رواية جديدة بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض) لعفاف شريف - الفصل 9 - 2 - السبت 14/12/2024
قراءة رواية بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر
رواية بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض)
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة عفاف شريف
الفصل التاسع
2
تم النشر السبت
14/12/2024
"تقف أمام مرآتها تنظر إلى نفسها. هي لم تعد هي." هي التي تحمل العالم على كتفيها دون أن تشتكي، تصحو قبل شروق الشمس لتهتم بكل شيء وتغفو على سريرها بعد أن يهدأ كل شيء، لكنها لا تنام فعليًا، لأن أفكارها تبقى مستيقظة.
هي من أرهقتها تفاصيل الحياة الصغيرة؛ صرخات الأطفال، الأواني المتراكمة، العمل الذي لا ينتهي، والوقت الذي لا يكفي أبدًا. ومع ذلك، تواصل السير، لأنها تؤمن بأن تعبها يُثمر حبًا وأمانًا لمن حولها.
تعيش يومها وكأنها في سباق دائم. بين واجبات الأمومة، متطلبات العمل، وضغوط الحياة، لا تجد وقتًا حتى للنظر في المرآة أو سماع نبضها.
هي التي تشعر أنها تُهمل نفسها، لكنها تُفضّل أن تُهدي وقتها وطاقتها لكل من حولها. لأنها ببساطة، وضعت الآخرين في قلبها، وأجلت نفسها إلى أجل غير مسمى.
ليست ضعيفة، بل قوية بما يكفي لتحمل كل هذا. لكن قوتها تُنهكها، وداخلها صوت صغير يهمس: "أنا أيضًا أحتاج إلى الراحة... إلى حضن يخفف عني."
تستحق لحظة هدوء، كوب شاي دافئ في صمت، كلمة طيبة أو حضنًا دون طلب. تستحق أن يتوقف العالم قليلًا، ليُعيد لها ما تمنحه بلا توقف.
قد تبدو عادية في عيون الآخرين، لكنها بطلة خلف الكواليس. تستحق التقدير الذي ننسى أحيانًا أن نقدمه لها.
❈-❈-❈
كان يوقع بعض المستندات أمامه بعقل شارد غارق في التفكير.
يفكر بجدية أن يسافر لها، لعله يخفف عنها،
ويأخذها لبعض الأماكن لكي تتحسن نفسيتها،
أو على الأقل جلسة طويلة.
يعلم حقاً ماذا يحدث هناك،
ماذا تخفي بقلبها الصغير؟
لماذا لا تحكي له،
أو لأحد إخوته؟
حسناً، على الأقل تحادث ملك.
فلتخبرها إن كان هناك شيء مخجل مثلاً،
تخجل من الحديث به معه أو أحد إخوته.
لكن متى كان بينهم تلك الأمور؟
كان الأقرب لها،
دائماً وأبداً.
حتى في تلك المحادثة الطويلة،
لم تستفضِ كثيراً بالحديث،
فقط بكت.
بكت حتى تورمت عيناها،
وشكت بما يحدث معها مع الصغار:
عدم نومها،
رغبتها بالدخول للحمام كباقي البشر
دون صراخ.
واحد من الصغار فوق ساقيها يمشط خصلاتها
أو يقتلعها.
ولوهلة تسأل: لماذا يمشط الصغير خصلاتها في لحظة كتلك؟
ما هذا القرف؟
وحينما سأل مرة أخرى،
لم ترد أن تزيد.
ولم يرد أن يضغط عليها.
يكفيها ما يحدث معها،
وكم هذا الضغط المهلك لها.
لكنه يحزن ويتألم قلبه.
هو فقط.
لم يعتدها بهذا الضعف يوماً.
كانت قوية وأصبحت هشة.
حتى وقت فقدهم زهرة حياتهم،
أمهم الغالية،
وأغلى ما لديهم.
كانت صامدة قوية،
تشد أزر إخوتها، تقف بجانبهم تحتضن ألمهم.
كانت بجانبهم ولم تترك يدهم يوماً.
والآن دوره.
سيعلم ما بها،
ويحتضن قلبها بكل ما أوتي من قوة.
قالها لنفسه وهو يوقع آخر ملف أمامه.
تبعه دخول السكرتير الخاص به وهو يقول بهدوء:
"عندنا بعد عشر دقائق اجتماع يا بشمهندس."
أومأ له وهو يعطية الملفات،
متسائلاً بضيق:
"مع شركة ياسر الفاروقي؟"
إجابة الآخر بتأكيد:
"أيوة يا بشمهندس."
حرك رأسه قائلاً بتأكيد:
"خلي أي حد من المهندسين يجتمع بيهم،
أنا مشغول النهاردة."
توترت ملامح الآخر ليجيبه بسرعة:
"بس أستاذ ياسر طالب حضرتك تكون موجود،
بيقول مش هيوقع غير وحضرتك موجود."
زم شفتيه بغيظ من هذا الياسر.
يمقته ولا يحبه.
ثقيل على قلبه.
ذا طلبات متكررة معقدة.
عبء ثقيل عليه.
ويصعب إرضاؤه.
لكن يبقى العمل معه شيئاً لابد منه.
حرك رأسه موافقاً وهو يخبره بإجهاد:
"تمام يا علي، ابعتلي لو سمحت فنجان قهوة كبير.
طالما فيها ياسر،
يبقى صداع للصبح."
أخفى على ابتسامة وهو يتوجه سريعاً للخارج
لجلب قهوة لمديرة ولنفسه.
فحقاً، هذا الياسر مزعج.
❈-❈-❈
الجميع في غرفة الاجتماعات منذ ثلاث عشر دقيقة، والياسر في مكالمة مهمة يبدو أنها ستطول.
اعتذر مساعده للمرة السابعة عشر لتميم قائلاً بتوتر:
"بعتذر بشمهندس تميم،
بس أكيد حضرتك عارف مكالمات مهمة،
لابد منها."
ناظرةً بحدة، أوقفته عن التبرير.
وظل مكانه يرتشف من فنجان القهوة بهدوء،
وهو يرى ياسر يدلف للمكتب ببتسامة مزعجة كشخصه.
وهو يقترب من تميم، يمد يده ليصافحه.
نظر ليده تارة وله تارة،
قبل أن يرد بقلة ذوق وهو يرفع الفنجان مرة أخرى لفمه:
"معلش، إيدي مشغولة.
اتفضل."
قالها بابتسامة صفراء،
وهو يراه يجلس بغضب، أرضاه حقيقة.
وبعد أن شرب القهوة في خمس دقائق ببطء السلحفاة،
وحرق دمه مرة أخرى،
بدأوا الاجتماع.
وبداخله هو يريد أن يبرح ياسر ضرباً مبرحاً لعله يهدأ قليلاً.
لكنه، ورغم عدم حبه لشخصيته، يراه شخصًا ناجحًا، مجتهدًا، ذا عزيمة قوية وشريفة، يشرفه العمل معه دون معاندة.
❈-❈-❈
خرجت من المطبخ تحمل بين يديها كوب الشاي بحليب الساخن وطبق كبير به عدّة شطائر من الفول والفلافل، وهناك أيضاً شرائح البطاطس، ومعهم أيضاً شرائح الباذنجان والفلفل المقلي بخليط شهيّ غريب وحار للغاية،
وبصل، لكن لن تأكل البصل.
وجدتهم صباحاً بالمطبخ.
يبدو أن عمر أحضرهم لها صباحاً وهي نائمة.
وضعتهم من يدها فوق الطاولة،
وأخذت تشمشم فيهم.
حسناً، كانت باردة وبحاجة للتسخين،
لكن لا بأس،
تفي بالغرض.
جلست تمسّد على معدتها برفق.
أصبحت تؤلمها في كل وقت، وأيضاً تعاني من بعض الانتفاخ في بعض الأحيان.
نظرت للشطائر بضيق.
أصبحت ذات معدة حساسة للغاية،
حساسة حقاً ومقرفة.
اختلاف نوعية الطعام أثر عليها بشكل كبير.
هي بالغت في تناول ما لا يجب،
ولا يناسب جسدها ولا نظام حياتها السابق.
هي عاشت عمراً تأكل الطعام الصحي جداً:
مسلوق وخضروات،
ممتنعة عن أبسط الدهون.
والآن تأكل المعبي به،
وأيضاً عندما أعدّت الطعام وضعت سمن،
سمن يا فريدة!
منذ أن تزوجت، تتناول كل ما ينافي هذا.
أصبحت تتألم بشدة من عدم تحملها،
حتى لشرب الماء.
صوت رنين هاتفها أخرجها من أفكارها.
كانت سارة.
فتحت المكالمة وهي تلتقط شطيرة الفول،
وضعت عليها شريحة باذنجان وفلفل كما يفعل عمر لترفعها إلى فمها تلتهما ممهّدة لمعدة الألم القادمة،
وهي تغمغم بفم ممتلئ:
"أرغي،
وأشجيني."
قالتها بثقة من الحديث القادم،
وسينتهي بحظرها إن شاء الله.
❈-❈-❈
وصل إلى المقهى المعتاد له ولأحمد.
يريد أن يريح رأسه لبعض الوقت.
طالت اجتماعات اليوم،
ولم يعد في رأسه مكان أبداً.
يريد شرب أي مشروب دافئ،
وأكل أي شيء يملأ معدته الخاوية.
طلب لنفسه فطائر محشوة وأضاف خضروات وجبن إضافي.
وطلب لأحمد طلبه المعتاد.
جلس يقلب في هاتفه في انتظار أحمد أو الطعام، من يأتي أولاً.
لفت انتباهه الإشعارات المتكررة.
فتحها ليُري ما لفت انتباهه أكثر.
كان طلب صداقة.
لم يهتم للوهلة الأولى،
لكن صورة الحساب جعلته يتسمّر لوهلة.
كانت قريبة قطعه السكر خاصته.
المدعوة "آسيا".
❈-❈-❈
نظر للحساب بفضول فقط لشئ واحد،
ليس لها،
بل لقطعة السكر.
لكن وقبل أن يبحث عن حسابها،
توقفت يداه.
هو ليس هذا الوغد؟
منذ متى يقبل على الآخرين ما لا يقبله على أهل بيته؟
إن أرادها فليذهب ويأخذها من قلب بيتها،
أمام الجميع،
لا أن يراقبها بتلك الطريقة الوقحة.
أغلق الصفحة والهاتف بضيق،
قبل أن يلقيه على الطاولة وهو يرى النادل يقترب منه ليضع الطعام أمامه بابتسامة.
شكره وهو ينظر للفطيرة بسعادة.
صدق من قال إن الطريق لقلب الرجل معدته.
أمسك بقطعة وقبل أن يرفعها إلى فمه،
رأى أحمد يدخل المقهى بملامح عابسة،
يحادث أحدهم، وطبعا كانت خطيبته.
وضع القطعة من يده،
واثقاً أن القادم سيفقده شهيته.
تبا للأصدقاء.
❈-❈-❈
جلس أحمد يتحدث بغضب بعد أن ألقى الهاتف في حقيبته الصغيرة،
وهو يهتف بستياء:
"يلعن أبو الحب يا أخي، عليَّ اللي عايز يحب!"
رفع تميم حاجبه باستهجان،
قبل أن يقول مصححاً:
"اشتم نفسك بس،
مالِكش دعوة بالناس،
مالك يا أخويا،
منكدة عليك ولا إيه؟"
هز رأسه بإرهاق وهو يتمتم:
"منكدة...
ده أنا بقيت أنا والنكد أخوات، أخوات كده.
لو في يوم ما اتخانقناش ببقى عايز أزغرط!"
أفلتت من تميم ضحكة لم يقدر على كبحها،
ليضحك وهو يقول:
"مَنَا قلتلك يا بني،
أنتو مش نافعين،
هي غيرك،
أحلامها غيرك."
حصل إيه؟
إيه سبب النكد المرة دي؟"
زفر أحمد بضيق وهو يخبره بإرهاق:
"متخيل عايزة تشتري فستان الفرح بكام؟
خمسين ألف يا تميم،
والميك أب آرتيست بعشر آلاف،
وطالبة عشرة للتفاصيل الصغيرة.
ولما قلتلها نشوف حاجة أقل يا بنتي،
ده كثير أوي،
فوق طاقتي بجد،
تقولي أنت بتكسر فرحتي.
هو أنا أقل من بنت عمي اللي لبست مش عارف إيه؟
ولا بنت خالي اللي سوت إيه؟
أنا مالي؟
أنا ببنت عمها وبنت خالها؟
أنا ليّا بيا.
هي عارفة إني عينيَّ ليها،
بس مش طبيعي استلف من طوب الأرض عشان فستان هيتلبس كام ساعة
ويتركن في الدولاب.
بجد غلبت
كلام،
ومداديه،
ومحايله!
ويا بنتي يهديكي، يرضيكي!"
أبداً،
أبداً يا تميم!
مُصرة !
وأكمل بضيق:
"أنت مش فاكر عملت إيه وقت التجهيز ولا وقت العفش؟
يا ابني، ده أنا كنت مش بنام الليل عشان أجمع كل قرش،
وأجيب اللي نفسها فيه.
وفي الآخر أنا مش بقدرها ومش بحبها!
بالله عليك ده كلام ناس عاقلة؟
أنا زهقت!"
قالها وهو حقاً يشعر بالضغط.
طالعة تميم بنظرات مشفقة.
خطبة دامت لسنتين من الضغط العصبي والنفسي.
تطالب هي بما يفوق طاقته.
تريد وتريد،
مثل هذه وتلك.
وهو لا يقصر،
يعمل ليل نهار،
وفي النهاية،
هو المقصر بأي حال من الأحوال.
وهو لا يعلم كيف يساعده.
زم شفتيه ناطقاً بما يعلم أنه سيرفضه:
"أحمد،
أنت عارف أني بقول كده مش مجرد كلام.
اسمح لي فستان عروستك يكون هدية مني ليكم."
رفع أحمد رأسه يناظره بحدة،
قبل أن يحمل حقيبته وينتفض من مكانه مقرراً المغادرة.
لتمنعه يد تميم التي أمسكت بمعصمه،
وهو يقول مشدداً:
"أحمد، لو سمحت اقعد!"
نظر له الآخر لعدة ثوانٍ،
قبل أن يلقي حقيبته مرة أخرى جالساً قائلاً بحسم:
"آخر مرة يا تميم،
أنا مش بحكيلك عشان تقولي كده،
عيب يا تميم.
معقول متعرفنيش؟"
رمقه الآخر بغضب وهو يقول:
"شكلك أنت اللي مش عرفني.
أنت عارف أني عارف أنك بتفضفض،
بس قولي لو أنا صاحبك الوحيد مشلتش همك
وشلت عنك،
مين يشيل؟
أنا اللي زعلان يا أحمد.
المفروض أنا أول حد تطلب منه،
مش تروح للأغراب.
أنا أقرب ليك منهم.
أنا صاحبك،
اللي لو طلبت عيني هديهالك وأنا مغمض.
اللي بينا أكبر من صداقة.
أنت أخويا يلا،
قالها وهو يربت على كتفه وهو يكمل:
"أنت زي حسام وأمير عندي،
ويعلم ربنا،
بس أنت مضغوط هتعمل إيه.
يا عم اعتبرهم دين،
ووقت ما تحب وربك ييسر سدد.
ولو أنك عارف رفضي للموضوع،
بس تمام لأجل كرامتك يا أخويا."
قالها ممازحاً.
تنهد أحمد بضيق وهو يقول:
"لا يا تميم،
أنت فاكر أن ده الحل يعني؟
أن كل ما تحتاج حاجة فوق طاقتي
هروح أستلف.
ليه بجد؟
ما هي زيي شايفه الوضع والغلاء.
ليه تيجي عليا؟
لا يا تميم!
أنا خلاص جبت آخِرِى بجد.
ليه أنا بس الطرف اللي بيعافر في العلاقة دي؟
كأني بحب من طرف واحد."
الجملة الاخيرة لامست قلب تميم،
ذكرته بنفسه.
❈-❈-❈
وصل إلى منزله بعد خوض نقاش طويل مع أحمد. هو لا يعلم كيف يساعده، يرفض أي مساعدة، رغم أنه لا يراها هكذا. هو أخوه مثل حسام، كيف يتركه هكذا؟ كيف يطاوعه قلبه؟
دلف إلى المنزل الهادئ، قابل منير وقد كان مغادرًا، ليسأله بهدوء:
"بابا نام يا عم منير؟"
أومأ له الآخر مجيبًا بتأكيد:
"أيوة يا ابني، وأنا همشي اهو. أحطلك العشا قبل ما امشي."
ربت على كتفه وهو يهز رأسه نافيًا، شاكرا إياها.
ليسرع بالصعود والاطمئنان على والده قبل أن يخلد للنوم.
❈-❈-❈
اطمأن عليه، دثره جيدًا وقبل جبينه. كم يعاني ليُرضيه، لكن كيف تلك المرة؟ وقلبه هو المتضرر.
صوت وصول رسالة ظنها من أحمد. أخرج هاتفه وفتحه بلا مبالاة، لتصطدم عيناه برسالة لم تكن من حسام، كانت من اخر من توقع آسيا، قريبة قطعة السكر.
يتبع...
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة عفاف شريف، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية