رواية جديدة على سبيل الألم لرانيا ممدوح - الفصل 33 - الثلاثاء 11/3/2025
قراءة رواية على سبيل الألم كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر
رواية على سبيل الألم
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة رانيا ممدوح
الفصل الثالث والثلاثون
تم النشر الثلاثاء
11/3/2025
عندما وصلت ليان إلى مدخل المزرعة، وجدت والدها شاهين يلوّح لها بابتسامة:
"هاه، انبسطتِ في الكافيتيريا ولا لسه زهقانة؟"
أجبرت على الابتسام، لكنها هزت كتفيها بلا مبالاة:
"عادي… مجرد كافيتيريا، إيه الجديد؟"
نظر إليها والدها بتركيز، كأنه يحاول قراءة أفكارها، ثم سألها بمزاح:
"أكيد ما حصلش حاجة؟ شكلك متعصبة شوية."
شدّت ليان حزام حقيبتها على كتفها، وأجابت بسرعة وهي تتجه نحوه:
"لا طبعًا، كنت قاعدة لوحدي، شربت العصير اللي طلبته وخلاص."
رفع شاهين حاجبيه بدهشة:
"عصير؟ مش قهوة؟!"
تجمّدت للحظة، لكنها استعادت هدوءها بسرعة:
"آه… حبيت أغيّر."
ضحك والدها بخفة وربّت على كتفها:
"تغيير كويس، بس لو كنتِ زهقانة للدرجة دي، كان ممكن ترجعي وتقعدي معايا."
ابتلعت تعبيرها المتضايق وهي ترد:
"يمكن المرة الجاية، يلا نمشي؟"
أومأ شاهين برأسه وهو يقودها نحو السيارة، بينما هي تمشي بجانبه، تحاول دفن ذلك الموقف الغريب في عقلها، لكنها لم تستطع منع نفسها من التساؤل:
"يا ترى هقابله تاني؟!"
عندما وصلت ليان مع والدها إلى المنزل، تفاجآ بوجود سيارة مركونة أمامه. توقف شاهين قليلًا وهو يتأملها قبل أن يلتفت إلى ابنته متسائلًا:
"معقول ليث ابن عمك جه هنا؟"
أجابت ليان بابتسامة خفيفة، وكأنها كانت تنتظر هذا منذ مدة:
"آه، أخيرًا سمع كلامنا."
في الداخل، كان ليث نائمًا على الأريكة في غرفة المعيشة، يبدو عليه الإرهاق الشديد بعد الرحلة الطويلة. لم يرغب شاهين في إزعاجه بشدة، لذا اقترب منه بحذر، ثم وضع يده بلطف على كتفه محاولًا إيقاظه بهدوء:
"ليث... ليث... ليث."
تحرك ليث قليلًا، ثم فتح عينيه بصعوبة وهو يحاول استيعاب المكان من حوله. مسح على وجهه بيده قبل أن يعتدل في جلسته، مغمغمًا بصوت خافت:
"جيت إمتى يا ليث؟"
رفع نظره قليلًا ناحية شاهين، ثم أجابه بصوت متعب:
"من ساعتين كده."
لم تعلق ليان، بل اكتفت بالنظر إليهما للحظات قبل أن تتجه مباشرة إلى المطبخ لتحضير الطعام. لم تكن تعلم كم كان جائعًا، لكنها أرادت أن توفر له وجبة دافئة بعد عناء الطريق. بعد دقائق، كانت قد رتبت الطاولة ونادت عليهما للانضمام إليها.
جلس الثلاثة معًا حول المائدة، يتناولون الطعام في جو هادئ يقطعه بين الحين والآخر صوت الملاعق وهي تصطدم بالأطباق. قطع شاهين الصمت وهو ينظر إلى ليث باهتمام:
"إيه رأيك في البلد هنا؟"
رفع ليث عينيه إليه، ثم تنهد قبل أن يجيب بنبرة متأملة، وكأنه كان يزن كلماته:
"كويسة جدًا، بس ليه مفيش شبكة هنا؟"
ابتسمت ليان بسخرية وهي تتناول طعامها دون اكتراث، ثم ردت وكأنها تلقي درسًا لا يقبل النقاش:
"الشبكة موجودة عند مفارق الطرق، بس أنت عايزها ليه؟ افصل شوية عن كل حاجة، استجم، استمتع بالمناظر الطبيعية، المكان هنا يجنن. مش عارفة ليه الناس مش بتتنافس علشان تعيش هنا."
نظر إليها ليث بطرف عينه قبل أن يرد بنبرة لا تخلو من السخرية:
"يا سلام."
لم تعره اهتمامًا، بل وضعت شوكتها على الطاولة، ثم استندت إلى ظهر الكرسي وقالت بتثاؤب واضح:
"بس يا خسارة، إحنا هنكون برا طول الوقت... أنا كلت، وهاطلع أنام، تعبت جدًا النهاردة."
مدد شاهين ذراعيه في استرخاء قبل أن يقول بدوره:
"وأنا كمان، تصبح على خير يا ليث."
"تصبحوا على خير."
غادرت ليان إلى غرفتها، بينما تبعها شاهين بعد دقائق. أما ليث، فقد بقي للحظات وحيدًا في غرفة المعيشة، يتأمل المكان حوله بصمت. شعر بغرابة هذا الهدوء الذي يحيط به، لكنه لم يكن مزعجًا، بل على العكس، كان هناك شيء مريح في هذا السكون.
نهض ببطء، واتجه إلى غرفته هو الآخر، متمنيًا أن يكون هذا المكان بداية جديدة له، أو على الأقل، فرصة لينسى قليلاً ما يطارده.
❈-❈-❈
وقف ليث في الشرفة، يستنشق الهواء الطلق، مستمتعًا بنسيم الليل البارد الذي يلامس وجهه برفق. السماء كانت صافية، تتلألأ فيها النجوم بهدوء كأنها تراقب الأرض بصمت. شعر براحة غريبة، وكأن هذا المكان يحمل سكينة لم يختبرها منذ فترة طويلة.
لكن شيئًا ما لفت انتباهه فجأة. في الحديقة المقابلة، لمحت عيناه فتاة تضع الملابس المبتلة على الحبال، تتحرك بخفة وهدوء، وكأنها اعتادت هذا الروتين اليومي. ضيق عينيه قليلًا، يحاول التعرف عليها، ليكتشف أنها سديم.
تردد للحظة. هل يذهب إليها؟ أم يكتفي بالمراقبة؟ رفع سبابته وبدأ يضغط بها عدة مرات على طرف الشرفة في توتر. لم يكن يعرف السبب الحقيقي الذي يجذبه نحوها، لكنه كان مدفوعًا بفضوله لمعرفة المزيد عنها. بعد ثوانٍ من الصراع الداخلي، قرر التحرك.
نزل من الشرفة وسار في اتجاه المنزل المقابل. كانت خطواته بطيئة لكنها ثابتة، وعندما وصل إلى البوابة الحديدية، توقف قليلًا ينظر إلى المنزل. كان واحدًا من أكبر المنازل في المنطقة، وربما الأكثر فخامة. على الرغم من بساطته، إلا أن تفاصيله الصغيرة كشفت عن صاحبه. الحديقة كانت واسعة مقارنة بالمنازل الأخرى، تحوي أرجوحة تكفي لشخصين، وماكينة شواء موضوعة في ركن جانبي، وبعض التفاصيل التي تدل على أن ساكن هذا المكان ليس مجرد شخص عادي، بل شخص يعرف كيف يستمتع بحياته.
لكن ما لفت انتباهه أكثر كان الملابس التي تقوم سديم بنشرها. كانت كلها نسائية. أثار ذلك فضوله. هل تعيش وحدها؟ أم أنها متزوجة؟ لديها أطفال؟ أم أنها مع والديها؟ لم يسبق له أن سمع أي صوت آخر يأتي من المنزل، ولا حتى أصوات عائلية تدل على وجود أشخاص آخرين.
راقب سديم بصمت وهي تكمل ما تفعله، لم تكن منتبهة له. كان هناك شيء آخر أثار فضوله بشدة، أمر لاحظه منذ لقائهما الأول: كانت دائمًا ترتدي قفازين يغطيان يديها، حتى في الجو الحار. لماذا؟ ما السر وراء ذلك؟
كل تلك التساؤلات جعلته أكثر فضولًا نحو هذه الفتاة الغامضة. لم يشعر بهذه الدرجة من الاهتمام تجاه أحد من قبل، لكن سديم... كانت مختلفة.
لاحظت سديم اقتراب ليث منها، فقد كانت البوابة الحديدية مفتوحة على مصراعيها. ابتسمت بلطف وأمالت رأسها قليلًا لترحب به.
"أهلًا بيك."
ابتسم لها ليث من بعيد دون أن يدخل:
"أهلًا بيكِ."
ثم التفت حوله، متأملًا هدوء المنطقة. لم يكن الليل قد حلّ بعد، ومع ذلك لم يكن هناك أحد في الطريق، وكأن الجميع اختفوا فجأة. عقد حاجبيه متعجبًا وسأل:
"لما الواحد يحب يستمتع هنا، بيعمل إيه؟"
أجابت سديم بعد تفكير قصير:
"أممم... معظم الناس هنا بيشتغلوا طول الوقت، وبليل بيناموا بدري. مفيش أماكن للسهر والكلام ده."
هزّ ليث رأسه بإعجاب ساخر:
"أنا لاحظت ده فعلًا، طب والحل؟ أروح أنام زيهم؟"
ضحكت سديم بخفة قبل أن ترد:
"أنا بحب أروح مكان قريب للصيد، بروح هناك بالنهار، بس لو عايز، ممكن نروح دلوقتي عادي."
نظر إليها ليث للحظة، ثم ابتسم بخفة. لم يكن لديه خطط أخرى، ولم يبدُ أن هناك شيء آخر ليفعله في هذه البلدة الهادئة.
"صيد السمك بالليل؟ مفيش مشكلة، يلا وريني المكان."
ثم رفع ليث حاجبه قليلًا وهو ينظر إليها، لم يتوقع أن تكون فتاة تهتم بالصيد. تأملها للحظة، كانت تبدو واثقة جدًا وهي تتحدث عن الأمر، وكأنها قامت به مئات المرات. شعر بحماس مفاجئ لفكرة الذهاب معها، فهز رأسه بابتسامة خفيفة.
"صيد السمك؟ غريبة... مكنتش متوقع إنك بتحبي حاجة زي دي."
ضحكت سديم وهي ترفع أحد حاجبيها، ثم أجابت بثقة:
"وإيه المشكلة؟ الصيد ممتع، وبيحتاج صبر، وكمان بيفصلني عن أي ضغوط."
نظر ليث حوله مرة أخرى إلى الطريق الخالي، ثم عاد إليها وقال:
"طيب ماشي، بما إن مفيش حاجة تانية تتعمل هنا، خلينا نجرب، بس متتوقعيش مني حاجة، أنا آخر مرة مسكت صنارة كنت طفل في الحضانة."
ضحكت سديم وهي تنفض الماء عن يديها ، ثم أشارت إليه قائله:
"ما تقلقش، أنا هعلمك... يلا بينا؟"
لم يستطع ليث أن يمنع نفسه من التحديق إلى يديها للحظة، هذه هي المرة الأولى التي يراها ترتدي القفاز. لكن سرعان ما انتبه إلى نظرتها، فعدل وقفته سريعًا وأومأ برأسه.
"يلا، وريني مهاراتك في الصيد."
تحركت سديم بخفة نحو الداخل لإحضار بعض الأدوات، بينما وقف ليث عند البوابة، يراقبها باهتمام. لم يكن يعرف السبب، لكنه شعر بأن هذه الليلة ستكون مختلفة تمامًا.
كان ليث يتأمل سديم بصمت، يحاول أن يقرأ ملامحها، أن يفهم ما إذا كانت سعيدة بحياتها حقًا أم أنها تخفي خلف كلماتها تعاسة لا تريد الاعتراف بها. بدا عليه الفضول، لم يستطع منع نفسه من مواصلة الحديث معها.
"يعني إنتِ عايشة لوحدك في البيت ده؟" سألها وهو ينظر حوله، وكأنه يحاول استيعاب الفكرة.
هزّت كتفيها بلا مبالاة وقالت: "أيوه، البيه صاحب البيت عايش في المدينة، وكل شهر أو شهرين يجي يقعد يومين ويمشي."
بدا الأمر غريبًا بالنسبة له، فواصل أسئلته: "طب ليه فضّل يخليكي هنا؟ كان ممكن يجيب حد ييجي كل يوم ينضف ويمشي!"
ابتسمت سديم ابتسامة خفيفة، وكأنها اعتادت على هذا السؤال: "يمكن علشان واثق فيا... يمكن علشان البيت هنا محتاج متابعة دايمة، أنا بصراحة مبسوطة، البيت كبير ومريح، وأحسن من إني أكون في مكان مليان ناس دوشة ووجع دماغ و ساعات بحس إني ملكة."
ظلّ ليث ينظر إليها متفكرًا، ثم قال: "يعني مش حاسة بوحدة؟ المكان هنا هادي جدًا... يمكن أكتر من اللازم!"
نظرت حولها للحظة وكأنها تزن كلماتها قبل أن تجيب: "أحيانًا، بس أنا متعودة، بعدين أنا بحب الهدوء، مش زيك إنت شكلك مش قادر تتأقلم."
ضحك بسخرية وهو يهز رأسه: "مش حكاية مش قادر... بس أنا متعود دايمًا على الحركة، السهر، الناس، فجأة ألاقي نفسي في مكان كأن الدنيا وقفت فيه؟ صعب شوية"
رفعت حاجبها وهي تبتسم جانبيًا: "طب لو خدت وقتك شوية، يمكن تحبه"
نظر إليها بتحدٍ واضح في عينيه وقال: "طب ما تيجي نراهن؟"
عقدت ذراعيها أمام صدرها باهتمام: "رهان على إيه؟"
أجاب بثقة: "إن بعد يومين، هزهق وهتلاقي نفسك بتقوليلي امشي و ارجع لحياتك"
انفجرت ضاحكة لأول مرة بصوت مسموع، بدا صوتها خفيفًا ومليئًا بالحياة، ثم قالت: "يومين؟ أنت حتى لسه ما جربتش حاجة هنا! طيب، أنا هحاول أثبتلك العكس!"
تكتف ليث وهو يحدّق بها بنظرة ماكرة: "يبقى قدامك يومين تغيري رأيي... ولو فشلتي، هتعترفي إن الحياة هنا مملة فعلًا"
ردّت بثقة وهي ترفع ذقنها قليلًا: "اتفقنا، بس مستحيل تخسرني الرهان!"
كان في حديثها شيء جعله يشعر بالراحة، ربما تلقائيتها، ربما ثقتها بنفسها، أو ربما شيء آخر لم يدركه بعد. لأول مرة منذ وصوله، بدأ يشعر أن الأيام القادمة قد تحمل له شيئًا مختلفًا.
أحضرت سديم وعاءين لتحضر فيهما الأسماك، ومقعدين، وصنارتين؛ واحدة لها وأخرى لليث. انطلقا معًا نحو البحيرة، حيث وجدوا الكثير من الناس هناك، فالصيد كان عادة شائعة في المنطقة، والجميع تقريبًا يمارسونها كهواية ممتعة.
حمل ليث الأغراض ووضعها جانبًا، ثم نظر إلى سديم ببراءة وقال:
"بس أنا عمري ما اصطدت سمك في حياتي."
ابتسمت له مطمئنة:
"متقلقش، الموضوع سهل وبسيط."
أمسكت بالصنارة، وبدأت في تعليمه كيفية الإمساك بها، ثم وضعت الطعم بالطريقة الصحيحة وألقت الصنارة في الماء، موضحة له الخطوات بدقة.
❈-❈-❈
سديم وليث يجلسان على ضفة النهر، حيث تتلألأ المياه تحت أشعة الشمس التي بدأت بالغروب. تمتد البحيرة الهادئة أمامهما، بمياهها الزرقاء اللامعة، تعكس ألوان السماء المتغيرة. من حولهما، يجلس العديد من الأهالي يمارسون الصيد، بعضهم وحيدًا، وآخرون مع عائلاتهم، في جو يملأه السكون والطمأنينة. تتناغم أصوات الطبيعة مع حديثهما الهادئ، بينما يحاول ليث التركيز في أول تجربة صيد له.
راقب ليث سديم وهي تمسك بالصنارة ببراعة، تضع الطعم بمهارة وكأنها محترفة، ثم تلقيها في الماء بحركة سلسة. جلس بجانبها وهو يتأملها، يحاول استيعاب الخطوات التي شرحتها له.
"جرب بنفسك دلوقتي،" قالت وهي تناوله الصنارة.
أخذها بتردد، ثم حاول تقليد حركاتها، لكنه أخطأ في وضع الطعم، مما جعل سديم تضحك بخفة. "مش كده! بص، لازم تثبّته كويس علشان السمكة تمسك فيه."
اقتربت منه أكثر، وأمسكت بيديه لتريه الطريقة الصحيحة. للحظة، شعر بقربها المفاجئ، لكنه سرعان ما عاد للتركيز في الدرس. بعد عدة محاولات، نجح في وضع الطعم كما ينبغي وألقى الصنارة في الماء.
"ها، كده تمام؟" سألها بفخر.
"أيوه، بس دلوقتي لازم تستنى وتصبر، مش مجرد ما ترمي الصنارة هتطلع بسمكة على طول،" ردت بابتسامة.
جلسا بصمت للحظات، يراقبان سطح الماء الذي يتحرك ببطء مع نسيم المساء. بدأ الجو يصبح أكثر برودة، والسماء تكتسي بألوان الغروب الدافئة.
"إنتِ بقالك قد إيه بتصطادي؟" سأل ليث، محاولًا كسر الصمت.
"من زمان جدًا، وأنا صغيرة كنت باجي هنا مع جدي، هو اللي علمني كل حاجة عن الصيد،" أجابت بنبرة حنين.
"جدك؟ طب وأهلك فين؟" سألها بحذر.
تغيرت ملامحها قليلًا، لكنها أخفت ذلك سريعًا وقالت: "ملناش في الصيد، جدّي كان الوحيد اللي بيحب الموضوع ده، وأنا ورثت عنه الشغف ده."
لاحظ ليث أنها لم تجب على سؤاله بالكامل، لكنه قرر ألا يضغط عليها. "أنا حاسس إنك مش مجرد حد بيشتغل هنا وخلاص، شكلك بتحبي المكان ده بجد."
ابتسمت وهي تحدق في الماء: "يمكن لأنه بيمثل لي الأمان، بعيد عن الضوضاء والمشاكل."
لم يكن يعرف لماذا، لكنه شعر أن هناك الكثير من الأمور التي تخفيها سديم. كانت لديها تلك النظرة التي تحمل بين طياتها أسرارًا لا تُقال بسهولة.
"أهوه! الصنارة اتحركت!" صاحت فجأة، وهي تشير إلى صنارة ليث.
ارتبك ليث وهو يحاول سحبها بسرعة، لكنها وضع يدها على يده لتوقفه. "براحة! لازم تسحبها بهدوء علشان السمكة ما تفلتش."
اتبع تعليماتها، وسحب الصنارة بحذر، لتظهر منها سمكة متوسطة الحجم تتلألأ تحت ضوء الغروب.
"هااا، شوفتِ! أول سمكة ليّا!" قال بحماس.
ضحكت سديم وهي تصفق له مازحة: "أحسن منك مفيش، الصياد المحترف ليث بيه"
انضم ليث إلى ضحكتها، وشعر لأول مرة منذ وصوله إلى هذه القرية أن هناك شيئًا ممتعًا فيها... أو ربما شخصًا ممتعًا فيها.
❈-❈-❈
جلس الاثنان على ضفة النهر، حيث امتدت أمامهما المياه الهادئة تحت أشعة الشمس التي بدأت بالغروب. كانت البحيرة تعكس ألوان السماء المتغيرة، مما أضفى سحرًا خاصًا على الأجواء. من حولهم، كان الناس يجلسون في صمت، بعضهم وحيد، وبعضهم مع أصدقائه أو عائلته، مستمتعين بالهدوء الذي لا يكسره سوى صوت المياه الخفيفة.
نظر ليث إلى البحر وهو يبتسم بتفاؤل:
"حاسس إني هحب الموضوع ده، مجرد القعدة هنا وسط البحر والهدوء مريحة جدًا."
ردت سديم وهي تبتسم بلطف:
"هو ده جمال الصيد، مش بس عشان السمك، بس عشان اللحظات اللي بنقضيها مع الناس والطبيعة." ثم نظرت له بعمق وأضافت: "بس تفتكر.. الصبر هو أهم حاجة هنا."
تأمل ليث المياه للحظات قبل أن يسأل بفضول:
"تفتكري السمك بيحب البحر الهادي ده زيّنا؟"
أجابت سديم بصوت هادئ:
"أكيد، البحر هو بيتهم، زيّ ما إحنا بنحب الهدوء، هم كمان بيحبوا الأمان."
ضحك ليث وهو يقول بحماس:
"هحاول أتعلم كل حاجة عن الصيد وأبقى محترف فيه."
هزّت سديم رأسها وهي تبتسم:
"وأنا هنا عشان أساعدك، بس خد بالك.. مش دايمًا بننجح من أول مرة، بس ده جزء من التجربة. المهم إننا نستمتع باللحظة ونشوف هيحصل إيه."
ساد بينهما صمت قصير مليء بالتأمل، قبل أن يعاود ليث الكلام بحماس:
"عمرك اصطدتي حاجة كبيرة بجد؟"
ضحكت سديم وهي تتذكر:
"اه، مرة اصطدت سمكة ضخمة، كانت تقيلة جدًا عليّ، مكنتش متوقعة حجمها."
نظر لها ليث بدهشة:
"طب عملتي بيها إيه؟"
أجابت بفخر:
"رجّعتها الميّة تاني، الصيد مش بس عشان السمك، لازم نحافظ على البحر برضه."
هزّ ليث رأسه بتفكير:
"كلامك منطقي، عاوز أكون صياد بس مش مؤذي للبيئة، زيّك كده."
ابتسمت سديم بدفء:
"هو دي التفكير الصح، البحر بيدينا كتير، فلازم نرد له الجميل."
مرت الدقائق، وظل الاثنان يتحدثان ويتبادلان الضحكات أثناء الصيد. كانت الشمس تعكس ألوانها الجميلة على سطح الماء، مما زاد المشهد سحرًا.
نظر ليث إلى سديم بفضول وسأل:
"طب احكيلي عن حياتك مع الصيد، بقالك قد إيه بتصطادي؟"
فكرت للحظة قبل أن تجيب:
"بصراحة مش متذكرة، بس من زمان جدًا.. الصيد علّمني الصبر، واحترام الطبيعة."
هزّ ليث رأسه موافقًا:
"وده أكيد علّمك حاجات كتير، صح؟"
تنهدت سديم وقالت بصوت صادق:
"اتعلمت إن الحياة فيها تحديات، زيّ الصيد بالظبط، ساعات تروح البحر وترجع من غير ما تصطاد حاجة، بس الأهم إنك تكون مستمتع بالتجربة نفسها."
ابتسم ليث بتأمل:
"الكلام ده شبه حياتي، ساعات بحس إني بحاول ومفيش حاجة بتحصل، بس لو استمتعت باللحظة، كل حاجة بتكون أحسن."
هزّت سديم رأسها بسرور:
"بالظبط، والأجمل إن يكون عندك ناس جنبك يساندوك في الأوقات دي، وده اللي بيحصل هنا.. بنفرح لبعض لو اصطدنا، وبنواسي بعض لو رجعنا من غير حاجة."
نظر ليث إلى السماء التي بدأت تأخذ ألوان الغروب الدافئة وقال باندهاش:
"بصي للغروب، شكله تحفة"
رفعت سديم رأسها ونظرت للسماء بابتسامة:
"أيوه، ده واحد من أحلى الحاجات في الصيد.. لحظات السكون دي مع الطبيعة."
بدأت سديم في حزم أدواتها وقالت:
"استمتعت النهارده؟"
ابتسم ليث بسعادة وهو يجيب:
"أكتر مما كنت متخيل ،حاسس إني اتعلمت كتير وحقيقي مستمتع."
أومأت سديم بفخر:
"هو ده الأهم، يلا نرجع بقى."
ضحك ليث وهو ينظر إلى أدوات الصيد ثم قال مازحًا:
"طب والمعدات دي هعمل فيها إيه؟"
ضحكت سديم وهي تعطيه واحدة:
"إما تمسكها بإيدك، أو تسيبها هنا وقت طويييل لحد ما السمك يجيلك."
نظر ليث إلى المياه مجددًا وهو يبتسم بإعجاب وقال:
"ياااه، المنظر هنا تحفة، معاكِ حق، مفيش حاجة أحلى من كده.. الواحد مش محتاج إنترنت لو قاعد في مكان زيّ ده."
أعطت سديم لليث قطعة من الصوف باللون الأخضر ، نظرت له بقلق :
"البس دي الجو برد شوية علشان متتعبش ."
أربك هذا الفعل ليث قليلا فقد دق قلبه على غير العادة.
تحركت الصنارة الخاصة بليث فجأة تحمس ليث و وقف بسرعة و أمسك بها جيدا حتى اخرج السمكة الكبيرة .
صاحت سديم في سعادة تامة:
-"هييييييييه دي أكبر سمكة شفتها هنا تسلم ايدك ."
شعر ليث بشعور لطيف تجاه سديم و ابتسم لها في سعادة لأول مرة منذ وقت طويل شعر ليث بالراحة و ترك الحزن جانبا لبضع دقائق.
-"خلاص كده كفاية كده النهارده ، دي تكفي أربع أفراد هاطبخها بطريقة عمرك ما هتنساها في حياتك ابدا ابدا أنا واثقة من كلامي ، يلا بينا شيل كل حاجة و أنا هاشيل السمكة دي" .
تعجب ليث من كونه حينما يكون مع سديم لا تأتي إليه الذكريات التي كانت تهاجمه كل لحظة من لحظات حياته ، لكن معها يكن فارغا تماما لا يأتي لذاكرته اي شئ مؤلم .
وصلا أخيرا إلى المنزل .
-"أنا جعانة موت و أنت ؟"
-"اه أنا جوعت برضو ."
-"طيب استنى هاشغل الشواية و اشوي السمكة و انا هحضر الخلطة السحرية بتاعتي ."
تركت ليث يعتني بالسمكة أثناء تجهيز المقبلات بجانب الطعام و وضعت كل شئ على طاولة في حديقة المنزل.
نظرت له بحماس لاستقبال ردة فعله من تذوق السمكة الخاصة بها :
-"ها ايه رأيك بقى ؟"
-"ممممممم لذيذة و شهية بجد فعلا حلوة جدا ."
-"علشان تعرف إني فعلا بعرف أعمل سمك كويس ."
سألها ليث بإهتمام .
-"اتعلمتي فين ؟"
-"من كتاب الطبخ استنى نخلص اكل و اجيبهولك ."
كان الكتاب موضوعا على الأرجوحة بجانبهما
بعد أن انتهيا من تناول الطعام و جلسا على الأرجوحة لاحظ ليث كتابين و ليس كتابا واحدا ، أمسك بالكتاب الثاني وجده عن تعليم رياضة التنس اثار هذا فضول ليث فقام بسؤالها فجأة .
-"بتحبي التنس ؟"
-"ااه جدا أنا نفسي اتدرب تنس لكن أنا حاولت كتير و فشلت علشان بلعبها لوحدي ، أقولك على سر البيت ده في ملعب صغير للتنس هو صحيح مش كبير لكن يفي بالغرض."
تعجب ليث كثيرا من سماع ذلك :
-"معقول هنا في ملعب ."
-"مش مصدقني تعالَ ورايا ."
فتحت سديم بابا ضخما موجود بجانب المنزل نفسه داخل الحديقة و فعلا وجد ليث ملعب للتنس كما قالت و الأدوات الخاصة بتلك الرياضة و كأن شخصا محترفا من أعد ذلك .
-"مين اللي عمل ده ؟"
-"هو موجود هنا و صاحب البيت سمحلي العب هنا ."
-" أنا ممكن أعلمك على فكرة ."
- "بجد انت بتعرف تلعب تنس ؟ "
ضحك ليث عاليا :
-"يعني شوية كده على قدي. "
-"طب حلو ياريت بجد تمرني شوية ، بس بكرا علشان أنا تعبانة النهاردة."
-"تمام و أنا هروح بقى ، سلام ."
أعطته سديم صحنًا به الباقي من السمكة الكبيرة .
-"كلها في البيت لما تحس بالجوع تاني .ابتسم لها ليث و شعر بالسعادة لاول مرة منذ ثلاث سنوات"
غادر و هو ينظر خلفه عدة مرات ليرى سديم و هي تلوم له بإبتسامة ساحرة لتودعه .
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا ممدوح، لا تنسى قراءة روايات و قصص أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية