سمعتي، تديني فرصة عشان اتكلم واقولها اني من يوم ماعرفتها وانا مش قادر اللمس ولا اشوف واحدة غيرها، انا انسان مش وحش ياجاسر ، انا عندي عيوب وعيوب وحشة كمان ، بس اقسم بالله مستعد اصلحها واتوب عنها عشان خاطرها ، بس هي تديني فرصة ، فرصة بس اثبت لها فيها أنا بحبها قد إيه ونفسي اعمل عشانها إيه ؟

تأمل جاسر صديقه بشفقة قبل ام يرد على كلماته الحارقة:

- انا مكنتش أعرف انك بتحبها أوي كدة ، بصراحة كنت فاكره إعجاب أو نزوة من نزواتك .

ابتسم طارق بسخرية وهو يلتفت للنافذة ويرد عليه:

- حتى انت كمان ! دي على كدة بقى هي عندها حق انها تقفلها في وشي وتفتح ابوابها لكارم .

- كارم !

قالها جاسر بدهشة قبل ان يتذكر ماشاهده منذ قليل ، فقال باستدراك :

- انا أسف ياطارق ، اني ماخدتش مشاعرك بجدية واتلهيت عنك بمشاكلي ، بس انت لو تحب وافاتحها انا تحت أمرك

تجهم وجه طارق فالتف يرد باعتزاز :

- لا ياجاسر انا مش هاتذللها ، ان ماكنتش هي تحس من نفسها يبقى بلاها أحسن ، مش يمكن بتحب اللي اسمه كارم ده ، ساعتها بقى هايفيد بإيه الكلام معاها غير إنه هاينقص من كرامتي .

صمت جاسر وقد اللجمه منطق صديقه في الدفاع عن ماتبقى من كرامته التي لا يريد إهدارها امام عشق يائس ، أو كما يظن هو لا أمل منه ، تذكر محبوبته وماكان يعانيه بعد رفضها له في البداية ، يحمد الله لانتهاء عذابه بالزواج منها سريعًا ، فلو استمر عنادها لأكثر من ذلك ، لا يعلم مالذي كان سيحدث وقتها ، هذا أن لم يصبه الجنون.

 

يُتبع..