رواية جديدة ثنايا الروح لرانيا الخولي - الفصل 36 - جـ 2 - الإثنين 22/9/2025

الفصل 36 من رواية ثنايا الروح للكاتبة رانيا الخولي تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية

 

قراءة رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية ثنايا الروح

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة رانيا الخولي


الفصل السادس والثلاثون

الحزء الثاني 

تم النشر الإثنين  

22/9/2025

رن هاتفها فلم تلتفت إليه لا تريد التحدث مع أحد لا تريد أن تضطر لتزييف صوتها أو إخفاء ألمها.

وعندما عاد الرنين بإصرار، تطلعت إليه بضيق فتحول ضيقها إلى نحيب مكتوم عندما وجدت اسم "نغم" يضيء الشاشة. 

أختها، صديقتها، ورفيقتها في الألم.


أمسكت الهاتف بيد مرتعشة، وضغطت على زر الإجابة وخرج صوتها عبارة عن بكاء متهدج.

_ نغم...

ارتعبت نغم على الطرف الآخر من الخط عندما سمعت صوت بكائها الذي مزق هدوء الليل.

_ في إيه يا روح؟ مالك؟ صوتك ماله؟


أغمضت روح عينيها بقوة، تحاول أن تهدئ من روعها أن تستجمع شتات نفسها كي تستطيع التحدث، لكن كل محاولاتها باءت بالفشل.

_ روح حد في البيت چراله حاچة؟ جدي كويس؟ عمي؟

أخذت نفساً عميقاً شهقة مؤلمة خرجت من صدرها المثقل، وردت بصوت يقطر ألماً.

_ مالك يا نغم... مالك طلع متجوز.

ساد صمت قصير على الطرف الآخر صمت الصدمة وعدم الاستيعاب.

_ إيه؟

قالتها نغم بعدم تصديق.

_ كيف ده؟ وإمتى؟

تمتمت روح بألم وكأنها تنطق بحكم إعدامها.

_ لما كان في السفر... من سنتين تقريباً.

لم تعرف نغم ماذا تقول هي نفسها تعيش في جحيم مشابه، وتعرف جيداً مدى قسوة هذا الشعور شعور الخيانة والخذلان لكنها أيضاً، بعقليتها التي صقلتها المحن رأت الموقف من زاوية أخرى. 

رأت الظروف التي كان يمر بها مالك في تلك الفترة.

_ روح... اسمعيني لو عايزة تسمعي رأي سليم من غير تزييف ولا مچاملة، أنا موچودة، مش عايزة خلاص يا روح أنتِ حرة وده حجك.

كانت روح في أمس الحاجة لأي شيء لأي قشة تتعلق بها.

_ جولي... جولي أي حاچة المهم انها تهدي ناري.

تنهدت نغم تنهيدة طويلة تنهيدة تحمل ثقل تجربتها الخاصة.

_ أنتِ دلوجت بتجولي اللي حصل ده من سنتين يعني مالك وجتها مكنش عنده أي أمل في إنه يتچوزك. 

أنتِ كنتي مخطوبة لأخوه، يعني كنتي محرمة عليه دنيا ودين. 

وهو كان وحيد في غربة، والغربة دي كربة يا روح بتكسر أجوى الرچالة.

صمتت نغم للحظة ترتب أفكارها لتصل إلى قلب أختها الجريح.

_ فكري فيها بالعقل البنت اللي اتچوزها دي، يا إما مصرية زيه وشغالة معاه، وهي كمان في غربة وشافته لقطة زي ما بيجولوا وطبعا لجيت الطريج اللي تمشيله منه ولفت حواليه. 

يا إما واحدة من أهل البلد اللي كان فيها، وقدمتله كل الراحة والدفء اللي كان محروم منه في غربته، بعيد عن أهله وناسه. 

وهو في الأول والآخر راجل وبشر بيضعف.

كانت روح تستمع ودموعها لا تزال تنهمر لكنها بدأت تستمع حقاً كانت كلمات نغم كالمشرط الذي يجرح ليخرج الصديد.

_ أنا مش ببررله الخيانة يا روح بس بحاول أفهم معاكي. 

هو غلط وغلطته كبيرة إنه خبى عليكي. 

بس يمكن... يمكن خاف خاف يخسرك بعد ما ربنا أداكي له هدية مكنش يحلم بيها، يمكن اعتبر إن ده ماضي ومات، ومش عايز ينبش فيه عشان ميچرحكيش.

توقفت روح عن النحيب وبدأت تتنفس بعمق أكبر. 

كانت كلماتها منطقية بشكل مؤلم.

_ بس... بس الصور يا نغم... شكلهم كان...

قاطعتها نغم بحكمة.

_ الصور معمولة عشان تچرحك، وعشان توصلك بالشكل ده، اللي بعتتهم عايزة توصلك رسالة إنها كانت في حياته وإنها كانت جريبة منيه. 

دي حرب نفسية يا روح، وأنتِ لازم تكوني أجوى منيها السؤال المهم مش هو عمل إيه زمان، السؤال المهم هو عمل إيه دلوجت هل هو لسه معاها؟ هل لسه بيحبها؟ ولا هو معاكي أنتِ بجلبه وروحه؟

شعرت روح بأنها تريد أن تصدق كلام أختها تريد أن تلتمس له أي عذر.

_ هو... هو متغير بجاله فترة من وجت ما رچع من السفر باين عليه الهم والقلق يمكن... يمكن عشان الموضوع ده.

_ شفتي؟ يبجى هو كمان بيتعذب يمكن هي اللي رجعت تطارده وتهدده.

يا روح مالك بيعشق التراب اللي بتمشي عليه أنا شفت ده في عينيه. 

متخليش واحدة من الماضي تدمر كل حاچة حلوة بنيتوها. 

واجهيه، اسمعي منه، بس اسمعي بجلبك جبل عقلك اديله فرصة يدافع عن نفسه ده حج المتهم، ومالك دلوجت متهم في نظرك.

قالت نغم بقهر

_جالي وحلفلي انه ملمسهاش.

_طيب يا روح عايزة ايه تاني، وانتي خابرة زين إن مالك عمره ما كان كداب

يعني لو لمسها كان هيجولك، وده في حد ذاته قمة الوفاء

دي واحدة جدامه مجدماله كل شيء ومع ذلك رفضها، وده اكبر دليل إن مالك بيحبك ورغم ان كل حاچة كانت متاحة جدامه ورفضها يبجى ده حب هتندمي عمرك كله لو سيبتيه

فكري زين يا روح وبلاش تخسري مالك.

أغلقت روح المكالمة وهي تشعر بأن عاصفة الغضب بدأت تهدأ قليلاً لتحل محلها عاصفة أخرى من الحيرة والألم. 


لقد أعطتها نغم خيطاً رفيعاً من الأمل، ومنطقاً لتتشبث به، لم يختفِ الجرح، لكنها على الأقل أصبحت تعرف كيف ستبدأ في تضميده: بالمواجهة.


❈-❈-❈


استيقظ جاسر على إحساس بالخواء لم يكن صوتاً أو حركة ما أيقظه، بل كان غياباً مفاجئاً للدفء.

ذلك الدفء الذي كان يحيط به طوال الليل، والذي تشبث به حتى في نومه قد اختفى، وحل محله برودة الفراش الفارغ.


فتح عينيه بلهفة، قلبه يخفق بعنف يتأكد من أن ما عاشه لم يكن مجرد حلم آخر من تلك الأحلام التي طالما عذبته. 

لكن سقط قلبه في قدميه عندما لم يجدها بجواره، الفراش بجانبه كان فارغاً لا تزال عليه بصمة جسدها لكنها لم تكن هناك.


هز رأسه بنفي همساً لنفسه 

"لأ... مش ممكن"

محال أن يكون ذلك الاستسلام، تلك القبلات، ذلك الاتحاد الكامل بينهما، مجرد حلم آخر

اعتدل في فراشه بسرعة وعيناه تجوبان الغرفة المظلمة بجنون. 

ثم رأى الدليل. 

فستانها الذي كانت ترتديه ملقى بإهمال على كرسي، دليلاً ملموساً على أن ما حدث كان حقيقة.


لكن هذا الدليل أتى معه بصدمة أخرى، أكثر رعباً. 

إذا كانت الليلة حقيقية وغيابها الآن حقيقي أيضاً... فهل هربت؟ هل استغلت نومه العميق وهربت منه بعد ما عاشاه معا؟ الفكرة كانت كالصعقة الكهربائية التي ضربت جسده كله. 

ازدرد لعابه بصعوبة، وشعر بمرارة الخوف تجفف حلقه. 

أزاح عنه الغطاء بعنف ونهض لم يهتم حتى بارتداء شيء فوق بنطاله، كل ما كان يهمه هو أن يجدها.


خرج من الغرفة كالإعصار الصامت، قلبه يدق في أذنيه مستعداً للأسوأ حتى رآها.


كانت واقفة أمام الشرفة الزجاجية الكبيرة في الصالة ترتدي مئزاره الفضفاض، وشعرها البني مسترسلا كشلال من العسل البري يتلألأ مع كل حركة 

كانت تتأمل خيوط الفجر الأولى وهي تشق الظلام ولم تشعر بوجوده.


عندما رآها أغمض جاسر عينيه وأطلق زفيراً طويلاً حارقاً وشعر بأن روحه التي كانت معلقة في السماء قد عادت لجسده لم تهرب لم تتركه كانت هنا حقيقية.


لم يعي بنفسه وهو يقترب منها بخطوات شغوفة خطوات رجل تائه في الصحراء وجد واحة حياته، لم يعد قادراً على التحكم في نفسه، وصل إليها واحتضنها من الخلف محيطاً خصرها بذراعيه بقوة ضاماً إياها إلى صدره العاري بلهفة وشوق وحنين، وفوق كل ذلك بارتياح عميق كاد أن يجعله ينهار.


دفن وجهه في شعرها يستنشق رائحتها التي أصبحت إدمانه وسبب بقائه، وهمس بصوت متحشرج صوت رجل كان على حافة الهاوية، صوت أقرب للتوسل.

_ متعمليش فيا كدة تاني متبعديش عن حضني أبداً.


اندهشت نغم من حالته من قوة احتضانه التي كانت تحمل يأساً وخوفاً لم تفهمه، استدارت بين ذراعيه كي تسأله عن سبب هذا الهجوم المفاجئ لكن ما إن التفتت حتى وجدت شفتيه تطبق على شفتيها بقبلة متلهفة، متطلبة تكاد تكون عنيفة.


لم تكن قبلة حنونة كتلك التي كانت في الليلة الماضية بل كانت قبلة رجل كان على وشك أن يفقد كل شيء، قبلة يؤكد بها لنفسه ولملكيته بأن ما يعيشه حقيقة وليس حلماً، كانت قبلة تحمل كل رعبه من فقدانها كل جنونه بها.


مرة أخرى استسلمت نغم لكن هذه المرة كان استسلاماً واعياً بإرادتها الكاملة لقد رأت في هجومه هذا كل خوفه، وأدركت في تلك اللحظة أنها لن تقوى على أن تقسو عليه أكثر من ذلك. لقد أصبح قلبه مكشوفاً أمامها وهي الوحيدة التي تملك القدرة على حمايته أو تدميره.


تجاوبت معه وذراعاها التفتا حول عنقه بينما تعمقت قبلته أكثر، أصبحت أكثر جرأة وحرارة تحمل كل لهفته التي كادت أن تقتله قبل لحظات حملها من خصرها دون أن يفصل القبلة، وجعلها تجلس على الطاولة الرخامية الباردة خلفها، تعمقت صدمة البرودة مع حرارة جسده الملتصق بها مما جعلها تطلق تنهيدة طويلة داخل فمه تنهيدة استسلام لذيذ.


ابتعد عنها ليلتقط أنفاسه وعيناه الحارقتان تحدقان في عينيها كأنهما تريدان أن تحرقا صورتهما داخل روحها.

_ افتكرتك هربتي.

قالها بصوت أجش متحشرج، يفضح كل الرعب الذي شعر به.


هزت رأسها بنفي وعيناها تلمعان بمشاعر جديدة لم تعد تقاومها. 

لم يمنحها فرصة للكلام عاد ليقبلها مرة أخرى، وهذه المرة كانت قبلاته تستكشف عنقها وكتفها وهو يهمس بكلمات متقطعة كأنها قسم أبدي.

_ أنا ملكك وأنتِ ملكي... فاهمة؟ مستحيل أجدر أعيش من غيرك تاني مستحيل أسيبك تهربي مني، لإن هروبك والموت واحد لو ضعتي مني... روحي هتضيع معاكي.


كانت كلماته تحمل تملكاً مطلقاً لكنها لم تعد تخافه لقد أصبح تملكه هو الأمان الذي كانت تبحث عنه هو القيد الذي يمنحها الحرية.


ترك عنقها ليعود إلى شفتيها مرة أخرى في قبلة لا نهاية لها في منتصف الصالة، ومع بزوغ الفجر الذي كان شاهداً على نهاية حرب طويلة وبداية استسلام لذيذ لا يريدان له أن ينتهي لقد أدركت في تلك اللحظة أن هذا الرجل القوي، الجبار الذي يهابه الجميع، هو في الحقيقة أضعف الخلق أمامها وأن حبه لها هو نقطة ضعفه وقوته في آن واحد وهذا بالضبط ما جعلها تهيم به عشقاً.


❈-❈-❈


كان الليل قد أسدل ستائره على حديقة القصر، وضوء القمر الفضي يرسم ظلالاً طويلة للأشجار جلس مالك وحيداً على مقعد حجري بارد يداه متشابكتان أمامه، وعيناه تائهتان في الفراغ

لم يكن يشعر بالغضب من روح بل على العكس كان يشعر بغضب عارم تجاه نفسه.


كان مقدراً تماماً لحالتها أي امرأة مكانها تكتشف أن زوجها الذي تحبه كان متزوجاً من أخرى حتى لو كان زواجاً صورياً، سيكون هذا هو رد فعلها الطبيعي. 

الألم، الخيانة، الصدمة... كل ذلك كان حقها

لو كان يعلم لو كان يملك ذرة من علم الغيب بأن روح ستكون يوماً ما زوجته وحبيبته لما كان أقدم على تلك الخطوة الطائشة أبداً. 

لقد كانت محاولة يائسة لنسيان حب مستحيل لكنها الآن عادت لتطارده كشبح في أسعد لحظات حياته.


شعر باختناق بحاجة ماسة للتحدث مع شخص يفهمه شخص مر بظروف مشابهة وعرف معنى القرارات المعقدة. 

لم يكن هناك في العالم كله من يمكن أن يفهمه في هذه اللحظة سوى أكمل.

تردد قليلاً ثم أخرج هاتفه وضغط على اسمه.


❈-❈-❈

في شقة أكمل كان الهدوء يلف المكان. كان مستلقيا على الفراش، وصبر نائمة بعمق رأسها مستند على كتفه وأنفاسها منتظمة وهادئة، كان يمرر يده على شعرها بحنان مستمتعاً بلحظات السلام النادرة هذه. 

فجأة أضاءت شاشة هاتفه الموضوعة على الطاولة أمامه معلنة عن اتصال من "مالك".


بأقصى درجات الحرص، انحنى قليلاً ووضع وسادة مكان كتفه تحت رأس صبر دون أن يوقظها. 

نهض بهدوء وتوجه إلى الشرفة وأغلق الباب الزجاجي خلفه قبل أن يجيب.

_ أيوة يا مالك.


جاء صوت مالك متعباً ومبحوحاً من الطرف الآخر.

_ عامل إيه يا أكمل آسف لو بصحيك في وجت متأخر.


_ لا أبداً أنا صاحي خير؟ صوتك مش عاجبني.


تنهد مالك تنهيدة طويلة.

_ هي عاملة إيه دلوجت؟


فهم أكمل أنه يسأل عن صبر.

_ كويسة أمي طمنتني عليها النهاردة لولا ستر ربنا وإنك شوفتها ودليتني عليها كان زمانها...

صمت أكمل لا يريد إكمال الجملة.

شعر أكمل بأن الأمر أعمق من مجرد الاطمئنان على صبر.

_ مالك فيه إيه؟


صمت مالك للحظات كأنه يجمع شتات نفسه ليعترف بكارثته.

_ روح... عرفت.


شعر أكمل بالصدمة تجمد أطرافه.

_ عرفت؟ عرفت إيه بالظبط؟


_ كل حاجة عرفت بجوازي من سيدرا.


أغمض أكمل عينيه وشعر بغصة. 

كان يريد أن يعاتبه أن يصرخ فيه ويقول له "مش ده اللي حذرتك منه؟ مش قلتلك الماضي مسيره يظهر"

لكنه سمع الانهزام في صوت صديقه وأدرك أن هذا ليس وقت العتاب أبداً الآن هو وقت الدعم.

سأل بهدوء، محاولاً فهم حجم الكارثة.

_ عرفت إزاي؟


_ سيدرا بعتتلها كل حاچة على الواتساب صورنا مع بعض وصورة عقد الجواز العرفي.


تنهد أكمل بألم على حال صديقه.

_ اسمعني يا مالك اللي حصل حصل سيبها دلوقتي، متضغطش عليها سيبها تطلع كل اللي جواها، تصرخ، تعيط، تعمل أي حاجة ده حقها.


_ بس هي مش عايزة تشوف وشي.


_ وده طبيعي برضه سيبها تهدى لحد الصبح، وبعدين اتكلم معاها بس لما تتكلم متدافعش عن نفسك اسمع وبس لازم تتحمل كسرتها دي يا مالك، وتستوعبها هي دلوقتي مش شايفة غير إنك خدعتها، وإنها كانت مجرد بديل لواحدة تانية لازم تراعي كسرتها دي وتفضل جانبها لحد ما هي اللي تسمحلك تقرب وتداويها لله الموضوع هياخد وقت، بس أنت لازم تكون أقوى عشانها.


❈-❈-❈


بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل إلى الغرفة، ترسم ظلالاً ناعمة على الجدران. 

فتحت نغم عينيها ببطء وشعرت بدفء غير معتاد يحيط بها، استدارت برأسها لتجد نفسها وجهاً لوجه مع جاسر.


لم يكن نائماً كان مستنداً على مرفقه يراقبها في صمت، وفي عينيه نظرة لم ترها من قبل بهذا الوضوح. 

كانت نظرة حب خالصة نظرة رجل وجد كنزه المفقود، نظرة مليئة بحب كثيف وعميق لدرجة أنه بدا غير واقعي. 

كان يمرر إبهامه برقة شديدة على خدها كأنه يتأكد أنها حقيقية وليست طيفاً سيختفي مع أول ضوء.


شعرت بالخجل يغزوها وتوردت وجنتاها لم تعتد على هذا القرب، على هذه النظرة التي تجعلها تشعر بأنها مركز الكون. 

همست بصوتٍ ناعم بالكاد يُسمع

_صاحي ليه؟


ابتسم ابتسامة خفيفة ابتسامة لم تصل إلى شفتيه فقط بل أضاءت عينيه المتعبتين.

_خايف.

عقدت حاجبيها باستغراب.

_خايف؟ خايف من إيه؟

اقترب أكثر حتى كادت أنفاسه الدافئة تلفح وجهها.

_خايف أنام وأصحى أكتشف إن كل ده كان حلم وإنك مش هنا، وإن البعد اللي بينا لسة مخلصش فجولت... أشبع من الحلم ده على أد ما أجدر، جبل ما يخلص.


لمست كلماته وتراً حساساً في قلبها هذا هو جاسر القوي، الجبار يعترف بخوفه من أن يفقدها.

سألت بتردد كأنها لا تصدق ما تسمعه

_للدرجة دي؟ معجول بتحبني جوي إكدة؟

ضحك ضحكة خافتة وعميقة ضحكة هزت صدره الذي تستند عليه.

_وأكتر أكتر ما ممكن تتخيلي.


صمت للحظة وعيناه تغوصان في عينيها، كأنه يقرأ روحها.

_يمكن في البداية مكنتش شايفك كنتي مجرد بنت من عيلة عدوي بس بعد اللي حوصل... بعد ما هربتي، وبعد ما عدي مات وهو بيحاول يرچعك... بجيت عايز أعرف مين دي؟ مين الإنسانة اللي ممكن حد يعرض نفسه للخطر والموت عشانها؟


مرر يده من خدها إلى شعرها يزيح خصلة شاردة برفق.

_وبعدين... اكتشفت ده بنفسي اكتشفت إن الواحد ممكن يتخلى عن حياته وعمره كله عشانك، اكتشفت إنك مش بس تستاهلي حد يموت عشانك... لأ، أنتي تستاهلي حد يعيش عشانك.


كانت كلماته قوية صادقة تتدفق منه كشلال لم يعد قادراً على حبسه، شعرت نغم بأنها تذوب تحت وطأة هذا الحب، حب أسطوري لم تقرأ عنه إلا في الروايات. 

هل يمكن لشخص أن يحب بهذه القوة وبهذا العمق؟

رأى الحيرة والدهشة في عينيها فاقترب أكثر وقبّل جبينها قبلة طويلة ودافئة.

_متفكريش كتير مفيش منطق في اللي بحسه ليكي، كل اللي أعرفه إنك هنا في حضني، وده المكان الوحيد الصح في الدنيا كلها.


ثم بجرأة خفيفة ومعهودة انحنى وهمس في أذنها بصوتٍ أجش، صوت جعل رعشة تسري في جسدها بالكامل.

_والفجر لسة مجاش... والعالم كله نايم... وده وجتنا إحنا لوحدنا.


لم يمنحها فرصة للرد أو التفكير سحبها إليه برفق، وأنهى المسافة الأخيرة بينهما آخذاً إياها معه إلى عالمه الخاص، عالم لا وجود فيه للماضي أو المستقبل، لا وجود فيه إلا لهما، ولفجر جديد يولد من رحم حبهما.


يتبع...

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة



NextGen Digital... Welcome to WhatsApp chat
Howdy! How can we help you today?
Type here...