رواية جديدة ثنايا الروح لرانيا الخولي - الفصل 28 - جـ 1 - الجمعة 12/9/2025
قراءة رواية ثنايا الروح كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ثنايا الروح
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة رانيا الخولي
الفصل الثامن والعشرون
الحزء الأول
تم النشر الجمعة
12/9/2025
كان الليل قد انتصف، لكن النوم لم يكن خياراً في عالمهما الجديد.
كان مالك يجلس على السرير، مسنداً ظهره على كومة من الوسائد المريحة، بينما تستقر روح بين ذراعيه رأسها على كتفه وظهرها على صدره القوي، في حضن يمثل لها الأمان المطلق.
لم يكن هناك صمت بل كان مالك يشاركها أعمق أسرار قلبه.
كان يمسك بهاتفه، ويتصفح ملاحظات قديمة يقرأ لها بصوته الهادئ والعميق خواطر وقصائد قصيرة كان يكتبها لها سراً على مر السنين.
"اليوم رأيتها تضحك من قلبها.
ضحكة تشبه الشمس بعد المطر.
ليتني أستطيع أن أضع هذه الضحكة في زجاجة،
وأحتفظ بها للأيام المظلمة"
منقولة "لشاعرة النيل"
جروب نسائم روائيه جروب رانيا الخولي
كانت روح تستمع وقلبها يذوب مع كل كلمة.
لم تكن تصدق أن هذا الحب كان موجوداً بهذا العمق، وبهذا الصدق طوال هذا الوقت وهي لا تعلم.
التفتت إليه بوجهها، وعيناها تلمعان بدموع التأثر.
_ إنت... إنت كنت بتحبني للدرجة دي يا مالك؟ كل ده وأنا معرفش؟
ابتسم مالك ابتسامة حزينة بعض الشيء.
أطفأ هاتفه ووضعه جانباً، ثم أدارها برفق لتصبح في مواجهته وجهها مقابل وجهه.
أمسك وجهها بين كفيه ونظر في عينيها بكل الحب الذي يسكنه.
وقال بصوت صادق.
_ وأكتر من إكده كمان، كل يوم كنت بشوفك فيه بتكبري قدامي، كان حبي ليكي بيكبر معاه وكل يوم كنت بشوفك فيه مع "عدي"، كنت بحس بسكينة بتنغرس في جلبي.
كنت بتعذب في بعدك عني، بتعذب وأنا شايفك بتحبي حد غيري وبتعذب أكتر لأني كنت مجبور أمثل دور ابن العم والأخ الكبير اللي بيخاف عليكي وبس كنت بموت في اليوم ألف مرة.
تجمعت الدموع في عيني روح وهي تستمع لاعترافه المؤلم.
مدت يدها ومسحت على خده بحنان.
_ وأنا كمان بحبك.
اعترفت أخيراً بالكلمة التي كانت حبيسة روحها.
_ يمكن معرفتش ده غير متأخر ويمكن كنت عمياء.
بس لما بفكر دلوجت، بلاجي إني كنت دايماً بدور عليك.
إنت كنت الأمان كنت السند، كنت الأب اللي اتحرمت منيه.
يمكن عشان إكده عشان الدور ده اللي إنت كنت بتجضيه بحب وافتكرته أبوه، أنا دورت على حاچة تانية عند عدي... دورت على حب المراهقة اللي خطفني ببريقه الكداب، ونسيت أبص على حب عمرى الحجيجي اللي كان جدام عيني.
كان اعترافها هو البلسم الذي شفي كل جراح الماضي في قلب مالك.
لم يعد هناك أي شيء يهم، لا سنوات العذاب ولا لحظات الألم.
كل شيء تلاشى أمام حقيقة أنها تحبه الآن.
مال عليها ببطء، وقبلها قبلة رقيقة، قبلة تحمل كل معاني الغفران والبدايات الجديدة.
ثم تعمقت القبلة لتصبح أكثر شغفاً أكثر لهفة.
كانت يداه تتجولان في شعرها، على ظهرها يجذبها إليه أكثر، كأنه يريد أن يدمجها بروحه.
همس بين قبلاتهما بأنفاس متقطعة
_ خلاص... مفيش بعد تاني.
إنتي بتاعتي، وأنا ملكك.
لم تكن هناك حاجة للمزيد من الكلمات وأخذها معه إلى عالمه الخاص.
لم يكن الأمر مجرد شغف جسدي، بل كان اتحاداً لروحين وجدتا طريقهما أخيراً إلى بعضهما البعض.
كانت كل لمسة، وكل همسة، وكل نظرة، تعبيراً عن حب انتظر طويلاً ليجد طريقه إلى النور، حبٌ كان مقدراً له أن يكون أبدياً.
❈-❈-❈
لم تعد صبر تخشى ارتداء ملابسها الجديدة في وجوده.
كانت كلمات ليان تتردد في أذنيها كتعويذة تمنحها القوة
"هو جوزك، وده حقك"
كانت تتحرك في المنزل بثقة مكتسبة حديثاً، ترتدي فستاناً بسيطاً يبرز جمالها وشعرها ينسدل بحرية على كتفيها.
كان أكمل في جحيم صامت كلما رآها، كان يجبر نفسه على إدارة وجهه على التركيز في أوراقه في شاشة هاتفه، في أي شيء سوى هي.
لكن الأمر كان أشبه بمحاولة تجاهل الشمس.
وجودها أصبح طاغياً مشعاً، ومن المستحيل تجاهله.
كان يختلس النظر إليها، ثم يوبخ نفسه ويعود إلى عمله، في حلقة مفرغة من المقاومة والاستسلام.
في تلك الليلة، وجدته صبر غارقاً في بعض الملفات على طاولة الطعام قررت أن الوقت قد حان لتنفيذ خطوتها التالية.
اقتربت منه بهدوء، وفي يدها أحد كتب الجامعة.
_ لو سمحت... أنا آسفة إني بعطلك، بس فيه حاچة هنا مش فاهماها خالص، والدكتور شرحها بسرعة.
رفع أكمل عينيه عن الأوراق، ووجدها تقف بجانبه قريبة جداً.
كانت رائحة جميلة ومنعشة تفوح منها، رائحة تشبه الياسمين والمطر.
نظر إلى الكتاب ثم إليها.
_ وريني.
أشارت إلى فقرة معقدة في الكتاب
لم يستطع التركيز وهي واقفة بهذا الشكل تنهد وقال
_ هاتي كرسي واقعدي جنبي هنا.
فعلت كما قال
جلست بجانبه وانحنى كلاهما فوق الكتاب المفتوح بدأ أكمل في الشرح، لكن صوته كان يخرج بصعوبة
كيف يمكنه التركيز وعطرها يلفه، وذراعها الناعمة تكاد تلامس ذراعه؟
غصب عنه كانت عيناه تزوغان
تهرب من سطور الكتاب لتستقر على تفاصيل وجهها وهي تركز في شرحه على رموشها الطويلة، على شفتيها الممتلئة قليلاً، على النبض الرقيق في عنقها.
ثم تهبط نظراته إلى منحنيات جسدها التي يبرزها الفستان برقة، فكان يشعر بحرارة تتصاعد في جسده ويجبر نفسه على العودة للكتاب.
استغرب من نفسه
هذه المشاعر بهذه القوة، كانت جديدة عليه تماماً
حتى مع خطيبته السابقة، كانت علاقتهما هادئة عقلانية أقرب للبرود،
لم يشعر يوماً بهذا الانجذاب الجارف، هذا الإحساس بأنه يفقد السيطرة
لم تكن مجرد رغبة، بل كان فضولاً قوياً لمعرفة هذه المرأة التي تجلس بجانبه، والتي كان يعتقد أنه يعرفها.
كان يسألها سؤالاً ليتأكد من فهمها، فتجيب بذكاء ثم تبتسم له ابتسامة صغيرة وواثقة.
كانت تلك الابتسامة تتلاعب بأنفاسه، تشعره بالارتباك وتفقده توازنه.
ثم فعلتها بحركة بدت عفوية تماماً، لكنها كانت مقصودة بدقة، أرجعت صبر رأسها للخلف قليلاً ونثرت شعرها الغجري ليبتعد عن وجهها.
في تلك اللحظة، شعر أكمل وكأنها سحبت كل الهواء من حوله.
رائحة شعرها، شكل عنقها وهي تميل رأسها، خصلات شعرها المتطايرة... كل هذا المشهد البسيط ضربه في الصميم بقوة لم يكن مستعداً لها.
توقف عن الشرح فجأة صمت لم يعد قادراً على النطق بكلمة واحدة.
كل ما كان يريده في تلك اللحظة هو أن يترك الكتاب، أن يميل نحوها، أن يدفن وجهه في ذلك الشعر ويستنشق عبيره حتى يغيب عن الوعي.
كانت معركة شرسة تدور بداخله بين وكيل النيابة الحازم الصارم، والرجل الذي بدأت مشاعره تتمرد عليه بعنف.
أغلق الكتاب فجأة وقال بصوت أجش حاول أن يجعله طبيعياً وفشل
_ كفاية كده النهاردة.
نهض سريعاً وابتعد، كأنه يهرب من ساحة معركة خسر فيها بالفعل، تاركاً صبر تنظر في أثره بابتسامة خفية، فقد أدركت للتو أن سهامها قد بدأت تصيب هدفها بدقة.
في اليوم التالي، كانت صبر تنتظر ليان عند مدخل الكلية بفارغ الصبر.
ما إن رأتها قادمة، حتى أسرعت نحوها بابتسامة واسعة.
_ ليان! مش هتصدجي إيه اللي حوصل امبارح!
جلستا على أقرب مقعد، وحكت لها صبر كل التفاصيل بحماس؛ كيف ارتدت الفستان، وكيف خرجت أمامه، ونظرته المصدومة، وحجتها بكتاب الجامعة، وقربهما على الطاولة، وارتباكه الواضح وهروبه في النهاية.
انفجرت ليان في ضحكة صافية ومرحة.
_ مش قولتلك أهو بدأ يقع ومش عارف نفسه! الراجل اللي عامل فيها وكيل نيابة جامد ده، طلع قلبه ضعيف قدامك.
برافو عليكي يا صبر، خطتنا نجحت
لازم تكملي على كده، متتراجعيش دلوقتي أبداً.
ابتسمت صبر بسعادة، فشعور النصر الصغير هذا كان جديداً عليها.
ثم نظرت إلى صديقتها بفضول حقيقي.
_ إنتي دايماً بتساعديني وتديني القوة يا ليان، بس أنا معرفش عنك حاجة تقريباً، إيه حكايتك؟
تغيرت ملامح ليان قليلاً، تلاشت الضحكة وحل محلها حنين ممزوج ببعض الألم تنهدت وقالت
_ حكايتي طويلة شوية.
صمتت للحظة ثم بدأت تحكي بصوت هادئ
_ أنا متجوزة يا صبر عن حب
حب كان زي الحواديت.
قابلته وهو كان لسه بيبدأ حياته، حالته على قده، بس كان عنده طموح يهد جبال.
أنا وقفت جنبه وآمنت بيه لما محدش آمن.
كنت بشتغل معاه وبساعده، وواحدة واحدة ربنا كرمنا ومشرعه الصغير كبر وبقى اسم كبير في السوق.
كانت صبر تستمع باهتمام، متأثرة بالقصة.
أكملت ليان بمرارة خفيفة
_ أهله... أهله عمرهم ما حبوني كانوا شايفيني بنت من مستوى أقل، لأن بابا كان واحد بتاع مزاج كانوا بيكرهوني كره العما ولما ربنا فتحها عليه، كرههم زاد.
بدأوا يحطوا فتنة بينا، يملوا ودانه بكلام وحش عني، يخترعوا مشاكل وللأسف هو بدأ يتأثر.
كتر الضغط خلاه عصبي، وبقينا بنتخانق على أتفه الأسباب.
أخذت نفساً عميقاً، وكأنها تسترجع ألماً قديماً.
_ من فترة وفي وسط خناقة كبيرة، قالي إنه تعب، وإنه مش عارف المشكلة فينا ولا في اللي حوالينا طلب مني ندي لنفسنا فرصة أخيرة قالي: "هنبعد عن بعض فترة، نعيش كل واحد لوحده، ونشوف... هنقدر نتحمل البعد ده ولا لأ.
لو مقدرناش، يبقى حبنا أقوى من أي حاجة وهنرجع ونواجه الدنيا كلها
ولو قدرنا، يبقى كل واحد يروح لحاله بهدوء"
اتسعت عينا صبر بصدمة.
_ وإنتي وافجتي؟
هزت ليان رأسها.
_ وافقت.
أخدلي شقة لوحدي محدش يعرف مكانها غيرنا إحنا الاتنين، عشان نبعد عن ضغط أهله وسيبت معاه البنت عشان محدش يشك في غيابها لانها متعودة تروح معها كل يوم بالليل عند مامته
وأنا رجعت أكمل جامعتي اللي كنت سبتها عشانه أهو... بنجرب.
تأثرت صبر بشدة بقصة صديقتها، بقوتها وصبرها.
رأت فيها نموذجاً للمرأة القوية التي تحارب من أجل حبها وحياتها.
في تلك اللحظة، لم تعد ليان مجرد صديقة جامعة، بل أصبحت أختاً ورفيقة درب.
مدت صبر يدها وأمسكت بيد ليان بقوة.
_ هترچعوا لبعض أنا متأكدة
الحب الحجيجي بينتصر في الآخر.
ابتسمت ليان بامتنان، ومنذ تلك اللحظة، أصبحت صداقتهما أقوى وأمتن، فقد جمعتهما جراح الحب والأمل في غدٍ أفضل.
❈-❈-❈
كان الليل قد أرخى سدوله على حديقة القصر، والهدوء لا يقطعه سوى صوت همسات العشاق كان مالك وروح يجلسان تحت شجرة ضخمة وقديمة، شاهدة على أجيال من حكايات العائلة.
كان مالك يسند ظهره العريض على جذع الشجرة، وقد ثنى إحدى ركبتيه لتكون مسنداً مثالياً لروح التي أسندت ظهرها عليه، مستمتعة بدفء جسده وقربه الآمن الذي كان بمثابة وطن لها.
_الشجرة دي عارفة عني أكتر من أي حد في الدنيا.
همس مالك بصوت عميق وهو يمرر أصابعه في خصلات شعرها، يستنشق رائحتها التي أصبحت إدمانه.
_كنت باجي أجعد هنا بالساعات بالليل، وأفضل باصص على شباك أوضتك.
نظرت إليه روح بدهشة محببة، ورفعت رأسها لتستطيع رؤية ملامحه في ضوء القمر الخافت.
أكمل وهو يبتسم ابتسامة حالمة، ابتسامة كانت تحمل كل حنين الماضي.
_كنت بجعد وأجول لنفسي، يمكن بالصدفة تطلع، يمكن ألمح خيالها كنت بكلمك في سري، وأحكيلك إزاي بحبك، وإزاي يومي كان ناجص من غيرك.
المكان ده كان هو اللي شاهد على حبي، وعلى كل اه خرجت مني وأنا شايفك بعيدة.
تنهدت روح بسعادة وهي تدفن وجهها في صدره أكثر، كأنها تريد أن تشعر بكل كلمة قالها.
_وأنا... أنا كنت بحس بيك.
اعترفت بصوت خافت، كأنه سر مقدس.
_كنت ساعات أجف في الشباك وأبص على الچنينة الضلمة دي، وأحس إن فيه حد بيفكر فيا، حد بيحميني حتى من بعيد مكنتش أعرف إنه إنت، بس جلبي كان عارف كان دايماً بيطمن لما أبص ناحية الشجرة دي.
رفع مالك وجهها إليه برفق، ونظر إلى شفتيها وهي تنطق بكلمات الحب التي انتظر عمراً ليسمعها لم يعد قادراً على المقاومة كل كلمة كانت تخرج منها كانت تزيد من نيران الشوق في قلبه وفجأة، دون سابق إنذار، جذبها إليه بقوة وقبّلها.
لم تكن قبلة عادية كانت قبلة مجنونة، عميقة خرج فيها كل حبه، كل انتظاره، وكل لهفته كانت قبلة شرسة، تمتلكها بالكامل وكأنه يريد أن يطبع روحه على روحها، أن يمحو كل أثر للألم والمسافات التي كانت بينهما
طالت القبلة حتى شعرت روح بأن أنفاسها قد سُرقت منها تماماً، وأن العالم كله قد ذاب ولم يبق سوى هو.
عندما ابتعد عنها أخيراً، شهقت روح بقوة وهي تحاول التقاط أنفاسها، وضربته على صدره ضربة خفيفة ومداعبة، ووجنتاها متوردتان.
_كنت هتموتني!
نظر إليها مالك بعينين تلمعان بشغف، وابتسامة ماكرة ارتسمت على شفتيه.
_ما أنا فعلاً هموتك... بس لما نطلع أوضتنا.
قال بصوت أجش يحمل وعداً صريحًا.
_دي كانت مجرد تمهيد للي هعمله فوج.
انفجرت روح في ضحكة رنانة ومرحة، ضحكة صافية أضاءت ليل الحديقة لكن ضحكتها لم تكتمل، فقد كتمها مالك بقبلة أخرى، أشرس وأعمق من الأولى، وكأنه يدمن طعم شفتيها ولا يستطيع الاكتفاء كان يغرق فيها، وهي تغرق فيه، في دوامة من الشغف والحب الذي لا ينتهي.
وفي وسط هذه اللحظة المشتعلة، قطع عليهما صوت ساخر ومألوف قادم من بعيد.
_يا جماعة ليكم أوضة تلمكم تعملوا فيها اللي إنتوا عايزينه! إحنا برضك في مكان عام!
ابتعد مالك وروح عن بعضهما بسرعة وهما يضحكان، ليريا سند يقف على شرفة قريبة، يراقبهما بابتسامة متسلية وحاجبان يلعبان لى مالك، معلنًا نهاية خلوتهما الرومانسية في الحديقة.
جبر يلم العفش كلايته قالها مالك وهو ينظر إليه تبرم…
❈-❈-❈
مرت أيام ثقيلة بعد المواجهة العاصفة في الحديقة.
ساد صمت جليدي بين جاسر ونغم لكنه كان صمتاً من نوع مختلف.
لم يعد صمت الكراهية والعداء، بل صمت الحيرة والألم، صمت شخصين تحطمت عوالمهما ولا يعرفان كيف يجمعان الحطام.
كانت نغم تتجنبه لأن رؤيته تذكرها بالحقيقة المرة، وكان هو يتجنبها لأنه لا يعرف كيف يتعامل مع مشاعره التي اعترف بها، ولا كيف يداوي جرحها العميق.
والدته كانت تراقبهما عن كثب
بعين الأم الخبيرة، رأت ما لم يرياه هما.
رأت أن ابنها جاسر القاسي قد تغير حقاً، وأن نغم لم تعد مجرد زوجة على الورق، بل أصبحت تسكن قلبه وروحه.
ورأت في ابتعادهما الحالي ليس كرهاً، بل حباً ضائعاً لا يعرف طريقه.
قررت في نفسها أنها يجب أن تتدخل، أن تجد طريقة لتقريب المسافات بينهما قبل أن تضيع الفرصة.
لكن القدر كان له رأي آخر.
في أحد الأيام، رن هاتف جاسر
كان عمه على الطرف الآخر، ونبرته كانت عاجلة ولا تحتمل النقاش.
"تاجى السرايا فوراً، موضوع مهم"
ذهب جاسر إلى سرايا عمه، وشعر بقبضة باردة تعتصر قلبه، فزيارات كهذه لا تبشر بالخير أبداً.
كانت الشمس تميل نحو الغروب، تلقي بظلال طويلة وحزينة على الأرض، بينما كان جاسر يشق طريقه نحو سرايا عمه
دلف من البوابة الحديدية وترجل من السيارة
لم يكن يسير بخطواته الواثقة المعتادة، بل كانت خطواته أثقل كأنها تحمل هموم العالم قبل أن يصل إلى البوابة الداخلية، انحرف مساره غريزيًا نحو الإسطبلات، أو ما تبقى منها رائحة الحريق الباهتة ما زالت عالقة في الهواء، شاهدة صامتة على الخراب.
هناك في حظيرة منعزلة تم تجهيزها على عجل، وقف "بركان".
لم يعد الجواد الأصيل الذي يشق الريح كاسمه، بل أصبح كتلة من الألم الصامت كان جسده القوي مغطى بضمادات في أجزاء كثيرة، والجلد المحروق تحته كان يؤكد بعمق الإصابة.
كان واقفًا بصعوبة رأسه منحنٍ، وعيناه الكبيرتان الجميلتان، اللتان كانتا تلمعان بالحياة والفخر، قد انطفأت وأصبحت غائرتين، تعكسان عذابًا لا يُحتمل.
بجانبه كان يقف الطبيب البيطري، رجل مسن قضى حياته في رعاية الخيول وملامحه تحمل من الحزن والأسى ما يعادل ألم الحيوان نفسه.
اقترب جاسر بخطوات بطيئة، وشعر بقلبه ينقبض مع كل خطوة.
هذا الحصان لم يكن مجرد حيوان، كان رفيق صباه الشاهد الوحيد على لحظات نادرة من الحرية والهدوء بعيدًا عن صراعات العائلة.
كان رمزًا للقوة والجمال الذي لم يلوثه الكره.
_إيه الأخبار يا دكتور؟
قالها جاسر بصوت أجش، وهو يتجنب النظر مباشرة إلى عيني الحصان، كأنه يخشى أن يرى فيهما لومًا أو استجداءً للرحمة.
تنهد الطبيب بعمق، وخلع قبعته احترامًا للألم الذي يملأ المكان.
_الحجيجة يا جاسر بيه... مفيش أخبار زينة الحرج من الدرجة الثالثة، وعميق جدًا الجلد والأنسجة اللي تحته اتدمرت.
حاولنا بكل المسكنات، وبكل الأدوية بس الألم أكبر من أي علاج هو بيعاني... بيعاني جوي.
صمت الطبيب للحظة، يختار كلماته بعناية، ثم قال ما كان يخشى جاسر سماعه.
_بصراحة... الأفضل ليه إننا نريحه مفيش أمل في الشفا، وكل يوم زيادة هو يوم عذاب زيادة عليه.
سقطت كلمات الطبيب على قلب جاسر كقطعة من الجليد الحارق.
"نريحه"
كلمة لطيفة لوصف فعل قاسٍ وضروري الموت الرحيم.
تقدم جاسر ببطء حتى وقف أمام "بركان"
مد يده المرتجفة ولمس رقبته في الجزء الوحيد الذي نجا من الحريق.
شعر بارتعاش جسد الحصان تحته ليس من الخوف، بل من الألم المتواصل.
رفع الحصان رأسه بصعوبة، وأطلق صهيلاً خافتًا ومتقطعًا، صهيل لم يكن فيه قوة بل كان أنينًا مكتومًا استغاثة صامتة.
في تلك اللحظة انهار شيء ما بداخل جاسر هذا الحصان القوي الجميل، الذي كان يمثل كل ما هو حي وأصيل في حياته، أصبح الآن مجرد جسد ينتظر الخلاص من عذابه.
شعر بأن هذا المشهد هو تجسيد لحياته كلها.
كل شيء جميل يقترب منه، يحترق كل شخص يحاول أن يجد فيه ملاذًا، يضيع
والده، عمه، عائلته التي تمزقت، والآن حتى رفيقه الصامت... كلهم يضيعون، يتركونه وحيدًا وسط حطام معاركه.
أغمض عينيه بقوة، وشعر بحرقة في حلقه لم تكن دموعًا، فهو نسي كيف يبكي بل كان ألمًا خامًا شعورًا بالعجز المطلق أمام قسوة الايام التى تبدو أنها تصر على أن تسلبه كل شيء.
فتح عينيه، ونظر إلى الطبيب بنظرة فارغة وميتة.
_اعمل اللازم.
قالها بصوت خافت ومكسور، ثم استدار بسرعة غير قادر على تحمل المشهد لثانية أخرى سار مبتعدًا، وظهره المستقيم يخفي انهيارًا داخليًا عنيفًا.
لم ينظر خلفه لكنه كان يسمع في رأسه ذلك الصهيل الأخير، صهيل الوداع الذي سيظل يطارده إلى الأبد، ليذكره دائمًا بأن كل من يحبهم وكل ما هو قريب منه مصيره في النهاية... أن يضيع.
خرج جاسر من الإسطبلات، تاركًا خلفه جزءًا من روحه يموت مع حصانه
أعاد بناء جداره الجليدي بسرعة، تلك القوة الظاهرية التي كانت درعه الوحيد في مواجهة عالم لا يرحم.
لكن خلف هذا الجدار، كان قلبه مقسومًا ينزف حزنًا صامتًا على "بركان"، وعلى كل الخسارات التي تراكمت في حياته.
ما إن دخل إلى بهو السرايا، حتى وجد عمه صخر ومعه بعض كبار العائلة، وجوههم متجهمة وصارمة كقضاة في محكمة.
كان الهواء مشحونًا بالترقب، وشعر جاسر بأن هناك مصيبة أخرى في انتظاره.

الانضمام إلى المحادثة