رواية جديدة ثنايا الروح لرانيا الخولي - الفصل 26 - جـ 1 - الأربعاء 10/9/2025

الفصل 26 من رواية ثنايا الروح للكاتبة رانيا الخولي تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية

 

قراءة رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية ثنايا الروح

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة رانيا الخولي


الفصل السادس والعشرون 

الحزء الثاني

تم النشر الأربعاء  

10/9/2025


توردت وجنتاها على الفور، وأشاحت بوجهها بخجل، تحاول أن تتهرب من نظراته الحارقة التي كانت تشعر بها تخترقها.

وقف أمامها وكل الكلمات التي حضّرها في عقله تبخرت. 

لم يجد ما يقوله كل ما كان يشعر به كان أكبر من أي كلمة انحنى قليلًا، وقال بصوت أجش، صوت بالكاد خرج من حنجرته.

_مبروك.

لم يكن يعرف لمن يوجه الكلمة، لها أم لنفسه. 

كانت 

مبروك على تحقيق الحلم، 

مبروك على نهاية الألم، 

مبروك على بداية كل شيء.

رفعت رأسها ببطء وابتسمت ابتسامة خجولة ابتسامة كانت كشروق الشمس في قلبه.

_الله يبارك فيك

مد يده إليها بتردد لطيف

_تسمحيلي؟

فهمت ما يريده وضعت يدها في يده وشعرت بصدمة كهربائية لطيفة تسري في جسدها من دفء لمسته. 

وضع خاتمه في إصبعها وهو ينظر إليها بكل الحب الذي يحمله إليها ثم رفع يدها ليطبع قبلة متملكة تحمل شوق ولهفة.

لم تكن فرحتهم بصحوبة بالزغاريد أو حتى احتفال بسيط، لكن فرحتهم كانت تسع الدنيا بأكملها

_كان نفسي اعملك فرح كبير تتحكى عليه الدنيا بحالها، بس فرحتي بيكي وانتي في حضني بالدنيا وما فيها.

لوهلة تناسو ما حولهم لو صوت سند الذي ناداه

_وبعدين يا عريس هتفضل واجف متسمر إكدة.


بعد انتهاء المراسم، اجتمعت العائلة حول مائدة عشاء عادئة احتفالاً بالمناسبة.

كان مالك يجلس بجوار روح، يختلس النظر إليها كل ثانية، كأنه لا يصدق أنها أصبحت بجانبه شرعاً وقانوناً. 

كانت هي الأخرى تشاركه نفس الفرحة، وإن كانت في حياء ورقة.


لكن والدته ورد التي كانت تراقبهما بعين الأم الحنون لاحظت شروده وشوقه.

ورغم حزنها الدفين إلا أن سعادة ابنها مالك كانت أولويتها 

مالت على مالك وهمست له بصوت دافئ

_ يا ابني، العشا مش هيطير خد عروستك واطلعوا ارتاحوا في جناحكم. 

أنا هخلي حد يطلع لكم الوكل فوج، تتعشوا براحتكم.


نظر إليها مالك بامتنان لا حدود له، وكأنها قرأت أفكاره. 

لم يكن يريد أكثر من ذلك

 أومأ برأسه شاكراً، ثم التفت إلى روح وقال بصوت هامس لا يسمعه غيرها

_يلا بينا.

نظرت إليه بحيرة

_على فين؟

_على اوضتنا، خلينا نتعشى لوحدنا.


أمسك يدها برفق، وصعدا معاً درجات السلم نحو جناحهما الخاص 

كانت كل خطوة تقربهما من بداية حياتهما الحقيقية.


ما إن أغلق مالك باب الجناح خلفهما، حتى انتهى كل الصبر وكل الانتظار. 

استدار نحوها، وفي عينيه كل حب العالم، ثم دون أي كلمة جذبها إلى حضن عميق وقوي.


لم يكن مجرد حضن، كان تعبيراً عن سنوات من الحب المكتوم، عن ليالي من الشوق، وعن حلم كان يظنه بعيد المنال. 

دفن وجهه في شعرها، يستنشق عبيرها الذي يسكن روحه، وهي تشبثت به تشعر بالأمان المطلق الذي لم تشعر به من قبل. 

بقيا على هذا الحال وقتاً طويلاً، لا يتكلمان فقط قلبيهما كانا يتحاوران بلغة لا يفهمها سواهما.


عندما استطاع أخيراً أن يبتعد عنها قليلاً، أمسك وجهها بين كفيه، وأجبرها على النظر في عينيه مباشرة. 

كانت عيناه تلمعان بدموع الفرحة الصادقة.

_ روح... 

نطق اسمها بصوت متحشرج من فرط المشاعر. 

_ أنا مش مصدج مش مصدج إنك إهنه، معايا وليا. 

 وقال بصوت لم يسمعه غيرها.

_كنت بحلم باليوم ده من سنين طويلة جوي

كنت بحلم بيكي وأنتِ مرتي

اتسعت عيناها بدهشة وسعادة، ولم تستطع أن تنطق بكلمة

تابع هو وكأنه يفتح لها قلبه لأول مرة

_أنا خابر إننا مرينا بكتير، وخابر إن لسه جدامنا كتير بس النهاردة كل حاچة بتبدأ من جديد. 

النهاردة أنتِ بجيتي ملكي، وأنا بجيت ملكك وأنا بوعدك جدام ربنا، إني هجضي كل يوم في عمري اللي چاي عشان أسعدك وبس.

لم تعد تستطع المقاومة ألقت بكل خجلها جانبًا، وابتسمت له ابتسامة صافية ابتسامة تحمل كل الحب والامتنان والأمل.

_وأنا معاك.

كانت كلمتين فقط، لكنهما كانتا كافيتين كانتا عهدًا، ووعدًا، وبداية لحياة طالما حلما بها.

تمتم بحنو

_كل يوم كنت بصحى وأنام على حلم واحد بس، إن اليوم ده يجي

اليوم اللي تبقي فيه مراتي وحبيبتي وكل دنيتي.

أنا بحبك يا روح... بحبك أكتر من أي حاچة في الوجود.


لم تكن روح بحاجة للرد. 

كانت عيناها الدامعتان فرحاً، وابتسامتها الخجولة التي أضاءت وجهها، هما أبلغ رد. 

لم يمنحها مالك فرصة لتنطق بكلمة، فكل المشاعر التي اعترف بها للتو كانت تضغط عليه، تبحث عن منفذ آخر غير الكلمات.


قلل المسافة بينهما ببطء، مانحاً إياها فرصة للتراجع إن أرادت، لكنها ظلت ثابتة في مكانها تنتظر قربه بشوق. 


مال عليها ولامست شفتاه شفتيها في قبلة بدأت رقيقة كهمسة حانية استكشاف لطيف لعالم طالما حلم بدخوله. 

ثم سرعان ما تعمقت تحولت إلى تعبير جارف عن سنوات من الحب الصامت والشوق المكبوت الذي أثقل روحه. 

لم تعد مجرد قبلة بل كانت سيلاً من المشاعر المتدفقة، كل لحظة فيها تحكي قصة انتظار، وكل لمسة كانت تعويضاً عن حرمان طويل. 

كانت قبلة طويلة يائسة تقريباً في عمقها، سرقت أنفاسهما ومحت كل ما حولهما؛ جدران الغرفة ضوء القمر المتسلل من النافذة، وحتى الزمن نفسه توقف.


ورغم خجلها الفطري الذي جعل أطرافها ترتجف إلا أن روح تجاوبت معه بكل كيانها. 

لقد وجدت في قوة قبلته الأمان الذي بحثت عنه طويلاً، وفي شغفه اليقين المطلق بأنها أخيراً في مكانها الصحيح، بين ذراعي الرجل الذي كان قدرها الحقيقي.


عندما ابتعد عنها أخيراً، كان كلاهما يلهث وجبينه يستند على جبينها

 أغلق مالك عينيه بقوة، كأنه يخشى أن يفتحهما فتكون كل هذه اللحظة مجرد سراب، حلماً جميلاً سيستيقظ منه كان يشعر بقلبه يقرع بعنف في صدره، وبسعادة نقية لم يختبرها من قبل.


همس بصوت متحشرج، يكاد لا يُسمع، صوت رجل لا يصدق حظه.

_ إنتي حقيقة؟


فتحت روح عينيها ببطء، وقد تحولت إلى بحيرتين من العاطفة الصافية رأت في ملامحه كل الحب الذي حمله لها، ورأت دمعة فرح وحيدة فرت من زاوية عينه المغلقة. 

مدت يدها المرتجفة برقة ومسحت تلك الدمعة، وشعرت بلمستها كأنها تلمس روحه مباشرة.

_ حقيقة... وحلالك.


كانت هذه الكلمة، "حلالك"، هي المفتاح الذي فتح آخر أبواب ضبط النفس لديه كانت الإذن الذي انتظره عمراً بأكمله حملها مالك بين ذراعيه بخفة، كأنها أثمن وأخف من ورقة شجر، واتجه بها نحو السرير.

ولم يفصل قبلته عنها

أنزلها برفق، كما لو كانت قطعة نادرة الوجود يخشى أن تُخدش. 

ظل ينظر إليها للحظات، يتأمل ملامحها التي حفظها عن ظهر قلب، لكنه يراها الآن بنور مختلف نور الزوجة والحبيبة.


مال عليها مرة أخرى، وبدأ يطبع قبلات رقيقة على وجهها كفراشة تتنقل بين الزهور. 

قبلة على جبينها وعدٌ بالحماية. 

قبلة على وجنتيها المتوردتين، عربون حنان. 

قبلة على عينيها المغمضتين، قسمٌ بالوفاء. 

كانت كل قبلة تحمل وعداً بحياة جديدة، وبحب أبدي. 

كانت روح مستسلمة تماماً لمشاعره، تشعر بأنها تذوب بين يديه، وقلبها يرقص على إيقاع حبه الذي يغمرها كالمطر الدافئ.


لكن مع تعمق اللحظة، ومع اقترابه منها أكثر، بدأ يشعر بشيء غير متوقع. 

شيء لا يتوافق مع الصورة التي رسمها في ذهنه. 

شعر بتوتر جسدها، بصلابة خفية تحت نعومتها الظاهرة.

شعر بترددها، بخوفها الذي لا يشبه خجل امرأة سبق لها تلك التجربة

بل هو خوف أعمق خوف من المجهول، خوف من الألم. 

ثم وسط دوامة الشغف أدرك الحقيقة التي صعقته كالصاعقة... "روح" كانت لا تزال عذراء.


ابتعد عنها ببطئ، وجلس على حافة السرير وظهره لها جزئياً ينظر إلى نقطة لا مرئية في الغرفة بصدمة وعدم فهم. 

كان الارتباك يعصف به، وتضاربت الأفكار في رأسه كيف؟ 

ولماذا؟ 

ألم تكن زوجة لعدي؟


التفت إليها ببطء، وكانت نظراته تحمل مزيجاً من الحيرة، والقلق، والارتباك الشديد.

قال بصوت مرتبك وحائر، صوت فقد كل ثقته وقوته قبل لحظات

_ روح... كيف؟ إنتي...


لم يستطع إكمال الجملة كانت الكلمات عالقة في حلقه، أثقل من أن تُنطق كيف يسألها عن أمر كهذا؟ وكيف يمكن أن يكون ما يفكر فيه صحيحاً؟


فهمت روح سؤاله الذي لم يكتمل

رأت الصدمة في عينيه، وعرفت أن الوقت قد حان لبوح السر الذي أثقل كاهلها طويلاً. 

جلست باعتدال وجمعت كل شجاعتها لتواجهه بالحقيقة.

_ أيوه يا مالك... أنا لسه بنت.

اتسعت عيناه أكثر ولم يستطع عقله استيعاب الأمر.

_ إزاي؟ وعدي...؟

هزت رأسها، وبدأت تحكي بصوت هادئ وإن كان يرتجف قليلاً وهي تسترجع الذكريات المؤلمة.

_ عدي عمره ما قرب مني عمره ما لمسني يا مالك. 

جوازنا كان مجرد شكل قدام الناس

كان دايماً بيقول إنه مش مستعد، وإنه اصلا عمره ما حبني 

أخذت نفساً عميقاً وأكملت، والآن كانت نبرتها تحمل مرارة الماضي.

يوم الحادثة اعترفلي ان بيحب نغم وإن جدي اللي اجبره يتجوزني....

انتهت روح من سرد كل شيء

كان مالك يستمع وقلبه يعتصر غضباً وألماً. 

غضباً من عدي الذي خدعهم جميعاً، وألماً من أجل روح التي تحملت كل هذا الجرح وحدها. 

مد يده وأمسك يدها، يشد عليها بقوة وكأنه يريد أن يمتص كل ألمها.

نظرت إليه روح ودمعة وحيدة فرت من عينيها.

_ عشان كده لما مات حزني عليه مكنش حزن زوجة، كان حزن على ابن عمي اللي راح في عز شبابه. 

أنا حزنت على عمري اللي ضاع معاه، وعلى كذبة كبيرة عشت فيها.


لم يقل مالك شيئاً. 

فقط سحبها إلى حضنه مرة أخرى، لكن هذه المرة كان حضناً مختلفاً. 

كان حضناً يداوي يطمئن ويمحو كل أثر للماضي. 

همس في أذنها بصوت يملؤه الحب واليقين

_ كل ده خلص، الماضي كله اتمحى الليلة دي إنتي دلوجت معاي، ومحدش في الدنيا هيجدر يچرحك تاني أبداً

إنتي هتبدأي حياتك من چديد... معايا أنا.


❈-❈-❈


أصبحت نغم تتقن لعبتها جيداً ولم تعد تلك الفتاة المكسورة التي تبكي في صمت، بل تحولت إلى فنانة ترسم فخاخها بدقة وإتقان


سلاحها لم يكن الصراخ أو التحدي الصريح، بل شيء أكثر فتكاً: الإغراء العفوي.

كانت تتحرك في أرجاء الجناح بخفة ودلال محسوب، كفراشة تعرف تماماً أين تحط لتُحدث أكبر أثر

ولم تعد ترتدي ملابس والدته الواسعة، بل اختارت من الملابس الجديدة التي اشتراها لها أبسط الفساتين وأكثرها نعومة، تلك التي تلتصق بجسدها مع كل حركة، مبرزة جمالها عن قصد. 

كانت قد تعلمت أن الصمت والهمس أشد تأثيراً من الصراخ

كانت كل حركة لها مدروسة لتبدو عفوية، وتتعمد الانحناء بالقرب منه لتلتقط شيئاً، فينساب شعرها التي علمت مدى تأثيره عليه وتجعل عطرها الناعم يغزو حواسه. 

ولمسة "غير مقصودة" على يده وهي تناوله فنجان القهوة.

وكانت ونس تساعدها بذلك وتخبرها ماذا تفعل

ربما بتلك الطريقة النار تصيب كلاهما وينتهي ذلك الجمود بينهم.

كانت نغم تستمتع بمتعة المنتقم الباردة، برؤية التصدعات الدقيقة التي تحدثها في قناعه الجليدي.


 كانت ترى كيف تتصلب عضلات فكه حين تمر بجانبه، وكيف تشتد قبضته على الأوارق التي يقرأها، وكيف تتبعها عيناه دون وعي منه وهي تتحرك في الغرفة، كانت حرباً نفسية، وهي قد اكتشفت نقطة ضعفه: أنه رجل، وهي امرأة أصبحت تعرف كيف تكون امرأة.


في تلك الليلة كانت قد أوصلت اللعبة إلى ذروتها حينما كانت بالمطبخ وحيدة وقد خرجت والدته مع سامية لشراء بعض الأشياء وضعت يدها على حافة إناء ساخن عن قصد، فتصدرت منها صرخة حقيقية من شدة الألم.


في بهو المنزل

كان جاسر جالساً في بهو المنزل، يحاول التركيز في أوراق عمل أمامه، لكن عقله كان في مكان آخر تماماً كان في حرب، حرب لم يخترها ولم يتدرب عليها، ويخسر فيها كل يوم.


هذه الحرب التي تشنها عليه نغم ليست عادلة على الإطلاق هو اعتاد على مواجهة الأعداء بالقوة والمال والتهديدات الواضحة لكنه لم يعتد أبداً على هذا النوع من القتال قتال صامت، ناعم، ومميت.


لم يتخيل يوماً أن نغم، تلك الفتاة التي بدت بريئة ومكسورة، تملك كل هذا المكر والدهاء. 

لقد تحولت إلى خصم شديد، خصم لا يرحم، وهي لا ترأف به أبداً. 

تعرف تماماً متى تقترب، ومتى تبتعد، تعرف كيف تشعل النار فيه بلمسة، ثم تتركه يحترق وحده ببرودها.


لقد أصبح ضعيفاً أمامها وهي قد وجدت فيه صدعاً صغيراً، ومن خلاله تتسلل كل ليلة لتزرع الفوضى والاضطراب في داخله 

لقد أصبح عذابه مضاعفاً: عذاب الرغبة المشتعلة التي يرفض الاعتراف بها، وعذاب الهزيمة أمام امرأة كان يظن أنه يملكها ويسيطر عليها.

انتبه لصرختها

فتحرك نحو المطبخ، مدفوعاً بخوف بدائي لم يشعر به من قبل وجدها واقفة بجانب الموقد، تمسك بيدها تحت الماء البارد، وتتألم في صمت.

_في ايه؟

قالت نغم بألم حقيقي

_ايدي اتحرجت.

دون تفكير تقدم منها وأمسك يدها برفق وأبعدها عن الماء ليرى مكان الحرق. 

كان أحمر اللون ومؤلماً، نظر في عينيها التي كانت تلمع بالدموع الحقيقية هذه المرة، ولأول مرة سقطت كل دفاعاته ولم يرى اللاعبة الماكرة، بل رأى فقط امرأته تتألم.

كان وجهها متغضن من الوجع.

وللحظة، اخترق ألمها الحقيقي درعه الجليدي تأثر جاسر بها

 قال بنبرة شبه حانية لم تعتدها منه

_متخافيش ده حرج بسيط، تعالي أحطلك حاچة عليها تهديها.

وافقت لتألمها

وسارت معه إلى غرفته وجعلها تجلس على الأريكة، ثم دلف إلى المرحاض ليجلب مرهماً للحروق. 

جلس بجوارها قريباً جداً بعفوية غير مقصودة وبدأ في دهن ذلك المرطب على بشرتها المحمرة برفق غير متوقع. 

لكن مع كل لمسة كانت أصابعهما تتلامس فيها تجعل أنفاس جاسر تصبح ثقيلة ومتقطعة.

لكن هذه المرة، كان الأمر مختلفاً عليه

كانت هذه لمسة عابرة لعبة مفتعلة منها لكنها كانت الجحيم بالنسبة لجاسر.

كانت بشرتها ناعمة ودافئة تحت أصابعه، ورغم ذلك كان ألمها حقيقياً، وهذا القرب لم يكن مخططاً له بهذا التقارب 

شعر جاسر بصراع عنيف يدور بداخله

عقله يأمره بالابتعاد، بالحفاظ على بروده ومسافته، لكن جسده كان يرفض الانصياع. 

رائحتها الهادئة التي تفوح منها، قربها نعومة بشرتها... كل شيء فيها كان يستفزه ويسحب منه كل ذرة سيطرة.


رفع عينيه ببطء عن يدها، وتتبع ذراعها بنظراته صعوداً إلى كتفها، ثم إلى عنقها الناعم الذي ينبض برقة. 

توقفت نظراته هناك، عند تلك النقطة الضعيفة والمغرية. 

تخيل نفسه يميل ويطبع قبلة على ذلك النبض، يشعر بدفء دمها تحت شفتيه

كان يتنفس بصعوبة وكل حواسه كانت مركزة عليها وحدها.

كانت رغبته تأمره بالاقتراب، بالاستسلام لهذه الرغبة التي تنهشه من الداخل.

أراد أن يلقي بالمرهم جانباً، ويمسك وجهها بين يديه ويقبلها قبلة عنيفة تنسيه من هو وتنسيها من هي.

أراد أن يذيقها طعم الشغف الحقيقي بدلاً من ألاعيبها الطفولية.

كانت المسافة بينهما لا تذكر، مجرد إنشات قليلة تفصل بين ضبط النفس والانفجار.


لكن في اللحظة الأخيرة انتصر فيه جاسر الذي بناه على مر السنين جاسر القوي البارد، الذي لا يسمح لأحد باختراق حصونه. 

قبض على فكه بقوة وأجبر نفسه على إعادة تركيزه على يدها.

أنهى وضع المرهم بسرعة، ثم سحب يده فجأة وكأنها لدغته ونهض واقفاً، مبتعداً عنها ليخلق مسافة آمنة.


وقف وظهره لها، يضع يديه على خصره ويحاول تنظيم أنفاسه الثائرة.

قال بصوت أجش وجاف، يحمل برودة متعمدة ليخفي العاصفة التي كانت تدور بداخله.

_ خليكي بعيدة عن النار بعد اكده.


لم يجرؤ على الالتفات إليها، لأنه كان يعلم أنه لو رأى وجهها في تلك اللحظة، فإنه سيفقد السيطرة تماماً.

لكن صوتها الرقيق ناداه باتقان زلزل كيانه

_جاسر

تيبست عضلاته عند ذكر اسمه لأول مرة بتلك الرقة

ودون ارادته التفت إليها فوجدها تقترب منه دون ان تنظر لعيناه وحدث أكثر مما كان يخشاه

تمتمت بهمس اخفق قلبه

_متشكرة..

تلك الماكرة أجادت التلاعب بمشاعره تلك المرة ولن تمر فعلتها مرور الكرام.

فلتتحمل إذًا نتائج أفعالها

همّت بالابتعاد لم تجد فراغاً خلفها وجدت يداً فولاذية تمسك بمعصمها وتمنعها من الحركة. 

وقبل أن تستوعب ما يحدث كان جاسر قد سحبها بقوة نحوه، لتصطدم بصدره الصلب. 

لم يمنحها فرصة للاستيعاب أو الاحتجاج أو حتى للتنفس بل انحنى بسرعة ولامست شفتاه شفتيها في قبلة لم تكن في الحسبان.


لم تكن قبلة رقيقة أو حانية بل كانت قبلة جائعة عنيفة، تحمل كل الكبت الذي حاول إخفاءه خلف قناع البرود. 

كانت تعبيراً عن رغبة مكبوتة انفجرت فجأة وعن غضب من ألاعيبها التي نجحت أخيراً في اختراق حصونه.


للحظة تجمدت نغم من الصدمة. 

استسلم جسدها بشكل لا إرادي لقوة المفاجأة، لكن عقلها كان يصرخ

أن تعود لرشدها

وعندما استوعبت أخيراً ما يحدث وأن لعبتها قد انقلبت عليها تماماً، انتفضت بكل قوتها ودفعته بعيداً عنها.


وبينما كان هو ينظر إليها بأنفاس متقطعة، رفعت يدها المرتجفة وهوت بها على وجهه في صفعة مدوية، تردد صداها في الغرفة الصامتة.

تجمد كل شيء.

وقف جاسر مصدوماً للحظة ليس من الصفعة نفسها، بل من ردة فعله هو من فقدانه السيطرة على مشاعره بهذا الشكل. 

ثم ببطء، أدار وجهه نحوها مرة أخرى اختفت كل آثار الشغف أو الغضب، وعادت إلى عينيه تلك النظرة الجليدية الحادة التي تعرفها جيداً، نظرة قاسية وباردة كحد السيف.

لم يقل كلمة واحدة، لكن نظرته كانت كافية. 

كانت تحمل تهديداً صامتاً، ووعداً بأنه لن ينسى ما حدث. 

شعرت نغم بالخوف الحقيقي يتسلل إلى قلبها لأول مرة

هذا ليس الرجل الذي كانت تلعب معه، هذا هو جاسر الحقيقي الذي لا يرحم.


لم تحتمل نظراته الثاقبة. 

استدارت وركضت خارجة من الغرفة، لم تتوقف حتى وصلت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، تستند عليه وتلهث كأنها كانت تهرب من وحش كاسر.


وضعت يدها المرتجفة على شفتيها، لا تزال تشعر بحرارة قبلته وقسوتها. "إزاي يعمل كده؟" 

سألت نفسها بصدمة كيف تجرأ؟


لكن وسط صدمتها وخوفها كان هناك شيء آخر يتسلل إلى وعيها. 

شيء مربك ومقلق لم تستطع أن تمحو الإحساس من ذاكرتها

ورغم كل الغضب وجدت نفسها تفكر في القبلة مراراً وتكراراً. 

وفي تلك الليلة وهي تحاول أن تنام، أدركت نغم بحيرة وخوف، أن الصفعة لم تكن موجهة له فقط، بل كانت موجهة أيضاً لقلبها الذي بدأ، رغماً عنه يتحرك في اتجاه لم يكن أبداً في خطة انتقامها.


يتبع...


إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة



NextGen Digital... Welcome to WhatsApp chat
Howdy! How can we help you today?
Type here...