رواية جديدة ثنايا الروح لرانيا الخولي - الفصل 47 - جـ 2 - الأحد 28/9/2025

الفصل 47 من رواية ثنايا الروح للكاتبة رانيا الخولي تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية

 

قراءة رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية ثنايا الروح

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة رانيا الخولي


الفصل السابع والأربعون

الحزء الثاني 

تم النشر الأحد  

28/9/2025


تنهد صخر بعمق، محاولًا السيطرة على غضبه وعلى الموقف الذي بدأ يخرج عن سيطرته.


_ ومين جالك إني مش موافج بس مش دلوجت، مش وهو لسه فايج والعيون كلها عليه في المستشفى، أي حركة غبية مننا دلوجت هتفضحنا كلايتنا.


ساد صمته للحظات يفكر بسرعة، يرتب أوراقه المبعثرة.

_ اسمعني زين يا هاشم إحنا هنستنى شوية لحد ما الأمور تهدى والكل يطمن إنه بجى زين وبعدين نتصرف


_ نستنى لحد امتى أنا مش هستنى العمر كله.

قال صخر بنبرة حاسمة قاطعة، لا تقبل النقاش.

_ اديني فرصة أخيرة فرصة واحدة بس هحاول معاه للمرة الأخيرة بالطريقة السهلة لو رفض يبجى بعدها ملكش صالح بحاچة واصل، أنا اللي هتصرف بنفسي وهخلص عليه بطريجتي الخاصة طريجة تخليه يتمنى الموت وميطولوش.


ساد صمت طويل على الطرف الآخر، ثم أتاه صوت هاشم وهو يتنهد باستسلام على مضض.

_ ماشي يا صخر دي آخر فرصة ليك وليه، لو منفعتش يبقى مفيش غير الطريقة الصعبة


أغلق صخر الخط ونظر إلى مبنى المستشفى المضاء أمامه، وعلى وجهه تعابير مظلمة. 

لم يكن يخشى قتل جاسر، بل كان يخشى ما سيترتب على قتله. 

لكنه الآن أصبح محاصرًا بين ولاء قديم ووعد جديد، وبين رجل عنيد لا يتنازل عن حقه، ورجل آخر أكثر عنادًا لا يتنازل عن أرضه. 

وكان عليه أن يختار، والاختيار في كل الأحوال يعني أن الدماء ستسيل لا محالة.


❈-❈-❈


بدأت صحة جاسر ونغم تتحسن ببطء لكن بثبات، وانتقل أخيرًا من العناية المركزة إلى غرفة عادية بجوار غرفة نغم، كأنهما كوكبان يدوران في نفس الفلك المؤلم. 

خلال هذه الفترة، كان جاسر يراقب بصمت شيئًا لم يكن يتوقعه أبدًا، كان يرى عائلة الرفاعي. 

كانوا هناك دائمًا كأنهم حراس صامتون على بوابات عالمه الجديد.

وهدان بعصاه وقوته الصامتة، وسالم وحامد بأسئلتهما القلقة ومالك وسند بوجودهما الدائم الذي لا يطلب شيئًا 

كانوا يتناوبون على البقاء في المستشفى، يسألون عنه وعن نغم باستمرار. 

كان هذا الاهتمام وهذا القلق يربكانه، فهو لم يعتد على هذا النوع من الدفء العائلي منهم، لقد بنى حياته كلها على أساس العداء معهما والآن هم يعاملونه كواحد منهم، وهذا كان يزلزل كل قناعاته القديمة.


في اليوم الذي قرر فيه الطبيب خروجهما تجمع الجميع للمساعدة. 

كانت نغم قد خرجت بالفعل إلى السيارة مع والدتها وروح، وبقي هو مع الرجال. 

عندما حاول النهوض من السرير، شعر بدوار حاد وألم في جسده جعله يترنح، وكاد أن يسقط.


في لحظة واحدة ودون تفكير مد مالك وسند أيديهما إليه في نفس الوقت ليسنداه.


تجمد جاسر للحظة ونظر إلى الأيدي الممدودة نحوه. 

طوال حياته كان يرى اليد الممدودة للمساعدة على أنها دليل ضعف وكان يرفضها بكبرياء مطلق. 

كان يفضل أن يسقط ويتحطم على أن يستند على أحد. 

لكن الآن وهو ينظر إلى أيديهما الممدودة لم ير ضعفًا، بل رأى شيئًا آخر شيئًا لم يفهمه من قبل، رأى سندًا حقيقيًا رأى احتياجًا. 

لأول مرة في حياته اعترف لنفسه بأنه يحتاج للمساعدة وأن قبولها لا يعني أنه أصبح ضعيفًا.


مد يده ببطء وبتردد ووضعها في أيديهما واستند عليهما وهو يمشي بخطوات بطيئة ومؤلمة نحو خارج المستشفى وشعر بغرابة هذا الإحساس إحساس أن تكون محاطًا بمن يهتم لأمرك حقًا.


ركب في سيارة مالك بعد أن أرجع له مالك الكرسي إلى الخلف ليكون مريحًا له انطلقت السيارة في صمت لعدة دقائق، كان كل منهما يرتب أفكاره، كان جاسر ينظر من النافذة إلى الشوارع التي تبدو مختلفة، كأنه يراها لأول مرة بعد عودته من الموت ثم كسر مالك الصمت.

_ حمدلله على السلامة يا جاسر.

رد جاسر بامتنان.

_ الله يسلمك يا مالك تعبتكم معايا.

_ متجولش اكده إنت مننا وعلينا واللي حصلك ده ألمنا كلنا.


صمت جاسر وهو يستوعب معنى هذه الكلمات، شعر بها تستقر في مكان ما عميق بداخله، مكان لم يكن يعرف بوجوده. 

ثم سأل مالك عن السؤال الذي كان يشغل بال الجميع.

_ السواج اللي عمل الحادثة عرفوا يوصلوا له؟

تنهد جاسر وأشاح بوجهه نحو النافذة، كأنه يهرب من نظرات جاسر الفاحصة.

_ أكمل ماسك القضية وبيتحرى فيها

تنهد جاسر

_ مش هيوصل لحاجة.


شعر مالك بأن هناك شيئًا يخفيه جاسر، نبرة صوته كانت غريبة، نبرة من يعرف النهاية قبل أن تبدأ القصة.

_ ليه بتجول اكده؟

التفت جاسر إليه ببطء ونظر في عينيه مباشرة وكانت عيناه تحملان عمقًا مظلمًا كأنهما بئر لا قرار له.

قال بهدوء يحمل ثقلًا كبيرًا.

_ عشان الغلطة مكنتش منه هو الغلطة كانت مني أنا.

اتسعت عينا مالك بدهشة وعدم فهم.

_ منك كيف يعني؟ إنت اللي غلطت في السواج؟

هز جاسر رأسه نافيًا، وابتسامة باهتة ساخرة ارتسمت على شفتيه.

_ لأ مش جصدي اكده جصدي إن اللي حوصل ده كان بسببي أنا، هو كان مجرد أداة في إيد حد تاني، حد أنا عارفه زين.

_ ومين ده وليه مبلغتش عنيه طالما عارفه.


أعاد جاسر نظره إلى الطريق أمامه وصوته خرج متعبًا ومستسلمًا للقدر، كأنه يحمل خطايا العالم كله على كتفيه.

_ عشان مينفعش أبلغ عنه يا مالك عشان لو بلغت عنه هفتح أبواب جهنم على ناس تانية ملهاش ذنب عشان في حاچات في الماضي لو اتفتحت هتحرجنا كلايتنا.


فهم مالك من نبرته أن الموضوع أكبر وأعقد مما تخيل، وأن هناك أسرارًا قديمة. 

أدرك أن جاسر لا يحمي المجرم بل يحمي شيئًا آخر شيئًا أهم بكثير في نظره. 

لم يضغط عليه أكثر بل أكمل الطريق في صمت وهو يشعر بأن خروج جاسر من المستشفى ليس نهاية القصة بل هو مجرد بداية لفصل جديد، فصل سيكون أكثر خطورة ودموية من كل ما سبق فصل سيجبر الجميع على مواجهة ظلال ماضيهم التي اعتقدوا أنها دُفنت إلى الأبد.


وصلت السيارات أخيرًا إلى بيت الجبل المكان الذي شهد بداية العاصفة والذي سيشهد الآن فترة النقاهة والهدوء. 

نزلت ونس وليل وورح أولًا وساعدتا نغم على الدخول إلى المنزل بخطوات بطيئة وحانية كل منهما تسندها من جانب كأنها جوهرة ثمينة.


بقي الرجال مع جاسر.

فتح مالك باب السيارة وساعده سند على الخروج، كان جاسر لا يزال يشعر بالدوار والألم مع كل حركة، واستند عليهما بالكامل وهما يصعدان به درجات السلم نحو غرفته. 

كانت المهمة صعبة في الصعود على الدرج، لكنهما كانا يفعلان ذلك بصبر ودون أي تذمر.


عندما وصلا أخيرًا إلى الغرفة، ساعداه على الجلوس على حافة السرير، ثم على الاستلقاء ببطء ورفق. 

تنهد جاسر بعمق وهو يشعر بفراشه المريح تحت جسده المتألم، وأغمض عينيه للحظة.

وقف مالك وسند ينظران إليه، ثم ابتسم مالك ابتسامة واسعة وقال بنبرة مرحة وهو يرفع الغطاء ليضعه عليه.

_ نام وارتاح وبلاش تعمل فيها راچل النهاردة كفاية عليك اكده.

فتح جاسر عينيه ونظر إليه بنصف ابتسامة متعبة، فلم يجد ردًا مناسبًا على هذه الجملة المفاجئة.

وهنا تدخل سند الذي كان يقف عند الباب، وأكمل المزاح بنبرة أكثر جرأة وعينين تلمعان بالخبث.

_ سيبه يا مالك متبجاش جاطع أرزاج الموضوع ده بعد غياب طويل وحادثة موت بيبجى له طعم تاني.

انفجر مالك في الضحك بصوت عالي، بينما اتسعت ابتسامة جاسر رغمًا عنه وشعر بحمرة خفيفة تصبغ وجهه الشاحب. 

لقد كانت لحظة غريبة، لحظة من المرح الصافي والأخوة التي لم يتخيل يومًا أنه سيعيشها مع هذين الاثنين بالذات. 


لأول مرة منذ زمن طويل، لم تكن ضحكته ساخرة أو قسرية، بل كانت ضحكة حقيقية نابعة من مكان ما في قلبه كان يعتقد أنه مات منذ زمن.


هز جاسر رأسه بيأس مصطنع وهو لا يزال يبتسم.

_ إنتو الاتنين عايزين تتربوا من أول وجديد


ضحك مالك وهو يغلق الباب ببطء.


_ لما تجوم بالسلامة يا ابن خالي ابجى ربينا براحتك دلوجت نام واحلم أحلام سعيدة.


أغلق الباب وترك جاسر وحده في الغرفة، يستمع إلى صوت ضحكاتهما وهما يبتعدان في الممر، تلاشت الابتسامة عن وجهه ببطء وحل محلها تعبير معقد، تعبير رجل يكتشف لأول مرة معنى أن يكون لديه عائلة، وأن يجد في قلب العداوة القديمة رابطة أخوة لم يكن يحلم بها. 

لقد كانت هذه الضحكة وهذا المزاح البسيط أكثر فعالية من أي دواء، فقد لمست جزءًا من روحه كان في أمس الحاجة للشفاء.


❈-❈-❈


كانت نغم تجلس على أريكة واسعة في بهو البيت، محاطة بالنساء، عن يمينها جلست والدتها التي كانت تمسح على يدها بحنان لا ينتهي، وعن يسارها جلست روح التي كانت تمسك بيدها كأنها تخشى أن تختفي مرة أخرى، وبجانبهما جلست ونس التي كانت عيناها لا تفارقان نغم، ترى فيها امتدادًا لابنها الذي عاد للحياة. 

كانت أجواء الفرحة والراحة تملأ المكان، فرحة هادئة وعميقة بعودتهما سالمين.


في هذه اللحظة نزل مالك وسند من على السلم، كانا لا يزالان يضحكان ويمزحان مع بعضهما البعض بصوت خفيض، وكانت روح الأخوة الجديدة بينهما واضحة للجميع. 

عندما وصلا إلى أسفل السلم، توقفا أمام النساء.

قال مالك بابتسامة وهو ينظر إلى والدته وزوجته.

_ يلا بينا يا چماعة عشان منتأخرش أكتر من اكده كفاية عليكم تعب النهاردة.

نظرت ليل إلى نغم بتردد، لم تكن تريد أن تتركها وهي لا تزال في هذه الحالة، لم يطاوعها قلبها أن تبتعد عنها بعد أن كادت تفقدها.

_ بس يا مالك مش عايزة أسيب نغم لى حالها وهي لسه تعبانة.

التفتت نغم لها وأمسكت بيدها الأخرى، ونظرت إليها بعينين دافئتين.

_ يا أمي أنا كويسة متخافيش عليا، وأمي ونس جاعدة معايا، وبعدين لازم تروحي عشان روح وعشان بنتها اللي سايباها مع وعد ومرت عمي من الصبح زمانها جلجانة عليها.

أيدت روح كلامها رغم أنها هي الأخرى لم تكن تريد الذهاب.

_ نغم معاها حج يا أمي لازم نمشي عشان البنت وكمان عشان نطمن جدي وعمي.

بعد جدال قصير مليء بالحب والقلق، استسلمت ليل أخيرًا. 

وقفت وقبلت نغم على جبينها قبلة طويلة، ثم فعلت روح المثل، وهمست في أذنها.

_ لو عوزتي أي حاجة تكلميني في أي وجت حتى لو الفجر سامعة.

هزت نغم رأسها بابتسامة.

_ حاضر

غادرت العائلة وبقيت نغم وونس وحدهما في البيت الكبير. 

ساد صمت مريح للحظات ثم التفتت ونس إلى نغم وقالت بصوت هادئ يحمل امتنانًا عميقًا لوقفة عائلتها معهم

_متشكرة جوي يا نغم لإنك انقذتي ابني.

نظرت إليها نغم بدهشة.

_ تشكريني أنا، على إيه يما ده هو اللي أنقذني هو اللي فداني بنفسه.

هزت ونس رأسها وابتسامة حزينة على شفتيها.

_ هو أنقذ جسمك لكن إنتي أنقذتي روحه من جبلها بكتير، إنتي اللي رچعتيه للحياة من جبل الحادثة دي يا بنتي.

لم تجد نغم ما ترد به على هذه الكلمات، وشعرت لأول مرة بأنها لم تكسب زوجًا فقط، بل كسبت أمًا أخرى أيضًا.


❈-❈-❈

كانت السيارة تشق طريقها عائدة من بيت الجبل وكانت روح تجلس بجانب مالك تنظر من النافذة لكنها لا ترى شيئًا كان عقلها وقلبها لا يزالان هناك مع أختها، مع نغم التي تركتها في قلب حزنها الجديد.

شعر مالك بصمتها الثقيل وبشرودها، فمد يده ووضعها فوق يدها التي كانت ترتاح على ساقيها.

_ بتفكري في إيه؟

تنهدت روح بصوت متعب والتفتت إليه.

_ قلبي واكلني على نغم، حاسة إني مكنش المفروض أسيبها دلوقتي بالذات، هي محتاجاني جنبها.

نظر إليها مالك نظرة عميقة وهو يقول بهدوء.

_ بالعكس يا روح، وجودك هناك كان هيبقى غلط.

نظرت إليه باستغراب وعدم فهم.

_ غلط إزاي دي أختي اللي مليش غيرها وفي عز وجعها أسيبها؟

أكمل مالك بنفس الهدوء المنطقي الذي كان يغلف حبه.

_ نغم دلوقتي محتاجة لجاسر وجاسر محتاجها، هما الاتنين محتاجين لبعض عشان يداووا جرحهم سوا، وجود أي حد معاهم حتى لو أجرب الناس ليهم كان هيمنعهم من ده كان هيخليهم مش على راحتهم.

صمت للحظة ثم أكمل.

_ شوفي إنتي بنفسك حتى مرات عمي والدتها معرفتش تفضل معاها مع إنها أمها،

ليه؟ عشان نغم دلوقتي مش بنت ليل بس دي مرات جاسر وهو جوزها وسندها، وهم الاتنين بقوا مسؤولين من بعض في وجعهم قبل فرحهم لازم نسيب لهم مساحتهم الخاصة عشان يعرفوا يجفوا على رجليهم تاني سوا.


استمعت روح لكلماته واستوعبتها ببطء، لقد كان محقًا تمامًا لم تكن تفكر إلا من منطلق كونها أخت، لكنها نسيت أن نغم الآن لها حياتها الخاصة، وشريكها الذي يجب أن يواجه معها كل شيء. 

شعرت ببعض الراحة لكن القلق لم يزل بالكامل.

_ بس أنا خايفة عليها جوي يا مالك.

شد على يدها بقوة أكبر وقربها منه وقبلها برقة.

_ وأنا كمان خايف عليها وخايف عليه، بس لازم نثق فيهم وفي حبهم لبعض، حبهم هو اللي هينجيهم زى ما نجّاهم من الموت قبل سابج.

صمتت روح وهي تشعر بالهدوء يتسلل إلى قلبها بفضل كلماته ووجوده. 

لقد كان دائمًا هكذا، يرى الأمور بوضوح ومنطق يريحها ويطمئنها.

التفتت إليه وابتسمت ابتسامة خفيفة

وانتظرت حتى عادت إلى المنزل

وجدت وعد تذرع الردهة ذهاباً وإياباً وهي تحمل نورين التي تبكي بشدة

وعند رؤيتها قالت وعد من بين أسنانها

وكنتي بتعايبي على ابني؟! دي بنتك أمر، خدي.

ضحكت روح وهي تحمل طفلتها 

_انتي اللي مش بتعرفي تتعاملي معها، دي حتى هادية خالص.

دخلت ليل وسند وهي تسأل

_مالكم في ايه؟

قالت روح بغيظ

_بتجول على بنتي زنانة، تروح تشوف ابنها الأول.

أيد سند رأي روح وهو يتقدم من وعد ليحيطها بذراعه

بصراحة هي عندها حق، انا حرفياً من وقت ما جاه وأنا مش عارف أنام.

زمت وعد شفتيها بحنق

_بجى إكدة؟ ماشي أرجع بقا اوضتك القديمة نام فيها براحتك.

تركته وعد وصعدت الدرج 

فنظر سند إليهم بغيظ

_ عاجبكم إكده.

التفت إلى وعد وهي تصعد الدرج

انا بهزر يا وعد انتي مبتهزريش ولا ايه؟

ضحك الجميع وقالت روح

الخوف حلو مفيش كلام..

قال مالك وهو يتثاءب 

طيب انا هطلع انام لان بقالي اسبوع مش عارف انام زين.

اتسعت عين روح بصدمة وهي تراه يصعد الدرج دون أن يلتفت إليها.

نظرت إلى ليل وقالت بغيظ

_شايفة؟

قالت ليل بمكر قبل ان تتركها وتدلف غرفتها

_هو بيهرب عشان ينام هربي انتي منه النوم.

بدأ المكر يزحف إلى عين روح وبرأسها خطة شريرة.

نظرت إلى نور التي غفت بين ذراعيها وقالت بغيظ

يعني جاية تنامي دلوجت، فعلا بنت ابوها.

صعدت إلى غرفتها فتجد مالك بالفعل يستعد للنوم.

وضعت طفلتها في فراشها

ثم توجهت إليه 

انت هتنام بجد؟

نظر إليها بخبث

_ وانتي تعرفي عني إكدة؟ انا اجدر انام من غيرك؟

مد يده لها ليجذبها لحضنه وقال بنعاس

_ خلينا ننام شوية جبل نور ما تصحى.


_ ربنا يخليك ليا يا مالك مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك

ابتسم هو الآخر وقرب وجهه منها حتى لامست أنفاسه وجهها.

_ ويخليكي ليا يا جلب مالك وروحه

لم تكن هناك حاجة للمزيد من الكلام. اقترب منها أكثر وقبلها قبلة رقيقة، عميقة، كانت تحمل كل معاني الدعم والسند والحب. 

قبلة في منتصف الطريق، في قلب القلق كانت كفيلة بأن تذكرها بأنها مهما خافت على أختها، فهي أيضًا ليست وحدها، وأن لها سندها الخاص الذي لن يتركها أبدًا.

ثم سحب رأسها ليضعها على صدره وينامان.


❈-❈-❈


كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والهدوء يسود الشقة إلا من صوتين: صوت بكاء متقطع يأتي من غرفة النوم وصوت تقليب أوراق يُسمع من غرفة المعيشة.


كان أكمل قد عاد لتوه من مكتبه بعد يوم طويل ومرهق في النيابة. 

خلع سترته ووضعها على الأريكة وتوجه مباشرة نحو مصدر صوت البكاء وجد ابنه قاسم في سريره الصغير يتململ ويبكي بنعاس لا هو نائم ولا هو مستيقظ. 

حمله أكمل وبدأ يهدهده برفق، مستغرباً من عدم وجود صبر بجانبه.


توجه إلى غرفة المعيشة ليجدها تجلس على الأرض محاطة بتلال من الكتب والأوراق المفتوحة. 

كانت تضع رأسها بين يديها وشعرها مبعثر وملامحها يكسوها الإرهاق الشديد 

كانت تبدو كطالبة على وشك الانهيار قبل امتحان مصيري.


عندما رأته واقفاً عند الباب وهو يحمل قاسم رفعت رأسها وكانت عيناها محمرتين وعلى وشك البكاء.


قال بهدوء وهو يقترب منها

_ سيباه بيعيط لوحده ليه؟


انفجرت صبر في بكاء صامت، وبدأت دموعها تنزل بغزارة قالت بصوتٍ مخنوق يملؤه اليأس

_ مش عارفة أعمل إيه يا أكمل مش عارفة أركز.


وضع أكمل قاسم على الاريكة الكبيرة في وضع مريح بعد أن هدأ قليلاً، ثم جلس القرفصاء أمامها وأمسك بيديها الباردتين.

_ في إيه يا حبيبتي؟ مالك؟


هزت رأسها بقوة كأنها تطرد أفكارها المشتتة.

_ المواد تقيلة جوي ومحتاجة تركيز كل ما أفتح كتاب قاسم يعيط

أسيبه وأرح له وأرجع تاني أكون نسيت كل اللي جريته بحاول اذاكر وهو صاحي مش بعرف ولما بينام بكون أنا خلاص فصلت ومش قادرة أستوعب أي حاجة حاسة اني هسجط السنة دي

حاسة إني فاشلة ومش جادرة اعمل اي حاجة صح.


كانت كلماتها تخرج سريعة ومتلاحقة، تعبر عن حجم الضغط الذي تشعر به.


نظر إليها أكمل بحنان لا حدود له لم يقلل من حجم معاناتها، ولم يقل لها "انتي مكبرة الموضوع". 

بدلاً من ذلك مسح دموعها بإبهامه وقال بصوتٍ هادئ وثابت كالصخر

_ ومين قال إنك لوحدك؟


نظرت إليه بعدم فهم.

_ أنا معاكي يا صبر، ذاكري انتي وانا هخليه جانبي وانا براجع القضية دي، هي بسيطة ومش هتاخد وقت معايا ولو عيط هاخده وأخرج بيه في الصالة المهم إنتي تذاكري.


ثم أشار إلى الكتب المبعثرة حولها.

_ روحي اوضتنا واقفلي على نفسك الباب واعتبري نفسك في عالم تاني مش عايز أسمع صوتك غير لما تخلصي مذاكرة الجزء اللي حددتيه النهاردة.


وقفت صبر وهي لا تصدق ما تسمعه.

_ بس... شغلك؟ أنت أكيد تعبان وراجع متأخر.


ابتسم لها ابتسامة دافئة أذابت كل قلقها.

_ شغلي ممكن يستنى لكن حلمك... حلمك ميستناش أنا وعدتك إني هكون في ضهرك لحد ما تتخرجي وأنا عند وعدي يلا، روحي ذاكري.


نظرت إليه بعينين تفيضان بالحب والامتنان لقد كان هذا الرجل هو طوق نجاتها الدائم لم يكن زوجها فقط، بل كان شريكها وصديقها وأكبر داعم لها.


أومأت برأسها ومسحت بقية دموعها وشعرت بطاقة جديدة تسري في عروقها. 

توجهت إلى كتبها لكنها قبل أن تجلس عادت إليه وانحنت وقبلته قبلة سريعة على خده وهمست

_ بحبك.


ثم عادت إلى دراستها بتركيز وتصميم بجوارهم بينما جلس هو يراقبها بطرف عينه وفي قلبه شعور عميق بالرضا، وهو يهدهد طفلة بيد، ويحمل أوراق قضيته باليد الأخرى.

يتبع...

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة



NextGen Digital... Welcome to WhatsApp chat
Howdy! How can we help you today?
Type here...