-->

قراءة رواية جديدة روضتني لأسماء المصري - الفصل 29

 

قراءة رواية روضتني كاملة (الجزء الثالث من رواية أحببت طريدتي)
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية روضتني رواية جديدة قيد النشر

من قصص وروايات 

الكاتبة أسماء المصري



رواية روضتني 

الفصل التاسع والعشرون

❈-❈-❈


أتعرف مع الراحة؟

الراحة.. 

هي ان تعلم ان الطرف الذي تشكو إليه 

يحبك ويحن عليك..

يفرح ويبكي معك..

حتى وإن كان لم يستطع مساعدتك!

❈-❈-❈

انتابها الحزن والبكاء والنحيب وهي تتحدث بتذمر شاكية: 
-أنا عارفه أن فارس هيضحك عليا زي كل مره، بس المرة دي انا مش هخليه يستغفلني.

صر ساجد على أسنانه وهو يمسك مقود السيارة بقوة وغل صامتا، فلم تهتم هي لعدم تفاعله معها بالحديث واكملت:
-المرة اللي فاتت ضحك عليا وعشمني بالجواز وفي الأخر جوزني لزين، بس المرة دي انا مش هسكت.

سألها وهو يركز بصره بالطريق:
-يعني فارس المرة دي وعدك بالجواز؟

نفت وهي تقضم أظافرها:
-لأ، بس أنا خاطرت بحياتي عشانه.

زفر بفروغ صبر وتوقف أمام مبنى جهاز مكافحة الإرهاب الدولي وترجل برفقتها حتى وصل للمسؤول وسلمها له وتركها عائدا لابن عمه ولكنه علم من اخيه بما حدث لزوجته؛ فلحق بهم للمشفى وهناك وجد فارس يدور حول نفسه يمينا ويسارا بقلق وهو يتنفس بحدة يشعر بألم ينحر صدره ويقسمه لنصفين.

سحبته دينا تجبره على الجلوس وهي تربت عليه:
-اهدى يا فارس، واطمن هي كويسه والله.

رمقها بنظرة حزينة وسألها:
-كويسه ازاي بس والدكتور كل ده عندها؟

دعت شيرين باكية:
-يارب طمنا عليها.

التفتت على صوت جدها الكهل وهو يدلف بعصاه ويتبعه كل من ابنه وزو جته ونرمين التي هرعت تسأل توأمها بلهفة:
-ايه اللي حصل بس؟ ده انا كنت لسه معاكم.

ردت بحزن:
-تعبت شويه بعد ما مشيتي.

تمتم مازن هامسا لأخيه:
-لحقت مر اتك بلغت عيلتها؟

رمقه بنظرة مندهشة وهمس يجيبه:
-المفروض ان ياسمين لما تفوق تلاقينا كلنا جنبها وأهلها لأ؟

حرك رأسه ممتعضا ورافضا لحديث اخيه الاصغر وكل هذا وفارس مطرقا رأسه مستندا على ذراعيه ناظرا للأرض وكأن الطير حط على رأسه لا يشعر بما يدور حوله من حديث ولا مهاترات حتى خرج مراد ومعه الطبيب فهرع بلهفة يسأله:
-عامله ايه؟ طمنوني.

رد مراد مبتسما:
-متقلقش، هي كويسه وفاقت وطلعناها الجناح كمان

تركهم متحركا صوب المصعد ولكن مراد أوقفه وهو يوضح:
-استنى بس واسمع الدكتور عايز يقولك ايه؟

عاد ناظرا له فتكلم الأخير:
-اسمعه عشان تفهم حالتها.

أومأ له وانتظر حديث الطبيب الذي بدأ التحدث فورا بعملية:
-المدام عندها انهيار عصبي حاد.

لمعت عينه ولكنه لم يقاطعه واستمر يستمع له وانتبه لاقتراب عائلتها وعائلته يستمعوا جميعا لتشخيصه فاكمل:
-والحمد لله انها جت سليمه المره دي بس لازم يكون في حذر بعد كده ونشوف ايه سبب الانهيار ده ونبعد عنه خالص لانه ممكن يسبب لها خطورة.

سأله باهتمام:
-والحمى اللي عندها؟

رد موضحا:
-دي بسبب حالتها النفسية، دي مرض نفسي اسمه النفسوجسدية

وجد مظاهر التعجب تلوح بوجهه ومعها استفسارات صامته فشرح اكثر:
-دي حاله بتصيب المريض بسبب اضطرابات نفسية كتيره بيكتمها جواه وبتفضل تتجمع لحد ما تظهر بالصوره اللي وصلت لها الهانم انهارده.

انعقد جبينه بالضيق وصر على اسنانه والطبيب لازال يشرح:
-اعراضها كتيره منها القلق الدائم وعدم الثقة بالنفس وأحيانا القرارات الغلط زي الانتحار مثلا، وده لما بتوصل لأعلى مراحل لها وساعتها بتعمل ضربات قلب عاليه وحمى زي ما حصل انهاردة.

استماعه لتلك الكلمات التي تخرج من فمه جعلته يربط الاحداث سريعا بعضها البعض فأيقن انها تمر بحالة مرضية عصيبة منذ فتره دون أن يلاحظ هو، بداية من خوفها الغير مبرر منه عندما يصيح او يغضب حتى وإن كان يصبح بشخص آخر غيرها، مرورا بشعورها الدائم بعدم الامان وخوفها من تركه لها، وايضا اصرارها على الاحتفاظ بنطفته التي قد تؤدي بحياتها وانتهاءا بما حدث من انهيارها التام؛ فترقرقت عينه بالعبرات الظاهرة والتي لم يعبأ ان يراها من حوله.

سأله بعد أن حاول استجماع قوة ليست بحوزته:
-وحالتها ايه دلوقتي؟

رد يخبره بعملية:
-لازم نشوف السبب اللي مخليها عندها الحالة دي ونبعدها عنه تماما، والأهم من ده انها لازم تحس بالأمان مع حضرتك، لانها طول ما هي حاسه بعدم الأمان مش هنتقدم خالص وأنصح حضرتك تخليها تتابع مع دكتور نفسي هيقدر يساعدها اكتر.

سأله فارس وهو متجهم الوجه:
-هو حضرتك مش دكتور نفسي؟

أومأ له يوضح:
-انا دكتور مخ واعصاب يا فارس باشا، الأفضل لها تتابع مع دكتور يكون اختصاصه نفسيه وعصبيه هيفيدها اكتر مني.

أومأ له ولم يأت على باله سوى طبيبه الذي لم يزوره منذ فترة، عاد لتركيزه يسأله:
-أقدر اطلع اشوفها؟

وافقه بالطبع فتحرك صوب المصعد برفقة جدها الذي ابتسم له يربت على كتفه هاتفا بتضرع:
-ربنا يطمنا عليها يا بني، وان شاء الله هتبقى كويسه.

لم يعقب عليه سوى بارتفاع صوت انفاسه الحزينة ونظر حوله لم يجد أي من النساء فاخبره ساجد:
-كلهم طلعولها

لحظات مرت عليه كالدهر وهو بداخل المصعد حتى استمع لصافرته التي تعلن عن وصوله للطابق المنشود؛ فتحرك بخطى ثقيلة خوفا وقلقا عليها.

دلف يسند جدها الذي تعمد الأستناد عليه ليبطئ حركته واستغل فرصة اقترابه الشديد منه وهمس له:
-انا عايزك يا بني في كلمتين.

نظر له بتلهف فهو ليس لديه القدرة الآن على التحدث مع أحد حتى يطمأن عليها، ولكنه يعلم ان هذا الكهل هو كل عالمها وأغلى شخص بحياتها وربما اغلى منه هو نفسه، ويعلم أيضاً انه يحبهما ويتمنى لهما الخير فوقف مستمعا له بانصات:

-ياسمين طول عمرها يتيمه محستش لا بحنان الأم ولا الأب ولحد ما قابلتك كانت متقدرتش تاخد اي قرار في حياتها لوحدها عشان كان في بدل البني آدم تلاته يقدروا يغيرولها قرارها ده.

أومأ مستمعا لأطنابه:
-أنت كمان وقت ما دخلت حياتها وحياتنا كلنا استملت زمام الامور وبقت لك الكلمة الاولى والأخيرة للعيلة كلها مش لها هي وبس، ومش بقولك اني مضايق من ده بالعكس... انت دايما قراراتك صح وآرائك في محلها، بس اللي حصل لها من صغرها خلاها تحس دايما ان لها كبير هو المسؤول عنها مهما حصل ويمكن ده اللي خلاها تسلم عقلها وقلبها ليك من غير حساب.

كور راحتيه حول مقبض العصا التي يتكئ عليها وأكمل:
-بس زي ما ده كان كويس لها، كان له أثر سلبي عليها انه لغى شخصيتها وخلى تفكيرها وقرارتها مهزوزه زي ما كلنا ملاحظين في الفترات الأخيرة.

لم يعقب عليه مما جعل ذلك الكهل يطيل حديثه معه  موضحا:
-بس كل ده مش غلطها، ده غلطنا احنا وانت معانا ولازم الوضع ده كله يتغير يا فارس يا بني، لازم الكل يغير معاملته معاها وانت أولنا وإلا هتروح مننا المره الجايه.

وافقه بحركة واحدة من رأسه فاضاف السيد:
-أظن الافضل لنا كلنا نتعامل معاها انها بقت ام مش عيله صغيره، يمكن هي كمان تفهم وتشوف ده وتشيل مسؤلية ولادها ومتفكرش في الحاجه اللي بتزعلها.

سحب فارس نفسا عميقا وطرده بتنهيدة متعبه وتحرك للداخل فوجدها جالسه على الفراش وكل من ابنتي عمها تجلسان بجوارها تحاولان المزاح معها دون أن تشاطرهما الحديث؛ فتنحنح لتنتبه له ولكنها ظلت تنظر بالجهة المعاكسة صامته وحزينه فأشار لنرمين برأسه لتتحرك من مكانها ففعلت وتبعتها شيرين فجلس مكانهما وأمسك راحتها يقبلها بقوة:
-الحمد لله انك كويسه.

لم تعقب عليه وظلت تشيح بوجهها عنه فمد ساعده ناحية رأسها وسحبها ليجبرها على التطلع له وتكلم برجاء:
-متبعديش عيونك عني يا سلطانه، انا مقدرش اعيش من غيرك.

ابتسم الجميع على حديثه فمصمصت هدى شفتيها بصوت مسموع وهي تتحدث بتأفف:
-ياختي اللي يلاقي الدلع وميتدلعش ربنا يزولها من وشه.

عقد حاجبيه والتفت ينظر لها بامتعاض وبدل بصره مع مازن يخبره أو بالأحرى يأمره صامتا وبنظرات ذات مغذى فهتف الأخير فورا:
-تعالوا يا جماعه نقعد في الاستراحه ونسيبهم لوحدهم شويه.

تحرك الجميع فعاد ينظر لها مسبلا نظراته نحوها ووجه يبتسم بحب وهمس بتوسل:
-أنا آسف، لو بتحبيني سامحيني.

لم ترد وظلت تشيح بوجهها عنه فخلل أنامله بخاصتها وظل يشاكسها ويداعب وجهها براحته الحرة يرجع خصلاتها خلف أذنها:
-زي القمر يا سلطانه.

تنفست بحدة وتكلمت أخيرا:
-ممكن تتصل بداده تطمن على الواد؟

رد مبتسما:
-لسه مكلمها والحمد لله ناموا.

ابتلعت ريقها وبللت شفتيها بلسانها فأمسك زجاجة المياه وناولها إياها يسألها:
-عطشانه؟

أومأت له وشربت قطرات صغيرة واعادت غلق الزجاجه فتكلم مجددا برجاء:
-ممكن تسمعيني للمرة الأخيرة؟

رفضت بعد أن شخصت بصرها أمامها بشرود:
-حقيقي مش قادره اتكلم في حاجه دلوقتي، ممكن نأجل كلامنا لبعدين.

واقفها وهو يعقب:
-أنا مكنتش هتناقش في حاجه، بس عايزك تسامحيني على غلطتي ومش طالب اكتر من كده، بس هسكت دلوقتي طالما تعبانه.

وقف مبتعدا فأوقفته:
-انا عايزه أروح، خلاص بقيت كويسه.

وافقها مؤكدا:
-تمام، هنادي للدكتور ونشوف هيقول ايه؟

❈-❈-❈

إصرارها على الركوب برفقة جدها أحزنه كثيرا وصعد سيارته برفقة مازن وچنى التي جلست بجوار اخيها تربت عليه مواسية إياه:
-معلش يا فارس، بجد ياسمين مزوداها اوي.

رمقها بنظرة متضايقة وعاد ينظر للطريق بشرود فسارت سيارته بمحازاة سيارتها فوجدها تجلس بحـ ـضن جدها تستند على صد ره والأخير يمـ ـسح بيده المجعدة على ظـ ـهرها بحنان فزفر أنفاسه بضيق واستمع لمازن المتابع لهما يتحدث:
-معلش يا فارس، هتاخد وقتها وتروء.

وصل ذلك الحشد لڤيلته فوجدها تصعد لأعلى بعد ان طلبت من اختيها الصعود معها؛ فتضايق مجدداً من تصرفها ولكنه صمت متفهما ومتمتما لنفسه:
-سيبها عشان تهدى.

لحظات مرت عليه وهو يستند بظهره على الأريكه لا يستمع لاغلب الحديث الدائر حوله حتى انتبه لعمها وهو يحدث زو جته:
-اطلعي يا هدى نادي على نرمين خلينا نروح، الوقت أتأخر.

أوقفها عن الصعود وهو يصر عليه:
-خليكم بايتين يا استاذ محمود، الوقت أتأخر خالص يعني كلها سواد الليل.

حاول الرفض ولكنه لم يعطه فرصة لذلك فنظر لساجد وأخبره:
-وأنت كمان خليك مجاتش عليك.

ضحك ساجد من مزاحة ووجده يخبر چنى:
-خلي الخدم يجهزوا عشا أكيد محدش اكل حاجه من وقت طويل، ولو نايمين صحيهم.

مـ ـسح على قدميه ووقف مستعدا للصعود وهو يقول:
-هطلع اغير هدومي وانزل لكم، البيت بيتكم طبعا مش محتاج اقول.

بالطبع تلك حجة واهية حتى يصعد لها؛ فهرع بسرعة يصعد الدرج كل درجتين معا وطرق الباب وفتحه قبل أن يستمع لموافقة من بالداخل؛ فوجدهن يلملمن متعلقاتها الشخصية بحقيبة فرفع حاجبه ناظرا لهن وتكلم بهدوء مصطنع:
-استاذ محمود عايزكم تحت.

وجه حديثة للتوأم فتركتا ما بيدهما ونزلا؛ فأغلق وراءهما الباب بالمفتاح وعاد ليجدها تكمل هي جمع متلعقاتها فهمس لها بخفوت يسألها:
-هتمشي؟

ردت بعصبية:
-أنت شايف ايه؟

حاول تمالك أعصابه وتكلم بهدوء:
-مش احنا متفقين ان مهما يحصل بينا منسبش بعض! ولا حتى نسيب الاوضه، وانتي مش بس مخصماني ده انتي عايزه تمشي خالص من البيت.

لم تعقب عليه فتسائل بغصة:
-وبعد ما تسبيني، الخطوة اللي بعدها ايه؟ طلاق
؟!

تركت ما بيدها وردت بضيق:
-والله انا مجبتش سيرة الطلاق بس لو انت حابب ده عشان عاليا هانم ترتاح فانا معنديش مانع.

اقترب منها يرمقها بنظرات معاتبة وتكلم بصوت خافت مثير:
-بذمتك حد يبقة متجـ ـوز القمر ده ويبص لعاليا!

لم تعقب عليه وتفاجئت بنفسها بين ذراعيه فحاولت الابتعاد، ولكنه تسمر مكانه وسألها بتلاعب:
-هتقدري تنامي بعيد عني؟

تلعثمت وهتفت بحدة:
-انا محتاجه اريح اعصابي شويه بعيد عن الضغط النفسي اللي انا فيه ده، لو سمحت ابعد عني بقى.

دفعته بقوة فابتعد ووقف يحاول استجماع شتات نفسه التي تتوق لها، ولكنه ما لبث ان وجدها تدخل بنوبة بكاء من جديد فهتف يتوسلها:
-يا ياسمين براحه على نفسك شويه، اقسملك اني ما كنت اعرف إن الجاردات هيجبوها على هنا وكان المفروض تروح على المكان الآمن اللي مجهزينه لها هي وولاد مروان.

عبراتها ظلت تشق طريقها عبر وجنتيها فأضاف متوسلا:
-سامحيني أنا فعلا غلطان عشان خبيت عليكي.

وجدتها فرصة سانحة لتخرج ما بجوفها فصاحت به:
-لما أنا اخبي عليك حاجه يبقى في زعل وخصام وعقاب، لكن انت مبتغلطش وتخبي وتكدب عادي جدا محدش يقدر يراجعك مش فارس باشا الفهد اللي محدش قده.

تركها تخرج نوبة غضبها منه بالشكل الذي يرضيها ولكنه كلما وجدته صامتا زادت من حنقها وصياحها به:

-كل مره يحصل بينا اي حاجه واطلع انا الغلطانه تعاقبني ببعدك عني ولا بالشكل اللي تشوفه مناسب لكن انت وقت ما تغلط لازم ياسمين تسامح عشان بتحبك، وانت ايه مبتحبنيش!

اقترب منها واحتـ ضنها رغما عنها وهو يؤكد لها: 
-بحبك واكتر من حياتي كلها يا ياسمين، بطلي عياط عشان خاطري وأنا هعملك كل اللي تطلبيه

ابعدته عنها وأصرت هاتفه ببكاء يقطع نياط القلب:
-مش قادرة افضل هنا، عايزه امشي ... سيبني امشي.

انهيارها بهذا الشكل مجددا أمامه لم يترك له خيار سوى بالانصياع لها ولكنه حاول التحدث معها بعقلانية فترجاها:
-عشان خاطر الولاد طيب فكري تاني في قرارك، انا مش هعرف ائمنكم في بيت جدك.

صرخت رافضة فرفع راحتيه امامها يوقفها:
-خلاص طيب اهدي، لو مش قادرة تشوفيني انا امشي وخليكي انتي هنا مع الولاد وأهلك كمان معاكي.

شهقاتها جعلته يترجاها:
-بالله عليكي يا ياسمين كفايه وأنا همشي والله ومش هوريكي وشي لحد ما تهدي، بس متمشيش من هنا الوضع لسه مش آمن.

تماسكت تماسك زائف ووقفت امامه كاتمة لبكاءها وتكلمت بصوت متحشرج:
-هتمشي تروح فين؟ عندها مش كده؟!

تقوس حاجبيه وهو يستمع لها واجابها نافيا:
-لأ، أكيد لأ يا سلطانه.

سألته بتلبك:
-أومال هتروح فين؟

رد بحيرة:
-مش عارف، هروح للدكتور مراد ولا لساجد أو الأفضل آخد مازن وچنى واروح اقعد عندهم طالما نرمين هتبقى هنا عشان منضايقهاش.

ابتلعت ريقها واومأت له موافقة فشعر بغصة ضربت قلبه ولكنه أصرها بنفسه وتحرك صوب غرفة ملابسه وأحضر حقيبة يجمع بها متعلقاته وملابسه ووقف يدور هنا وهناك بحيرة وتمتم بصوت مسموع:
-حاسس اني ناسي حاجه.

نظرت بطرف عينها ناحية الحقيبة فلم تجد سوى بدلتين ومنامة رياضية واحده مع قمصانه واكثر من رابطة عنق فهمست ترد عليه:
-ملابس داخليه وشرابات وشاحن الموبايل وبرفاناتك و...

قاطعها محاولا اخفاء بسمته:
-معلش متعود إن مر اتي هي اللي دايما بتحضرلي الشنطه لما بكون مسافر.

اقترب منها وطلب منها بصوت مثـ ـير وهادئ:
-ممكن اطلب منك تحضريلي الشنطه لآخر مره؟

أومأت له وبدأت تجمع متعلقاته وترصها بالحقيبة فجلس يراقبها حتى انتهت واعادت حقيبتها لمكانها والتفتت تخبره:
-خلاص، ولو احتاجت حاجه تاني تقدر تيجي تاخدها.

نظر للحقيبة وسألها:
-ده انا شكلي مطول عند مازن!؟

حركت كتفيها لأعلى:
-معرفش، لما اهدى هبقى أقولك.

ضحك على حديثها مرفرفا بأهدابه مشاكسا اياها فضحكت رغما عنها فاقترب من اذنها هامسا:
-متتاخريش عليا أحسن بعدك عني بيوجعني اوي.

حمل الحقيبة وتحرك صوب الباب فشعرت بألم في قلبها ولم تتمالك نفسها أكثر فهتفت توقفه:
-متمشيش

التفت 360 درجة بسرعة كبيرة ونظر لها منتظرا ان تكمل حديثها فأضافت:
-خليك هنا معايا ومع ولادك.

القى بالحقيبة من يده واقترب منها ساحبا اياها من خصرها لتدخل بداخل اضلعه وتمتم بخفوت:
-بحبك يا سلطانه.

قبلها على الفور ودون مقدمات فبادلته القبلة ولكنها ابتعدت بسرعة توبخ نفسها أمامه وعلانية:
-مبقدرش آخد منك موقف مش زيك.

عاتبته بنظراتها ولكنه مازحها قائلا:
-كل الحكاية انك مبتعرفيش تصالحيني لما بكون زعلان منك.

تعجبت من حديثه فاستطرد يوضح:
-لما بتزعلي مني بفضل اكلمك واحايلك واداداي لحد ما تصالحيني، لكن لما انا بزعل منك واطلب منك تبعدي بتبعدي بجد.

قضمت جانب شفتها وهي تسأله:
-عاوزني افضل احاول معاك يعني!

أومأ لها مبتسما ولكنها تذكرت حديث نرمين باحتمالية زو اجة فتجهم وجهها وعادت تسأله:
-يعني انت مش ناوي تتجـ وز عاليا؟

رد فورا وملامح الذهول مرسومه على وجهه:
-عالية ايه دي اللي اتجوزها، لأ طبعا وقولت لك 100 مره قبل كده لا عاليا ولا غيرها.

سألته بتوسل في نظراتها:
-يعني مستحيل تفكر أصلا في الجواز؟

شاكسها وهو يقضم شفته:
-بصي اقولك الصراحه.

ترقبت لما هو قادم فقال:
-في واحده متبعاني على السوشيال ميديا ودايما بتبعت لي رسايل حب وغرام وانا بصراحه مطنشها بس آخر حاجه بعتت انها عايزة تتجوزني فأنا بفكر اوافق، انتي ايه رأيك؟

جعدت جبينها وهي تنظر له بضيق وهتفت بحدة:
-هي البيدج دي مش في موظف ماسكها وبيديرها بدالك؟

أومأ لها فتسائلت:
-أومال انت عرفت منين الموضوع ده؟

ضحك وأخبرها:
-هو معني إن في حد بيدير لي البيدج يبقى مش بتابع اللي فيها، طبعا عارف كل كبيرة وصغيره بتحصل عليها وخصوصا المعجبات.

دبت الأرض بقدمها وهي تستجوبه:
-وايه حكايتها المعجبة دي؟

تكلم بعدم اكتراث زائف وكان الأمر لا يعنيه:
-ابدا يا ستي كل ما تنزل لنا صوره مع بعض تحط تعليق (يا ريتني كنت مكانها) ومره تانيه قالت لي (ردتها تاني ليه؟) وآخرها بقى لما طلبت تتجوزني وموافقه عادي انك تفضلي على ذمتي.

صرت على اسنانها من الغيظ وحاولت رد الصاع له فتهكمت عليه:
-محسسني انك فنان الجيل ولك معجبات، انت رجل اعمال يا حبيبي مش ممثل.

سحبها من خصـ ـرها ألصقها بجزعة واقترب من اذنها يسألها باثارة:
-قولتي ايه؟

فهمت ما يود منها أن تردده على مسامعها فقالت بدلال:
-قولت يا حبيبي.

قبـ ـلها قبـ ـلة عميقة ومؤ ججة للمشا عر باد لته اياها فخرج عن طور هدوءه وحملها مجبرا سا قيها على محاوطة خصـ ـرة واتجه لأقرب أريكة متواجدة بجناحهما وجلس عليها يكمل تقـ ـبيلها ولكنه ابتعد فجأة بعد ان شعر بتجا وبها الزائد معه وهي تحاول فك أز رار قميصه فنظرت له متسائلة عن سبب توقفه فاجابها فورا:
-لسه الدكتورة معطناش أي تعليمات، بلاش نتهور ده غير اهلك تحت مستنيينا ع العشا.

لمعت عينها وهي التي ظنت ان عرضه عليها بترك المنزل كان جديا فضربته بصـ ـدرة موبخة:
-كنت بتضحك عليا ولا هتروح لمازن ولا هتسيب البيت

ضحك وهو يمسك قبضتيها يوقفها عن ضربه وقال غا مزا بتلا عب:
-قدرات يا حبيبتي، المره الجايه لما تزعليني ندخل ساعتها مع بعض رهان ونشوف هتعرفي تصالحيني ولا لأ!

تركته ووقف فسـ ـحبها ليجلسها على فخـ ـذه وهو يتمتم:
-خليكي.

نادته بحزن عاد للظهور عليها:
-فارس.

رد متغـ ـزلا بها:
-عيونه

سألته بخوف وقلق:
-أفرض عاليا ساومتك تاني بأي حاجه عشان تتجوزها!

مـ ـسح على طول ذر اعها وهو يؤكد لها:
-هي بدأت المساومة فعلا، بس متخافيش مش هتعرف تعمل حاجه.

لم تفهم مقصده فشرح لها:
-عاليا دلوقتي هي وولاد مروان ومامتهم شهود على غسان، وهي بالوقت الحالي بتساوم على شهادتها بس محلوله متقلقيش.

انتظرت تفسيره للأمر فقال:
-عاليا شهادتها مشكوك فيها أصلا لصحة سلامتها العقلية، فأنا بدل ما افضل موتر نفسي من تصرفاتها هسيبها تضرب دماغها في الحيط، والله شهدت ضده يبقى خير وبركه وهرجعها للمستشفى تكمل علاجها يمكن حالها يتصلح، انما بقى لو شهدت ضدنا هطلع الشهادة الطبية دي واشكك في شهادتها، وكلامها هيبقى قصاد كلام يزن وآسر والبنت اللي كان عاملها بنته وتبقى خلصت على كده.

قبلـ ـته على الفور بفرحة من حديثة الذي شرح قلبها وعادت تساله:
-يعني كده الخطر راح؟

نفى بضيق:
-لسه مش اوي، لما اطمن ان محدش جديد هيطلع يحاول ينتقم من كشفنا للمنظمة دي.

سألته بارتباك:
-ممكن يظهر بالذات انك اخدت كل فلوسه.

أومأ لها مؤكدا:
-ما الفلوس دي هي وسيلة التفاوض لأي حاجه جديده تظهر، المهم دلوقتي نخلص من القديم.

وقفت وهي تسحبه معها هاتفة بجدية:
-طيب يلا ننزل لأهلي اتأخرنا عليهم.

أوما وفور أن تحرك معها التفتت تسأله بفضول:
-اسمها ايه المعجبة دي يا فارس؟

ضحك عاليا وهو يقرص وجـ ـنتها واجابها:
-اسمها مامة عمر.

لمعت عينها وهي تسألة ضاحكة:
-طيب وبالنسبة لبابا عمر وضعه ايه في الحكاية دي؟

صدحت ضحكاته وهو يزم شفـ ـتيه بحيرة:
-عادي ده اعجاب اون لاين مش فـ الحقيقة يا غيورة.

انهى حديثه وهو يقرص وجـ ـنتيها مقـ ـبلا اياها قـ ـبلة شغوفة وابتعد بصعوبة وهو يخبرها:
-يلا بينا احسن التحكم في النفس بقى في ذمة الله وهتهور وانتي لسه تعبانه.

شبك انامله بخاصتها وفتح الباب متجها صوب الدرج فسألته بفضول:
-لما جو ازك من عاليا مش قائم أومال ايه العقاب اللي كنت بتقولي عليه؟

ابتسم بو جهها وعقب عليها بعد ان اقترب من جمع العائلة:
-بعدين هبقى أقولك.

حاولت ان تكمل حديثها ولكن صوت هدى المستفز للجميع اخرجها من حالة السكون التي كانت بها منذ لحظات عندما وجدتهما شابكي يديهما معا فهتفت بسخرية:
-شوفتوا بقى الدلع الماسخ، بقى ده شكل واحدة لسه خارجه من المستشفى وهاتك يا عياط في العربيه وخدوني معاكم خدوني معاكم.

هل استطاع احدا من الحاضرين منعها من استكمال حديثها؟ بالطبع لا فلم يكن سواه هو القادر على اخراسها بنظرة نارية واحدة من عينه التي تخرج شرر مخيف فصمتت فور ان رمقها بتلك النظرة المحذرة ونظر للمائدة المعدة أمامه وهتف بترحيب:
-اتفضلوا يا جماعه الأكل زمانه برد، انا عارف اننا اتأخرنا عليكم.

ابتسم الجد وهو يعقب عليه:
-المهم انكم اتصالحتم يا بني وربنا يبعد عنكم الشر

رد بتمني:
-آمين.

❈-❈-❈

استيقظت على اصوات همهمات تأتي من الغرفة الملاصقة لغرفتها والتي تمكث بها توأمها فظنت انها تتشاجر كعادتها مع زو جه، ولكن لحظات وعادت الهمهمات بقوة فتخوفت ظنا منها أنه ربما حان موعد ولادتها؛ فاقتربت من الشرفة لتتأكد من ماهية الصوت حتى لا تتدخل فيما لا يعنيها ولكنها تفاجئت بآ ها تهما المتوالية باستمتاع وبعض الالفاظ البذ يئة التي تخرج من فـ ـم ساجد ذلك الرجل الوقور والمحترم وما تبعها من ضحكات من اختها فشعرت بالحرج على الفور وعادت تنظر للمرآة لشعورها بسخو نة اجتا حت وجهها من كثرة الخجل فوجدت كل من وجـ ـنتيها واذنيها قد تحولت للأحمر فسحبت نفسا ودلفت المرحاض تغسل وجهها وخرجت فورا تتجه لأسفل هربا مما تستمع له.

لم تكن خيوط الصباح قد لاحت بالفعل فاخذت هاتفها معها لتجلس بالبهو بانتظارهما أن ينتهيا مما يفعلاه وتعود لتصعد غرفتها حتى تستلق قليلا فاليوم بالنسبة لها كان شاقا بداية من اخطارها بالطلاق وحتى تلك اللحظة.

نزلت الدرج وتحركت صوب البهو ولكنها تقابلت وجها لوجه مع مازن وهو يحمل بيده زجاجه مياه فابتلعت ريقها بحرج عندما ابتسم لها متسائلا:
-مجالكيش نوم ولا ايه؟

ارتبكت ولا تعلم لماذا تشعر بكل هذا الارتباك دائما بحضوره فردت بتلعثم:
-يعني شوية.

أومأ لها وتكلم وهو بطريقه للدرج:
-بس الحل مش انك تنزلي الريسبشن.

عقبت عليه:
-ما انت كمان شكل عندك ارق.

نفى برأسه ورد:
-لا ابدا بس چنى عطشانه ومكانش جنبنا ميه.

ابتسمت بسمة صفراء وعندما وجدته يتحرك بصعوبه مستندا على الحائط بيد وبالاخرى يحمل الزجاجه سالته باهتمام:
-ان تعامل ايه دلوقتي؟ مش احسن؟

رد بعد أن توقف عن الصعود والتفت لها:
-الحمد لله بقيت زي الفل.

عقبت مردد:
-الحمد لله

شعر بها حزينة ومنكسرة فآثر على اعادة احياء ثقتها بنفسها فبالرغم مما حدث بينهما إلا انه كان ولا زال يكن لها كل الإحترام فهي شخصية فريدة من نوعها حتى انها تختلف كليا عن توأمها او حتى عن زو جة ابن عمه:
-نرمين.

رفعت وجهها تنظر له فقال:
-مش عايز تجربتك تأثر عليكي، فشل التجربة مش معناه فشلك انتي.

ضحكت ساخرة وهي تقول:
-آه، بس فشل اختياراتي مش اكتر.

ها هي تعود لصيغة الجمع من جديد فصر على اسنانه وسألها بضيق:
-انتي شايفه ان اختيارك ليا كان فشل برده؟ 

سألته بتجهم:
-أومال كان ايه؟

رد وهو يتنفس بحدة:
-كان عدم توافق مش اكتر، أنتي شخصية جد ومحتاجه حد شبهك وانا انسان بحب الهزار والفسح والتغيير وكنت عايز واحده شبهي، وعشان كده تجربتنا منجحتش لكن ده مش فشل.

سألته بحزن ظهر على صوتها:
-وچنى كان فيها المواصفات اللي أنت بتدور عليها؟

تعجب من سؤالها ومن نبرتها فحاول الهروب بطريقة لبقة:
-أظن انتي اللي سبتيني على ما أذكر.

هجمت بحديثها:
-واظن لأنك خونتني، والغريب انك مخنتهاش أو نقول لسه مخنتهاش.

استمعت لصوتها يعقب عليها:
-مخانش عشان بيحبني، وخانك عشان مكانش بيحبك... تحبي تفسير تاني أفضل من ده؟


يتبع...


إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة أسماء المصري من رواية روضتني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة