-->

رواية نعيمي وجحيمها - بقلم امل نصر - الفصل الخامس والاربعون

رواية نعيمي وجحيمها بقلم امل نصر



الفصل الخامس والاربعون


ولجت لداخل منزلها بسعادة تجعلها وكأنها طافية على سطح المياه، لا تصدق ما تم إنجازه هذا اليوم، هذه الصدفة العجيبة التي استغلتها بذكائها لتفعل ما ودت فعله منذ فترة طويلة، فحققت بها أهدافًا عدة في وقت واحد كالذي ضرب بحجر واصاب عدة عصافير، ارتمت على اَريكتها الاَثيرة واستلقت عليها بظهرها ومازال فمها منشق بابتساماتها الظافرة، هذه ليست مشكلة قليلة وستمر مع الوقت، بل انها فضيحة مع كلمات عماد التي القاها في وسط المشفى على الملأ، إضافة إلى الشك الذي زرعته بداخله، حينما وجد الاثنان بغرفة واحدة مغلقة عليهم، لا تستبعد انتقام جاسر منها ان لم يكن بطلاقها سيقوم بقتلها بعد هذا العشق الابله منه ناحيتها، 
رفعت إليها الهاتف تنظر في التسجيلات والمشاهد التي وثقتها بالتصوير ، فانطلقت تضحك بهستيريا على هيئة عماد المزرية بإصاباته من جاسر ، وهو يتكلم بجدية، تنبع من تصديقه الكامل لعشق زهرة له ، بعد ان أوهمته غادة المؤذية بذلك، هذه الفتاة تفيدها دائمًا وبشكل غير طبيعي، صورة جاسر الذي اظلم وجهه مع كلمات عماد ، وهو يتقدم للفتك به، هذه الزهرة وهي ترتمي على الارض كالخرقة البالية أمام عيون البشر المصوبة نحوها وقد أجفلها عماد المتيم بكلماته الغريبة، تقسم أنها لم يمر عليها في الحياة بمثل هذا اليوم من سعادة، ولا ضحكت من قلبها هكذا، تذكرت بداية لقاءها مع عماد بعد ان قص عليها مشكلته بكل غباء أسعدها، لتُدبر خطة مكتملة الأركان، وكان اختيارها الجيد لفتاة تعمل في تنظف مراحيض المشفى، ثم اغرائها بحزمة كبيرة من المال ، جعلت الفتاة تجحظ عينيها مع رؤيتهم بعدم تصديق، ثم تحفيظها للكلمات التي ستدلي بها لزهرة لتوقعها، وتمت المهمة حينما  اخذت هاتف الفتاة نفسها لتبعث منه الرسائل لجاسر وهي تراقب من زاوية قريبة ذهاب زهرة الى الغرفة التي يعمل بها عماد، ثم تعويض الفتاة بحزمة كبيرة اخرى بعد سحب الخط وتكسيره فور استجابة جاسر للذهاب لتحذيراتها ليظبط الزوجة الخائنة مع حبيبها القديم.
عند هذه وانطلقت بموجة اخرى من الضحك لا تستطيع التوقف عنها، يغمرها احساس هائل بخوضها لمغامرة غير عادية أثارت بقلبها السعادة ، تنهدت بغبطة لتتمالك نفسها من الضحك قليلًا، ثم اعتدلت بنومها لتهاتف الرقم المناسب لها الاَن :
- الو..... أيوة يا فاضل.

❈-❈-❈ 



أغلق باب الغرفة فجأة بعد أن دلف إليها، فانتبهت هي من شرودها والتفت رأسها اليه مع جلوسها متكئة 
بظهرها على وسادة من الخلف، أشاحت بوجهها عنه على الفور ، فلم ترى هذه اللهفة التي بدت ملامحه وهو يخطو ليقترب منها، ممسكًا بيده ملف التحليل الخاص بها لاختبار الحمل، بعد ان تأكد من صحة المعلومة وعاد بقرائته عدة مرات بدون ملل، 
دنى ليجلس بجوارها، يسألها بصوت متحشرج من فرط المشاعر التي تتنابه الاَن لدرجة تجعل الصوت يخرج بارتجاف:
- ما قولتليش ليه؟
وكأنها لم تسمع ظلت على وضعها ولم تجيب، فتابع بأسئلته 
- ليه ما قولتليش على حاجة زي دي يا زهرة ؟ وانتِ عارفة ومتأكدة إني هتجنن عشان اعرفها.
التفت برأسها إليه بنظرة خاطفة ثم عادت للناحية الأخرى مرة على الفور لتجيبه بلهجة ميتة:
- كنت عايزة اتأكد الأول قبل ما اتكلم
رد يُلح بسؤال اَخر:
- برضوا ليه ما قولتيش من البداية، وانا كنت سعيت معاكي عشان نتأكد مع بعض؟
عادت لصمتها ولم ترد، فباغتها فجأة يجذبها من ذراعه لتلفت إليه عنوة، وتقابل عينيها بخاصتيه المتعطشة لمعرفة الحقيقة، فأمرها مرددًا بصوته الحازم المسيطر:
- ما تسبنيش اتكلم كدة وانتِ ساكتة، اتكلمي وردي عليا ، قولي يا زهرة وريحي قلبي من أسئلة كتير في دماغي ، قولي .
- عشان كنت عايزة اعملهالك مفاحأة. 
هتفت بها صارخة بوجهه لتكمل بانهيارها مع سيلً من الدموع تهطل بغير توقف:
- ايوة يا جاسر، كنت مفكرة انه هيبقى أجمل خبر ممكن ابلغك بيه، وعلى أساس انها تبقى مناسبة سعيدة ما بينا، وهاتفضل ذكراها معانا العمر كله، بس دا كان ظني في الأول ، لكن دلوقتي بقى، مش عارفة.
لم يتمالك نفسه أكثر من ذلك، فجذبها بقوة يضمها لصدره مرددًا بحرقة:
- سعيدة والله، والله سعيدة، يا أجمل زهرة في عمري كله.
مع شعورها بغمرتة القوية لها بذراعيه، وإحساسها بفرحته رغم ما حدث منذ قليل، انطلق بكائها بهسترية تردد له من بين شهقاتها:
- انا كنت محضرة كلام وحاجات كتير اعملها لما اَجي ابلغك بالخبر بعد ما اتأكد، ما كنتش اتخيل ان فرحتي المنتظرة تيجي مع ظرف بشع بالشكل ده
زاد بضغط ذراعيه عليها وقد وصله إحساسها المقهور، بصدق كلماتها إليه، يتمزق قلبه إلى أشلاء متناهية الصغر، مع كل حرف يصدر منها، يعيد لململة شتات نفسه، بعد أن فكر بروية، زهرة منذ زواجها به، وهي تحت انظاره سواء في البيت أو العمل، حتى بيت جدتها يتم بمرافقة حراسه ، بالإضافة انه ليس بالصغير أو عديم الخبرة، حتى لا يعلم بصدق عشقها إليه او الأدعاء بذلك، مع تذكره لظرف زواجهم ومحاولاته الكثيرة معها حتى استجابت له، هو أعلم الناس بصدقها وبرائتها التي اوقعته أسيرًا لها، ولكن يظل هذا السؤال:
- لماذا ذهبت الى غرفة هذا الشخص؟ 
فك ذراعيه لينزعها عن حضنه بلطف شديد بعد أن هدات شهقاتها قليلًا ، رفع وجهها إليه يمسح بابهاميه كي يجفف عنها دموعها التي لا تتوقف، فقال بلهجة حانية:
- خلاص يا زهرة انا مصدقك، بس انتِ أكيد عارفة ومقدرة الوضع اللي انا اتحطيت فيه، والكلام اللي قالوا المتخلف ده قدام امة لا اله إلا الله في المستشفى. 
مع تذكيرها بما حدث عادت لبكائها تقول بحرقة:
- بس انا والله ما عشمته بحاجة يا جاسر، انا مش فاهمة أساسًا هو جايب الثقة دي منين؟ بيتكلم واكنه امر واقع، مش فاهمة ليه بيعمل كدة؟ واللعبة اللي لعبها عليا عشان اعتب برجليا لأوضته اللي بيشتغل فيها  ويفتن مابيني وما بينك، اقسم بالله لا يمكن اسامحه عليها أبدًا
ضيق عينيه قليلًا يسألها بريبة:
- لعبة ايه اللي لعبها عليكِ؟
قطعت بكائها لتجيبه بقوة:
- ما هو دا اللي كنت عايزة اقولك عليه من البداية، عن السبب اللي خلاني اروح للغرفة اللي شغال فيها.
احتدت عينيه وتحفزت جميع خلاياه مع قوله لها:
- قولي يا زهرة اللي حصل وانا سامعك كويس اوي.

❈-❈-❈


بفستان ازرق يغطي ركبتيها بقليل وزينة خفيفة بوجهها غير مبهرجة، تنفيذها لتوصيات ابيها الذي أصدر أوامره أيضًا لجلسوها الاَن في انتظار الزائرين المهمين ، تفرك بتملل لا تطيق هذه الجلسات المملة، وهو مشغول عنها في النظر في حاسبه ومتابعة اعماله حتى دوى صوت جرس المنزل، فاغلقه على الفور مع دلوف الرجلين لداخل المنزل بصحبة مديره مكتبه، فوقف يخاطبها من تحت أسنانه:
- قومي اقفي معايا باحترام واتعدلي في وقفتك مش عايز أي استهبال .
نفخت بضيق مذعنه لأمره ومغمغة بالكلمات الحانقة بداخلها بضيق، حتى وقعت أنظارها على الضيفين، الرجل السفير فوزي شريف وابنه رائد فارتخت ملامحها وبدا عليها الإعجاب لهذا المدعو رائد بهيئته الأنيقة بشكل مبالغ فيه مع ارتدائه لحلة رمادية انعكست على لون بشرته البرونزية وعضلاته البارزة بوضوع مع سترته المحكمة بضيق على ساعديه، ليذكرها بنجوم المصارعة التي تعشقها بعشق ابطابها والنظر إليهم، يتقدم نحوهم مع ابيه برزانة ووقار تظهر رقي تربيته، هللت بداخلها على هذا الاختيار الرائع من اباها، ثم تمالكت بداخلها لتُجيد التعامل مع العريس اللقطة كما يقال عنه في الحارات الشعبية، أسبلت أهدابها تدعي الخجل، وهي ترحب بهم برقة غريبة عنها، أثارت إعجاب الرجل الكبير ليثني على جمالها وحسن أدبها:
- بسم الله ماشاء عليكِ يا بنتي، مثال الجمال والأدب، يا زين ما ربيت يا فهمي .
- متشكرة اوي يا أنكل ربنا يخليك. 
قالتها بصوت بالكاد يُسمع، جعل حاحبًا يرتفع باستغراب من ابيها، قبل أن يندمج مع الرجل بضحكة مفتعلة مع قوله:
- دا من زوقك يا فوزي، بس بصراحة انا متعبتش خالص في تربيتها، أصلها دي ورثت الأدب والاحترام عن والدتها .
أكمل الرجل بكلمات الإعجاب وهي تطرق برأسها بمبالعة، رغم خبثها في نقل النظرات إلى هذا الجميل المدعو رائد، وهو يبادلها الإعجاب حتى جلس أمامها، يفتح ازار سترته فبرزت عضلات صدره من القميص الأبيض، كادت أن تصرخ مكبرة بالأعجاب ولكنها استطاعت السيطرة على جنونها وتمالك نفسها، لتسمع كلمات المودة بين الرجلين وهذا السفير يقول مخاطبًا أباها:
- أنا اتشرفت جدًا بالتعرف عليك يا سيادة الوزير ، بصراحة انت مثال الشرف والتواضع ، يارتني قابلتك من زمان ووطدت علاقتي بيك 
ربت فهمي بكفه على عظام صدره يظهر الإمتنان لكلمات الرجل بقوله:
- دا أنا اللي اتشرفت وزادني الشرف بمعرفتك، في الحقيقة انا راجل مش إجتماعي اوي في حكاية التعارف والصدقات، لأني دايمًا بحب التقدم في شغلي بكل ضمير، ودلوقتي كمان بعد ما مسكت الوزارة بقالي سنين، ما عدتش حتى بعرف انام الليل وانا شايل هم البلد وبفكر طول الليل في مشاكلها. 
- يا سلام يا فندم على نبل أخلاقك وضميرك اليقظ 
أردف بها الرجل بحماس ليستطرد:
- مش بقولك سعيد بمعرفتك يا فندم ، انا بقالي فوق العشرين سنة دلوقتي بخدم في دول أمريكا الاتينية ، من ساعة ما كنت موظف صغير في السفارة إلا أن وصلت لمنصب السفير، بخدم في منصبي كمان بكل إخلاص وضمير، فاستسلمت بقى للغربة وقسوتها، بس بقى لما جيت عند جواز ابني، فوقت لنفسي وقولت انه لا يمكن اجوزها لواحدة أجنبية بتربيتهم المختلفة عننا، أصل مافيش غير البنت المصرية هي اللي تليقله عشان تصون شرفه وتراعي ربنا في اولاده.
سهم فهمي مع كلمات الرجل الصادمة له، ولكن مع التفافة بسيطة لابنته التي اندمجت في دورها وهي تتبادل مع الشاب ابتسامتها بخجل تدعيه، خف توتره قليلًا. 
أتت الخادمة بصنية كبيرة تحمل عليها الحلويات وفناجين القهوة فنهضت هي سريعًا تُجفل المرأة بأخذ الصنية منها لتُضايف بنفسها الرجلان وتعطيهم اطباق الجاتوه، انتشى والدها من فعلتها ولكنه اندهش مع تسمر الخادمة أمامهم بذهولها من فعل ميري الغريب، هتف عليها بالأنصراف، وعادت ميري تدعي الحياء لتزيد من اعجاب الرجل وابنه معه ، وبداخلها تتراقص من الفرح، فهذا الوسيم ذو الجسد العضلي الرائع سوف يكون من نصيبها، لتغيظ به صديقاتها وكل من شمت في طلاقها من جاسر الريان، بالإضافة انه لا يعرف شيئًا عن تاريخها، فاقت من شرودها على إضاءة الهاتف الذي جعلته صامتًا برقم ماروا، تأففت بقرف تغلق الهاتف لتعود لجلستها وابتساماتها للشاب الراقي الوسيم
لتزيد من تعلقه بها، فمن الواضح من نظراته نحوها أنه بلع الطعم وسيكون موعد زفافها بيها قريبًا، لا بل قريبًا جدًا

❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي 

فتح أجفانه على أثر الضوء الذي اخترق الغرفة مستيقظًا من نومه العميق، والتعب مازال يفتك برأسه رغم غفوته لهذه الساعات الطويلة، بعد سهره مع تعب أبيه، ومرور يومه السابق بمشقة مع أحداثه الكثيرة والكبيرة أيضا، تأوه من تخدر ذراعه الذي مازال يحمل رأسها، ليعتدل بجسده بصعوبة ويميل ليُقبلها على جبهتها بقصد إيقاظها مع مداعاباته الرقيقة لأنفها ، وهي تزوم بصوتها متأففة، فيزيد عليها بضمها بقوة حتى أنت بين ذراعيه قائلة بصوت مختلط بنعاسها :
- بس بقى يا جاسر كفاية غلاسة.
ضحك منتشيًا بمناكفتها التي تزيد من مرحه مع ردود أفعالها الغير متوقعة، فدنى منها يردد بجوار أذنها:
- مش هابطل غلاسة غير لما تقومي واشوفك صاحية قدامي
تغضنت ملامح وجهها بضيق وهي تسحب الشرشف لتغطي رأسها، وحاولت أن تنقلب للناحية الأخرى ولكنها لم تتمكن من ضيق المساحة على السرير الطبي، وهو بجسده الضخم محشور بجوارها، يحاصرها بذراعيه، ضحك من قلبه على محاولاتها الفاشلة، لتعود لوضعها متنهدة باستسلام تغطي بساعدها على عيناها، ازداد بضحكاته ليكشف عيناها فهتفت بتذمر:
- يووه عليك يا جاسر، كفاية بقى عايزة انام حرام عليك.
وكأن بكلماتها الغاضبة تطالبه بالمزيد، زاد بميله عليها حتى ثبت ذراعيها بجانبيها ليعطي للضوء مساحة كاملة وفرصة كبيرة لازعاجها أكثر ، حتى استسلمت تفتح عينيها إليه قائلة بغيظ:
- اديني اتنيلت وصحيت، استريحت انت كدة بقى؟
اومأ لها برأسه بسعادة تدغدغ قلبه مع فرط فرحته بحملها، يتأمل تفاصيل وجهها بنهم لا يصدق بتحقق حلمه اَخيرًا بإنجاب طفل او طفلة، قطعه منها، يتمنى بشدة أن يكونوا جميعهم شبهها، حتى يرى صورتها مع كل نظرة لأحد منهم.
قاطعت شروده قائلة بسأم
- هانفضل ع الوضع دا كدة كتير؟ مش ناوي بقى تفك عني شوية خليني اتحرك ولا اخد نفسي؟
حرك رأسه بالنفي ليزيد بتقبيلها مع ضحكاته المقهقهة باستمتاع لغضبها، فهتفت هي بين ذراعيه ساخطة:
- يا عم بس بقى راسي تقيلة مش متحملة، اتحرك كدة خليني اقوم مش كفاية حشرتك جمبي على السرير وانا تعبانة.
رفع رأسه إليها يقول بمرح غير مكترث لضيقها:
- طب اعملك إيه؟ وانا راجل كدة كبير وخوفت انام بعيد عن حضن مراتي؟ نصيبك بقى اتحملي.
كبتت بصعوبة ابتسامة ملحة على أثر كلماته المتفكهة، وتابعت تردف مدعية الغضب لتُخفي حرجها:
- يعني إيه بقى؟ مافيش تقدير لظروفي الجديدة ولا لتعبي؟
سمع منها واعتدل عنها فجأة قائلًا بخوف تشوبه الفرحة لهذا الوضع الجديد:
- بجد انتِ تعبتي يا زهرة؟ ولا بتهزري؟
ردت بابتسامة مستترة وهي تستقيم بجذعها أمامه:
- طبعًا لازم اتخنق من أقل حاجة وانت لازم تخلي بالك، هو فيه هزار كمان في الحمل؟
- اممم .
زام بفمه بنظرة ماكرة متفهمًا لدلالها المتزايد بحملها الجديد، فنهض سريعًا يخاطبها :
- حيس كدة بقى ، طب ياللا قومي من كسلك بسرعة عشان تفوقي كدة وتفطري معايا 
افطر معاك فين بالظبط؟
قالتها وهي تنزل بأقدامها عن التخت فاهتزت بداور رأسها الذي افقد جسدها اتزانه، على الفور لحقتها ذراعي جاسر ليسندها، متسائلًا بقلق:
- أيه الحكاية؟ هو انت لسة تعبانة من امبارح؟
اومأت برأسها تجيبه بابتسامتها الجميلة:
- مش عارفة، بس انا بجد حسيت بدوخة جامدة وانا بقف دلوقتي، شكلي هاتعبك قوي في الحمل ده.
- اتعبيني يا ستي ولا يهمك، المهم انتِ ما تتعبيش. 
قالها ببساطة أوقفت الكلمات بفمها، وكيف تستطيع الرد بما يناسب جمال عبارته؟ فتابع لها:
- اخلص بس مشوار والدي واشوفلك دكتورة شاطرة نتابع معاها، أكيد اللي بيحصلك ده سببه ضعف تغذية، هتقدرى تكملي للحمام لوحدك بقى ولا اروح معاك؟
قال الأخيرة بابتسامة ماكرة جعلتها تعتدل فجأة وتنزع ذراعه عنها قائلة بعصبية:
- لأ طبعًا مش لدرجادي، انا كويسة واقدر اروح لوحدي
قالتها وتحركت بخطواتها مسرعة عنه، هتف من خلفها ساخرًا:
- فجأة دبت فيكي الروح ها؟ 
التفت برأسها إليه بابتسامة وهي تومئ له بعيناها، ورد متخصرًا لها :
- طب خلصي وتعالي خدي تليفونك دا اللي هانج من كتر الاتصالات .

❈-❈-❈ 

دلفت صفية بخطواتها السريعة الى داخل المنزل عند صفية والهاتف على أذنها بعد أن جاء الرد اَخيرًا من زهرة ، بعد عدة ساعات عصيبة من القلق عليها بعد هذه الإشاعات التي امتلأت بها السوسيال ميديا:
- أيوة يا زهرة، احنا بنتصل بس عشان قلقنا عليكِ لما مرضتيش تردي كذا مرة على اتصالتنا ....... ايوة طبعًا ما انتِ عارفة ستك......... لا ما فيش حاجة مهمة ماتقلقيش...... 
كانت قد وصلت إلى رقية التي خطفت منها الهاتف على الفور غير قادرة على الأنتظار .
- أيوة يا عين ستك عاملة إيه؟
قالتها لتفاجأ بخروج خالد فجأة من غرفته يكمل ارتداء قميصه ويجلس بجوارها متلهفًا لسماع صوتها من مكبر الصوت لرقية في الهاتف، ورقية التي انتبهت له، أكملت المكالمة بحرص مع شعورها بعدم علم زهرة او تهربها، ولكن ما يحيرها هو هذه النبرة السعيدة في صوتها:
- يعني انتِ كويسة با حبيبتي، ما فيكيش حاجة؟...........يابنتى عايزة اطمن عليكِ............ طب ماتيجي تزورني اصلك وحشتيني أوي يا حبيبتي وعايزة اشوفك بعيني.......... ظروفك عمك؟ .......... اه يا حبيبتي لازم طبعآ تقفي معاه في عيا والده بس حاولي ما تتأخريش يعني .......... يا ختي تعالي وفرحيني انا مستنياكِ،.......
التفت رأس رقية فجأة لخالد مع سؤالها عنه، وردت عليها بدبلوماسية مع رفض ابنها للتحدث في الهاتف، ثم أنهت المكالمة والتفت إليه تخاطبه:
- يعني حرام بقى لو كلمتها بنفسك؟ بدال ما انت بتتعذب كدة وهاتموت عشان تسمع صوتها؟
رمق والدته بنبرة معاتبة قبل أن يأخذ منها الهاتف ويعطيه لصفية ويشكرها، والتي بدورها تناولته واستاذنت للذهاب حتى تعطيهم المجال للحديث بينهم
فور انصرافها التف خالد يخاطب والدته بلهجة لائمة:
- مش تخلي بالك يا ست انتِ من كلامك وصفية واقفة جمبنا.
مصمصت رقية ترد بسخرية:
- على أساس ان العيلة الصغيرة دي مش فاهمة، دا كفاية شكلك وانت خارج من اوضتك بتلبس في كم القميص فضحت لهفتك قدامها اكتر من كلمتي.
صمت بتفكير وهو يراجع نفسه بعد أن ألجمته رقية بكلماتها، فقال مغيرًا لدفة حديثهم:
- خلاص بقى يا ست سيبك من الكلام ده وخلينا في المهم، هي كانت بتقولك انها هاتبشرك وتفرحك، تفتكري تقصد إيه؟
عصرت عقلها قليلًا رقية مع تركيزها في كلمات زهرة، ثم ما لبثت ان تلتمع عيناها بخبث تقول له:
- هي بتقولي هابشرك وخبر حلو يبقى أكيد طلعت حامل، ههههه البت دي هاتفضل طول عمرها غلبانة ودايمًا كدة مكشوفة قدامي ..
أشرق وجه خالد مع ابتسامة اظهرت سعادة شديدة مع سماع الخبر لو صدق فعلا وكان حقيقًا، لقد تراقص قلبه بداخل صدره لمجرد التخيل ، ولكنه تذكر سبب اتصالاتهم العديدة إليها بقلق، فانتفض فجأة من جوار والدته يتسائل بحيرة داخله:
- ترى من يكون هذا المدعو عماد ، وما قصته مع جاسر الريان وابنة قلبه زهرة؟

❈-❈-❈ 

صعدت معه إلى الطابق الموجود بإحدى غرفه عامر الريان تحت الرعية الطبية الكثيفة، ليتفاجأ الاثنان برؤية لمياء أمامهم ، متحفزة بشكل غير طبيعي، بيدها الهاتف ، وجهها مظلم من الغضب، تزفر دخان من أنفها:
القت إليها زهرة التحية على الرغم من توجسها الكبير منها وقد بدا انها فهمت سر غضب المرأة:
- صباح الخير يا طنت.
حدجتها بنظرة نارية أثارت الرعب بقلب زهرة ، قبل ان تنتبه على لمسة من كف جاسر على ذراعها، يومئ لها بذقنه قائلًا:
- اسبقيني انتِ وانا ها حصلك. 
اذعنت لأمره وتحركت سريعُا لتتجنب هذه العاصفة الهوجاء وهي تلوح بالأفق مع غضب لمياء:
- بتبصيلها كدة ليه؟ دا انت كان هاين عليكِ تضربيها. 
هتف بها جاسر نحو والدته فور انصراف زهرة واطمئنانه لبُعد المسافة، قابلت كلماته لمياء بغضب أكبر تهمس هادرة حتى لا يسمعهم احد من أفراد المشفى وهي لا ينقصها فضائح:
- خايف اوي على زعل البرنسيسة حضرتك، ومش هامك الفضايح ولا الكلام اللي مكتوب عنكم؟
قالت الأخيرة رافعة إليه الهاتف، بعد ان أمتلأت الصفحات بما حدث بالأمس وعن قول هذا المعتوه بعد ضربه، وهذه الإشاعات التي تروج لظلم جاسر الريان للعاشق المسكين بخطف حبيبته وضربه وصرفه من عمله أيضًا، وبرغم الغضب المستعر بداخله لانتشار هذه الأخبار الملفقة، بهذه السرعة مع حبك الرواية إلا انه قد ابى ان تؤثر به او بفرحته بحمل زهرة، وقد علم بفطنته ان هذا الأمر مدبر بخطة محكمة ولن يهدأ له بال حتى يكتشف صاحبها وفي اقرب وقت، ولذلك جاء الرد لوالدته بمنتهى الهدوء واضعًا كفيه بجيبي بنطاله:
- وإيه يعني، ما يقوله اللي يقولوه وانا هايهمني في إيه؟
استشاطت لمياء من الغيظ وغلى الدم بأوردتها، تهتف حانقة:
- يهمك في إيه؟ إنت هاتشلني يا ولد انت؟ يعني انا اخلص من فضيحة نسبنا بيها وبوالدها اللي كان مسجون، تقوم تطلعلي حكاية الولد اللي خطفتها منه دلوقتِ، طب كنت سيبهالوا ياسيدي، اهم الاتنين من نفس الطبقة، ودور انت ع اللي تناسبك. 
صك على فكيه من الغيظ يهدر بأنفاس حارقة، ثم ما لبث ان يتمالك نفسه ليعود لهدوءه:
- متشكرين يا ست ماما على النصيحة المتأخرة دي، بس انا بقى كل ده ما ياثرش فيا، انا ميهمنيش اي حد تاني غير مراتي؛ اللي انا متأكد من مشاعرها ناحيتي، عن اذنك بقى يا ست الكل.
قالها وتحرك مسرعًا من أمامها، تاركها جاحظة العينان،  لا تصدق رد فعله الغير مبرر في التمسك بهذه الفتاة التي لا تجلب له سوى المصائب، من وقت أن تزوجها ، غير مقدرًا لمكانته واسم عائلته، دبت بأقدامها قبل أن تلحق به، فحديثها معه لم ينتهي بعد.

❈-❈-❈ 

وبداخل الغرفة عند عامر الذي كانت ممسكة بكفه زهرة، تقبلها كما يفعل زوجها تمامًا، تسأله عن صحته بصوتها الرقيق وتشجعه على النهوض من مرضه:
- يالا قوم بقى واقف على رجليك، عايزينك في الشغل معانا، جاسر على قد ذكائه دا كله، لكنه ما يجيش حاجة جمب حضرتك .
اومأ لها بابتسامة مستجيبًا لها، فتابعت له :
- طب اقولك على حاجة، ليك عندي خبر حلو قوي لو قومت بالسلامة كدة وخرجت من المستشفى دي .
عقد حاحبيه بشدة بتفكير عميق وقد بدا أنه يخمن ، وتمنى أن يصدق تخمينه، اشار لها بيده، حتى تقول على الفور، فضحكت مستمتعة بالحاحه:
- طب ومستعجل ليه طيب؟ ما انا بقولك اهو، على ما تقوم وتخرج من المستشفى. 
رمقها بنظرة محذرة كي تتابع لتثير ضحكاتها اكثر ، فاستسلمت له اَخيرُا لتخبره على حياء جعلها تتلعثم في قولها بجمل غير مترابطة:
- اصل يعني اا اممم، بصراحة كدة في مولود جديد جاي في السكة، قصدي يعني ااا ولي العهد، ااا
- انتِ حامل؟
قالها سريعًا بعد أن نزع قناع التنفس من على انفه وفمه، غير قادرًا على،الصبر أكثر من ذلك .
اومأت له برأسها مسبلة أهدابها بخجل منه، 
أغمض عينيه يتأوه بفرح اشتيقاهِ لهذا الخبر السعيد منذ سنوات عديدة لا يذكر عددها، ليس فقط منذ زيجة جاسر الأولى لا بل منذ ولادته حينما ظل وحيده، ولم يرزق بطفل أو طفلة اخرى غيره، التف لزهرة يلح بسؤاله ليسمعها مرة أخرى:
- انتِ بتتكلمي بجد يا زهرة ما بتهرريش صح. 
أجابته بقلق على حالته:
- والله بتكلم جد، بس بقى حط القناع عشان تتنفس كويس .
وبرد فعل غير متوقعة إزاح القناع لأعلى رأسه رافضًا ارتدائه، يخاطبها وهو يشير إليه بذراعيه:
- طب تعالي، تعالي يابنت قربي .
- تقرب فين يا باشا؟ انت بس قولي. 
قالها جاسر بعد ان دلف إليهم بداخل الغرفة، ورد عامر بصوته الضعيف الاهث رغم سعادته:
- قربها مني البنت دي خليني ابوسها في خدودها 
صدر صوت شهقة عالية من زهرة لفتت نظر جاسر قبل ان يلتف إلى والده يرد ضاحكًا:
- صلي ع النبي يا عم، تبوسها دا إيه؟ وانا روحت فين بقى؟
- ما انت كمان عايز ابوسك.
قالها عامر جاذبًا جاسر قماش قميصه والاَخر استجاب يقترب إليه نفسه ضاحكًا وقد خمن من فرحته، بعلمه بالخبر السعيد من زهرة ، أما عامر والذي ضم رأسه إليه
يردد بغبطة غير مبالي بتعب قلبه:
- الف مبروك يا حبيبي، اَخيرًا ربنا استجاب لدعايا 
نزع جاسر نفسه عنه بصعوبه خوفًا على صحته، رغم سعادته بفرحة والده:
- براحة على نفسك يا حبيبي انت لسة تعبان .
وصلت لمياء لتنضم معهم لداخل الغرفة، فقالت مندهشة لما يحدث أمامها:.
- إيه اللي بيحصل هنا؟ وانت شايل قناع التنفس ليه يا عامر؟
أجابها وقد ازداد لهاثه:
- فرحان قوي يا لميا بحمل مرات ابني ، اَخيرًا هابقى جد وعندي أحفاد.
وعلى عكس المتوقع صاحت لميا على ولدها بمشاعر مختلطة بين الفرح والغضب أيضا :
- الكلام دا صحيح يا جاسر؟ يعني مراتك حامل فعلآ ومهانش عليك تبلغني بنفسك؟ ربنا يسامحك يا جاسر، ربنا يسامحك.
ظلت تردد بها حتى خرجت من أمامهم باكية
لحق بها جاسر على الفور لترضيتها كالعادة مغمغمًا بكلمات حانقة:
- إيه هو ده؟ هي ادتني فرصة أساسًا عشان اقولها؟
تمتم عامر هو الاَخر:
- مافيش فايدة، عمرك ما هتتغيري يا لميا 

❈-❈-❈ 

- بتقولي أيه؟ يعني دا حصل بجد؟
هتفت بها كاميليا وهي تخاطب زهرة بعدم تصديق، وكان رد الأخرى :
- والله زي ما بقولك كدة، دا انا حاسة ان ربنا نجاني بمعجزة، مش فاهمة البني اَدم دا ازاي يعمل معايا، دا حبكها عليا بشكل غريب، لا والمصيبة مخه متبت على انه بحبه.
اعتدلت كاميليا بظهرها على الكرسي الجالسة غليه بجوار زهرة بمقاعد الانتظار في المشفى وعقلها يعيد في الكلمات بتأني، فقالت بتفكير:
- بس انا عارفة عماد كويس قوي، التدبير والتخطيط دا ما يفهمش فيه أبدًا، هو مجنون شوية ومتهور، الموضوع دا انا لمسته فيه من ساعة اللي عمله معاكي في الشركة وخلى جاسر الريان يطرده من شغله، لكن تخطيط بالشكل ده، مايفهمش أبدًا فيه.
حركت زهرة رأسها بالرفض وهي تُعيد تكرار السؤال المُلح برأسها:
- طب هو جاب الكلام ده منين أصلًا؟ مصمم ليه على فكرة اني بحبه وخايفة ما اعترفلوا، انا مفتكرش ابدًا اني لمحتلوا أو حتى إدتلوا إحساس بحاجة زي دي، انا كنت بعاملوا كويس على أساس أنه إنسان كويس، وانه ممكن يكون مناسب لواحدة في ظروفي ساعتها، دي حاجة بتمر على كل البنات قبل ما تقابل النصيب، لكن أكتر من كدة ما فيش، والحمدلله اني بحب جوزي فعلًا.
أشاحت كاميليا بوجهها عنها تغمغم بالسباب على من زرعت الوهم برأس هذا المسكين وكانت سببًا رئيسيًا لما يحدث من دمار:
- ماشي يا غادة الكل...... انا ان ماكنت حاسبك ع الموضوع دا مابقاش انا .
التهت عنها زهرة بنظرة نحو جاسر وهذا المدعو كارم بجواره يتباحثان في بعض الموضوعات الهامة لعملهم:
- قوليلي يا كاميليا، هو انتِ لسة مصممة على قرارك في الجواز من اللي اسمه كارم ده؟
تطلعت كاميليا نحوهم بنظرة عابرة قبل أن تجيبها وهي تدعي فرح لا تصدقه زهرة أبدًا:
- انتِ لسة بتسألي يا بنتي؟ دا احنا كتب كتابنا في خلال أيام ، دا غير الشبكة كمان اللي اشترناها ، دا كارم صمم يجيبها الماظ .
رمقتها زهرة بنظرة كاشفة ترد على إدعائها:
- بس انتِ عمر الألماظ ما أغراكِ يا كاميليا، نفسي افهم دماغك واعرف انتِ ليه بتعاندي نفسك وتعذبيها بالشكل ده، لكن برضوا هافضل محترمة كتمانك. 

صمتت كاميليا وقد أبطلت زهرة ببرائتها حُجتها، بعد أن كشفت عن ما في قلبها نحو هذه الزيحة التي اختارتها بعقلها، فبماذا إذن ستخبرها وهي التي يكتوي قلبها بنيران عشق ترفض الإعتراف به؟!
وكأنه أتى على النداء تسمرت عيناها نحو الرواق الذي يقطعه بوجه واجم متجمد الملامح، وكأنه يرفض هو الاَخر الأفصاح عما يشعر به،
وفي الجهة الاخرى التفت انظار جاسر نحو صديقه الذي أتي نحوهم يلقي التحية بابتسامة غريبة عنه يصافحه ويصافح كارم أيضًا، والذي قابل تحيته بترحاب شديد على غير العادة. 
- اخبارك إيه بقى يا طارق باشا؟ يارب تكون كويس. 
رمقه طارق برفعة من حاجبه يرد بابتسامة توسعت:
-،أكيد كويس طبعا، حمد لله نعم ربنا عليا كتير، يعني ما فيش حاجة تستاهل. 
رد كارم بابتسامة جانبية:
- يارب دايما كدة ، انا حالا كنت بكلم جاسر باشا على ميعاد كتب كتابي على كاميليا بعد يومين، أكيد انت هتيجي من غير عزومة صح؟
- أكيد. 
قالها طارق بنبرة تبدوا عادية لتُخفي ما وراءها، وكان 
الغضب هذه المرة من نصيب جاسر الذي لم يحتمل النظرة التي طلت من صديقه رغم انكاره بالقول، فالتف لكارم يصرفه بدبلوماسية:
- طب روح انت دلوقتي واعمل اللي،قولتلك عليه بخصوص العملا الجداد. 
رد كارم بعملية:
- تمام حضرتك، بس معلش لو اتأخرت شوية عشان لازم اوصل،خطيبتي .
اومأ له جاسر على مضض ليتركه ينصرف، فظلت يتابعه حتى ذهب إلى كاميليا التي كانت تعيد احتضان زهرة وتبارك لها من جديد على حملها بسعادة حقيقة لها.
عاد جاسر إلى طارق ليسأله بقلق:
- إنت جاي متغير عشان كدة بقى؟
تطلع طارق إليه بنظرة خاوية لعدة دقائق قبل أن يقول له :
- اللوم مش عليه على فكرة، اللوم عليها هي !
قال الأخيرة بإشارة منه نحوها، أثارت قلق جاسر منه، فالتف إليه يسحبه من ذراعه حتى يتجنب افتعال المشاكل.
- بقولك إيه تعالي عايزك معايا. 
تسائل طارق بدهشة وهو يُسحب معه:
- بتجرني كدة ليه؟ مش تقولي الأول عايزني في أيه؟

❈-❈-❈ 

في الغرفة نفسها التي تم فيها  الشجار سابقًا، كان مجتمعًا بمدير المشفى ورجل متخصص في التقنيات الحديثة لهذه الاجهزة، يشاركهم طارق رغم ضيقه. 
- هي دي البنت صح؟
هتف بها الرجل وهو يوقف صورة الشاشة على الفتاة التي أوقفت زهرة قبل خروجها من المشهد. دنى جاسر يُمعن النظر في الصورة، فهتف مخاطبًا مدير المشفى:
- دي لابسة يونيفورم كمان، دي شغالة عندكم هنا بقى!
رد الرجل وهو يتطلع إليها أيضًا:
- اه بس دا لبس النضافة، يعني أكيد شغالة ثواني هاروح اسأل واجيبها بنفسي.
قال الأخيرة وهو يلتقط لها صورة بهاتفه، وفور انصرافه، هتف جاسر على الرجل المتخصص:
- طب عايزك بقى ترجعلي بالكاميرا مع البنت ان شالله حتى تجيبها من اول مادخلت على ميعاد شغلها:
- أمرك يا فندم. 
قالها الرجل بعملية وهو يفعل كما أمره، تدخل طارق سائلًا:
- مالها البنت دي يعني؟ هي عملت إيه مع زهرة؟
- خليك متابع معايا وانا هافهمك القصة كاملة بس بعدين. 
قالها يُتطلع بدقة أمام الشاشة، صمت طارق يتابع مثله حتى هتف متسائلًا مرة أخرى:
- إيه دا؟ مش دي مرفت اللي واقفة مع البنت في طرقة الحمامات ؟
صمت جاسر مضيقًا عينيه وهو يعيد تذكره للمرأة المتخفية في المطعم سابقًا ذات الجسد النحيل، وقت تصويره مع زهرة حينما تناولت المنوم في زجاجة العصير بخدعة لقصد التشهير بهم، لتكتمل الان بهذه الخطة المحكمة والتي كادت ان تؤدي لخسارته لزهرة أو أذيتها، وتعكير صفو فرحتهم بالحمل الذي كان يتحرق شوقًا إليه، فرد اَخيرًا بأنفاس متهدجة من الغضب المستعر بداخله:
- هي فعلًا مرفت.


يتبع...