رواية جديدة ثنايا الروح لرانيا الخولي - الخاتمة 1 - جـ 2 - السبت 4/10/2025
قراءة رواية ثنايا الروح كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ثنايا الروح
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة رانيا الخولي
الخاتمة 1
الحزء الثاني
تم النشر السبت
4/10/2025
انتفض الجميع واقفين وتوجهت أنظارهم فوراً نحو مصدر الصوت.
كان عدي الصغير، ابن سند، هو الذي يصرخ ويبكي بحرقة.
جرى سند ومالك والجميع خلفهما بقلق، ليجدوا مشهداً غريباً ومؤثراً.
كانت نور الصغيرة قد ابتعدت عنهم وهي تحبو بحماس نحو بركة مياه صغيرة في نهاية الحديقة، لم تكن تدرك الخطر بل كانت منجذبة للون الماء وحركة الطيور التي تنزل من السماء لترتوي منها، وخلفها مباشرة كان عدي الصغير ممسكاً بطرف فستانها بكل ما أوتي من قوة، يشدها بعيداً عن الماء وهو يصرخ ويبكي
لم يكن بكاء غيرة أو غضب، بل كان بكاء خوف حقيقي، خوف طفل صغير يحاول حماية أغلى ما لديه من خطر لا يفهمه تماماً لكنه يشعر به.
عندما رأى الجميع هذا المشهد، تبدد القلق وحل محله مزيج من الدهشة والحنان.
انفجروا جميعاً في ضحكات دافئة وصادقة.
تقدم مالك وحمل ابنته نور بين ذراعيه، وقبلها وهو يهدئها.
وفي نفس اللحظة حمل سند ابنه عدي الذي تشبث به وما زالت شهقات البكاء تهز جسده الصغير.
نظر مالك إلى سند بابتسامة واسعة وعينين تملؤهما المودة، وقال بصوتٍ عالي ليسمعه الجميع
_ خلاص يا چماعة أنا كدة اطمنت على بتي ليها ضهر وسند من دلوجت
ضحك سند وهو يمسح دموع ابنه ويربت على ظهره.
_ ضهر إيه بس؟ ده من أولها وبنتك مجنناه ومطلعة عينه أومال لما تكبر شوية هتعمل في الواد إيه؟
علت ضحكات العائلة مرة أخرى، وهي ترى بداية قصة حب بريئة تتشكل أمام أعينهم.
كان مشهداً أسرياً جميلاً لوحة دافئة تملؤها السعادة وتؤكد أن جذور الحب في هذه العائلة قوية، تمتد لتورثها الأجيال الجديدة، وتزهر في قلوب الصغار قبل الكبار.
بينما كانت الضحكات تملأ المكان اقتربت وعد من سند وأخذت منه عدي الصغير الذي كان لا يزال يشهق شهقات متقطعة.
ضمته إلى صدرها وقبلت رأسه الصغير.
_ خلاص يا جلبي خلاص يا بطل أنت أنقذت نور.
نظر الطفل إلى أمه بعينين دامعتين ثم نظر مرة أخرى نحو نور التي كانت بين ذراعي أبيها تنظر إليه بفضول ودهشة كأنها لا تفهم سبب كل هذه الجلبة.
اقتربت روح من مالك وهي تضحك بخفة ومررت يدها على شعر ابنتها.
_ شكلها هتتعبنا البنت دي من دلوجت.
أجابها مالك وهو يضمها إليه بذراع واحدة ويقبل رأس ابنته مرة أخرى
_ تتعبنا براحتها المهم إن ليها اللي يخاف عليها.
في تلك اللحظة تحدث الحاج وهدان بصوته العميق الذي يحمل حكمة السنين، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة صافية.
_ الحب يا ولادي رزج وزي ما الأرض بتطرح زرع، الجلوب بتطرح حب والعيال دي طرح جلوبكم
شايفين الحب اللي بينكم بيطلع فيهم إزاي من جبل حتى ما يعرفوا يتكلموا.
عم الصمت للحظات والجميع يتأملون كلمات الجد العميقة.
كانت حقيقة واضحة كالشمس فالحب الذي جمع مالك وروح بعد كل الصعاب، والحب الذي انتصر لسند ووعد، والحب الذي شق طريقه بقوة بين جاسر ونغم، كل هذا الحب كان ينسج خيوطه الآن حول الجيل الجديد.
قالت وعد وهي تبتسم وتضع يدها على بطنها التي بدأت تظهر عليها علامات الحمل بوضوح
_ ربنا يخليهم لبعض ويحميهم شكل عدي هيتعب أوي مع بنات العيلة دي.
ضحك سند الذي كان يقف بجانبها ووضع يده فوق يدها.
_ خليه يتعب، الرجالة مبتتعلمش غير لما بتتعب.
عادت العائلة لتجلس مرة أخرى، لكن الأجواء كانت أكثر دفئاً وحباً.
وضع مالك ابنته نور على العشب مرة أخرى، فما كان من عدي الصغير إلا أن نزل من حضن أمه فوراً وجلس بجانبها يراقبها عن كثب كأنه أخذ على عاتقه مهمة حمايتها بشكل رسمي.
نظر الحاج وهدان إلى هذا المشهد، إلى أحفاده وأزواجهم وأبنائهم وشعر بسلام عميق يغمر روحه.
لقد كانت هذه هي الثروة الحقيقية وهذا هو الإرث الذي سيبقى.
عائلة متماسكة يجمعها الحب، وتتوارثه الأجيال.
❈-❈-❈
كانت شمس العصر الذهبية ترسم ظلالا طويلة على أرض الإسطبل الواسعة ووقفت نغم عند السياج الخشبي تضع يديها برفق على بطنها التي استدارت وكبرت في شهرها الأخير تحمل بثقل لذيذ وعدًا بحياة جديدة.
كانت عيناها معلقتين بالرجل الذي امتلك قلبها جاسر وهو يمتطي صهوة بركان.
كان الحصان الأسود كتلة من العضلات القوية اللامعة جوهرة سوداء تتحرك بقوة ورشاقة، وعلى جسده كانت الندوب القديمة لا تزال واضحة.
خطوط فضية تحكي قصة نجاة وألم تماما مثل راكبه، كان جاسر واحدًا مع حصانه، جسده يتحرك بتناغم تام مع كل حركة لبركان كأنهما مخلوق واحد بقلبين، كان يسيطر عليه ليس باللجام والقوة بل بلغة صامتة من الثقة والاحترام المتبادل.
بإشارة خفيفة من جاسر انطلق بركان في عدو سريع
ولفت الريح شعر جاسر الأسود، وكانت الشمس تبرز قوة ملامحه الرجولية الحادة.
كانت نغم تراقبه بحب يملأ قلبها ويفيض من عينيها لم تعد ترى فيه الرجل القاسي الذي اختطفها، بل رأت الرجل الذي حارب العالم من أجلها
الرجل الذي يحمل ندوبه بفخر والذي أصبح أمانها وملاذها.
وفجأة بإشارة أخرى من جاسر توقف بركان بشكل مفاجئ، ثم انتصب على قائمتيه الخلفيتين في استعراض مهيب للقوة والسيطرة، ارتفع جسد الحصان الضخم في الهواء وجاسر عليه ثابت كجبل يمسك باللجام بيد واحدة ووجهه يحمل تعابير الثقة المطلقة، تجمدت أنفاس نغم للحظة وهي ترى هذا المشهد الذي يجسد القوة الجامحة والجمال الخطير.
بعدها هبط الحصان بهدوء على الأرض ورتب جاسر على عنقه بفخر.
قفز من على صهوته برشاقة وترك اللجام لأحد الرجال ثم توجه مباشرة نحو نغم بخطوات واثقة وعيناه لم تفارقاها للحظة.
عندما وصل إليها لم يتحدث انحنى وقبلها قبلة رقيقة على خدها ثم انزلقت يده الكبيرة الدافئة لتستقر بحنان على بطنها المنتفخة، وشعر بحركة خفيفة تحت كفه فابتسم.
_ لسه تعبانة
سألها بصوت عميق وحنون صوته الذي أصبح موسيقاها المفضلة.
هزت رأسها وابتسمت له بحب.
_ لأ الوجع بيروح وييجي أنا دلوقتي أحسن بكتير خصوصا لما بشوفك إنت وبركان.
نظر في عينيها مباشرة نظرة اخترقت روحها.
_ خايفة؟
سألها وهو يعرف الإجابة.
تنهدت بخفة.
_ شوية، فكرة إنهم اتنين وإن الولادة قربت بتخوفني.
ضمها إليه برفق محيطا إياها بذراعيه القويتين جاعلًا إياها تشعر بأنها في أكثر مكان آمن في العالم.
_ طول ما أنا بتنفس مفيش حاجة تخوفك أنا معاكي يا نغم، ومش هسيبك لحظة واحدة هندخل المستشفى مع بعض وهكون جنبك، وأول عين هيشوفوها لما ييجوا الدنيا هتكون عين أبوهم، إنتي شايلة حتتين من قلبي تفتكري ممكن أسيبك.
أغمضت عينيها واستندت برأسها على صدره العريض تستمع لنبضات قلبه القوية والمنتظمة، شعرت بالسلام يغمرها وبكل مخاوفها تتلاشى بين ذراعيه، كانت تعرف أنها ليست فقط زوجته وحبيبته، بل كانت ملكة متوجة على عرش قلبه
قلب هذا الرجل القوي كان هو وطنها الأبدي.
كان الليل هادئًا وعميقًا وضوء القمر الفضي يتسلل من النافذة ليرسم ظلالا ناعمة داخل الغرفة.
كانت نغم نائمة في حضن جاسر رأسها على صدره ويده الكبيرة تحيط بها وببطنها بحماية تامة.
فجأة وبدون سابق إنذار انتفض جسدها كمن لدغته أفعى
فتحت عينيها على ألم حاد ومفترس ألم لم تشعر بمثله من قبل، كان موجة عاتية من الوجع تجتاح جسدها وتسرق أنفاسها.
أطلقت صرخة مكتومة وحاولت أن تتحرك لكن الألم شل حركتها، أمسكت بيد جاسر التي على بطنها وضغطت عليها بكل قوتها.
_ جاسر.... جاسر.... اصحى.
قام جاسر من نومه على الفور كجندي في معركة، قفز من السرير مخضوضا ورأى وجه نغم يتلوى من الألم وعيناها مغرورقتان بالدموع.
_ نغم مالك في إيه حبيبتي؟
قالت بصوت متقطع يخنقه الوجع
_نادي على أمي بسرعة، بسرعة يا جاسر.
لم يسأل لم يجادل ركض خارج الغرفة كالإعصار وهو يصرخ باسم أمه.
عاد في ثواني ومعه ونس التي دخلت الغرفة وهي تفتح عينيها بصعوبة ووجهها يملؤه القلق.
_ خير يا بنتي مالك؟
نظرت إليها نغم بعينين متوسلتين.
_مش قادرة المرة دي صعب أوي... صعب أوي
وضعت ونس يدها الخبيرة على بطن نغم ثم نظرت إلى ابنها بحسم.
_ دي ولادة يا جاسر لازم نوديها المستشفى حالا.
قال جاسر بقلق وهو يحاول تهدئة نفسه
_ يمكن زي كل مرة ألم عادي ويروح.
صرخت فيه نغم بكل ما تبقى لها من قوة صرخة مزجت الألم بالغضب.
_ لأ مش زي كل مرة المرة دي حقيقي حقيقي يا جاسر.
كانت صرختها كافية لتخرس كل شكوكه
نظر إلى والدته بقلق وقال
_أمي لبسيها لحد ما اجهز العربية وآجي أخدها
نظرت إليه وهو يرتدي بيچامة قطنية
_هتروح المستشفى كدة.
انتبه لملابسه
ثم اسرع إلى الخزانة ليخرج ملابس له ودلف بها المرحاض.
بعد دقيقة واحدة صعد جاسر مسرعاً وفي لحظة حملها بين ذراعيه بقوة وحنان ونزل بها الدرج كالمجنون، بينما كانت ونس تجمع بعض الأغراض وتلحق بهما.
في المستشفى كانت كل لحظة تمر كأنها دهر، كانت آلام نغم تتصاعد وتيرتها وقوتها، وجاسر بجانبها لم يترك يدها لحظة واحدة.
كان وجهه شاحبا وقلبه يعتصر مع كل صرخة تطلقها، لكنه ظل صامدا وقويا من أجلها.
كانت تتألم لألمها روحه كانت تتألم معها لكنه كان داعمها الأول.
كان صخرتها التي تستند إليها في هذه العاصفة الهوجاء.
_ مش جادرة يا جاسر هموت مش هجدر أكمل.
قالتها بيأس وهي تتصبب عرقا.
أمسك وجهها بين يديه وجعلها تنظر إليه مباشرة.
_ بصيلي يا نغم بصي في عيني إنتي أجوى من كده بكتير ، إنتي مراتي وأم ولادي إنتي اللي شايلة حتتين من روحي جواكي، حياة ولادنا دلوجت بين إيديكي إنتي، إنتي اللي هتجيبيهم للدنيا دي أنا جنبك أهو مش هسيبك.
كانت كلماته كالمياه الباردة على جمر ملتهب، كانت تمنحها القوة لتستمر.
كلما شعرت بالاستسلام كان يشد على يدها ويقويها بكلامه.
_ يلا يا حبيبتي عشان خاطرهم، عشان خاطرنا إنتي جدها أنا خابر إنك جدها.
كان صوته قويا وحنونا في آن واحد، صوته الذي كان مرساة نجاتها.
كان يمسح العرق عن جبينها يهمس في أذنها بكلمات الحب والتشجيع، يتنفس معها حين تطلب منها الممرضة ذلك.
وبعد ساعات طويلة بدت كأنها عمر كامل ومع صرخة أخيرة مدوية خرج أول التوأم إلى الحياة.
صرخة صغيرة لكنها كانت أقوى من كل ضجيج العالم.
رمش جاسر بعينيه وهو يرى ابنه لأول مرة لكنه لم يترك يد نغم.
شعر برهبة لم يشعر بمثلها من قلبه
رهبة اهتز لها قلبه نظر إلى نغم التي مازالت تتألم وقال بحنو
_اتحملي عشان خاطري.
استمدت نغم قوة جديدة من رؤية طفلها، ومن كلمات جاسر، وبعد دقائق قليلة لحق به أخوه معلنا وصوله بصيحة أخرى هزت أركان الغرفة.
انتهى كل شيء انتهى الألم وحل محله شعور عارم بالحب والإرهاق والسلام
نظر جاسر إلى نغم التي كانت بالكاد تفتح عينيها وقبل جبينها المبلل بالعرق قبلة طويلة تحمل كل الامتنان والحب في العالم.
_ بحبك يا نغم بحبك يا أم ولادي.
ابتسمت ابتسامة باهتة لكنها كانت أجمل ابتسامة رآها في حياته ثم أغمضت عينيها وغطت في نوم عميق
بينما هو ظل بجانبها يمسك يدها ويراقب طفليه اللذين غيرا عالمه إلى الأبد.
❈-❈-❈
كان أكمل مستلقياً على السرير يتصفح هاتفه بملل في هدوء الليل العميق
خرجت صبر من الحمام بخطوات بطيئة كأنها تسير على زجاج مهشم
كان الخوف والتردد واضحين في كل حركة من حركاتها وفي نظرات عينيها القلقة.
اقتربت وجلست على حافة السرير بعيداً عنه.
ترك أكمل الهاتف من يده فوراً وشعر بتوترها.
ابتسم ابتسامة خفيفة وشاور لها بيده أن تأتي لترتمي في حضنه كعادتها.
_ تعالي.
لكنها لم تتحرك ظلت مكانها وأنزلت رأسها وعيناها مثبتتان على يديها اللتين كانت تخفيهما.
زاد خوفها بشكل واضح مما أثار استغرابه وقلقه.
_ صبر مالك في إيه؟
لم تجب فقط هزت رأسها بالنفي.
_ طب إيه اللي مخبياه في إيدك ده وريني.
ضغطت صبر على الشيء الذي في يدها أكثر وقالت بصوت مهزوز
_ مفيش حاجة.
لكن إصرارها هذا زاد من شكه اقترب منها ومد يده بهدوء.
_ صبر قولتلك وريني.
بعد لحظة من التردد فتحت يدها المرتعشة ببطء كان هناك جهاز بلاستيكي صغير أبيض وفي نافذته الصغيرة خطان أحمران واضحان.
أخذه أكمل من يدها وقلبه في كفه لم يفهم ما هذا
نظر إليه ثم نظر إليها.
_ إيه ده؟
ازدردت صبر ريقها بصعوبة وقالت بخوف وتردد
_ ده اختبار.
عقد حاجبيه بعدم فهم.
_ اختبار إيه؟
أخذت نفساً عميقاً كأنها تستعد للقفز من مكان شاهق.
_ اختبار حمل أنا... أنا حامل.
سقطت الكلمة في الغرفة كحجر ثقيل في بئر صامت لم يصدق ما سمعه، اتسعت عيناه وتغيرت ملامحه لكن ليس للفرح بل للقلق والانزعاج.
_ حامل إزاي؟ إنتي مش عاملة حسابك لحاجة زي دي؟
قالت بسرعة وهي تدافع عن نفسها والدموع تتجمع في عينيها
_ معرفش والله معرفش حصل إزاي، أنا منتظمة على البرشام كل يوم ومبفوتش يوم واحد.
رأى أكمل دموعها ورعبها فتغيرت ملامحه.
في الحقيقة كان فرحاً، فرحاً جداً لكن الخوف كان أكبر.
الخوف عليها مما حدث لها في الحمل الأول.
ذكرى مرضها وخطر الموت الذي كانت فيه لا تزال كالجرح المفتوح في ذاكرته.
تنهد بعمق وسحبها برفق إلى حضنه هذه المرة.
_ أنا مش زعلان عشان الحمل، أنا فرحان بس... خايف
خايف عليكي يا صبر.
شعرت بالأمان في حضنه وتشبثت به.
_ المرة دي مختلفة يا أكمل صدقني
أنا هحافظ على نفسي كويس ومش هعمل أي مجهود وإنت هتكون معايا وجنبي صح؟
قال وهو يشدد من احتضانها ويمسح على شعرها
_ طبعاً هكون جنبك بس أنا خايف عليكي.
رفعت رأسها ونظرت في عينيه مباشرة بابتسامة صغيرة متفائلة.
_ خليها على ربنا، وبكرة الصبح نروح للدكتور يطمنا ونمشي على كلامه بالحرف وادينا كلنا بقينا في بيت واحد وقاسم اغلب الوقت مع ماما يعني مفيش حمل عليا.
أومأ برأسه وقبل جبينها قبلة طويلة كان الخوف لا يزال موجوداً لكن الأمل بدأ يتسلل إلى قلبه ببطء.
❈-❈-❈
فتحت نغم عينيها ببطء شديد شعرت بثقل في جفونها وكأنها كانت نائمة لدهر كامل.
كان أول ما استقبلها هو رائحة المستشفى المميزة
حركت رأسها بصعوبة لتستكشف المكان، فوجدت نفسها في غرفة خاصة هادئة والضوء الخافت يتسلل من بين ستائر النافذة.
نظرت حولها بتعب، فوقع نظرها على الأريكة المجاورة لسريرها.
كان هناك جاسر نائما بملابسه لم يغيرها.
كان جسده منحنيا بزاوية غير مريحة على الكنبة الصغيرة، وكان شعره مبعثر في تعبير عن إرهاق عميق.
كانت يده ممسكة بطرف الغطاء الذي يغطيها كأنه حتى في نومه يرفض أن يتركها.
شعرت بفيض من الحنان يغمر قلبها وهي تراه بهذه الحالة.
مدت يدها المرتعشة ولمست ذراعه برفق.
_ جاسر
انتفض جسده وفتح عينيه على الفور
للحظة بدا تائها ثم رآها مستيقظة تنظر إليه.
في تلك الثانية تغيرت ملامحه بالكامل تبدد الإرهاق وحل محله مزيج من الفرحة واللهفة والراحة التي لا توصف.
نهض بسرعة وجلس على حافة السرير بجانبها وأمسك يدها بكلتا يديه يحاول نفض النعاس من عينيه
_ نغم حمدلله على السلامة يا روح قلبي حمدلله على السلامة.
كان صوته متقطعا ومبحوحا من قلة النوم والقلق تنهد بتعب
_ خوفتيني عليكي أوي يا نغم كنت هموت من الخوف.
ابتسمت له ابتسامة باهتة.
_ أنا كويسة الحمد لله، كانت لحظة صعبة بس .
حاولت التحرك لكنها تأوهت بألم
منعها جاسر
_خليكي مرتاحة متتحركيش.
_ الولاد فين؟
_ كويسين وزي الفل حطوهم
في الحضانة تحت الملاحظة بس صحتهم زي الحديد متخافيش.
قالها بسرعة ليطمئنها ثم عاد ليمسك وجهها بين يديه ويتأملها كأنه يراها لأول مرة.
_ المهم إنتي إنتي كويسة حاسة بحاجة وجعاكي أنادي الدكتور
هزت رأسها بالنفي وهمست
_ أنا كويسة طول ما أنت جنبي.
انحنى وقبل جبينها قبلة طويلة وعميقة تحمل كل ما في قلبه من حب وخوف وشكر.
_ أنا جنبك ومش هسيبك أبدا، إنتي أحلى وأغلى هدية ربنا بعتهالي
إنتي وولادنا غيرتوا دنيتي كلها.
ظل بجانبها يهتم بها بأدق التفاصيل
عدل لها الوسادة وغطاها جيداً ثم أحضر لها كوبا من الماء وساعدها على الشرب برفق شديد.
كان اهتمامه يفوق الوصف كأنه يتعامل مع أثمن جوهرة في الكون.
بعد فترة من الصمت المريح قالت بصوت ضعيف
_ شوفتهم
ابتسم جاسر بحب.
_ شوفتهم ومليت عيني منهم واحد نسخة منك والتاني واخد مني شوية.
_ طب هنسميهم إيه
سألت وهي تنظر إليه بترقب
أمسك يدها مرة أخرى.
_ أنا كنت بفكر في أسماء بس قولت لازم نختارها سوا، دي أول حاجة نعملها.
_ قول اللي في بالك.
_ الولد اللي شبهك كنت عايز أسميه "يامن" اليمن والبركة
و"تميم" كامل الخلق
عشان يبقى حظهم في الدنيا زي اسمهم
لمعت عينا نغم بالدموع وهي تسمع اختياراته المليئة بالحب والوفاء.
_ خلاص نسميهم يامن وتميم
ابتسم جاسر براحة وسعادة.
_ يبقى اتفقنا تميم ويامن التهامي.
ضم يدها إلى صدره وشعر بأن قلبه سيتوقف من فرط السعادة.
لقد أعطاه الله كل شيء، أعطاه حبيبته التي أصبحت زوجته، وأعطاه طفلين سيحملان اسمه ويملآن حياته.
نظر إليها مرة أخرى وهي تغمض عينيها بتعب وسلام، وأقسم في قلبه أنه سيفني عمره كله ليحافظ على هذه السعادة وعلى هذه الملكة التي توجت حياته.
يتبع

4 تعليقات