رواية جديدة عبير الليل لعلا السعدني - الفصل 8 - الثلاثاء 26/8/2025
قراءة رواية عبير الليل كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية عبير الليل
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل الثامن
تم النشر الثلاثاء
26/8/2025
(هاربتى الصغيرة)
لم تصدّق (لارا) أنّه قد يسقط بين يديها هكذا، غارقًا بين الحياة والموت، انحنت فوقه تضرب بخفّة على وجنته، تناديه بلسان عاجز عن الحديث، وعيناها مترقرقتان بالدموع
- (جاسر) .. افتح عينيك، لا تتركني هنا وحدي
تمزّق صوتها مع دموعها وهي تُخرج نفسًا مرتجفًا، ثم مزّقت طرف ثوبها الكتاني وربطت به جراحه النازفة، كل حركة من يده المرتعشة كانت كأنها طعنة في قلبها، لم تكن تملك سوى أن تُشدد العقد، وأن تتمتم بأدعية خافتة من أجل شفائه، تتمنى بداخل قلبها أن يبقى على قيد الحياة ..
نهضت من مكانها وحاولت أن ترفعه معها، أسندت يده فوق كتفها النحيل، وسارت به متعثّرة، ساقاها تكادان تئنّان تحت ثقله، لكنها لن تتوقف، كان البحر أمامها، همست له بصوت منكسر، لكنه ثابت
- يجب أن نرحل .. السفينة بانتظارنا، قبل أن يدرك من فى القصر فرارنا
ترنّح جسد (جاسر)، وعيناه نصف مغمضتين، والعرق يمتزج بدمه، كانت تشدّه كلما مال للسقوط، وفي كل مرة كان يتعثّر كانت تبتسم رغم دموعها، لأنه يحاول بكل قوة ان يسير معها رغم أن قلبها كان يعتصر ألمًا على حاله ..
بلغوا الميناء أخيرًا، والسفن الخشبية تتمايل على الأمواج تحت ضوء المشاعل، صعدا على متن إحدى السفن، حيث كان هناك رجل كهل، أحد كهنة الشفاء، ارسله الملك (ايجيوس) على متن تلك السفينة لأنه كان يثق ان ابنه سيفوز على المينتور، ينتظره بأدواته البسيطة جرار صغيرة من زيت الزيتون والعسل، وأوراق الأعشاب البحرية المجففة، أسرع إليهما، فرأى جراح الأمير وفزع، ثم بدأ يتمتم ويضع المراهم على جسده ..
جلست (لارا) إلى جانبه، عيناها لا تفارق وجهه الشاحب، قلبها يتمنى أن يصمد، أن ينجو، وأن تُكتَب لهما بداية جديدة، بعيدًا عن لعنات (كريت) ..
❈-❈-❈
كانت (لارا) جالسة بجانب الأريكة الخشبية النائم عليها (جاسر)، والقلق يعصر قلبها طوال الليل، لم تستطع أن تغمض عينها كانت عيناها تتنقلان بين جروح (جاسر) المغطاة بالرباطات التى تعتلى يده وقدمه وتأمل في أن يشفى، تتأمل وجهه الشاحب الذي يعكس آثار المعركة القاسية التى قادها، كلما همت لإغلاق عينيها للحظة من الراحة، كانت تعود لتراه وهو نائم بعمق كى تطمئن على حاله، في تلك اللحظات كانت تتمنى لو أنها تستطع النوم كى تنسى ما يحدث معها وأن كل ذلك مجرد كابوس و(جاسر) بأفضل حال ما ..
تراقب حركاته الدقيقة وتدقق في كل نفس يأخذه تخشى أن يتحرك فجأة ليعبر عن ألم أو يفتح عينيه، وعندما بدأ الضوء الخفيف في التسلل من نافذة السفينة وبدأت الشمس تسطو بأشعتها فى صباح اليوم التالى ، شعر (جاسر) بتحسن طفيف بدء يستفيق شيئًا فشيئًا رغم آلام جسده التى لا تزال قائمة، فتح عينيه ببطء، وأول شيء رآه كان وجه (لارا)، الذي كان ينبض بالقلق والحزن على حاله نظرت إليه بعينيها والقلق يعتصر قلبها، وعندما تبادلا النظرات، همس بصوت ضعيف
- أ.. ر.. يد ماء ..
كانت كلماته بالكاد مسموعة، لكن (لارا) فهمت ما كان يطلبه على الفور همت لتجلب له كوبًا من الماء كانت تشعر بقلبها ينبض بسرعة أكبر، وفى خلال ثوان قدمت له الماء بيد مرتجفة وهى تسند رأسه بيدها كى يروى ظمئه ، تساءلت في قلبها إذا هو تعافى أم عليها أن تنتظر المزيد من الوقت، حاول الأعتدال فى جلسته رغم الألم الذى يعتريه ولكنه صمد واعتدل فنظرت له (لارا) بشفقة ليسألها هو بصوت ضعيف
- لما قمتى بمساعدتى؟!
نظرت فى عينيه البنية وهى تتأمل ملامح وجهه ثم قالت
- ألا تشعر بما اشعر به؟! لقد اخبرتك سابقًا اننى اشعر بمشاعر نحوك
ابتسم رغم الألم الذى يشعر به ثم سألها مرة آخرى
- كيف لأميرة مثلك تضحى بكل شئ وتهرب هكذا من بلدتها من أجل شاب لا تعلمه، حتى انه بين مدينتك ومدينتى حروب وعدواة
اخذت (لارا) نفس عميق ثم قررت ان تقص له ما تشعر به تجاه والدها
- صحيح بالفعل أنا أميرة ولكنى لم اشعر يومًا براحة فى تلك الحياة، فكل شئ محسوب ويجب ان اتصرف بسلوك معين وإلا جلبت العار للملك .. حتى زواجى لا يحق لى الاعتراض لا يحق لى الوقوف ضد أبى وأن اقول لا أريد الزواج من ذلك الشخص فهو سيسلمنى لأمير (نكسوس) دون أى ارادة منى
ثم تطلعت إلى وجه (جاسر) بإعجاب وأردفت قائلة
- انت الوحيد الذى وقفت أمام أبى اعجبت بشجعاتك وتمنيت لو افعل مثلك واقف أمام الملك وان ارفض زواجى بشخص لم اتقابل به يومًا وبالطبع لا يوجد أى مشاعر اكنها له لأننى لا اعرفه
شعر (جاسر) بالشفقة عليها ثم ربت على يدها بحنان وقال
- لا تخافى ايتها الأميرة فانا هنا معاكى ولن اتركك
ابتسمت له ابتسامة رائعة فوقع أسيرًا داخل عينيها التى بلون العسل ولا يعلم فقد اجتاحته مشاعر متعددة ..
❈-❈-❈
مرت ثلاثة أيام كانت (لارا) تعتنى بها ب (جاسر) على سطح السفينة حتى انها تطعمه بيدها كانت تشعر يومًا بعد يوم ان مشاعرها نحوه تبدء أن تزيد فاصبح ما تشعر به ليس حُبًّا فحسب بل عِشقًا كبلها ولا تريد التحرر منه، بينما كان (جاسر) يشعر بمشاعر متخبطة لن ينكر انها فتاة جميلة وأميرة واى شخص مكانه سيعتبرها جائزة كبرى بالنسبة له مشاعره تحركت نحوها لحنانها الزائد عليه ومساعدته فى كل شئ ورعايته طوال الأيام الماضية حتى انها السبب فى فوزه على المينتور، لن ينكر ما قدمته له تلك الفتاة ولكنه يشعر بتخبطات كثيرة فلن يستطيع نسيان الحرب التى بين (أثينا) و (كريت) لن يستطيع نسيان ما فعله والدها بشعبه طوال السنوات ماضية بل وأنه رأى ان كل القرابين التى كانت معه قضى عليهم بطريقة وحشية لن يستطيع ان ينسى ما رأه بعينه فما رأه لا يتخيل حتى انه كان سيراه يوماً فى اسوء كوابيسه ولكنه كلما نظر فى عينيها وقع اسير بهم، ينسى نفسه حتى ..
فى اليوم الرابع البحر الهائج كان سيد الموقف، والسماء الداكنة ازدادت قتامةً مع كل لحظة تمر، ارتفعت الأمواج كجبال هائجة، والسفينة الخشبية الطويلة التي حملتهم بدت كقشة صغيرة في محيطٍ لا نهاية له، اصطدمت المجاديف بالماء بعنف، والبحارة يجرّونها بقوة، أذرعهم تشدّها في إيقاع يائس تحت صرخات القبطان
- أسرعوا! ادفعوا بالمجاديف مع الموج قبل أن تبتلعنا الأعماق!
كانت الأشرعة المربعة قد طُويت منذ اللحظة الأولى للعاصفة، خوفًا من أن تتمزق بسبب الريح، فاعتمدوا فقط على أذرع الرجال وصوت القبطان وهو يوجههم وسط الفوضى، كل موجة كانت تقذف السفينة بعيداً، تمسكت (لارا) بخشبة السارية، شعرها ابتل بسبب الماء الذى تقاذف عليهم التصق بوجهها، وعيناها تتنقلان في رعب بين (جاسر) والبحارة الذين يصرخون في جهدٍ متواصل، جسد (جاسر) لم يكن تعافى تماماً من الجراح بعد، كانت أصوات البحارة تختلط بأصوات الريح وصوت الرعد الذي يشق السماء، بعضهم يصرخون وهم يثبتون المجاديف في اتجاه واحد ليجعلوا السفينة تسير مع الموج لا ضده ..
وفي لحظة خاطفة، عندما انشقت الغيوم عن ومضة برق أضاءت البحر، بدت لهم جزيرة غير مأهولة على بعد طفيف منهم، فصرخ احدهم
- نحو اليابسة! ادفعوا بقوة! إنها فرصتنا الأخيرة!
وبينما الأمواج تدفعهم بلا رحمة، أخذت السفينة الخشبية المرهقة طريقها إلى الشاطئ الضيق المحمي بالصخور، هبط كلاًّ من (جاسر) و (لارا) على أرض الجزيرة، كانت الجزيرة هادئة بشكل مخيف، كأنها جزيرة مهجورة رمال الشاطئ ناعمة امتدت كوشاح حريري يتخلله صخر داكن هنا وهناك، بيوجد بها أشجار الصنوبر وزيتون البحر، تشكل غابة صغيرة، وقفت (لارا) على الرمال وقد رفعت طرف ثوبها بعيدًا عن البلل، همست بصوتٍ متردد
- لا أشعر بالراحة هنا .. المكان موحش للغاية
نظر إليها (جاسر) محاولًا إخفاء اضطراب أفكاره لم يستطع أن يتجاهل الطريقة التي كانت عيناها البنيتان تبحثان فيها عن الأمان في عينيه
- (لارا)
قالها بصوت أكثر دافئ
- لا شيء سيحدث، انظري .. إنها مجرد جزيرة هادئة، هنا يمكنك أن تستريحي بعيدًا عن كل الألم الذى مررنا به
خطت خطوة نحوه، وكانت الرياح تلعب بخصلات شعرها الطويل الذي يغطي وجهها، ثم همست وهي ترفع رأسها لتنظر إليه
- حتى الآن لم تتحدث معى عن مصيرى معك .. هل تشعر بالحب نحوى من الأساس (جاسر)؟
نظر في عينيها، التى كلما التقى بهما شعر وكأنهم يسحبانه إلى عالم لم يعرفه من قبل، ليجيب بهدوء
- أشعر براحة لم أشعر بها من قبل مع أي فتاة، أيتها الأميرة
ابتسمت (لارا) بفرحٍ وصمتت، ثم اقتربت منه أكثر، وقالت
- لربما تجد أنني متهورة، وأنني تخليت عن أبي وشعبي .. ولكن ذلك ليس صحيحًا، أنا أرى أن ما يُفرض علينا خاطئ، وأن ابى يقسو على المقربين والغرباء
جلس (جاسر) على الرمال، مستندًا إلى صخرة صغيرة، وهو ينظر أمامه متأملًا البحر، ثم قال بنبرةٍ أشبه بالهمس
- الحياة السياسية معقدة للغاية
اقتربت منه (لارا) وجلست بجواره بعد أن وصل همسه إليها، وهي تمد يديها لتلمس ذراعه بحنان، وقالت بصوت خافت
- لو لم تستطع مواجهة عائلتك، يمكننا الهرب أعلم أن الأمر سيكون صعبًا على والدك، لكن حبنا يستحق أن يخلد، وأن يُكتب في التاريخ
نظر لها (جاسر) بطرف عينه، وكأنه يبحث عن كلماتٍ مناسبة، لكنه لم يجد سوى الصمت، فتابعت (لارا)
- يمكننا أن نعيش بعيدًا في أي مكان .. لن يعرف أحد عنا شيئًا .. أرجوك، لا تفكر كثيرًا
ابتسم لها (جاسر) بحزنٍ مختلط بالتعب، وقال
- لا أستطيع فعل شيء دون أن أفكر، أميرتي .. ولكن قربك يربكني، فلا أستطيع اتخاذ أي قرار الآن
نهضت (لارا) من مكانها، وهي تنفض ثوبها، وقالت بمرحٍ خفيف
- حسنًا، سأنام حتى الصباح .. وفكر بمفردك
ضحك (جاسر) على طفوليتها، ثم أعد لها مكانًا مريحًا للنوم، رغم شعوره بالتعب من جراحه، لكنه كان يعلم كيف يجب أن تعامل الأميرات، نامت بجواره، وهدأت في ثباتٍ عميق، بينما ظل هو يتأملها، أخذ نفسًا عميقًا وهو يفكر انه لا يستطيع المضى فى تلك العلاقة، تلك العلاقة ترهقه حَقًّا وتذكره بما مر به من مخاطر وماحدث للقرابين التى كانت معه، جفا النوم عيناه وقد اتخذ قراره سيتركها هنا على الجزيرة لتلاقى مصيرها ورغم النزاع الذى كان يحدث بداخله لكنه قرر أخيراً تركها، فلن يرحب بها والده ولا احد من شعب (اثينا) كيف سيجعل أميرة (كريت) البغيضة ملكة على عرش (اثينا) بعد كل النزاع الذى حدث بينهم، لن يقبلها أحد لا والده ولا شعبه سيضيع ما فعله من بطولة من اجل شعبه ان اخذها معه بدل ان يرحب به شعبه ويشكره على فعلته سيمقته لأنه جلب أميرة (كريت) وسيجعلها ملكة عليهم ..
فى فجر اليوم التالى،استيقظ طاقم السفينة لتفقد السفينة من اجل المضى فى رحلتهم لكن أمرهم (جاسر) بقيادة السفينة على الفور والمغادرة من تلك الجزيرة ولم يكن عليهم سوا ان يلبوا طلبه لأنه الأمير، ترك رسالة لها يعلم أنه إذا استيقظت وتحدث معها سيضعف أمامها ..
❈-❈-❈
فى صباح اليوم التالى ..
بدأت (لارا) ان تستفيق من نومتها الغير مريحة فلم تعتاد النوم على الأرضية هكذا شعرت بتعب فى جسدها، ظلت تدلك يدها حيث كانت تشعر بألم، ثم بدأت ان تفتح عينيها ببطئ لتجد نفسها وحيدة على الجزيرة ووجدت بجانبها ورقة عليها حجر صغير يمنعها من الطيران، قامت بفتحها لتجد مكتوب فيها بإختصار
( لن أستطيع ان انكر انى شعرت بإنجذاب نحوك، ولكن كان على ان اختار بين فتاة وقعت اسير فى عينيها وبين شعبى ولقد اخترت شعبى، يمكنك أن تعودى لوالدك، أهون عَلَيْكِ من أن تعيشى أسيرة فى (أثينا)، لن يرحمك والدى، الكثير من السفن ترسو على ذلك الشاطئ يمكنك طلب المساعدة منهم)
ازدردت ريقها بصعوبة ولم تصدق انه فعل بها ذلك وتركها وحيدة على تلك الجزيرة المهجورة، لقد ضحت من اجله ضحت بكل شئ وهو .. هو تخلى عنها بتلك البساطة لقد ساعدته وعرضت حياتها للخطر من اجله وهو لم يعبئ بما فعلته، تخلى عنها بتلك السهولة نزلت الدموع من عينيها ولم تعرف ماذا ستفعل فى تلك الورطة التى ورطت نفسها بها وهل سينتهى بها الأمر على تلك الجزيرة وحيدة، عليها ان تبحث عن اى مخرج من تلك الجزيرة طلب المساعدة مستحيل ان تكون تلك الجزيرة ليست مؤهلة عليها البحث عن مخرج وإلا تستسلم لذلك المصير، ولكن كلما صارت وجدت أنها وحيدة ولا أمل لها فى النجاة، قالت متحدثة نفسها
- ايها الأحمق، تركتنى وحيدة، هل تظن أن أبى سيسامحنى؟! .. أباك لكان سيكون رَحِيمًا بى عن والدى
ثم نظرت حولها وهى لا تجد أى أثر لأى شخص وتابعت
- سأموت جُوعًا قبل أن تصل أى سفينة لنجدتى
❈-❈-❈
ظلت تسير على الرمال تتفقد كل أنش من الجزيرة لعلها تنجو، لا صوت سوى الأمواج، والريح التي كانت تضرب وجهها شعرت وكأنها وحيدة تمامًا، لن تنكر أنها تشعر بالخوف والوحدة، لا أمل ولا مخرج لكن بينما كانت تمضي قدماً، لاحظت شيئًا غريبًا أمامها..
في البداية، كانت الظلال تبدو وكأنها خيال، ثم بدأ ما يبدو كأشخاص يظهرون تدريجيًا شاب يقف على مقربة من حافة الجزيرة، يرافقه رجال ذو هيبة واضحة راقبتهم (لارا) بعينيها الواسعتين، لا تصدق ما تراه أمامها بشريون! على هذه الجزيرة المهجورة؟
تسارعت نبضات قلبها وركضت نحوه، كلما اقتربت، لاحظت أن الرجال الذين برفقته يبدون كحراس أو مرافقين له، لكن ما كان يهمها في تلك اللحظة هو مساعدتهم لها، توقفت فجأة أمامه، ورفعت يدها نحو صدرها لتتوقف عن الركض وكأنها تحاول التقاط أنفاسها ..
في تلك اللحظة، رفع الشاب رأسه، ورغم ملامحه التى لم تتأملها جَيِّدًا لأنها كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة، كان شابًا طويل القامة، ذو ملامح حادة ووسيمة بشرته برونزية داكنة، وشعره الأسود القصير كان يبدو مشعثًا قليلاً وعينيه بنيتين داكنتين، أمر حراسه بالابتعاد عنه، ثم نظر إلى (لارا) بتساؤل واضح
- ما الذي جاء بك إلى هنا؟
تمتمت (لارا) بصوت مبحوح، وكأنها لم تكن تتوقع أن تجد شخصًا حيًا على هذه الجزيرة
- أنا .. أنا (لارا) أميرة (كريت) كنت على سفينة مع رجل تركني هنا، عاصفة تسببت في تحطم السفينة، و .. وتركوني وحدي هنا
نظرت إليه بعينيها الملتاعة، تطلب المساعدة دون أن تنطق بها قال الشاب بهدوء، رغم أنه لم يبدُ عليه أنه تأثر بشدة بما قالته
- عاصفة، نعم .. لقد مررت أنا أيضًا بتلك العاصفة بالأمس كنا على طريق سفر عندما ضاقت بنا السفينة بسبب الرياح العاتية، وأخذتنا الأمواج إلى هذه الجزيرة، لم يكن لدينا خيار سوى الانتظار هنا حتى تهدأ العاصفة
ثم نظر حوله للحظة وكأنه يفكر في شيء ما قبل أن يضيف
- لا تقلقي، سأخذك معي في طريقي عندما أرحل من هنا لن تظلي هنا وحدك ستكونين في أمان
شعرت (لارا) وكأنها تنفست أخيرًا، ورغم الخوف الذي كان لا يزال يملأ قلبها، شعرت بشيء من الطمأنينة بعد كلماته
- هل ستأخذني بعيدًا عن هذه الجزيرة؟
- نعم، لكن علينا الانتظار قليلاً ريثما تجهز السفينة، لكنني سأكون هنا لأساعدك
لم يمر وقت طويل وصعدوا على متن السفينة كانت تشعر (لارا) بالأمتنان لذلك الملاك الذى هبط عليها ولا تعلم كيف تشكره حتى فوجئت به قد آتى وجلس بجوارها ثم قال
- عليكى ان تقصى علي لما كنتى مع ذاك الشاب؟
شعرت (لارا) بالسخط عند تذكر (جاسر) لكنها قررت ان تقص له كل شئ، وبالفعل بدأت أن تقص له منذ ان قدمت ل (جاسر) السيف وخيط الحياة، حتى تركها هنا وحدها بالجزيرة، شعر بالشفقة عليها ثم قال
- انتى مخطئة (لارا) كيف لأميرة جميلة مثلك وبها كل تلك المميزات، ان تهرب مع شخص لمجرد انها شعرت بمشاعر هوجاء تجاهه حتى إِنَّكِ هربتى من زواجك دون ان ترى أمير (نكسوس)
نظرت (لارا) لأسفل وهى تشعر بالخجل من نفسها، فشعر بالضيق على حالها ذاك وقال بهدوء
- يمكننا التعلم من اخطائنا اليس كذلك؟!
نظرت فى عينيه البنية وهزت رأسها إيجاباً، فابتسم لها بسمة رائعة شعرت لوهلة ان الزمن توقف بها، ولكنها كانت تشعر بشيء من الهدوء والطمأنينة بعد كلمات الأمل التي قالها لها، ظلت السفينة تبحر بهدوء في البحر، وكل شيء حولها بدا مستقرًا، قطع الصمت فجأة بصوته الهادئ
- هل تعلمين إلى أين ستذهب هذه السفينة؟ لم تسألى عن أسمى حتى؟! رغم إِنَّكِ قصصتى لى تاريخ حياتك .. أيتها البلهاء
نظرت إليه (لارا) بدهشة، لم تفهم تمامًا ما يقصده، فتابع هو حديثه بجدية
- ستذهب إلى (كريت)، وتحديدًا إلى قصر الملك (مينوس) والدك، واما أنا فأنا (آدم) أمير (نكسوس) هاربتى الصغيرة
تجمدت (لارا) في مكانها، اتسعت عينيها بشكل غير طبيعى قلبها بدأ يخفق بشدة، كأنما الكلمات كانت صدمة غير متوقعة (أمير نكسوس) تساءلت في نفسها، والذعر بدأ يتسلل إليها
راقبها (آدم) بعينيه الحادتين، مبتسمًا ابتسامة غامضة ..
يتبع...

الانضمام إلى المحادثة