-->

رواية روضتني 2 (الجزء الرابع من رواية ترويض الفهد) طمس الهوية -لأسماء المصري - الفصل 2

   قراءة رواية روضتني 2 (طمس الهوية) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى

 

 


رواية روضتني 2

(الجزء الرابع من رواية ترويض الفهد)

طمس الهوية

للكاتبة أسماء المصري


الفصل الثاني

وقف ينظر أمامه وعينيه جاحظة أمامه وهو يتحدث مع الطرف الآخر ويسأله:
-حصل إزاي وأنا لسه مبقاليش نص ساعه ماشي من عندكم؟

لم يستمع من حوله للطرف الآخر ولما قاله فأومأ بضيق وهو يقول:
-تمام أعمل اللازم وأنا جاي في الطريق.

أغلق الهاتف وظل صامتا يحكم قبضته على هاتفه ويصر على أسنانه؛ فاقترب منه عمر وسأله باهتمام:
-في إيه يا فارس؟

رد وهو متجهم الوجه:
-عاليا حاولت تنتحر تاني.

ردت هي عليه معقبة باستنكار:
-قصدك عاشر، وطول ما أنت بتروح لها وبتديها اهتمامك هتفضل تعمل العمايل دي.

لم يعقب على حديثها، ولكنه التفت ليغادر وهو يخبر عمر:
-معلش يا عمر أنا مضطر أمشي بس أكيد هنقعد مع بعض وقت تاني.

لم يجب الآخر بل لم تمهله ياسمين فرصة للرد وهي تصرخ متسائلة:
-أنت رايح فين؟

أجاب بهدوء وهو يوليها ظهره متجها للخارج:
-رايح المستشفى.

ضغطت على أسنانها حتى استمع لاصطكاكهما واردفت تخبره بقوة:
-لو روحت هترجع مش هتلاقيني.

التفت سريعا ينظر لها بلمعة من عينيه وهو مندهش من تهديدها فأكدت مرددة:
-لو روحتلها تاني يا فارس هترجع لا هتلاقيني ولا هتلاقي الولاد، وللأبد لأن دي أخر فرصة بديهالك.

اقترب منها؛ فنظرت له بتحدٍ ولكن صوت خديجة الهادئ من أخرجهما من تلك المناظرة الصامتة وحرب النظرات وهي تقول:
-أظن الأفضل نمشي احنا ونبقى نيجي وقت تاني يا عمر.

أومأ لها وأمسك صغيرته وزوجته وتحرك للخارج وهو يودعهما:
-هنزوركم تاني قريب وياريت تهدوا وتقعدوا تتكلموا بالعقل.

خرج عمر وزوجته؛ فعاد فارس ينظر لها تلك التي تركته ودلفت للبهو تجلس بجوار حنان فصاح بها:
-وبعدين معاكي يا ياسمين؟ أنا هفضل لحد امتى افهمك إن عاليا خطر ولازم أفضل متابعها عشان متعملش مصيبه جديده، يعني زيارتي ليها عشان امانك انتي والولاد قبل كل شيئ.

تجهمت ملامحها وهي تسأله:
-مفيش قضية ولا تهديد من ناحيتها تاني، يبقى روحت لها ليه؟

رد موضحا:
-اظن إنك عارفه أن المحامي بتاع الزفت اللي اتجوزته فتح الوصية ولقاه كاتب نص ثروته لها والنص التاني لبنته.

ضحكت ساخرة وهي تعقب:
-وايه الخطر في كده أنت سلمتهم الفلوس مقابل أسهم العالمية وخلصت، ودلوقتي الفلوس بقت بتاعتها، أحنا بقى مالنا أو أنت بالتحديد يا فارس مالك بيها؟

رد وهو يجلس بجوارها:
-يا ياسمين امتلاك عاليا للمبالغ دي ممكن جدا تقدر تعمل بيها كوارث، وانا كان لازم اطمن من الناحية دي قبل ما تودي نفسها وتودينا في داهيه معاها

اشاحت بوجهها عنه وهي تعقب:
-برده مكانش المفروض تروح لها، وواضح أوي إن استقبالها ليك كان ملوش زي وهي ريحتها لازقه فيك بالشكل ده وكمان الميك أب بتاعها مبهدل كل هدومك.

ظهر التوتر عليه فورا فجعدت جبينها وهي تسأله بحيرة:
-هم المجانين اللي في المصحة بيحطوا برفان وروج برده عادي؟ أصل انا بصراحه معرفش النظام في المصحات الهاي كلاس دي ايه؟!

سحب شهيقا بداخله وزفره بقوة وهو يقول:
-اوضتها جناح فندقي على أعلى مستوى، فعادي جدا تكون متعلقاتها الشخصية موجودة، وبعدين ده مش موضعونا.

أومأت له وهو تؤكد:
-بالظبط مش موضوعنا، أحنا موضوعنا هو وعدك ليا اللي أخلفته مره وأتنين والتالته تابته يا فارس ولأول مره هقف لك وأقولك يا أنا يا هي.

مسح وجهه ولحيته براحته واقترب منها أكثر؛ فابتعدت بجلستها على الأريكه، ولكنه ظل يقترب منها حتى بات ملاصقا لها وتمتم هامسا:
-أنتي عارفه ردي على الكلام ده، مش محتاجه ابدا انك تحطي نفسك في مقارنه مع الأقل منك.

ضحكت ساخره من جديد وهي تعقب:
-أقل مني في ايه؟ دي راسها براسي ويمكن أكتر، هي كل غلطاتها مغفوره وأنا لأ، هي تطلب تجاب مهما كان العوائق قدامك وأنا لأ، يبقى مين فينا الأعلى يا فارس؟

همس لها وهو يمسك ذراعها:
-كل ده كلام فاض وأنتي عارفه ومتأكده من كده، بس بتحبي ادادي فيكي وادلعك وعلى قلبي زي العسل يا ستي، بس حقيقي الوقت دلوقتي مش مناسب ابدا ولازم اروح اشوف...

قاطعته صارخه:
-روح زي ما أنت عايز، بس أنا عند كلمتي وأقسم بالله يا فارس لو بدتها عليا المرة دي عمري ما هرجعلك أبدا.

قضم شفتيه حتى اختفت تمام بداخل فمه وتكلم بضيق:
-واخده بالك من اسلوبك معايا؟ وأكيد واخده بالك برده اني ساكت مش ضعف ولا قلة حيله.

وقفت من مكانها وقالت باصرار:
-وأنا كمان لا بهددك ولا بضغط عليك، اختار اللي يريحك يا فارس، يا عاليا يا أنا.

تنفس بقوة عدة مرات شهيقا بقوة وزفيرا بحدة وأمسك هاتفه ضاغطا على شاشته ووضعه على أذنه منتظرا الرد حتى أجاب الطرف الآخر فتكلم على دفعة واحدة:
-ركز معايا واتحرك بسرعة من غير ملكعه، عاليا حاولت تنتحر تاني بعد زيارتي ليها وحاليا بيحاولوا يسعفوها ومعرفش وصولوا لفين، فروح بسرعه المستشفى شوف الوضع وخليك معاها لحد ما الدكتور يبلغك حالتها والأهم من كده اعرف حاولت تنتحر ازاي المرة دي بعد ما شالو أي حاجه ممكن تأذي بيها نفسها من الأوضه بتاعتها.

وافقه مازن دون ثرثرة وأجاب:
-حاضر هلبس واروح لها بسرعه.

اغلق الهاتف وجلس بجوارها واضعا هاتفه بجيب سترته وسألها بحيرة:
-اتاكدتي كده انك نمرة واحد عندي ولا لسه برده؟

رمقته بنظرة حزينة ووقفت متجهة لأعلى، ولكنه لحق بها وأمسكها من ذراعها ووقف قبالتها وهتف بضيق:
-خلاص يا ياسمين بقى، ارجوكي متحطيش عاليا سبب للزعل بينا لانها مستحيل تكون مهمة لدرجة نزعل من بعض، نفسي تفهمي إن كل ده مش اهتمام بيها بس حذر من جنانها مش أكتر.

دارت بوجهها عنه، ولكنه مسك أسفل ذقنها وأجبر عينيها لمطالعته وتمتم هامسا:
-حبك بيجري في شرايني يا سلطانه، كفايه زعل وخصام بقى.

ظلت واجمة وهو يداعبها بتغيير ملامح وجهه لأشكال مضحكة؛ فحاولت عدم الإنصياع لرغبته باضحاكها ولكنها فشلت، وفور أن ابتسمت بسمة مقتضبة انحنى يقبلها، ولكن رنين هاتفه اوقفه قبل أن يتعمق بقبلته فنظر لشاشته وما كان إلا ابن عمه فأجابه فورا:
-ايوه يا مازن.

❈-❈-❈

ابتلع ريقه وهو جالسا على المقعد الحديدي المركون بأحد حوائط المشفى وتكلم بصوت حزين:
-أنت فين يا فارس؟

أجابه الآخر فورا:
-في البيت، أنت روحت المستشفى ولا لسه؟

أجابه بتلعثم:
-أيوه لسه واصل بسسس

صمت فانتبه فارس لنبرته فسأله فورا:
-حصل ايه؟

أجابه دون مماطلة:
-البقاء لله يا فارس للأسف ملحقوهاش المرة دي.

أغلق عينه متمتما بحزن:
-لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

زفر أنفاسه بضيق وهتف يخبره:
-خليك عندك لحد ما أجيلك عشان نشوف الاجراءات ايه؟

رد مازن بضيق:
-المستشفى بلغت البوليس عشان تخلي مسؤليتها ولسه هيتفتح تحقيق ومعتقدتش تصريح الدفن ممكن يطلع انهارده أصلا.

أومأ فارس وكأن الآخر يراه وعقب:
-أنا كنت عارف إنها مش هتسكت لحد ما تنجح في مره.

ارتبك مازن وهو يخبره:
-طيب أنا مستنيك عشااان.

صمت مجدا فسأله فارس بحدة:
-ما تتكلم على طول يا مازن، هو لسه في مصايب تانيه؟

أجابه فورا:
-المستشفى بلغت انك كنت آخر واحد عندها والظابط هنا عايزك عشان يحقق معاك وطبعا الموضوع ده لو اتعرف في الميديا هنلبس زي كل مره.

ضغط بابهامة وسبابته على عرقي رأسه النافرين وأغلق عينه وهو يشعر بالألم يجتاح رأسه وهتف:
-طيبب كلم المحامي خليه يسبقني على هناك على ما اغير هدومي وآجي.

وافقه واغلق معه متجها لمكتب مدير المشفى حيث يجلس الظابط يقوم بالتحقيق مع المدير متسائلا:
-بتقول انها انتحرت بمجرد ما فارس الفهد سابها ومشي؟

أومأ له الطبيب وهو يوضح:
-كانت بقالها عشر ايام مبتتكلمش حتى لما جه مازن بيه يزورها رفضت الكلام، واتفاجئت انهاردة بفارس باشا جاي يزورها حتى من غير ما يبلغني زي عادته.

سأله الضابط:
-وكان ايه سبب الزيارة؟

رد بحيرة:
-يمكن لما بلغوه انها مش بتتكلم ويمكن عشان يسلمها ورثها من جوزها زي ما فهمت من كلامهم.

سأله من جديد:
-ورث ايه؟

أجابه موضحا:
-اللي فهمته انها كانت متجوزه وجوزها مات وساب لها ميراث كبير أوي لدرجة ان فارس باشا قالها بقيتي أغنى مني.

تنحنح مازن لينتبها لوجوده؛ فنظر له الضابط وأشار له بالجلوس هاتقا:
-اتفضل يا مازن بيه على ما اخلص مع الدكتور.

سأله مازن بحيرة:
-أظن ان تصريح الدفن مش محتاج التحقيق يخلص لانها بالنهاية حالة انتحار ولا ايه؟

ابتسم الضابط وهو يجيبه:
-غالبا لأ، بس يا ريت تكون استعجلت فارس باشا عشان ييجي.

أومأ له مؤكدا فاستكمل الآخر التحقيق مع الطبيب والثاني يقص عليه أحداث اليوم بدءا من استيقاظها وحتى لحظة اكتشافهم لجسدها ومحاولة انعاشها التي باءت بالفشل.

❈-❈-❈

صعد لأعلى وتبعته هي تسأله باهتمام:
-هو مين اللي مات يا فارس؟

دلف حجرة ملابسه وخرج ممسكا ببدلة أخرى غير التي يرتديها ورد بضيق:
-عاليا يا ياسمين، عاليا خلاص ماتت.

بتلك اللحظة تحديدا لم تستطع هي تقييم مشاعرها صوب الخبر، قديما عندما علمت بموت كارما شعرت بالأسى تجاهها بالرغم من كم الأذى الذي تعرضت له منها وبسببها، ولكن تلك المرة الأذي لم يطالها وحدها بل طال فلذتي كبدها وأيضا قطعة روحها وزوجها الذي لا تستطيع انكار انها تعشقه عشق خالص؛ فصمتت لحظه تقيم الوضع وقالت بصوت خافت:
-إنا لله وإنا إليه راجعون، البقاء لله يا فارس.

رد واجما:
-الدوام لله وحده.

شعرت بالضيق من حدة رده عليها فسألته بتحفز:
-هو أنت بترد عليا ليه كده؟ زعلان عليها مثلا؟ ولا محملني موتها زي ما حملتني محاولات انتحارها قبل كده؟!

انعقد حاجبيه بشدة ووقف أمامها وهو يكمل ارتداء ملابسه وهتف بحدة:
-هو ده وقت خناق؟ أنتي ايه اللي جرالك؟ مفيش تمييز خالص للوضع اللي جوزك فيه!

صرت على أسنانها وهي تصرخ به:
-بعد كل ده وشايفني معنديش تمييز! أنا بجد مش مصدقة نفسي وأنا شايفه الدموع محبوسه في عينك على واحدة كانت السبب الأساسي في كل مصيبه وكارثه حصلت لنا.

ظل صامتا يحاول تدارك نفسه المبعثرة وهو يعلم أن معها كل الحق لتحمل بداخلها كل تلك الكراهية نحو عاليا، ولكنه لا يستطيع تفادي عدم الشعور بالحزن على شبابها الذي ضاع هباءا، بل وعدم استطاعته تنفيذ وصية عمته بالحفاظ عليها وتوجيهها للطريق الصحيح.

كم ود بالزمن أن يعود للخلف لعدة أعوام مضت عندما أخطأت لأول مرة وقام بتزويجها لحارسه، وبعدها نفيها خارج البلاد لأعوام حتى يتراجع عن هذا التصرف الذي جعلها ما هي عليه الآن.

لم يستطع إلقاء المسؤلية التي تكهل كتفيه وهو يعلم تمام العلم أنه السبب الأساسي بمرضها وكراهيتها للجميع بسبب عقابه لها قديما عندما أخطأت، ومن منا لم يخطئ؟ ولكن لو عامله الجميع قديما بسبب اخطائه لربما كان نموذج اسوأ منها الآن.

شروده وصمته الطويل جعلها تزم شفتيها للأمام بحنق وغل اندلع بداخلها واقتربت منه تنظر لحدقتيه الممتلئة بالعبرات المكتومة وهتفت باصرار:
-أنا جايه معاك.

انتبه لحديثها فسألها:
-جايه معايا فين يا ياسمين هو أنا رايح اتفسح؟

أكدت حديثها مرددة:
-أنا جايه معاك يا فارس، مفيهاش حاجه يعني.

أطلق زفيرا طويلا محملا بالتعب والإجهاد الذي كاد أن يودي بحياته وأومأ منصاعا لطلبها أو إصرارها بمعنى أدق، وجلس يتنظرها لترتدي ملابسها كفهد تم أخيراً ترويضه.

انتهت من ارتدائها فنزلا وانطلق بسيارته برفقة حارسه والمرافقة بالطبع التي لا تتركهما أبدا واتجها نحو المشفى، ليتفاجئ فارس بكم كبير من الصحافة والمراسلين الاخباريين يجتمعون حول أسوار المشفى بشكل جعل من الصعب عليهما الترجل من السيارة؛ فتحرك كارم يقود بعيدا عن الحشد حتى اختفى عن الصحفيين الذين لاحقوهم وصف السيارة بأحد الشوارع.

التفت يسأل رب عمله بحيرة:
-هنعمل ايه يا باشا؟

رد وهو يهم بفتح الباب:
-هحاول أدخل من الباب اللي ورا، بلغ الحرس يسيبوا العربيات هنا ويحصلوني.

ترجلت هي الأخرى فوقف أمامها وهتف بصيغة آمرة:
-خليكي هنا وهسيب زين معاكي.

رفضت وتحركت معه دون التفوه بأي كلمة فتضايق من إصرارها وطريقتها الجديدة عليه والتي لم يعهدها بها من قبل، ولكنه حقا في غنى عن أي مهاترات أو مشادات كلامية الآن وهو يعلم التوابع الاعلامية التي ستلاحقه هو وعائلته بعد هذا الخبر الذي سيظل يتصدر الأخبار لأيام.

حاوط رجال الحراسات كل من فارس وزوجته بعد ان ألتف حولهما الصحافة التي كانت تحاوط المشفى؛ فلم يكن من الصعب عليهم رصد أي شخص يحاول الدخول خلسه من البوابة الجانبية.

حاوط فارس زوجته بذراعه فانحنت هي لتخفي وجهها عن عدسات الكاميرات التي ظلت تطلق أضوائها بوجههما ورجال الحراسات يدفعونهم بعيدا عن هؤلاء المتزاحمين حتى نجحوا بالنهاية للدخول للمشفى.

استقبلهم مازن فورا فقد علم بمجيئهم منذ لحظة وصولهم فهتف فورا:
-تعالى يا فارس من هنا.

وقبل أن يجلس برفقتهما ليطلعه على آخر المستجدات وجد الضابط يخرج من مكتب المدير مبتسما بسمة سمجة وهو يرحب بفارس:
-أهلا أهلا يا باشا، اتفضل جوه عشان نتكلم مع بعض شوية.

رفض مازن على الفور وهو يخبر فارس:
-استنى المحامي يا فارس.

لم يفهم ماذا يدور فصاح به الأول:
-بقولك استنى المحامي أحسن.

وقبل أن يوافق أو يرفض وجد الضابط يقترب منهما وهو يتحدث بجدية:
-هم كلمتين لزوم التحقيق يا باشا والمحامي خليه يوصل على مهله، أنا لسه مش هقدملك اتهام دلوقتي.

تجهم وجهه وانعقد حاجبيه وهو يسأله:
-اتهام ايه اللي لسه مش هتقدمه دلوقتي؟

أشار له الضابط بابتسامة عريضة لداخل المكتب فدخل وتبعه كل من مازن وياسمين ولم يمانع مطلقا الأول وجودهما بالتحقيق بل رحب بياسمين وكأنها جاءت لزيارته:
-أهلا بيكي يا مدام ياسمين، اسمك ياسمين مش كده؟

أومأت له فهدر فارس بغضب:
-كلمني انا يا حضرت، هو في ايه؟ أنا جاي أشوف ايه سبب تعطيل تصريح الدفن؟

رد الضابط بعد أن جلس على المقعد المقابل لمقعد فارس:
-في شبهة جنائية يا فارس بيه، عشان كده التصريح اتعطل لحد الطب الشرعي ما يقول كلمته.

تعجب من حديثه وسأله:
-شبهة جنائية ازاي؟ هي منتحرتش؟

حرك الضابط شفتيه بمعني ربما، فنظر فارس لمازن وسأله بحيرة:
-هي ماتت ازاي يا مازن؟ طريقتها المرة دي كانت ايه وهم شايلين كل حاجه ممكن تأذي بيها نفسها من اوضتها؟ حتى البرفانات حطينها في علب بلاستيك.

رد مازن بارتباك:
-قطعت شراينها كالعادة يا فارس، بس بالقلم الحبر بتاعك.

❈-❈-❈

خرج من بوابة المنزل الذي يقيم به برفقة عائلته والمحاط بكافة أنواع الأمن والحراسة وبدأ بالتجول بالحديقة التي تتشارك مع المنزل الصغير المجاور لخاصته وتقيم به الابنة المزعومة لغسان الصباغ.

لم تكن تلك المرة الاولى التي يراها جالسة أمام المسبح تقرأ كتاب أو تتصفح الهاتف أو حتى تمارس الرياضة، ولكنها كانت المرة الأولى التي يجدها تسبح مرتدية ثوب سباحة خاطف للأنفاس.

تسمر مكانه وهو ينظر لجمالها الأخاذ الذي لم يخف عنه منذ اليوم الأول الذي وقعت عينه عليها؛ فظل يراقبها وهي تسبح ذهابا وايابا حتى انتهت وتعلقت بذراعها على حافة المسبح تنظر لشروده بها فابتسمت له وهتفت بصوت عالٍ نسبيا لوقوفه بعيدا إلى حد ما:
-المي بتچنن اليوم، ليش ما تسبح شوي؟

اقترب منها وانحنى قليلا ليحدثها وهي داخل المياه:
-مكنتش عارف أن الجو هيبقى حلو أوي كده انهاردة.

ضحكت بعد ان فهمت طريقته المتوارية بالتغزل بها؛ فتماشت معه وهي ترد:
-لسه الوقت بكير، فيك تبدل تيابك وتنزل معي كتغيير، انا دايما لحالي.

أومأ لها وتركها مغادرا بسرعة ناحية منزله ليغير ملابسه فاصطدم بأخيه الذي أسنده وهو يسأله بحيرة:
-في ايه يا بني مسروع على ايه؟ بص قدامك وانت ماشي.

لم يهتم بالرد عليه ودلف لتغيير ملابسه وارتدى ثوب سباحه هو الآخر وخرج؛ فلمحه يزن الذي وقف أمامه يسأله بحيرة:
-ايه ده؟ انت بتعمل ايه؟

رد آسر وهو يبعده عن طريقه:
-هنزل البيسين شويه، فيها حاجه؟

لم يهتم يزن وعاد جالسا لارتشاف قهوته؛ فخرج الأول بسرعة ناحية المسبح وقفز سريعا دون مقدمات بداخل المياه مما جعل المياه تتطاير بكل مكان؛ فضحكت لاميتا على فعلته الطفولية وصرخت بعد أن طالها رزاز الماء:
-يا الله دير بالك استاذ آسر.

رفع جسده من المياه وسبح نحوها وتحدث بصوت رجولي:
-آسر بس، من غير ألقاب.

أومأت له وأمضيا الوقت سويا بين اللعب واللهو بالمياة حتى تعبا فقررا الجلوس بالمقاعد المتراصة حول المسبح.

تكلم آسر بعد أن جفف نفسه متسائلا:
-أخبار القضية بتاعتك ايه؟

ردت بضيق:
-أنا كتير وضعي حساس، بعد ما خبرت الانتربول بكل شي بعرفه عن غسان نبشوا الأرض بالڤيلا وطلعوا كتير جثث منن جثة بابا، هاداك الشخص ياللي قوصه بالزفاف، اتذكرت ما؟

أومأ مؤكدا واستكملت هي حديثها:
-وصلني كمان اوراق المحامي تبعه للميراث وترك لألي نص ثروته ولعاليا النص التاني، معناته كان يحبها عن جد.

تجهم وجهه وهو يجيبها:
-اللي زي البني آدم ده مبيعرفوش يحبوا، عندهم حب امتلاك وبس.

نظر لحزنها وسألها بحيرة:
-أنتي زعلانه عليه؟

نفت وهي تجيبه:
-أبدا، ما في أي مشاعر تجاهه لا فرح ولا حزن.

علق عليها:
-بس أكيد في اشتياق لحياتك قبل الحبس ده.

ضحكت وهي تعقب:
-والله ما في اي اختلاف بالمرة، هاد حبس وهاداك حبس، الفرق الوحيد إن في هون ناس عم تقلل علي احساس الوحدة.

ابتسمت له فبادلها البسمة وسألها بفضول:
-ناويه تعملي ايه بعد ما القضية تخلص؟

ردت ساخرة:
-إذا رچال المنظمة تركوني حتى اعيش، بظن رح اتزوچ وچيب 6 ولاد 

لمعت عينه وهو يسألها:
-6 مرة واحده، طيب قولي واحد ولا اتنين.

ضحكت وقالت:
-لا، 6 حتى لا يكونوا وحيدين متلي ويعيشوا لحالهن بالدني.

نظر لها مبتسما بسمة واسعة وهو يردف:
-واحده بجمالك ولسه العمر طويل قدامها وكمان ورثت ورث بالحجم ده أول ما تفكر فيه هو الجواز والخلفه!

استنبطت تعجبه من نبرته الواضحه فعقبت:
-اذا بتعيش متل ما عشت ما كنت رح تقول هيك.

سألها باهتمام وانتباه:
-ايه اللي حصلك؟

أغلقت عينيها بأسى وهي تقول:
-والله قصه بتصير فيلم رعب.

وفي نفس اللحظة كان يزن يجلس بالشرفة ينظر لأخيه مبتسما لما يراه أمامه من حالة تقارب بينه وبين تلك الفتاة التي بالرغم من حقده وكرهه على من أدعى أنه والدها إلا أنها كانت مغايرة تماما لما تربت بكنفه.

اقتربت والدته وهي تجلس ممتعضة ورافضة لما يحدث أمامها تتحدث برفض:
-أنت هتسيب اخوك يقرب من البنت دي؟ مش قولتلك قبل كده ابعدوا عنها!

التفت يسألها بحيرة:
-عملتلك ايه يا ماما؟

أجابته بحدة:
-كفايه أوي انها بنته.

رد ضاحكا:
-مش بنته، اسيرته ولسنين كمان وكلنا عارفين كان ناويلها على ايه.

تحدثت وهي مطبقة على أسنانها بغيظ:
-أبوها الحقيقي والمزيف بتوع مافيا ورجاله عصابات، والعرق دساس يا بني.

شرد قليلا وهو يجيبها:
-على كده احنا كمان هنطلع لبابا!

نفت تؤكد:
-لا طبعا، انتو تربيتي أنا و...

قاطعها موضحا باطناب:
-يا أمي البني آدم الوحش والحلو بيطلع كده مش عشان تربية ولا چينات ولا ظروف، عشان بس الكلام اللي الناس بتقوله ان الشخص ده لو ده طلع في ظروف أحسن مكانش بقى حرامي ولا ولا، مع اننا بنشوف دايما نماذج كتير أهلها على قد حالهم وطلعوا دكاتره وغيرهم اهلهم رموهم وطلعوا عباقرة، وعلى النقيض ناس وفرت لاولادها كل الدعم ومع ذلك طلعوا بايظين، فمفيش علاقه ابدا للأهل بالبني آدم ده طلع ايه.

قطع حديثه رنين هاتفه فأجاب فورا ليجده أحد الضباط يخبره أمرا فتجهمت ملامحه ووقف ينظر أمامه بحزن وهو يتكلم بعدم تصديق:
-مش ممكن، لا إله إلا الله.

انتفضت والدته تسأله فورا بلهفة:
-في ايه يا يزن؟

اجابها بعد أن اغلق الهاتف:
-عاليا انتحرت يا ماما.

❈-❈-❈

ظل صامتا ينظر أمامه والضابط يتكلم بتوضيح:
-التحريات والتحقيق هو اللي هيأكد إذا موتها كان انتحار ولا قتل! ولحد التحقيق ما يخلص أظن حضرتك عارف إنك المشتبه بيه الأول وممنوع تفكر تسافر بره البلد.

صر فارس على أسنانه وهو يلتفت لمازن يسأله:
-فين المحامي؟

رد متحيرا:
-مش عارف ايه اللي أخره كده؟

كل هذا وياسمين جالسه تسترجع نفس الأحداث عندما قُتلت كارما؛ فأطرقت رأسها تبكي بصمت فجلس فارس بجوارها وهو يحكم قبضته على راحتها يتمتم بخفوت:
-مؤذية بكل الأحوال، عرفتي بقى أنا كنت بتابعها ليه، عشان عارف انها هتعمل كارثه تودينا كلنا في داهيه، مش مدياني فرصه حتى ازعل عليها، لله الأمر من قبل ومن بعد.

تنهد بضيق ولحظات ووصل المحامي وجلس يتحدث بعملية:
-حضرتك أخدت أقوال موكلي بدون حضور المحامي بتاعه وده غير قانوني.

رد الضابط بتحفز:
-اهدى يا متر أنا لسه بعمل تحريات وموجهتش أي اتهام لموكلك، ده احنا حتى مروحناش القسم.

تكلم المحامي بحدة:
-وهو اصلا فين الدافع عشان يكون موكلي موضع شك؟

أخرج القلم الملطخ بدمائها من جارور المكتب والموضوع بكيس بلاستيكي وهتف:
-أداة الجريمة.

وأخرج خطاب مكتوب بخط يدها مغلف هو الآخر بكيس بلاستيكي للحفظ ووضعه أمامهم تاركا إياه على المكتب وهو يهتف مجددا:

-والدافع او بمعنى أدق اثبات التورط يا متر، وطبعا لأن فريق المستشفى مسك الجواب وبقى صعب علينا نرفع من عليه البصمات اصبح لازم نبعته لخبير خطوط عشان نتأكد أنه خط المجنى عليها؛ فده الحرز الأول والحرز التاني هو أداة الجريمة، قلم فارس الفهد اللي متاكد انه عليه مش بس بصماته وحمضه النووي، ده كفايه اوي اسمه المحفور عليه بالدهب.

غمز بنهاية حديثه فتجهم وجه فارس، ولكن مازن امسكه ليجلسه وهو يهمس:
-اهدى وسيب المتر يشوف شغله.

أمسك المحامي الخطاب وقرأه ولكن هتف الضابط:
-اقراه بصوت عالي عشان موكلك يعرف المكتوب فيه لأنه مش سر على ما أظن.

اومأ له والتفت ينظر لفارس وبدأ بقراءة الأسطر المتراصة أمامه بحروفها بخطاب وداعها.

(فارس

أنا عارفه انك تعبت معايا جدا بسبب تصرفاتي، بس بجد أنا مكانش قصدي ابدا اعمل كل ده.
ك

ل غلطي اني حبيتك حب جنون ومعرفتش اخليك تحبني، وكل محاولاتي بالانتحار فشلت بس المره ده هتنجح عارف ليه؟
عشان انا خلاص مش عايزه حاجه من الدنيا بعد اللي حصل بينا، ذكرى اللي حصل ده هاخده معايا للقبر، وزي ما قولتلك لو سألوني نفسك في ايه قبل ما تموتي كنت هقولهم اني ابوسك يا فارس وبعد الأمنية دي ما اتحققت مبقتش عايزه اعيش احسن ترجع وتبوظها بأنك تقولي انها كانت غلطة او لحظة ضعف منك.
ابوس ايدك افضل فاكرها انت كمان عشان افضل عايشه جواك يا حبيبي، وطمن ياسمين ان خلاص عاليا  راحت ومش هتقف بينكم تاني وهعملك اللي انت عايزه واريحكم مني.
الفلوس اللي جيت عشان تعرفني اني ورثتها من غسان انا مش عيزاهم، خدهم ليك وأنا واثقه انك هتعرف تزودهم اضعاف وترجع عيلة الفهد اقوى ما كانت ودي هدية بسيطه اوي مني لحب حياتي وتمن بسيط اوي ادفعه للحظة الحلوة اللي ودعتك بيها قبل ما تمشي من عندي.

ملحوظة:
س

امحني يا فارس اضطريت اسرق القلم من جيبك وأنا في حضنك عشان لقيته مناسب اوي، ده أحمى من الموس واعتقد هيخلص الموضوع اسرع كمان ولو كنت طلبت اداه مكنتش هلاقي احسن منه.

الوداع يا فارس.)

قراءة الخطاب جعلت الجميع صامت وكل منهم يفكر باتجاه، فمازن فكر أن الخطاب واضح وضوح الشمس  وليس به أي لبس بانه انتحار، أما فارس فكان يفكر أنه اصبح رسميا السبب بانتحارها ليس فقط بسبب تركه لها لتقبلة وكأنها كانت قبلة الوداع، ولكن لتخليه عن حذرة وهي بحضنه وتركه لها تستغله لتسرق قلمه وتقتل نفسها به، وأما المحامي فجل ما شغل باله بتلك اللحظة هو دخول موكله بشبهة تحريض بالقتل وهو ما يستند عليه هذا الضابط المبتسم بسمة خبيثة.

أما تلك الجالسة بصمت لم يكن يعنيها من الأمر شيئا سوى بضعة كلمات استمعت لها من صوت المحامي وهو يؤكد ليس فقط زيارة فارس لغريمتها، ولكن تلامسهما ما بين احضان وقبلات وربما أكثر.

انهى المحامي قرائته للخطاب وسأل بحذر:
-

كده حضرتك بترمي على توفير سلاح جريمة وكأنه تحريض يا فندم، بس في كاميرات مراقبه في أوضتها وكمان الجواب واضح جدا أنه مفيش اي شبهة و...

قاطعه الضابط مؤكدا:
-

ده في أي حاله إلا الحالة دي، خصوصا ان الجواب مش موقع منها ولحد الطب الشرعي وخبير الخطوط ما يقولوا كلمتهم أنا قدامي هنا  شبهه جنائية يا متر بأنه حد استغل مرضها ودفعها للانتحار عشان الورث الكبير اللي بتقول عليه؛ فسهل جدا اتلاعب بعقل مريض وادفعه للانتحار خصوصا لو انا عارفه كويس وعارف نقط ضعفه.

التفت برأيه ينظر لفارس المتجهم وهتف:
-والقانون بيديني حق التحفظ على المشتبه به لحد تقرير الطبيب الشرعي وتفريغ الكاميرات ما ينتهي، عشان كده انا مضطر اقبض عليك يا فارس بيه.


يتبع


إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة أسماء المصري من رواية روضتني 2، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة