رواية جديدة على سبيل الألم لرانيا ممدوح - الفصل 32 - الأحد ٩/3/2025
قراءة رواية على سبيل الألم كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر
رواية على سبيل الألم
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة رانيا ممدوح
الفصل الثاني والثلاثون
تم النشر الأحد
9/3/2025
فتح ليث الباب ببطء عندما سمع الطرق عليه. لم يكن في مزاج يسمح له برؤية أحد، لكنه لم يستطع تجاهل الإصرار في الطرق. ما إن وقعت عيناه على ليان حتى زفر بحدة، ثم استدار دون أن يقول شيئًا، عائدًا إلى الداخل.
دخلت ليان خلفه، أغلقت الباب، ونظرت حولها. المكان كان فوضويًا تمامًا، أكواب قهوة فارغة متناثرة، أوراق مبعثرة، وأضواء خافتة بالكاد تنير الشقة.
"ليث، إيه اللي عامله في نفسك ده؟"
جلس على الأريكة، أسند رأسه للخلف، وأغمض عينيه وكأنه لم يسمعها.
"ليث، بكلمك."
فتح عينيه ببطء، نظر إليها بنظرة باردة، وقال بصوت مبحوح:
"عاوزة إيه يا ليان؟"
"عاوزة أفهم إيه اللي حصل لك؟ إنت مختفي، مش بترد، وباين عليك تعبان جدًا."
ضحك بسخرية، ثم قال وهو ينظر للسقف:
"سبيل راحت، ملهاش أثر، وكأنها ما كانتش موجودة أصلاً... وأنا؟ أنا فضلت أدور وأدور، وكل مرة كنت بفتكر إني قربت ألاقيها، ألاقي نفسي برجع لنفس النقطة. بقيت بحس إني بجري ورا سراب."
جلست ليان على الطاولة المقابلة له، وضعت يديها أمامها، وقالت بهدوء:
"إنت لسه مؤمن إنها عايشة؟"
نظر إليها ليث بعيون متعبة، ثم قال بصوت خافت:
"كنت... بس دلوقتي؟ مش متأكد من أي حاجة."
"ليث، إحنا عشنا مع بعض كتير، وعارفة إنك مش من النوع اللي بيستسلم بسهولة. حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدك، عمرك ما كنت بتتراجع. إيه اللي حصل؟"
نظر إليها لثوانٍ، ثم ابتسم بسخرية:
"اللي حصل؟ اللي حصل إني اكتشفت إن العالم مكان قذر. مليان كذب وخداع، مليان ناس بتتصنع الطيبة وهما في الحقيقة أفاعي. كنت فاكر إني قوي، لكن الحقيقة إني كنت مغفل."
"إنت مش مغفل، إنت شخص كان عنده أمل."
"أمل؟" ضحك بمرارة، ثم أكمل: "الأمل ده اللي بقى عبء عليّ، اللي خلاني أتمسك بحاجة مش موجودة. عشت شهور بدور على سبيل، وكل ما ألاقي طرف خيط، يطلع فخ. كل ما أحس إني قرّبت، ألاقي نفسي واقف في نفس المكان."
"بس مش معنى كده إنك توقف! لو استسلمت، يبقى فعلًا خسرت."
"خسرت؟ أنا خسرت من زمان يا ليان. أنا حتى مش عارف أنا ليه لسه هنا."
"إنت هنا لأنك لسه عايش، ولسه في حاجة تقدر تعملها. بس لازم تخرج من الحالة دي."
نظر إليها ليث للحظات، ثم قال بصوت متعب:
"إزاي؟ قوليلي إزاي؟ جربت كل حاجة، استخدمت كل الطرق، استعنت بناس، دفعت فلوس، عملت كل اللي أقدر عليه... وفي الآخر؟ ولا حاجة."
"فيه حاجة إنت ما جربتهاش، إنك تؤمن بنفسك من تاني. تؤمن إنك تقدر تكمل، حتى لو كل حاجة ضدك."
"ماقدرش، ماعنديش طاقة تانية للمحاربة. يمكن يكون لازم أقبل الحقيقة، يمكن تكون سبيل... ماتت."
تغيرت ملامح ليان، اقتربت منه، وقالت بجدية:
"بص في عيني، لو كنت متأكد 100% إنها ماتت، كنت هتكون بالشكل ده؟ لا، إنت لسه عندك جزء منك رافض يصدق. وإنت لازم تسمع الصوت ده جواك."
ظل ينظر إليها دون أن يجيب، لكنها شعرت بأنه بدأ يتردد.
"إنت مش لوحدك، وأنا مش هسيبك تغرق في اليأس ده. هتقف على رجلك تاني، وهتدور عليها، وهتلاقيها."
لم يقل ليث شيئًا، لكن عيناه لمعتا للحظة، وكأن هناك شرارة صغيرة بدأت تعود إلى داخله.
❈-❈-❈
أصبح ليث شخصية شهيرة ولقب بـ"اليد الذهبية"، وحصل على العديد من الجوائز، وأصبح الوجه الأبرز في الإعلانات.
يمتلك جماهير واسعة في جميع أنحاء العالم، واحترف التنس في العديد من الدول الأجنبية، ولم يقتصر نجاحه على ذلك فحسب، بل أصبح يملك ثروة ضخمة وقصرًا خاصًا به.
لكن، وكأن السنين لم تمر، وكأن ما حدث كان بالأمس. ما زال يتذكر كيف تم اختطاف زوجته من قبل رجال مجهولين بطريقة وحشية ومؤلمة بالنسبة له. كل ما وصل إليه لم يعد يعني له شيئًا مقارنة بسبيل.
كان يجلس في غرفته على مكتبه، وأمامه ورقة بيضاء كعادته، وبدأ يكتب، فلا يوجد شيء يجعله يستشعر وجودها سوى بتلك الطريقة.
زوجتي العزيزة،
اشتقت إليكِ كثيرًا، سبيل. هل ما زلتِ على قيد الحياة؟
ألا تشاهدينني في التلفاز والصحف والمجلات؟
لقد أصبحتُ مشهورًا كما كنتُ أطمح سابقًا، وصلتُ إلى ما حلمتُ به منذ أن بدأت تدريبات التنس. رغم الشهرة التي اكتسبتها، لم تتعرفي عليَّ، ولم تعودي.
إذا كنتِ على قيد الحياة، ما الذي يمنعك من العودة إليَّ؟
لن أضايقكِ أبدًا... لن أمزح معكِ... لن أترككِ أبدًا... سأحاول أن أفعل ما يسعدكِ فقط، أرجوكِ عودي. لم يعد قلبي يستطيع العيش أكثر من ذلك بدونكِ. فليُعِدكِ إليَّ ذلك الحقير، سأمنحه كل المال الذي لدي.
بعد أن أنهى كلماته، شعر بأن الألم يضيق على صدره حتى فقد وعيه، غارقًا في وجعه. كانت استعادة الذكريات مرة أخرى أقسى مما تخيل، رغم أن طبيبه النفسي أوصاه مرارًا بمحاولة التخلص منها، لكنها كانت تتجدد وحدها، كأنها ترفض الرحيل.
حين حضر الطبيب، أوصى بأن ينتقل ليث إلى إحدى المدن النائية الهادئة ليحصل على بعض الراحة، ونصحه بأن يمكث شهرين دون التفكير في سبيل أو التحدث عنها أمامه، على أمل أن يمنحه ذلك بعض السلام الذي افتقده طويلًا.
نظر شاهين إلى ليث بقلة حيلة، محاولًا إيقاظه من دوامة الحزن التي تملّكت منه، وقال بنبرة حاول أن تبدو واقعية رغم تعاطفه معه:
"كفاية يا بني تتعب نفسك بالشكل ده. هو أنت أول واحد يحب ولا يتجوز ومراته تختفي؟ ما أنا أهو قدامك، مراتي ماتت وربّيت ليان لوحدي، وعادي، الدنيا مشيت. البنات كتير في الدنيا، جرّب حظك تاني وتالت. انت مسمعتش عن رجالة بتتجوز بعد ما زوجاتهم بيموتوا بيوم ولا اتنين؟ فوق بقى وكفاية حزن."
لكن ليان، التي لم تحتمل حديث والدها القاسي، أسرعت نحوه، وأمسكت بذراعه، قاطعة حديثه قبل أن يتعمق أكثر في كلماته الجارحة، وقالت بسرعة وهي تدفعه نحو الخارج:
"تعالَ يا بابا معايا، وراك شغل كتير روح شوفه، مع السلامة، يلا يلا، سيبه يرتاح، أنا هعطيه الدواء وأجي وراك بسرعة، ها؟ ماشي؟"
وأغلقت الباب خلفه بخفة، ثم التفتت إلى ليث بابتسامة مرحة، تحاول أن تبدد بعضًا من الغيوم التي تلبدت فوق رأسه. تقدّمت نحوه وجلست بجانبه، وقالت بصوت مفعم بالحيوية:
"عارف يا ليث، انت محظوظ. عندي شغل في حتة كده جميلة وهادية، فيها بحيرة الناس بيشكروا فيها أوي، وكمان كلها مزارع، يعني هتشوف حيوانات ومناظر خضراء، جميلة بجد. وبابا هيجي معانا، مش هنطول، هم عشر أيام بس. أوعى ترفض، خليك حلو."
لكن ليث لم يبدُ مقتنعًا، نظر إليها بعينين مثقلتين بالإنهاك، وقال بصوت خافت:
"لا ماليش نفس، روحي أنتِ وعمي، أنا هافضل هنا، ومتقلقيش، أنا كنت أسوأ من كده ونجحت. شوية وهبقى كويس."
رمقته ليان بنظرة متفحصة، وكأنها تحاول أن تفهم إن كان صادقًا في كلماته أم مجرد ادعاء ليبقى وحيدًا مع حزنه، لكنها لم تُطِل الحديث. ابتسمت وقالت بخفة:
"بقولك إيه، خلاص، أنا قررت. هنسافر أنا وبابا الصبح، وتعالَ أنت وقت ما تحب. لو مش حابب، خلاص براحتك، لكن لو جيت... اسأل عن البيت رقم خمسة عشر، تمام؟"
لم يرد، فقط أومأ برأسه، بينما قال بصوت هادئ قبل أن تغادر:
"شكرًا ليكِ يا ليان... على كل حال."
وغادرت، تاركة خلفها صمتًا ثقيلًا، لكن كلماتها، رغم بساطتها، ظلّت تتردد في ذهنه، كأنها نافذة صغيرة فتحت في جدار العزلة الذي بناه حول نفسه.
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي، غادرت ليان مع والدها متجهين إلى البلدة الهادئة حيث كان لدى شاهين عمل هناك، وكانت ليان برفقته لمساعدته قانونيًا، كما خططت مسبقًا. المكان كان بعيدًا عن صخب المدينة، تحيط به مساحات واسعة من المزارع والبحيرات، وكأن الزمن يسير فيه بوتيرة أبطأ، خالٍ من أي ضجيج سوى همس الطبيعة.
مر يومان، كانا كافيين ليشعر ليث بثقل وحدته أكثر من أي وقت مضى. ظلَّ يدور داخل أفكاره حتى قرر في النهاية تنفيذ نصيحة الطبيب، واللحاق بعمه وليان. لم يكن مقتنعًا تمامًا، لكنه في الوقت ذاته شعر بحاجة غامضة للابتعاد عن بيئته المعتادة، لعل التغيير يجلب معه بعض الراحة التي يفتقدها بشدة.
ركب سيارته وانطلق في رحلة طويلة نحو البلدة البعيدة. الطرق كانت تمتد أمامه بلا نهاية، تتعرج بين الحقول، وتغمرها أشعة الشمس الصباحية التي بدأت تكتسب لون الغروب مع تقدمه في الطريق. بعد ساعات من القيادة، وصل إلى مفرق طرق، حيث تشعبت أمامه طريقان، كلاهما يبدو متشابهاً، ولم يكن لديه أدنى فكرة أيهما سيقوده إلى وجهته الصحيحة.
أطفأ محرك السيارة ونزل منها، تحيط به الحيرة من كل جانب. التقط هاتفه محاولًا الاتصال بليان، لكنه تفاجأ بعدم وجود تغطية للشبكة، وكأن هذه المنطقة معزولة عن العالم تمامًا. نظر إلى شاشته التي أظهرت عبارة "الهاتف خارج التغطية"، فشعر بضيق شديد. لا خيار أمامه سوى انتظار مرور أي شخص ليسأله عن المنزل المرقم بخمسة عشر.
استند على مقدمة سيارته، يتأمل الطريقين أمامه، وكأن كليهما يخفي سرًا لا يدركه بعد. في هذا المكان الهادئ حد الصمت، كان بإمكانه سماع دقات قلبه المتسارعة، وشعوره المتزايد بأن هذه الرحلة لن تكون مجرد تغيير مؤقت، بل بداية لشيء لم يتوقعه أبدًا.
نظر جانبه فجأة، فوجد فتاة جميلة للغاية تركض بخفة، وكأنها جزء من هذا المكان الهادئ. شعر للحظة أن الهواء حوله صار أكثر نقاءً، وكأنها تحمل معه نسيمًا خفيفًا وهي تمر من أمامه بسرعة. تابعها بعينيه حتى أوشكت على الابتعاد، ثم صاح بصوت عالٍ، آملًا أن تسمعه:
"لو سمحتي!"
توقفت الفتاة فجأة، التفتت إليه، ثم عادت بضع خطوات إلى الخلف لتنظر إليه باهتمام.
"نعم؟"
شعر ليث براحة طفيفة حين استجابت لندائه، فسألها مباشرة، محاولًا ألا يبدو متوترًا:
"حضرتك، أنا عايز أروح البيت رقم خمسة عشر، ممكن تقوليلي فين بالضبط؟"
ظهرت على ملامحها لمحة دهشة خفيفة قبل أن تجيبه ببساطة:
"ده البيت اللي قدام بيتي على طول."
اتسعت ابتسامته تلقائيًا، وكأن الحظ قد قرر أخيرًا أن يبتسم له بعد سلسلة طويلة من التخبط. لكنه كان لا يزال بحاجة إلى مساعدة أوضح، فاقترح دون تردد:
"طب ممكن تركبي معايا وتوصفيلي المكان؟ أنا غريب هنا ومعرفش حد."
ترددت الفتاة للحظات، وكأنها تفكر فيما إذا كان عليها الموافقة أم لا. كانت لا تزال تلتقط أنفاسها بعد الركض، ونظرت إلى الطريق أمامها ببطء، قبل أن تعود إليه بابتسامة صغيرة قائلة:
"رغم إني بستنى اليوم ده كل أسبوع علشان أجري فيه، لكن تمام، مافيش مشكلة."
شعر ليث بامتنان حقيقي لها، فابتسم وهو يفتح باب السيارة، قائلًا بإخلاص:
"شكرًا جدًا."
ركبت الفتاة إلى جانبه، وأشارت له بالطريق، بينما ظل هو يتأملها بين الحين والآخر، متسائلًا عن القصة التي قد تحملها، وعن السبب الذي جعله يلتقي بها في هذا المكان بالذات، وكأن القدر كان يرتب له شيئًا لم يكن في الحسبان.
ركبت الفتاة بجانبه في السيارة بهدوء، ولم تتفوه بكلمة طوال الطريق. كان الصمت يسيطر على الأجواء، لكن ليث لم يستطع مقاومة فضوله، فنظر إليها سريعًا قبل أن يسأل:
"اسمك إيه؟"
التفتت إليه للحظة، ثم أجابته بصوت هادئ:
"سديم."
تأمل الاسم قليلًا قبل أن يعلق:
"اسمك غريب... بس يا ترى معناه إيه؟"
على عكس هدوئها السابق، ردت بحماس واضح، وكأنها تحب الحديث عن معنى اسمها:
"الضباب الرقيق الناعم، وأيضًا مكان في القبة السماوية فيه نجوم بعيدة بتظهر ضعيفة الضوء."
ابتسم ليث ابتسامة صغيرة، ثم قال وهو يحاول استيعاب الاسم ومعناه:
"جميل... وأنا اسمي ليث."
أومأت برأسها باهتمام، لكن قبل أن تسترسل المحادثة أكثر، أشارت إلى منزل أمامهما قائلة:
"خلاص، وصلنا... ده البيت اللي حضرتك عايزه."
ثم أشارت إلى منزل آخر مقابل له، قبل أن تضيف:
"وده بيتي."
فتحت باب السيارة ونزلت بخفة، متوجهة نحو منزلها دون أن تلتفت خلفها. أما ليث، فظل يراقبها للحظات، يتابع خطواتها السريعة حتى اختفت داخل المنزل. شعر بشيء غريب تجاهها، لكنه لم يحدد إن كان فضولًا أم مجرد اهتمام عابر.
هز رأسه، محاولًا إبعاد الأفكار، ثم نزل من السيارة وتوجه إلى المنزل الذي أشارت إليه سديم، لكنه تفاجأ بأنه فارغ تمامًا، لا يوجد أي أثر لليان أو عمه شاهين.
تنهد بتعب، شعر بالإرهاق الشديد بعد ساعات القيادة الطويلة، ولم يجد أمامه حلًا سوى أن يرتاح قليلًا حتى يعودا.
توجه إلى أقرب أريكة، ألقى بجسده عليها، وأغمض عينيه، لكنه لم يستطع النوم فورًا. ظل يفكر للحظات في سديم، في لقائهما الغريب، وفي الطريقة التي تحدثت بها عن اسمها بحماس.
لكن الإرهاق غلبه في النهاية، واستسلم لنوم عميق، بينما كانت البلدة النائية تهمس بأسرارها في الخلفية، وكأنها تعده بمفاجآت لم يكن يتوقعها.
❈-❈-❈
كانت المزرعة تمتد على مساحات شاسعة، أشجار الفاكهة تتمايل برفق مع النسيم العليل، فيما كان شاهين منشغلًا بالحديث مع التجار حول صفقة جديدة. جلست ليان بالقرب منهم، تحاول أن تبدو مهتمة، لكن سرعان ما تسلل إليها الملل، فتأففت بصوت خافت.
لاحظ والدها ذلك، فابتسم بحنان وقال:
"في كافتيريا هناك على أول الطريق، ممكن تقعدي فيها لحد ما أخلص وأجيلك نروح سوا."
ترددت للحظة، ثم قالت:
"مش مهم، هستناك يا بابا."
أصر شاهين وهو يربت على يدها:
"لأ، روحي... شكلك زهقانة خالص."
تنهدت ليان، ثم نهضت قائلة:
"خلاص، هروح... بس متتأخرش عليّ."
غادرت المزرعة وسارت باتجاه الكافتيريا التي أشار إليها والدها. كانت صغيرة وبسيطة، تتوسطها طاولات خشبية متراصة، فيما تفوح منها رائحة القهوة الطازجة. ألقت نظرة سريعة حولها، فاكتشفت أن جميع الطاولات مشغولة، باستثناء طاولة واحدة يجلس عليها رجل بمفرده.
تقدمت نحوه بتردد، ثم سألته بصوت هادئ:
"ممكن أقعد على الكرسي ده؟"
رفع الرجل عينيه نحوها ببرود، ألقى عليها نظرة خاطفة غير مبالية، ثم أشار لها بالموافقة دون أن ينبس بكلمة.
جلست ليان بهدوء، غير مكترثة ببروده الغريب، ثم أتى النادل وسألها بلطف:
"تؤمري بحاجة يا فندم؟"
أجابت دون تفكير:
"ممكن قهوة سادة."
أومأ النادل برأسه، وغادر لتحضير طلبها، بينما سرحت ليان في تأمل المكان من حولها، متجاهلة تمامًا نظرات الرجل الجالس أمامها، الذي بدا وكأنه يحمل أسرارًا كثيرة خلف صمته الثقيل.
لكن الرجل صاح بصوت عال " هات لها عصير "
رفعت ليان حاجبيها بدهشة، وحدقت في الرجل الذي جلس بجوارها وكأنه قرر فجأة التدخل في حياتها دون سابق إنذار. نظرت إلى النادل الذي غادر لينفذ طلبه دون أن ينتظر موافقتها، ثم عادت بنظراتها إلى الرجل قائلة باستنكار:
"أنا عايزة قهوة، أنت مالك؟!"
كان الرجل مسترخيًا تمامًا، وكأنه غير معني بنبرتها الحادة، ثم رد بصوت هادئ لكنه حاسم:
"القهوة مضرة، العصير أفيدلك."
أطلقت ليان ضحكة ساخرة وهي تضع كوعها على الطاولة وتسند رأسها على يدها، ثم قالت بتهكم:
"وأنت فجأة بقيت مهتم بصحتي؟! ممكن أعرف إنت مين أصلاً؟!"
نظر إليها نظرة ثابتة، وكأنه يزن كلماتها، قبل أن يجيب بنبرة غامضة:
"سؤال منطقي... بس قبل ما أجاوبك، خلينا نشوف رأيك في العصير الأول."
في هذه اللحظة، عاد النادل ووضع أمامها كوبًا من عصير البرتقال الطازج، لامعًا بلونه الذهبي تحت ضوء الشمس. نظرت ليان إلى الكوب، ثم إلى الرجل، الذي اكتفى بإيماءة خفيفة وهو يرفع كوب قهوته إلى شفتيه، منتظرًا ردة فعلها.
نظرت ليان إلى كوب العصير بعبوس ثم زفرت بضيق:
"ما طلبتش العصير، مش هاشربه."
رفع الرجل حاجبه بسخرية وهو يتأملها، ثم قال بهدوء مستفز:
"طيب... بس هيبقى شكلك غريب وأنتِ جاية من الشمس الحارقة ورافضة تشربي حاجة منعشة."
ألقت عليه نظرة جانبية حادة، ثم ردت بتحدٍ:
"وإيه المشكلة؟ ممكن جدًا أكون من النوع اللي بيحب يعذّب نفسه!"
ابتسم ابتسامة جانبية وهو يضع كوب قهوته على الطاولة:
"واضح، وإلا مكنتيش مصرة على القهوة اللي هتخليكي عصبية أكتر ما أنتِ عليه دلوقتي."
رفعت ليان الكوب الصغير الخاص به ولوّحت به أمامه:
"وأنتَ مالك؟! مش يمكن أنا بحب القهوة؟ مش يمكن هي اللي بتساعدني على تحمل أمثالك؟!"
ضحك الرجل بخفة، ثم مال للأمام وأسند ذراعيه على الطاولة وهو ينظر إليها مباشرة:
"يعني أنا اختبار صعب محتاج قهوة علشان تتحمليني؟ برافو عليكِ، اعتراف ذكي."
ضيّقت ليان عينيها ورفعت ذقنها بتحدٍ:
"أنا بس بقول الحقيقة، وبالمناسبة... إنت لسه مقلتش اسمك، ولا انت بتفضل تفضل مجهول كده وتفرض أوامرك على الناس؟"
اتكأ للخلف براحة، ونظر إليها نظرة خفيفة، وكأنه يستمتع بإغاظتها قبل أن يجيب أخيرًا:
"الاسم مش مهم، الأهم إني قدمت لكِ نصيحة مجانية، وخلاص نفذتيها."
نظرت ليان إلى العصير الذي كانت قد ارتشفت منه دون أن تشعر، فازدادت ملامحها عبوسًا، ثم قالت بتحدٍ:
"مش معنى إني جربته إني اقتنعت، برضو القهوة تكسب."
ضحك الرجل وهو ينهض من مكانه، ثم ألقى عليها نظرة سريعة قبل أن يلتقط معطفه قائلاً بمرح:
"لو قعدتي هنا شوية كمان، ممكن تقتنعي."
ثم استدار ومشى، تاركًا ليان تحدق خلفه بحيرة، وهي تضغط على كوب العصير بين يديها.
راقبت ليان الرجل وهو يغادر، ثم نظرت إلى كوب العصير أمامها، وكأنها تراه لأول مرة. زفرت بضيق وغمغمت وهي تضغط على أسنانها:
"إيه الوقاحة دي؟! يعني يدخل يفرض رأيه عليّ كأني طفلة صغيرة؟!"
أخذت رشفة من العصير ثم وضعت الكوب بعنف على الطاولة وهي تتمتم:
"والأغرب إني فعلاً شربته! لا وكمان بيقول لو قعدت شوية ممكن أقتنع؟! بقى أنا أقتنع؟! في أحلامه!"
مررت يدها في شعرها بغيظ، ثم تذكرت نظراته المستفزة وطريقته في الحديث، فضربت الطاولة بخفة وهي تهمس بغضب:
"مين أصلاً اللي يتكلم مع حد بالطريقة دي؟! يعني لا يقول اسمه، ولا حتى يتعامل بأسلوب طبيعي، وبعدين يتصرف كأنه يعرفني من سنين؟!"
تنهدت بعصبية ثم أشاحت بيدها، وكأنها تحاول طرد أفكارها عنه، لكنها لم تستطع منع نفسها من التمتمة بسخرية:
"الاسم مش مهم، الأهم إني قدمت لك نصيحة مجانية!"
ثم غمزت بسخرية وهي تقلده:
"يا سلام بقى! نصيحة مجانية؟! ده حتى كان ناقص يقولي شكلي غريب وأنا طالبة قهوة بدل العصير!"
أمسكت الملعقة الصغيرة وبدأت تحرك العصير بعصبية وهي تواصل كلامها لنفسها:
"واللهِ لو شوفته تاني هاعرفه إني ما بتأثرش بالكلام الفاضي ده، بالعكس! هاطلب قهوة زيادة، وهشربها قدامه كمان!"
لكنها دون أن تنتبه، أخذت رشفة أخرى من العصير، وعندما أدركت ذلك، وضعت الكوب بسرعة وكأنها ضبطت نفسها متلبسة.
"لاااا... ده شكله كان معمول لي عمل!"
غطت وجهها بكفيها للحظة قبل أن تتمتم:
"يا رب ما يكون هنا كتير، لأني لو قابلته تاني، ممكن أطلع عن شعوري وأفرغ العصير كله على رأسه!"
تأففت ليان بضيق وهي تسند رأسها على يدها، ثم تمتمت بغيظ:
"ياريتني فضلت مع بابا في المزرعة! على الأقل كنت هزهق بهدوء بدل ما أقابل واحد عقله في كوكب تاني!"
نظرت إلى الباب كأنها تتوقع عودته، ثم حركت يدها بعصبية:
"هو إيه نوع البشر ده؟ يدخل حياتي لدقيقتين بس ويخليني أعيد التفكير في كل قراراتي؟!"
تنهدت وأخذت رشفة أخرى من العصير دون أن تدرك، لكنها ما إن لاحظت ذلك حتى وضعت الكوب بعنف على الطاولة:
"إيه ده؟! هو أنا لسه بشرب العصير اللي فرضه عليّ؟! لأ بجد... أنا لازم أمشي من هنا قبل ما أجن رسمي!"
وقفت بسرعة وهي تتمتم:
"مش ناقص غير إنه يطلع واحد من الناس اللي هشوفهم كتير هنا، ساعتها لازم ألاقي طريقة أتعامل بيها مع جنانه!"
ثم خرجت من الكافيتيريا وهي تهمس بسخرية لنفسها:
"كان لازم أسمع كلام بابا وأفضل في المزرعة... هناك على الأقل محدش بيتدخل في اختياراتي حتى لو كانت مجرد قهوة!"
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا ممدوح، لا تنسى قراءة روايات و قصص أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية