-->

رواية نعيمي وجحيمها أمل نصر- اقتباس

 

رواية نعيمي وجحيمها 
بقلم الكاتبة أمل نصر



رواية نعيمي وجحيمها

اقتباس

الفصل السابع والستون




بجوار تختها الطبي المستلقي عليه جسدها الهزيل بعد عودتها من جلسة العلاج الكيميائي الصعبة، كانت كاميليا جالسة وتدلك بأناملها على كفها تنقل إليها الدعم والمؤازرة، وهي تبتسم إليها بحب وامتنان، لا تصدق ان برغم كل ما فعلته من خطأ، لم تتركها ابنتها او تتخلى عنها كما فعلت هي سابقَا.

-جرا إيه يا جماعة، بلاش الحزن دا بقى وفرفشي كدة يا طنت نبيلة، خلي البت دي تفك خلقتها المقلوبة كدة بدل ما اطفش منها، انا راجل فرفوش ومحبش النكد .

هتف بالكلمات طارق لتشيعه المرأة بنظرة مرحة مع قولها:

-تسيب مين يا ولا؟ هو انت تقدر توارب حتى عنها، طب اعملها كدة وخليني اشوف .

هلل يجيبها بتراجع على الفور وهو يجلس على الكرسي بجوار كاميليا:

-لا لا تشوفي إيه؟ قلبك ابيض يا ستي، هو انا اقدر افكر حتى في غيرها، دي حبيتي وربنا ما يحرمني منها دي.

قال الأخيرة وهو يتناول كف يدها ويقبلها، اشرق وجه  نبيلة بالضحكات رغم الشحوب، وهي تشاهد تجعد وجه  ابنتها بالضيق لمشاكسة خطيبها الدائمة لها بجراته المعهودة، لتهتف بوجهه:

-يعني هي خلاص ضاقت عليك يا طارق مش لاقي مكان تقعد فيه غير الكرسي اللي انا قاعدة عليه؟ الأوضة فيها اتنين تاني غير الكنبة. 

عقب هو على قولها ببساطة:

-اه يا حبيبتي في، بس انا هلاقي راحتي فين؟ انا بقعد في المكان اللي برتاح فيه.

- والله.

قالتها وهمت لتلتف بجذعها فمنعها ضيق، لتكمل بغيظ:

-وهي الحشرة دي فيها راحة برضوا يا طارق؟

مال بجسده يلف ذراعه حول كتفيها ليرد بغبطة:

-اوي، تعرفي المسرحية القديمة دي بتاعة الأبيض والأسود لما الممثل دا اللي اسمه أمين الهنيدي لما يكون بيقولها كدة بالفم المليان:

- انا مبسوط كدة، انا مستريح كدة.

على قوله لم تقوي كاميليا على منع ابتسامتها، ازدادت ضحكات نبيلة لتردف إليهما:

-طب ولما هو كدة يا عم انت، ما تتــ جوزوا بقى، مستنين إيه. 

شهق طارق بصوت كوميدى جعل كاميليا تنفجر في الضحك المكتوم ليهتف بمسكنة:

- انتي بتقولي لمين يا ست انتي الكلام ده؟ انا لو عليا اتــ جوز امبارح مش النهاردة، بنتك المفترية اللي لازقة جمبي دي هي السبب، هي اللي حاطة العقدة في المنشار، انا سألت واتأكدت ان ملهاش عدة وينفع نتــ جوز على طول، إنما هي بقى مأجلة ليه؟ أسأليها كدة يا حماتي والنبي، شوفي كدة هتقولك إيه؟

سمعت منه نبيلة لتتوجه سائلة نحو ابنتها:

-إيه يا كاميليا؟ إيه اللي مخليكي مأجلة حبيبتي؟

ظلت على وضعها المذكورة لعدة لحظات تحاول وقف الضحك حتى تتمكن من الإجابة، ووجها اصبح قطعة حمراء،  لتردف اخيرًا بصعوبة:

-عدة احترازية. 

-إيه؟

تفوهت بها نبيلة سائلة ليشير لها طارق بطريقة كوميدية جعلت كاميليا ترد بدفاعية رغم الضحك المكتوم:

-عدة احترازية يا جماعة الله، انا اصريت عليها قاصدة عشان ع الأقل نعمل فترة خطوبة، خلاص الوقت راح يعني؟ دول كام شهر قليلين مش مستاهله 

ردد خلفها ساخرًا:

-كام شهر ومش مستهله! خدتي بالك يا حماتي، بتقولك مش مستاهله بكل بساطة، عشان لما اقولك عنها انها مفترية تصدقيني. 

-صدقتك يا حبيبي، وعذراك من زمان والله. 

قالتها نبيلة برقة لتدعمه، ليرسم على وجهه البراءة والمسكنة، فلا تستطيع الأخرى التوقف عن ضحكاتها وهو يناكفها باستمتاع يدخل في قلب المرأة البهجة، حتى تحول كل ذلك مع استدركها لوضعها، فقالت بجدية خلت من العبث:

-حاولي يا حبيبتي تقربي الميعاد، عايزة اللحق افرح بيكي، لميعادي يسبق قبل ميعادك.

انتفضت كاميليا بارتياع لتهتف بعدم احتمال:

-إيه اللي انتي بتقوليه دا يا ماما؟ حرام عليكي ماتوقفيش قلبي من الخوف، انتي هتعيشي وتشيلي ولادي وولاد اخواتي كمان، بلاش التشاؤم دا، لأنه غلط على فكرة.

أكمل على قولها طارق:

-فعلًا يا حماتي، انا اعرف ان الإرادة في الحياة عليها اكبر جزء في محاربة المرض وهزيمته، انتي تقدري أكيد، ما هو مش معقول يعني اللي جمبي دي، تكون جايبة قوتها وإصرارها دا من الهوا كدة. 

استجابت لمزاحه نبيلة لتعود ابتسامتها مع القول:

-كاميليا دي خدت أحلى الصفات مني وسابت اوحشها، ربنا يحرسها، والدها كمان كان لو فضل كبير في زرع الطيبة والجدعنة في شخصيتها، على رغم كل هدوئه ده لكنه ابدًا ما كان ضعيف.

قالتها بنبرة تفيض بالندم، ليخرجها طارق بقوله:

-طب معلش يعني يا جماعة في دا السؤال، بس انتوا يعني ليه مصممين إنكم متقولوش لحد؟ ومخلين الأمر وكأنه سر ما بينكم؟

أطرقت كاميليا برأسها صامتة وتكفلت بالرد نبيلة:

-السر فيا انا يا طارق، عشان انا اللي رافضة ان حد يعرف، مش عايزة اشوف الشفقة في عيون حد، او اشوف الشماتة في عيون اللي هيقولوا كدة بالفم المليان، دي خدت جزاءها، رغم اني هديهم الحق وقتها على فكرة، زي ما انا عارفة ومتأكدة كمان إن والد كاميليا عمره ما هيسبني لو عرف عشان اصله الطيب وكرم أخلاقه، بس انا برضوا مش هرضهالوا.

أوقفت لتختم بتنهيدة طويلة خرجت من العمق، وخيم الصمت على ثلاثتهم بتأثر، قبل ان يقطعه طارق، بقوله:

-بس انتي مهما اختفيتي ولا خبيتي نفسك عن الناس، أكيد هتحضري فرحنا، مش كدة برضوا.

مرة أخرى نجح في نزعها من الكاَبة لتندمج معه في مرحه، وقالت بعيون تلألات بالقلوب الحمراء:

-دا هيبقى أحلى يوم في حياتي، واوعى تفتكر إني هحضر كدة بلبس عادي ولا أي كلام، لا يا حبيبي،  دا انا لازم البس وابقى قمر، عشان اغلب البنت دي اللي قاعدة جمبك، او ع الأقل يقولوا إن العروسة طالعة لامها.

- يا ولد.

هتف بها طارق بإعجاب شديد ليتابع:

-اقسم بالله انتي قمر من غير مكياج يا شيخة، دا إيه اللذاذة دي. 

سمعت منه لتحرك اكتافها بدلال مع ابتسامة رائعة، ارتدت على ابنتها بالفرح، وعلق طارق:

-وكمان دلوعة يا ناس دا أنتي عسل....

توقف ليقترب منها هامسًا:

- بقولك إيه، ما تعلمي البت اللي جمبي دي ينوبك ثواب يا شيخة.

قالت كاميليا من خلفه متصنعة الغضب:

-سمعاك على فكرة 

التف إليها يغيظها بنظرته، فردت نبيلة بمكر:

- ومين قالك بقى إن البت دي مش دلوعة يا حبيبي؟ دي بلوة مسيحة.

-ماما.

هتفت بها كاميليا بنظرة محذرة، لم تعيرها نبيلة اهتمامًا لتكمل لهذا الذي كان يستمع إليها بشغف:

-هي بس تلاقيها مكسوفة منك، عشان كدة مصدرالك الوش الخشب، إنما استني انت كدة على ما تتجــ وزها، وانت تشوف الهنا كله.

- يا ماما.

صاحت بها لتوقفها، بوجه تلون بالخجل الشديد، فالتف برأسهِ إليها الاَخر يناظرها بأعين تفيض بالعبث وهو يقول:

-ما تسيبي الحجة تقول وتتكلم، دي بتقول حكم .والله حكم.

ضحكت على قوله نبيلة ورد فعل ابنتها التي فاض بها منهما فهتفت حانقة وهي تتناول هاتفها لتجيب عن الاتصال الذي ورد إليها نجدة:

- انا غلطانة اني لمتكم على بعض...

تبادل طارق ونبيلة نظرات خبيثة وهم يتابعون حديثها المقتضب في الهاتف بعد أن نهضت من جوارهم، لتنهي المكالمة سريعًا وتقول بلهفة:

- طارق احنا لازم نمشي بسرعة، زهرة بتولد .


يُتبع..