-->

رواية جديدة على سبيل الألم لرانيا ممدوح - الفصل 34 - الجمعة 14/3/2025


 قراءة رواية على سبيل الألم كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر


رواية على سبيل الألم 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة رانيا ممدوح 

الفصل الرابع والثلاثون


تم النشر الجمعة

14/3/2025 


مع أول خيوط الشمس التي تسللت عبر النافذة، فتحت ليان عينيها ببطء، حدقت في السقف للحظات قبل أن تنهض من سريرها وتتحرك نحو المطبخ بخطوات هادئة، حريصة على ألا تصدر أي ضوضاء قد توقظ ليث.


بدأت بإعداد الإفطار لوالدها وليث، وحين انتهت، وضعت الطعام على الطاولة، ثم غطّته بعناية. سمعت حينها وقع خطوات ثقيلة يقترب، فالتفتت لترى والدها يدخل وهو يعدل ياقة قميصه ويربط ساعته حول معصمه.


شاهين: "صباح الخير يا بنتي."


ليان: "صباح النور يا بابا، الفطار جاهز."


جلس شاهين إلى الطاولة، مدّ يده ليأخذ قطعة خبز ويغمسها في طبق الفول، ثم نظر إلى ليان بنظرة ماكرة وقال:


شاهين: "إنتِ اللي محضراه؟"


ليان (ضاحكة وهي تصب له الشاي): "أيوه، بس متقلقش، مش هتموت مسموم"


شاهين (بقهقه وهو يأكل): "طمنتيني، كنت بفكر أكتب وصيتي الأول"


ليان (متظاهرة بالجدية): "عادي، ممكن تعمل كده، يمكن أغيّر رأيي كمان شويه"


شاهين (يغمغم وهو يواصل تناول الطعام): "لا، لا، الأكل طلع حلو، بس مش هاعترف عشان متاخديش على كده و تتكبري علي "


ضحكت ليان بينما كانت تأكل معه، ثم سألها بعد لحظات:


شاهين: "ليث فين؟"


ليان: "لسه نايم، سبت له الفطار على الترابيزة."


شاهين (يهز رأسه): "معاه حق، كان يومه طويل امبارح خرج معرفش راح فين و رجع متأخر اوي."


ليان: "احنا رايحين المزرعة النهارده، صح؟"


شاهين: "أيوه، هنقابل صاحبها ونتفق معاه."


ليان: "هنقعد هناك كتير؟"


شاهين: "على حسب الدنيا هتمشي إزاي، بس متتوقعيش نرجع بدري."


أنهى شاهين إفطاره، ونهض وهو يضبط أكمام قميصه استعدادًا للخروج. رتبت ليان الطاولة بسرعة، ثم لحقت به.

❈-❈-❈

كان الهواء منعشًا في الخارج، وأشعة الشمس لا تزال تتسلل بخجل بين الأشجار. سارا جنبًا إلى جنب حتى وصلا إلى السيارة، جلست ليان في المقعد المجاور وربطت حزام الأمان، بينما أدار شاهين المحرك وانطلقا على الطريق.


ساد الصمت للحظات، كانت ليان تتأمل المناظر التي تمر أمامها من نافذة السيارة، الأشجار التي تتمايل مع النسيم، والسماء الصافية التي تبشر بيوم جميل. قطع والدها الصمت فجأة:


شاهين: "شكلك سرحانة؟"


ليان (مبتسمة بخفة): "مفيش حاجة... بحب هدوء الصبح، كل حاجة بتحسها مختلفة في الوقت ده."


شاهين (يهز رأسه وهو يركز على الطريق): "صح، كل حاجة بتكون أنقى قبل ما تبدأ دوشة الدنيا."


ثم ضحك فجأة وأضاف:


شاهين: "بس لو الدنيا فضلت هادية كده على طول، الزرع مش هيكبر، والناس مش هيحتاجوا شمسية عشان الحر"


ليان (تضحك): "إنت دايمًا بتشوف الدنيا من ناحية عملية"


شاهين: "عشان الحياة كلها عملية، حتى الصبح الجميل ده ليه فايدة."


ظلت ليان تفكر في كلماته، ثم سألته بعد لحظة:


ليان: "تفتكر ممكن أتعلم الزراعة؟"


شاهين (ينظر إليها من طرف عينه بابتسامة خفيفة): "لو بتحبيها، هتتعلمي بسرعة."


ليان: "طب نستنى لما نشوف المزرعة الأول، وبعدها نقرر."


اقتربت السيارة من المزرعة، وبدأت الحقول الخضراء تمتد أمامهما، يكسوها وهج الشمس الصباحي. كان الهواء أكثر انتعاشًا، وعبق الأرض الرطبة يملأ المكان.


أوقف شاهين السيارة عند بوابة خشبية كبيرة، كُتب عليها اسم المزرعة بخط واضح، ثم التفت إلى ليان قائلاً:


شاهين: "جاهزة؟"


ليان (تنظر إلى المزرعة أمامها، وتشعر بحماس خفي يتسلل إلى قلبها): "أكتر من أي وقت فات."


أوقف شاهين السيارة أمام المزرعة، ثم مسح جبهته بكفه وهو يتنهد. كانت الشمس قد ارتفعت في السماء، وبدا أن الحرارة ستزداد مع مرور الوقت. التفت إلى ليان وقال:


شاهين: "الجو حر النهارده، روحي الكافتيريا واستنيني هناك لحد ما أخلص الاتفاق مع الراجل."


ليان (مترددة): "بس أنا كنت عايزة أشوف المزرعة معاك."


شاهين (بحزم لكن بنبرة دافئة): "مش هنتأخر، وبعد ما نخلص هفرجك عليها زي ما انتي عايزة، بس دلوقتي روحي استريحي في التكييف بدل ما تسيحي في الشمس."


ليان (تتنهد مستسلمة): "ماشي، بس متتأخرش بقى."


شاهين (يبتسم وهو يربت على كتفها): "متقلقيش، هخلص وأجيلك على طول."


نزلت ليان من السيارة، ووقفت للحظات تتأمل المزرعة الممتدة أمامها، قبل أن تتجه إلى الكافتيريا الصغيرة الموجودة عند المدخل. كان المكان بسيطًا، لكنه بدا مريحًا بظلال الأشجار التي تحيط به، والطاولات الخشبية الموضوعة بعناية.


دخلت وجلست بجوار النافذة، طلبت قهوة ، ثم أسندت رأسها على يدها وهي تراقب المزرعة من بعيد، تتساءل عما يجري الآن بين والدها وصاحب المزرعة، وما الذي سيؤول إليه هذا الاتفاق.


بينما كانت ليان تراقب المزرعة عبر النافذة، وتلعب بأطراف المنديل الورقي بين أصابعها، سمعت صوت كرسي يُسحب بجوارها. التفتت بسرعة، لتجد الرجل الذي جلست بجانبه بالأمس قد عاد. جلس بثقة، وأسند ذراعه على الطاولة قبل أن ينظر إليها بابتسامة جانبية وقال:


"لسه برضو بتشربي قهوة؟ مش قلت بلاش؟"


رفعت حاجبيها في دهشة، ثم نظرت إلى كوب القهوة أمامها قبل أن تعود لتنظر إليه.


ليان (ببرود): "وأنت مالك؟"


الرجل (يضحك بخفة): "واضح إنك عنيدة، بس بجد القهوة مش مناسبة للصبح بدري، خصوصًا لو معدتك فاضية."


ليان (تضع يدها حول الكوب بإصرار): "بحبها، ومش محتاجة حد يقرر عني أنا هشرب إيه."


الرجل (يميل إلى الأمام قليلًا، بنبرة مازحة): "طيب خلاص، بس لو حسّيتي بدوخة متلوميش غير نفسك."


ليان (تتنهد وتنظر بعيدًا): "أنت ليه مهتم أصلاً؟"


الرجل (يرفع كتفيه بلا مبالاة): "مش عارف، يمكن لأنك شكلك مش من هنا، أو يمكن لأنك بتفكريني بحد كنت أعرفه."


توقفت يدها عن التحرك على الطاولة، ونظرت إليه باهتمام للحظة، لكنها سرعان ما تماسكت وقالت:


*"حد زي مين؟"


ابتسم الرجل ابتسامة غامضة، ثم أشار للنادل طالبًا كوبًا من الشاي، دون أن يجيب مباشرة. شعرت ليان بأن ثمة شيء مريب في وجوده، لكن الفضول بدأ يتسلل إليها دون أن تدرك.


الرجل: "بحسِّك شبه أمي."


ليان (بتهكم): "أمك؟ ايه شغل التلزيق ده؟!"


ضحك الرجل بخفة، وهو يهز رأسه وكأنه توقع رد فعلها. ثم قال بنبرة هادئة:


"مش بلزق ولا حاجة، بجد بحسك شبه أمي، مش في الشكل... في الطريقة اللي بتتكلمي بيها، نظرتك، حتى لما بتتعصبي."


نظرت إليه ليان بتهكم، ثم قالت وهي تدفع الكرسي للخلف مستعدة للرحيل:


"أيوه طبعًا، وأكيد كمان صوتي زي صوتها، وطريقتي في شرب القهوة نفس طريقتها، صح؟"


ابتسم الرجل وهو يتكئ على الطاولة بذراع واحدة:


"مش مستبعد، بس لو كنتِ تعرفيها كنتِ فهمتي قصدي."


الرجل (بابتسامة باردة): "شاهر، اسمي شاهر، المفروض طبيب أمراض القلب والأوعية الدموية، ونصحتك علشان أنا طبيب."


نجد أن هذا هو شاهر نفسه الذي اختطف سبيل منذ سنوات.


ثم تابع حديثه ببرود شديد: "شكلك محامية."


فتحت ليان عينيها بصدمة، ثم نظرت له باندهاش: "عرفت إزاي؟ أنا فعلًا محامية."


شاهر (بثقة): "من لبسك، مش محتاجة ذكاء يعني… شوفي، عرفت إنك محامية وإنتِ معرفتيش إني طبيب."


أجابته بتهكم، وقد أثار ضيقها بسبب نرجسيته غير المفهومة: "حضرتك مش لابس البالطو الأبيض علشان أعرف، ولا حتى معاك سماعة"


قال بتعجب: "حضرتك؟؟؟ أنتِ عندك كام سنة؟"


أجابته بنفاذ صبر: "ثلاثة وثلاثون عامًا."


شاهر (بابتسامة ماكرة): "طيب كويس، أنا خمسة وثلاثين عامًا، يعني أكبر منك بسنتين بس… مفيش داعي لـ'حضرتك' وكده يعني، لو قلتيلي 'دكتور شاهر' بس كفاية."


قفزت ليان من مكانها بغضب، فابتسم شاهر بسخرية، ثم قال بنبرة أقرب للمزاح: "مالك؟ وقفتي ليه؟ أنا بهزر على فكرة… على العموم، أنا آسف، ميهونش عليا أضايق حد في جمالك."


تركت ليان شاهر ورحلت، غير راغبة في إضاعة المزيد من وقتها معه. عادت إلى والدها، الذي كان قد انتهى تقريبًا من عمله، ومشيا سويًا نحو السيارة.


نظر إليها شاهين باستفهام وهو يفتح باب السيارة: "إيه رجعك تاني؟"


أجابته وهي تربط حزام الأمان دون أن تنظر إليه: "مفيش، حسيت إن حضرتك خلصت."


ثم تابعت في سرها بتهكم: "وقابلت حاجة أكتر مللًا من الشغل."

❈-❈-❈

ذهب ليث إلى سديم مرة أخرى كما وعدها، مستعدًا لقضاء يوم كامل في تدريبها على التنس. منذ اللحظة الأولى التي أمسك فيها بالمضرب وبدأ في شرح الأساسيات، لاحظ كيف كانت متحمسة، وكيف يضيء وجهها مع كل ضربة ناجحة.


سديم:" بصراحة مكنتش متخيلة إني هكون شاطرة كده"


ليث (ضاحكًا):" شاطرة إيه بس؟ ده إحنا لسه في البداية، لحد دلوقتي بتضربي الكرة في كل حتة غير الشبكة"


سديم (تضع يديها على خصرها بتحدي): "يعني بتقول إني مش هبقى لاعبة تنس محترفة؟"


ليث (مازحًا): "لا محترفة إيه، بس ممكن تبقي محترفة في ضرب الكرات على الأشجار"


سديم (تدفعه بخفة): "إنت غير عادل على فكرة! طب شوف دي بقى"


همت لتأخذ المضرب وتحاول ضرب الكرة بتركيز، لكنها تصطدم بالسور بدلًا من الشبكة، فتضحك على نفسها.


سديم (تضحك): "طيب، اعتبرها تسخين لسه الإنجازات جاية في السكة إن شاء الله"


ليث (يهز رأسه بابتسامة):" مفيش فايدة فيكي، بس عندك إصرار، وده أهم حاجة."


سديم:" طبعًا أنا مش هستسلم، وبكرة هبقى ألعب أحسن منك كمان"


ليث (يرفع حاجبه بمكر):" هو ده التحدي بقى؟ ماشي يا كابتن سديم، هنشوف"


(يضحكان معًا، ثم يعودان للتدريب، بينما تغرب الشمس، ويمر الوقت دون أن يشعر أي منهما.)


بعد عدة دقائق مرت بعد تدريب شاق و متعب . لم تكن تظن إنه شاق لهذه الدرجة .


سديم (تمسح جبينها المتعرق): "بجد التنس رياضة متعبة، بس حلوة جدًا،  أنا حاسة إني نشيطة ومبسوطة."


ليث (يراقبها بابتسامة خفيفة):" أهم حاجة إنك مستمتعة، بس لازم تستمري في التمرين علشان تتحسني أكتر."


سديم (بتحمس): "طبعًا مش هستسلم أبدًا، كل يوم هتمرن لحد ما أبقى محترفة."


ليث (ضاحكًا):" طيب ماشي، بس أهم حاجة متروحيش تضربي حد بالمضرب بالغلط"


سديم (تمثل الجدية):" لا لا، أنا مخططة أضربك أنت أول واحد."


ليث (يمثل الخوف):" أهو كده بقيت قلقان على حياتي"


(يضحكان معًا، ثم يجلسان على الأرض لالتقاط أنفاسهما.)


سديم (تنظر إلى السماء):" الجو جميل أوي النهاردة، نسمة الهوا دي رهيبة."


ليث (ينظر حوله): "أيوة، المكان هنا مريح جدًا، تحسي كأنك بعيدة عن كل حاجة في الدنيا."


سديم (بابتسامة): "عشان كده بحبه، بحس إن الملعب ده زي عالمي الصغير، لما ببقى فيه بنسى أي حاجة مضايقاني."


ليث (بصوت هادئ):" فاهم الشعور ده كويس... إنك تلاقي مكان ترتاح فيه بعيد عن كل حاجة..."


سديم (تتأمله قليلًا): "أنت مرتاح هنا؟"


ليث (بعد لحظة صمت):" يمكن لأول مرة من فترة طويلة."


تشعر سديم براحة غريبة لكلماته، وتنظر له بابتسامة هادئة، ثم تقف بحماس.


سديم:" طب يلا بقى، كفاية راحة ، عايزة أعيد المحاولة وأثبت لك إني بتحسن"


ليث (ينهض وهو يلتقط المضرب):" عندك عزيمة قوية، وده اللي هيفرق معاك... يلا نشوف شطارتك"


يعودان للعب وسط ضحكاتهما، ويستمر التدريب حتى تبدأ الشمس في المغيب، لتصبح لحظة جميلة محفورة في ذاكرتهما.


على مدار اليوم، لم يشعر ليث بأي ملل، بل على العكس، كان مستمتعًا بكل لحظة. ضحك عندما أخطأت في التصويب، شجعها عندما بدأت تتحسن، وصافحها بحماس عندما تمكنت أخيرًا من تسديد كرة مثالية.


بين ضربات الكرة وقفزاتها، أدرك ليث أن الوقت يمضي بسرعة برفقة سديم، وكأن كل لحظة معها كانت تفقده إحساسه بالزمن، وتمنحه شعورًا بالراحة لم يعرفه منذ وقت طويل.


مع غروب الشمس، بدأ التعب يتسلل إليهما، فجلسا على العشب وهما يلهثان من شدة المجهود.


سديم وهي تلوح بيديها لتبرد وجهها): "أنا رسميا تعبت... بس مبسوطة، حاسة إني بقيت أحسن"


ليث (ينظر لها بإعجاب غير مقصود):" آه، واضح إنك بدأتِ تتحسني... بس لسه الطريق طويل."


سديم (بابتسامة متحمسة):" عادي، طالما عندي مدرب زيك، أكيد هبقى بطلة يومًا ما"


ليث (يضحك):" لا بقى كده هتزوديها، أنا مدرب على قدي، بس هحاول أخليكي تتحسني بسرعة."


سديم (تميل نحوه بمكر)": ما قلتليش، بتلعب التنس من إمتى؟"


ليث (ينظر للأفق وكأنه يسترجع الذكريات):" من زمان... كنت بلعبها مع حد قريب مني، بس بعد كده بطلت لفترة طويلة."


سديم (بحذر):" وحد قريب منك ده... كان مهم بالنسبة لك؟"


ليث (يصمت لثوانٍ ثم يبتسم بخفوت): "آه... كان شخص مهم جدًا."


تشعر سديم بأنه لا يريد التعمق في الحديث، فتحترم صمته وتغير الموضوع بسرعة.


سديم (وهي تنهض): "طيب، طالما النهارده أول يوم تدريب، يبقى لازم نحتفل"


ليث (يرفع حاجبه): "نحتفل بإيه بالضبط؟"


سديم (بحماس):" بعزومة سمك أنا هطبخ وأنت هتشوف بعينك إزاي بعمل أشهى أكلة ممكن تدوقها."


ليث (ضاحكًا): "طيب ماشي، بس لو الأكل طلع وحش، هطالب بتعويض."


سديم (تمثل الغضب):" إزاي تجرؤ! أنت مش عارف بتتكلم مع مين، النهارده هتتعلم درس مهم في الثقة بمهاراتي. وبعدين دي هتكون هدية "


يضحكان معًا وهما يغادران الملعب، لتبدأ لحظة جديدة من الألفة تنمو بينهما دون أن يدركا.


ليث (مبتسمًا):" هدية إيه بس؟ أنتِ كده مغرقاني كرم."


سديم (تضحك بخفة):" بجد، قولي بتحب تاكل إيه، يمكن أعملهولك يوم تاني."


ليث (يفكر قليلًا):" بصراحة، بحب الأكل البسيط... أي حاجة مش معقدة وتكون متحضرة بحب."


سديم (بمزاح):" يعني بتحب الأكل اللي بيتعمل بحب، مش اللي بيتعمل بشطارة؟"


ليث (يضحك): ر لا، لازم الاتنين مع بعض. بس أهم حاجة يكون الأكل فيه روح، فاهمة قصدي؟"


سديم (تهز رأسها بتفهم):" آه، قصدك الأكل اللي فيه دفء، اللي يخليك تحس إنك مش لوحدك."


ليث (ينظر لها للحظة، ثم يقول بهدوء):" بالظبط..."


تبتسم سديم وتشعر بشيء غريب في نظراته، لكنه سرعان ما ينظر بعيدًا. فتقرر ألا تضغط عليه أكثر وتغير الموضوع بمرح.


سديم: "طيب خلاص، اعتبرني سجلت كلامك، وأول ما أقرر أطبخ لك حاجة، هتكون مفاجأة"


ليث (بممازحة): "بس أوعي تكون المفاجأة فيها بهارات غريبة، أنا مليش في الحاجات اللي تحرقني من جوه."


سديم (تضحك):" ماتقلقش، هخليها حاجة على مزاجك."

❈-❈-❈

ليان


كانت لا تزال مستيقظة في غرفتها، عاجزة عن النوم. ذلك الرجل، شاهر... لا تعرف لماذا أثار اهتمامها بهذا الشكل. كان مختلفًا، بطريقة ما. لم يكن كغيره ممن يسعون جاهدين لإبراز أفضل ما لديهم أمامها، على أمل أن ينالوا إعجابها. بل على العكس تمامًا، كأنه لم يكن مهتمًا بذلك مطلقًا. أسلوبه الجاد والمغرور أزعجها، لكن بطريقة غريبة، ترك بداخلها أثرًا لم تستطع تجاهله.


ظلت تسترجع حديثه معها، كلماته التي ما زالت عالقة في ذهنها... حين أخبرها أنها جميلة. لم تكن هذه المرة الأولى التي تسمع فيها مثل هذا الإطراء، لكنها لأول مرة تشعر بشيء مختلف، وكأن هذه الكلمة لم تكن مجرد مجاملة عابرة، بل حقيقة رآها هو وأراد أن يخبرها بها.


هل يعقل أن يكون هذا هو الشعور الذي بحثت عنه طوال حياتها؟

هل هذا هو الحب من أول نظرة الذي يتحدثون عنه دائمًا؟


لكن كيف؟ وهي لا تعرف عنه شيئًا! ليان لم تكن من النوع الذي ينجذب لشخص مجهول، دائمًا ما كانت تؤمن بأن الإعجاب الحقيقي لا يأتي إلا بعد معرفة عميقة، بعد أن تكتشف الشخص بجوانبه المختلفة، لا من لقاء عابر وحديث قصير. ومع ذلك... هناك شيء ما في شاهر جعلها تفكر فيه بهذه الطريقة.


استلقت على سريرها، تحاول أن تقنع نفسها بأن الأمر مجرد لحظة عابرة، وبمجرد أن تستيقظ، ستنسى كل شيء. لكنها لم تستطع إنكار الحقيقة... هناك رجل بعيون زرقاء نيلية وصوت واثق، اقتحم أفكارها دون استئذان، ورفض أن يغادرها.


ليان:" أنا هروح أشرب مية..و أبطل تفكير في الموضوع ده "


أثناء سيرها، قابلت ليث وهو داخل إلى المنزل.


ليان (بتعجب): "كنت فين يا ليث؟ إحنا جينا من زمان ومش لقيناك هنا، بابا أكل ودخل نام."


ليث (مترددًا قليلًا):" كنت بره شوية، غيرت جو بس."


ليان (رافعًة حاجبيها بريبة):" بره شوية؟ فين بالضبط؟"


ليث (مراوغًا):" في أي حتة، المهم إني جيت خلاص."


ليان (تنظر له بشك ثم تهز كتفيها بلا مبالاة): "براحتك، المهم إنك جيت، أنا رايحة أشرب مية."


تركته ودخلت إلى المطبخ بينما تنهد ليث بخفة ثم توجه إلى غرفته مباشرة.


دخل ليث غرفته وأغلق الباب خلفه بهدوء، ثم ألقى بجسده على السرير وزفر بعمق. كان يومه طويلًا، لكنه لم يكن مرهقًا، على العكس، شعر أنه كان من أفضل الأيام التي قضاها منذ فترة.


رفع يده ووضعها خلف رأسه بينما عيناه تحدقان في السقف، ثم ابتسم لا إراديًا وهو يتذكر سديم. طريقة تركيزها أثناء التدريب، إصرارها، وحتى لحظات ضيقها عندما لم تتمكن من تنفيذ الحركات بالشكل الصحيح. كانت مختلفة عن أي فتاة أخرى عرفها، لم تكن تهتم بإثارة إعجاب أحد أو التظاهر بشيء ليست عليه، كانت ببساطة... طبيعية.


لم يستطع منع نفسه من استرجاع ضحكتها عندما أخطأت في إحدى الحركات وكادت أن تسقط، لكنه أمسك بها في اللحظة الأخيرة. نظراتها المربكة عندما أدركت قربه منها، الطريقة التي ابتعدت بها بسرعة وكأنها تحاول الهروب من شعور غريب لم تفهمه.


"سديم..." همس باسمها وكأنه يحاول تذوقه على لسانه. لم يكن يعلم ما الذي يحدث له، لكنه كان متأكدًا من شيء واحد... تلك الفتاة بدأت تترك أثرًا في عقله، وربما... في قلبه أيضًا.


لكن ما إن تردد اسم سديم في ذهنه، حتى انتفض قلبه وكأن صفعة غير مرئية أيقظته من غفلة مؤقتة. كيف يسمح لنفسه بالتفكير في فتاة أخرى؟ كيف يترك عقله يشرد بعيدًا عن سبيل؟!


جلس معتدلًا على سريره، واضعًا يده على رأسه كأنه يحاول إخراج كل الأفكار التي بدأت تتسلل إليه دون إذن. لا، لا يمكن أن يكون هكذا. سبيل... كانت ولا تزال هي كل شيء بالنسبة له، كانت هي البداية، فكيف يسمح لنفسه حتى بمجرد التفكير في شخص آخر؟!


أغمض عينيه بقوة، مسترجعًا وجهها، ضحكتها، نظراتها التي كانت تمتلئ بالدفء رغم كل الألم الذي عانته. كانت سبيل دائمًا جزءًا من كيانه، حتى في غيابها، كانت تسكنه. فكيف تجرأ قلبه على أن يهتز أمام شخص آخر؟


زفر بحدة ونهض من مكانه، وكأنه يحاول الهروب من نفسه. لا، هو لن يسمح لهذا أن يحدث، لن يخون ذاكرة سبيل ولو حتى بمجرد فكرة عابرة.

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا ممدوح، لا تنسى قراءة روايات و قصص أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة