رواية جديدة ثنايا الروح لرانيا الخولي - الفصل 23 - جـ 1 - الإثنين 8/9/2025

الفصل 23 من رواية ثنايا الروح للكاتبة رانيا الخولي تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية

 

قراءة رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية ثنايا الروح

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة رانيا الخولي


الفصل الثالث والعشرون 

الحزء الأول

تم النشر الإثنين  

8/9/2025


مر أسبوع آخر في بيت الجبل أصبح الروتين هو سيد الموقف

والدة جاسر ترعى نغم نهارًا، وجاسر يتولى حراستها ليلًا

كان التحسن بطيئًا وغير ملحوظ، لكنه كان موجودًا بدأت عينا نغم تتابعان الحركة في الغرفة أحيانًا، وأصبحت صرخاتها الليلية أقل حدة.


في إحدى الأمسيات، كانت والدة جاسر قد عادت إلى غرفتها لتستريح، وكان جاسر جالسًا على الأريكة يراجع ملف قضية، فحتى أعماله يقوم بها في غرفته كي لا يتركها وحيدة ثانية واحدة.

كيفي ما حدث وما عانته على أيديهم.

بينما كانت عيناه تراقبان نغم التي كانت تجلس على السرير، مسندة ظهرها إلى الوسائد.


فجأة، وبدون أي مقدمات، نطقت بأول كلمة لها منذ الحادث.

_ميه.


كان صوتها خافتًا ومبحوحًا، كأنها لم تستخدم حبالها الصوتية منذ دهر.


تجمد جاسر في مكانه، ورفع رأسه من على الملف ببطء، غير مصدق لما سمعه. 

نظر إليها، فوجدها تنظر إليه مباشرة لم تكن نظرة فارغة كما كانت، بل كانت نظرة واعية، وفيها طلب.


نهض بسرعة، وسكب لها كوبًا من الماء 

اقترب منها وجلس بجانبها، وساعدها على الشرب

شربت ببطء، ثم أبعدت الكوب.


ظلت تنظر إليه، وفي عينيها نفس النظرة الواعية ثم قالت كلمتها الثانية، كلمة كانت كالسهم الذي اخترق قلبه.

_شكراً.


لم يرد جاسر، لم يعرف ماذا يقول

لقد انتظر هذه اللحظة

لحظة عودتها، لكنه لم يكن مستعدًا لها. 

لم يكن مستعدًا لهذا الهدوء، لهذا الاعتراف البسيط بوجوده. 

شعر بموجة من الارتياح والفرح أغرقته، وهو شعور آخر جديد عليه.


أومأ برأسه فقط ثم عاد إلى أريكته، لكنه لم يعد يقرأ. 

ظل يراقبها، وهي تعود لتحدق في الفراغ مرة أخرى، لكنه كان يعلم أن شيئًا قد تغير لقد عادت وبعودتها ستبدأ المرحلة الأصعب من رحلتهما معًا.


❈-❈-❈


في منزل الرفاعي 


كانت الأجواء لا تزال مشحونة بالحزن. 

روح كانت قد بدأت تستعيد عافيتها الجسدية، لكن روحها كانت لا تزال محطمة. 

كانت تقضي معظم وقتها صامتة في غرفتها، ترفض الحديث عن عدي أو عن أي شيء حدث.

وبالأخص مع جدها.


في تلك الليلة، دخل عليها مالك، وجدها تجلس في الشرفة تنظر إلى النجوم بصمت مبطق

سألها بهدوء وعينيه تلتهمها بقلق بالغ 

_لسه صاحية؟

تنهدت بتعب وهي ترد بصوت خافت.

_النوم هربان مني.


جلس بجانبها وقد حان الوقت ليعرف منها كل شيء

وما حدث بينهما تلك الليلة

_روح... ممكن تحكيلي ايه اللي حوصل بينك وبين عدي في الليلة دي وصلك لـ اكدة

غامت عينيها بالحزن لم يخفى على مالك مما جعله يتأكد من حدوث شيء

عندما التزمت الصمت 

_لازم تتكلمي، اللي جواكي ده لو فضل محبوس هيجتلك.


التفتت إليه، ولأول مرة منذ خروجها من المستشفى، تتجمع الدموع بعينيها وهذا ما شجعه على أن تخرج ذلك الكبت بداخلها.

_عايزني أجول إيه يا مالك؟ 


_عايز اعرف ايه اللي حوصل بينك وبين عدي وصلك للحالة دي.


لاح الحزن بعيونها وتمنت أن تبوح بكل شيء لمالك. 

تمنت أن تصرخ بالحقيقة، أن تخبره كيف حطمها عدي بكلماته القاسية، كيف دفعها وكأنها شيء بلا قيمة، كيف اعترف بحبه لأختها في وجهها دون ذرة من الرحمة، لقد كان مالك هو الشخص الوحيد الذي قد يفهمها، الشخص الذي طالما قرأ ما في عينيها دون أن تتكلم.

لكنها نظرت إلى وجهه القلق، ورأت فيه ليس فقط الأخ والصديق، بل رأت فيه أيضًا شقيق عدي. 

كيف يمكنها أن تشوه صورة أخيه الميت في عينيه؟ كيف يمكنها أن تضيف إلى حزنه على فقدانه، حزنًا آخر على حقيقته؟ لقد مات عدي، وفي عرفهم وتقاليدهم لا تجوز على الميت إلا الرحمة.

الحديث عن أفعاله السيئة الآن سيبدو كأنه شماتة في الموت.

أطرقت رأسها وأخفت عاصفة المشاعر التي كانت تدور بداخلها خلف قناع من الحزن الهادئ.

_مفيش حاجة حصلت يا مالك.

قالت بصوتٍ خفيض، صوت اختارت فيه الكذب لحماية مشاعر الآخرين. 

_أنا بس... تعبت.... الضغط كان كبير عليا. 

جوازي واللي حصل لنغم، وبعدها...  جسمي مستحملش.


نظر إليها مالك بشك لم يصدق هذه الإجابة البسيطة كان يعرف روح جيدًا، ويعرف أن هناك شيئًا أعمق، شيئًا أكثر حدة قد كسرها. 

لكنه رأى في عينيها قرارًا صامتًا بعدم الحديث، فقرر ألا يضغط عليها أكثر


قال بهدوء

_طيب يا روح اللي يريحك بس عايزك تعرفي إني چنبك لو في أي وجت حسيتي إنك رايدة تتكلمي، أو حتى تصرخي... أنا موچود.


رفعت رأسها ونظرت إليه بامتنان حقيقي. 

كانت كلماته هي العزاء الوحيد في وحدتها. 

_عارفة يا مالك ربنا يخليك ليا.

نهض وهو يقول 

_أني خارچ دلوجت لو احتاچتي حاچة كلميني.

أومأت روح ونظرت في اثره حتى خرج.

لا تعرف لما شعرت بحنين إلى غرفتها مع عدي.

ساقتها قدماها إلى هناك

دخلت جناحهما للمرة الأولى منذ الحادث. 

كان كل شيء كما تركه عدي في ليلته الأخيرة. 

ملابسه الداكنة ملقاة على الكرسي، عطره لا يزال عالقًا في الهواء. 

فتحت خزانته وأخرجت ذلك الصندوق الذي يحتفظ به بين ملابسه

كان ذلك الصندوق يحتفظ به ولم يخرجه سوى وقت خروجها من الغرفة.


فتحته بيدين مرتجفتين، فوجدت بداخله أشياء لم تكن تعرفها عنه. 

صور قديمة له مع نغم وهما طفلان،  احتفظ بها من سنوات زهرة يابسة، ورسائل لم يرسلها أبدًا، كلها موجهة إلى نغم. 

كان يوثق حبه السري بعناية مؤلمة.


لم تبكي روح بل أغلقت الصندوق بهدوء. 

لقد رأت بعينيها دليلاً ماديًا على أنها لم تكن موجودة في عالمه أبدًا.


حملت الصندوق، وخرجت إلى حديقة المنزل الخلفية. 

عليها أن تمحي كل شيء يظهر حقيقته

لن تكون سببًا في معرفة خيانته أمام الجميع وخاصة سند

أشعلت نارًا صغيرة في موقد قديم، وبدأت تلقي بمحتويات الصندوق في النار، واحدًا تلو الآخر. 

الصور، الرسائل، الذكريات... كل شيء.

كانت تشاهد ألسنة اللهب وهي تلتهم ماضي زوجها، وتشعر بأنها تحرق معه ماضيها هي أيضًا.

لن تترك ما يسيء إليه أو إلى نغم أختها.


تحول كل شيء إلى رماد

وقفت روح، ونفضت يديها، واستدارت.

كانت عيناها صافيتين، وخطواتها ثابتة لقد قررت ألا تكون ضحية حب لم يكن لها، وقررت أن تبني مستقبلها على هذا الرماد.


❈-❈-❈


مرت عدة أيام منذ أن نطقت نغم بأولى كلماتها، لم تعد إلى صمتها المطبق، لكن حديثها كان لا يزال نادرًا ومقتضبًا، يقتصر على الضروريات

لكن بالنسبة لجاسر، كانت كل كلمة تنطق بها انتصارًا صغيرًا.


بدأ يسمح لها بالخروج إلى الشرفة الواسعة التي تطل على الجبال. 

كان يلفها بغطاء صوفي سميك، وهي متقبلة لعدم وعيها الكامل

وكان ايضا يجلس معها لكن في صمت، لم يكن هناك حوار، بل كانت هناك مشاركة صامتة للحظة، وهو شيء لم يحدث بينهما من قبل.


مرت الأيام وتحسنت حالة نغم الجسدية بشكل كبير، وأصبحت تتحدث بشكل طبيعي، وإن كان حديثها لا يزال يحمل مرارة هادئة

بدأت والدة جاسر في مشاركتها لبعض الأعمال المنزلية البسيطة، كأنها تحاول استعادة نغم لإيقاع الحياة الطبيعي.


لكن جاسر لاحظ شيئًا آخر. 

لاحظ أنها تتجنبه بعناية مدروسة إذا دخل غرفة، خرجت هي منها بهدوء

إذا جلس في الشرفة، بقيت هي في الداخل. 

لم تكن هناك خصومة واضحة، بل كان هناك جدار جليدي شفاف بنته بينهما، جدار من التجاهل المهذب.


كانت نغم تجلس في شرفة بيت الجبل، تلف نفسها بغطاء صوفي، وتراقب السحب وهي تسير ببطء في السماء الزرقاء الصافية. 

لقد عادت إلى وعيها بالكامل، لكنها شعرت وكأنها عادت إلى عالم غريب، عالم فقدت فيه كل الثوابت التي كانت تعرفها.


كانت تتجنب جاسر، ليس كرهًا أو خوفًا بل لأن وجوده كان يثير فيها مشاعر متناقضة لم تكن تعرف كيف تتعامل معها. 

كانت ترى في عينيه، خلف قناع البرود الذي يصر على ارتدائه، ظلالاً من الندم كانت تلاحظ اهتمامه الصامت الطريقة التي يتأكد بها من أنها أخذت دواءها، أو نظراته الخاطفة ليرى إن كانت تأكل جيدًا.


وكانت تتذكر الليالي. 

تتذكر كيف كانت تستيقظ من كوابيسها المروعة، وقلبها يخفق بجنون، وصورة عدي وهو يحترق لا تفارق عينيها. 

كانت تتذكر كيف كان جاسر ينهض في الظلام، ويأتي إليها، ويأخذها في حضنه دون أن يقول كلمة

لم يكن حضن عاشق، بل كان حضنًا قويًا وثابتًا، مرساة في وسط عاصفتها، كان يهمس في أذنها 

"أنا هنا... أنتي في أمان"

حتى تهدأ ارتجافتها وتعود إلى النوم.


هذا الرجل الذي دمر حياتها، كان هو نفسه الشخص الوحيد الذي كان بجانبها في أحلك لحظاتها.


أما أهلها... فلم يسأل عنها أحد 

لم يتصل عمها أو جدها أو حتى مالك ليسأل كيف حالها بعد أن رأت ابن عمها يموت أمامها بتلك الطريقة البشعة. 

لقد تخلوا عنها تمامًا، وكأنها كانت حملاً ثقيلاً وانزاح عن أكتافهم بمجرد أن أصبحت في عهدة جاسر. 

هل كانت هذه هي حقيقتهم طوال الوقت، وهي التي كانت عمياء عنها؟ هذا الخذلان كان يؤلمها أكثر من قسوة جاسر نفسها.

وحده فقط من خاطر بحياته لإنقاذها.

تذكرت كلماته عن حبه لها وعشقه اللامتناهي 

لقد ترك في قلبها ندبة لن تمحيها العصور.

أخذت نفس عميق بمحاولة فاشلة للتحكم بدموعها 

_عدي...

نطقت اسمه بطريقة جعلتها تنهار وتبكي

تبكي على كل شيء.

على ذلك حبه الذي كانت تصده دون ان تشعر.

على شبابه الذي انتهى بتلك الطريقة البشعة

على اختها التي أصبحت أرملة بعد زواجها بأسابيع

كيف حالها؟

هل عرفت بحقيقة مشاعره تجاهها؟

طبطبت يدين حانيتين على كتفها

لم تكن سوى يدي ونس

تركت لنفسها ولدموعها العنان لتبكي على صدر تلك المرأة التي أثبتت لها بأن الحب والترابط لا يشترط أن يكون من دمك.

كانت كلمات ونس مواسية كأنها تعرف كيف تهدئها وتختار كلماتها بعناية..


❈-❈-❈


بعد قليل، عادت أم جاسر وجلست بجانبها على المقعد الخشبي، تحمل كوبين من الشاي الساخن الذي يتصاعد منه بخار كثيف يذوب في الهواء البارد. 

كانت نغم قد هدأت قليلاً، لكن عينيها كانتا لا تزالان حمراوين ومنتفختين.


قالت ونس بابتسامة مشرقة، تحاول أن تكسر جليد الحزن الذي يحيط بهما.

_ الجو برد النهاردة كوباية الشاي دي هتدفيكي.


أخذته نغم، ويداها ترتجفان قليلاً، وشكرتها بصوت خفيض وبالكاد يُسمع.

_ متشكرة أوي تعبتك معايا.


ردت أم جاسر بابتسامة صادقة، ووضعت يدها على كتف نغم بحنان أمومي.

_ على إيه بس... إنتي زي بنتي وأكتر كمان. 

ربنا وحده اللي يعلم معزتك في جلبي، يمكن لو كنت خلفت بنت مكنتش حبيتها جدك.

تابعت بمغزى، ونظرة ذات معنى في عينيها.

_ وكفاية جوي إنك مرات ابني الوحيد.


كانت هذه الكلمة "مرات ابني" كافية لتعيد كل الألم إلى الواجهة. 

تبدلت ملامح نغم الهادئة، وظهر عليها الانكسار مرة أخرى. 

أشاحت بوجهها سريعاً، وتظاهرت بالنظر إلى قمة الجبل البعيدة، التي بدأت تختفي خلف غيوم رمادية، كأنها تهرب من حقيقة وضعها.


قالت الأم بحنان بعد لحظة صمت، وقد شعرت بألمها.

_ نغم يا بتي...


نظرت إليها نغم، وفي عينيها سؤال صامت ينتظر ما سيقال.

_ أنا خابرة إن اللي مريتي بيه صعب، صعب جوي، ومحدش يجدر يلومك على أي حاچة بتفكري فيها أو بتحسيها. 

بس... الحياة لازمن تمشي.


أكملت الأم بتردد، وهي تختار كلماتها بعناية.

_ جاسر... أنا عارفة إنه جاسي، وعارفة كيف اتچوزك بس أني أمه وأعرفه زين. 

اللي شفته في عينيه الفترة اللي فاتت دي، عمري ما شفته في حياتي كلها. 

خوفه عليكي لهفته، سهره الليالي تحت معاكي في أوضتك..... ده مش جاسر اللي أعرفه. 

ده راچل تاني راچل جلبه موجوع.


عندما لاحظت شرود نغم وعدم تجاوبها، تنهدت ونس بتعب وأسى.

_ يا بنتي، أنتم الاتنين ضحايا تار جديم معندكمش ذنب فيه. 

ادوا لبعض فرصة... ادوا لچوازكم برضه ده فرصة إنه يكون حجيجي. 

يمكن ربنا يجعل بينكم مودة ورحمة تنسيكم اللي فات.


هزت نغم رأسها ببطء، وابتسامة حزينة وموجعة ارتسمت على شفتيها.

_ فرصة؟

قالتها كأنها كلمة غريبة لا تعرف معناها. _ طيب كيف؟! كيف وأنا كل ما أشوفه أفتكر إنه السبب في كسرتي؟ السبب في بعدي عن أهلي؟


ثم ارتفع صوتها قليلاً، واختلطت به بحة من البكاء المكتوم.

_ فرصة كيف واللي حصل لعدي كان هو السبب الحجيجي فيه!


حاولت ونس أن تدافع عن ابنها.

_ لأ يا بنتي متجوليش إكده، جاسر ملوش...


قاطعتها نغم بحدة وانهيار، وصورة عدي وهو يلتهمه الحريق لا تفارق خيالها، كأنها وشم محفور على جفنيها.

_ لأ هو السبب! هو السبب! لولا اللي عمله، لولا انه خطفني وجابني اهنه بالإكراه، مكنش عدي هيضطر يعمل إكده! مكنش هيجي عشان ينقذني! مكنش ضحى بحياته عشاني!


تجمعت الدموع في عينيها مرة أخرى، وبدأت تتساقط على وجنتيها كحبات المطر الحارقة. 

تمتمت بألم يمزق القلب، وهي تتحدث عن عدي.

_ الوحيد... الوحيد اللي متخلاش عني. 

الوحيد اللي عمل المستحيل عشاني. 

الوحيد اللي كان مستعد يموت عشان يرجعني. 

ومات... مات وهو بيحاول.


أغمضت عينيها بقوة، تنفض عنها تلك الدموع المتعلقة بأهدابها، كأنها تنفض عن نفسها ضعفها.

_ ولو ملوش ذنب في اللي حصل لعدي، أنا كمان مكنش ليا ذنب في اللي حصل زمان عشان يحملني وزره ويعاقبهم فيا.


أخذت نفساً عميقاً، وأكملت بصوتٍ مكسور، صوت امرأة فقدت كل شيء.

_ وبعدين... فرصة بإيه؟ أنا خلاص مبجاش فيا روح. 

انكسرت من يوم ما دخلت بيتكم بالإكراه. 

واللي كسرني أكتر... أهلي، أهلي اللي كنت مستعدة أموت عشانهم، رموني. 

باعوني عشان يحافظوا على اسمهم وكبريائهم، سابوني اهنه ومحدش فيهم فكر يرفع سماعة التليفون ويجولي إنتي عايشة ولا ميتة. 

كأني كنت حمل وانزاح من على كتافهم.


نظرت إلى ونس بعينين فارغتين من أي أمل.

_ اللي أهلها يتخلوا عنها بالسهولة دي... متستناش من الغريب إنه يصونها. 

أنا بجيت وحيدة، وحيدة ومليش حد...


كان جاسر قد اقترب من الشرفة ليطمئن عليهما، لكنه توقف عندما سمع حديثهما وقف خلف الباب الزجاجي، يستمع إلى كل كلمة نطقت بها نغم، وكل كلمة كانت كالسهم الذي يخترق قلبه.


لقد سمع اعترافها الصريح بمرارة الخذلان. 

لقد أدرك أن أفعاله لم تكسرها وحدها، بل إن تخلي عائلتها عنها هو ما حطمها تمامًا. 

وعندما سمعها تقول 

"مبقاش فيا روح"

شعر بمسؤولية ساحقة هو من بدأ هذه السلسلة من الدمار. 

هو من وضعها في هذا الموقف، وهو من جعل أهلها يتخلون عنها.


الندم الذي كان يشعر به تحول إلى شيء أعمق وأكثر إيلامًا. 

لم يعد الأمر يتعلق بخطأ في حسابات الانتقام، بل أصبح يتعلق بروح إنسانة أطفأها بيده. 

مشاعره التي بدأت تنمو تجاهها، والتي لم يكن يعرف لها اسمًا، تعمقت في تلك اللحظة. 

لم تعد مجرد رغبة في الحماية، بل أصبحت رغبة عارمة في أن يصلح ما أفسده، أن يعيد إليها روحها المفقودة، وأن يثبت لها ولنفسه، أنه ليس مجرد مدمر.


انسحب من أمام الباب بهدوء، وعاد إلى داخل البيت، وقلبه مثقل بحقيقة جديدة:

لقد وقع في حب المرأة التي كان ينوي تدميرها، والآن، أصبح شفاؤها هو السبيل الوحيد لشفائه هو.


❈-❈-❈


مرت الأسابيع، وبدأ منزل جد أكمل يستعيد نبض الحياة من جديد. 

لم تكن صبر مجرد عاملة تؤدي واجبها، بل كانت روحًا هادئة أعادت الدفء إلى الجدران الصامتة. 

لمستها كانت واضحة في كل شيء؛ في الزهور التي عادت لتتفتح في أصص الشرفة، في ترتيب الأثاث الذي أصبح أكثر راحة، وفي رائحة الخبز الطازج التي كانت تملأ المكان صباحًا. 

حتى طعامها، كان بسيطًا لكنه شهي، يحمل نكهة أصيلة تشبهها.


كان أكمل يقضي معظم وقته في الحديقة أو في مكتبة جده، غارقًا في الكتب والقضايا القديمة. 

لقد وجد في هذا الهدوء ملاذًا من ضجيج القاهرة وصدمة فقدان جده.


في إحدى الأمسيات، كان يجلس في الشرفة المفتوحة على الحديقة، مستغرقًا في قراءة رواية مترجمة كلاسيكية، من تلك التي تحمل أفكارًا عن العدالة والحب والتضحية. 

تقدمت صبر نحوه بخطواتها الخفيفة التي اعتاد عليها، تحمل صينية عليها فنجان قهوة.


وضعت الصينية بهدوء على الطاولة الصغيرة بجانبه. 

لكنها، على غير عادتها، لم تستدر لتغادر. 

ظلت واقفة في مكانها، صامتة.


شعر أكمل بوجودها، لكنه ظن أنها تنتظر لترى إن كان يحتاج شيئًا آخر بعد لحظات عندما لم تتحرك، رفع رأسه عن الكتاب ونظر إليها. 

وجدها لا تنظر إليه، بل تحدق في غلاف الكتاب الذي بين يديه، وفي عينيها نظرة غريبة، مزيج من الشوق واللهفة والحزن.


_محتاجة حاجة يا صبر؟

سأل بلطف، مستغربًا من وقوفها.


لم ترد فورًا، كأنها لم تسمعه ثم

كمن يستيقظ من حلم، رفعت نظرها إليه وارتبكت.

_لأ... لأ يا بيه العفو.


لكن عينيها عادت مرة أخرى إلى الكتاب مد يده وأغلق الكتاب، ليظهر الغلاف بوضوح.

سأل بابتسامة خفيفة.

_ماله الكتاب؟ شدك للدرجة دي؟


هزت رأسها بسرعة، ثم تمتمت بصوت خفيض كأنه سر

_الرواية دي...

شجعها على الحديث.

_مالها؟


أخذت نفسًا عميقًا، كأنها ستعترف بذنب. 

_أبلة سهام... مدرسة العربي بتاعتي زمان، قبل ما أبويا يبطلني من العلام...

كانت بتحكيلنا عنها. 

كانت بتجول إنها أحلى قصة في الدنيا عن الحب اللي بيستنى، وعن الظلم اللي لازم ينتهي.

الصفحة التالية


NextGen Digital... Welcome to WhatsApp chat
Howdy! How can we help you today?
Type here...