-->

رواية نعيمي وجحيمها - بقلم الكاتبة أمل نصر- اقتباس الفصل الثالث والخمسون

 رواية نعيمي وجحيمها 

بقلم الكاتبة أمل نصر



رواية نعيمي وجحيمها

اقتباس الفصل الثالث والخمسون  


فتحت غادة بمفتاحها لتخطو بخطوات مترددة لداخل المنزل، بخوف يكاد أن يوقف قلبها من مواجهة حاسمة مع والدتها ، بعد بياتها الليلة الماضية خارج المنزل دون أن تتمكن بإخبارها ولو برسالة صغيرة تطمئمها بها ، تحمد الله على رجوعها سليمة ونجاتها بمعجزة من مؤامرة دنيئة دبرتها امرأة أفعى لا تعرف الاخلاق ولا العقاب من الخالق. 

- توك ما راجعة من سهرتك يا بت الكلــ ب

هتفت بها إحسان من قلب المنزل فور أن شعرت بعودتها بعد القلق الذي أكل قلبها منذ الأمس في التفكير والبحث عليها وعما قد يحدث لها بالبكاء والسهر طوال الليل في انتظار خبر عنها، ويتحول كل هذا بمجرد رؤيتها بصحتها سليمة معفاة أمامها، لتنهض عن كرسيها تخلع عن قدمها خفها البيتي تنتوي تأديبها، صرخت غادة بجزع فور رؤيتها هجوم والدتها الكاسح كشاحنة نقل كبيرة على وشك دهسها، فارتدت بخطواتها للخلف مرددة لها بجزع مما قد تفعله بها:

- صلي ع النبي ياما، صلي ع النبي، انا جيالك ومعايا ضيوف. 

دلفت على صيحتها خلود سريعًا لتلتقط ذراع إحسان قبل أن تصل لابنتها التي تراجعت لتتحامى بها من الخلف والأخرى تصيح باندفاع غضبها للوصول إلى ابنتها:

- أنا هكسر عضمك واربيكِ النهاردة يا غادة، عشان ما يبقاش فيكِ رجلين تخرجي بيها أساسًا تاني، مش هسيبك غير لما افش غليلي فيكِ يا بت .

تدخلت خلود في محاولة بائسة لتوقف المرأة عن هجومها علّها تسمع:

- هدي أعصابك يا حجة واسمعي منها الأول، دا انا جاية وشاهدة معاها .

زادت إحسان بمحاولاتها العنيفة تردد بعدم انتباه أو رؤية واضحة حتى لمن تصدها:

- ولو جابتلي عشرين يشهدوا برضوا مش هسيبها بت الجــ زمة اللي عيارها فلت ولا اكن ليها أهل يربوها.

- يا ست الحجة بس لو تدينا فرصة بس نفهمك ونكلمك 

هتفت بها خلود وهي تتمسك بإحسان بقوة تحاول منعها عن ضرب ابنتها، لتزأر الأخرى بلوعة مزقت أحشائها:

- دلوقتي عوزاني اسمع وافهم! بعد ليلة طويلة عريضة قضتها وانا هموت فيها من القلق والخوف عليها، ولا يكونش كمان فاكراني صدقت الإتصال الخايب بتاعها، ليه يا ختي شايفاني دق عصافير ولا مختومة على قفايا؟

- يا ست بتقولك اسمعي الأول وبعدين احكمي، إنتِ إيه؟ إيدك بتاكلك ع الضرب من غير تفكير، طب حتى اعملي حساب للست الضيفة ونزلي شبشبك لبعد ما تمشي، خلاص شوفتيتي هطير ولا ههرب منك يعني؟

صاحت بها غادة وهي تبتعد عن مرمى الخف المنزلي بحرفنة لاعب كرة قدم في الملعب، فقالت من بينهن خلود وهي على وشك البكاء، وقد خارت قواها سريعًا مع صد إحسان المرهق بوزنها الثقيل ، وهي لم تعد تشعر بذراعها:

- حرام عليكم بقى كفاية وارسو على حيلكم، انا عندي عيال عايزة أربيهم. 

خرجت الاَخيرة بصرخة أجفلت إحسان فارتخى ذراعها بالخف لتتلطع إليها سائلة بدهشة:

- إنت مين؟ وأيه اللي حشرك وسطنا انا وبنتي؟

تركتها خلود لاهثة لتدلك على ذراعها مرددة بيأس:

- أنا الدكتورة خلود أو اللي كنت دكتورة لأني بعد الخناقة الشديدة مضمنش نفسي هعرف اشتغل تاني ولا لأ؟


بعد قليل 

وقد هدأت العاصفة قليلًا كانت الجلسة بين ثلاثتهن بوسط المنزل وقد قصت غادة بالرواية المتفق عليها مع خلود التي كانت تساعدها وتلحقها سريعًا لو أخطأت أو سهت عن شئ ما حتى لا تترك ثغرة يدخل منها الشك بقلب إحسان التي كانت تستمع بوجه واجم بارتياب لحثهم على المواصلة حتى تستطيع التصديق، لتسأل اَخيرًا وهي تتلاعب بالكارت الصغير بيدها:

- يعني انتِ متأكدة انك دكتورة مش حاجة تانية؟

أجفلت خلود من سؤالها الغريب لتُجيب بابتسامة ممتزجة باندهاشها:

- أيوة يا حجة، أمال احنا بنتكلم في أيه من الصبح، ولا كمان مش مصدقة الكارت في اللي ايدك؟ اللي فيه عنوان العيادة وارقام التليفون...

قاطعتها إحسان بحدة توقفها:

- بس البنت دي عمرها ما قالت ان صاحبتها دكتورة، كل كلامها كان مركزها العليوي في الشركة عندهم والعز والهنا اللي هي فيه!

ملاحظتها القوية في هذا الشئ الذي غفلت عنه غادة جعل الدماء تجف بعروقها وقد انعقد لسانها بالرد عن بشئ مقنع فالتفت لخلود باستغاذة تلقتها الأخرى على الفور وتولت الإجابة بسرعة بديهة:

- يا نهار أبيض هو انتِ افتكرتيها باتت عند ميرفت، لا طبعًا دي معاها أخ شاب في البيت يعني مينفعش، الموضوع عندي أنا يا حجة، قابلت غادة في الطريق وانا بقالي سنين طويلة قوي مشوفتهاش، مصدقت بقى لقيتها ومسكت فيها خدتها معايا بيتي اللي ساكنة في مع ولادي بس، عشان جوزي برا مصر بيشتغل، قضينا وقت حلو زي ما حكت غادة وبعدها قعدت تصرخ من المغص الشديد في معدتها وانا بقى اتصرفت من واقع مهنتي واديتها حقنة مهدئة، خدتها المسكينة وراحت في النوم، يعني الغلط عندي أنا.

لهجتها الهادئة المتماسكة والرزينة الجمت إحسان عن الجدال حتى ظهر على وجهها الإقتناع رغم إدعائها التفكير، التفت خلود لغادة ترمقها بنظرة مطمئتة، لتبادلها الأخرى بالإمتنان الشديد.

- بس البت دي عمرها ما قالتلي ان عندها اصحاب دكاترة. 

قالتها إحسان في محاولة اَخيرة لمعرفة المزيد، وجاء الرد من غادة وقد أخذت الثقة:

- دي كانت صاحبتي أيام الثانوي ياما، قبل ما يفرقنا مكتب التنسيق وتدخل هي الطب وادخل انا المعهد زي ما انتِ عارفة .

حل الصمت ولم يُعد هناك داعي للجدال من إحسان حتى شعرت خلود بإتمام مهمتها بسلام، تنهدت بارتياح لتهم بالأستئذان والمغادرة، قبل أن تجفل على صوت سعال قوي اخترق ظهرها من الخلف فانتفضت مخضوضة تلتف برأسها، لتفاجأ بشعبان والد غادة الذي كان خارجًا من غرفته بتغافل تام عما حدث، عقب إستيقاظه من غفوة القيلولة، مرتديًا الفانلة البيضاء ذات نصف كم على بنطاله البيتي ، يهرش بأنامله على جانب رأسه، وهو يتطلع إليها مضيقًا حاجبيه باندهاش، بهيئة أحرجت غادة واستفزت إحسان التي غمغمت بسبة وقحة نحو هذا الغبي الذي خطا حتى اقترب منهن ليتمتم سائلًا ببلاهة :

- إيه ده هو انا احنا عندنا ضيوف؟!

يتبع...