رواية جديدة رواية في فبضة فهد لهالة زين - الفصل 22 - السبت 20/12/2025

الفصل 22 من رواية في فبضة فهد للكاتبة هالة زين رواية جديدة تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية

 

قراءة رواية في قبضة فهد كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر


رواية في قبضة فهد

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة هالة زين


الفصل الثاني والعشرون 


تم النشر السبت

20/12/2025


اعتدلت  داليدا أمامه داخل السياره حيث أصبح  ظهرها مستقيم وتنظر إلي  وجهه الجامد  و قلبها يرتجف.

أصبحت تعلم  هذا الأمر الواقع المقبله عليه ، وأصبحت  تخشاه الآن .


قال آدم بصوت منخفض لكنه مشحون


آدم :  هتجوزك يا داليدا.


رفعت عينيها إليه، وفي نظرتها وجع قديم وغضب مكبوت

ثم أضافت بحسم


آدم : أنا قلتلك قبل كده اللي ما بينا انتهي يآدم ....إنسي مش أنا .....أنا عمري ما أكون زوجة تانية… مهما حصل.


اقترب ناحيتها ..لانت نبرته حاولت أن تكون هادئة، لكنها خرجت متوترة.


آدم :  إفهمي يا غبيه مش إنتي اللي تانية يا داليدا . إنتِ الأولى والأخيرة...إنتي عارفه ومتأكده الجوازة اللي اتهببتها دي كانت ليه ....الجوازة دي... مصلحة... عشان ميلا وبس.


ضحكت داليدا ضحكة قصيرة مكسورة


داليدا : مصلحة؟مصلحه ايه دي اللي تخليني كاستراحة محارب؟ ولا جايزة ترضية لحضرتك يا آدم بيه ؟ 


رفعت إصبعها نحوه، عيناها تلمعان بالدموع


داليدا : هي كلمه واحده يا آدم ...إنت اتجوزت غيري، وخلصت لحد هنا .... وقرارك  ده كان نهايتنا ...ورجعنا بقا مكان ما جينا لو سمحت ...علشان أنا متأخره وماما مستنياني .


اشتد وجه آدم، انكسرت نبرة الرجاء داخله وتحولت لحدة


آدم :  إنتي  فاكرة الموضوع كان  سهل عليا أنا كمان ...ان واحد زيي  اتجوز واحده بايعه نفسها زي بنت الفهد دي ....ولا أناسب واحده طماعه زي أمها اللي باعتلي بنتها بكام مليون ؟؟ أنا مش همشي من حياتك يا داليدا ....إنتي كنتي السبب في اللي إحنا فيه من الأول ...لو ما كنتيش كلمتي ميلا يوم موت أمها  كنت دفنتها جنب أبويا والموضوع مات وخلص من زمان...رغم إني حذرتك ...لكن انتي كلمتيها من وراي ضهري  علشان تظهري الصاحبه الوافيه الجدعه وأديكي بقيتي السبب في اللي كلنا إتحطينا وغفلقت علي الكل وأولهم أنتي...فيا هتمشي أدامي دلوقتي وأكتب عليك ..يا وديني ما هرحمك في اللي جاي .


قالت بقوة وهي تحاول أن تحمي نفسها من كل إتهاماته لها رغم أنها تعلم صحه ما يقول ...لكنها كانت لا تدري أن موضوع الثأر سيطفو علي السطح من جديد .


آدم :أنا اللي عندي قلته  وأنا مش هرجعلك يعني مش هرجعلك ....واللي إنت كسرته جوايا ما بيتصلحش بشويه تهديد .


صمت لحظة، ثم قالها ببرود أصابها في مقتل


آدم : بت إنتي ...اتعدلي وانتي بتتكلمي علشان وديني  لو ما وافقتنيش دلوقت ونزلتي ادامي … لكون خاطفك وماحدش هيعرفلك طريق جره لحد ما يبنلك صاحب أو برده توافقي علي الجواز .


تجمدت داليدا في مكانها.الدم انسحب من وجهها.


داليدا : لا بقا ..ده إنت… بتبتزني بجد وماتعرفش مين هي داليدا 


قالتها بصوت مرتجف...وهي تخفي ارتعاشه جسدها 

فاقترب أكثر، صوته صار أخفض وأخطر وهو يشير علي بطنه التي طعنته بها من قبل .


آدم : لا عارفها كويس ...بس انتي كمان ماتعرفيش مين هو آدم الشمري ..أو لسه ما جربتيش قلبته عليكي يا داليدا .


رفعت رأسها رغم الخوف، دموعها سقطت لكنها لم تنكسر

نظر إليها طويلًا،رأى فيها الفتاة التي دق قلبه لها لأول مره والمرأة التي لم يعد يستطيع السيطرة عليها.


أما داليدا....فخرجت من أمامه  من السياره بخطوات ثقيلة...تعرف أن المعركة لم تنتهِ…وأن القادم أقسى من الرفض نفسه.


اندفعت للخلف خطوة....عيناها تلمعان بالغضب لا الخوف.

كان آدم يقترب.....صوته منخفض لكنه مهدِّد، يظن أن الدائرة أُغلقت وأنها أصبحت محاصَرة.لكنها لم تنتظر.


لمحت على جانب الطريق مفتاح كوريك حديديًا ثقيلًا، التقطته بيد ثابتة على غير عادتها، وكأن كل ما انكسر بداخلها في الشهور الماضية تجمّع في تلك اللحظة.


صرخت فيه، صوتها خرج حادًا ومبحوحًا


آدم : قُلتلك لأ… ومش هتجبرني على حاجة أنا  مش عاوزة أعملها .


إرتبك آدم من جنونها ..وقبل أن يتحرك...كانت هي رفعت الأداة بكل ما أوتيت من قوة،وضربت الزجاج الأمامي للسيارة ضربة عنيفة.


تشقق الزجاج في شبكة عنكبوتية مرعبة،تبعها ضربة ثانية على المصباح الأمامي، ثم ثالثة على جانب السيارة،وكل ضربة كانت كأنها تفرغ سنوات من القهر عاشته  عاشقه له من طرف واحد .


تجمّد آدم في مكانه، لم يتوقعها...لم يتوقع أن تخرج عن السيطرة…وعن طورها كإمرأه متألمه هكذا ...فصرخت فيه وهي تلهث


داليدا : المره الجايه هتكون دماغك بدل العربيه يا آدم بيه … ولو إنك فاكرني ضعيفة أو هتنازل تبقي بتحلم .


توقف مشدوهًا أمام سيارته المحطّمة،ينظر للزجاج المكسور…

لكنه كان يعرف الحقيقة القاسية فنفخ بهدوء يحسد عليه 


آدم : لو خلصتي الهبل اللي بتعمليه ده ، وهديتي لما عجنتي العربيه كده ....إخلصي اطلعي أدامي ... المأذون مستني فوق .


زفرت بغضب وعلمت انه حقا لا مفر منه الليله فألقت الأداة أرضًا بقوة ثم ركضت.لم تلتفت خلفها،وهي تسمع صراخه باسمها و سبابه الغاضب،ركضت وكأن الأرض نفسها تدفعها للأمام.....أوقفت سياره أجره سريعا ورمت بحالها بها ...وهو عاد الي سيارته المحطمه يركل عجلاتها بحذائه وهو يقسم للإنتقام منها ...نظر أمامه وكأن الذي تحطّم لم يكن سيارته فقط،بل كرامته معها الذي لم يسبق لها أن رفضته أي أنثي علي وجه الارض.


أما داليدا،فأمرت سائق السياره أن يركض ويهرول من المكان بسرعه وقلبها يخفق بقوة، وهي مرعوبة…  للمرة الأولى منذ زمن طويل تشعر بأنها انتصرت على خوفها من العشق الممنوع.


❈-❈-❈


كان يمان يقود سيارته كمن يطارد قدره....حيث كان الطريق يمتد أمامه، لكنه لا يراه… لا يرى سوى وجه ميلا يطل عليه من كل منعطف....من كل إشارة ضوء....من كل ذكرى تحرق صدره....ضغط على المقود بقوة....حتى ابيضّت مفاصله،

وصوته الداخلي يصرخ من داخله أن يتخلي عن عشقها ..وهو يقنع حاله أنها لا شئ في حياته .


كان محرّك السياره يزأر والإسفلت ينسحب من تحته كأنه يفرّ هاربًا أما قلبه فكان يسبقه بخطوات.. يركض نحوها بلا عقل ولا حساب....لم يكن هادئًا ...كان مشتعلًا...كل ما فعله بها مرّ أمام عينيه كوميض قاسٍ....قسوته، صوته العالي، يده التي ارتفعت يومًا....ثم دموعها… تلك التي لا تنساها عينه مهما حاول.


زاد السرعة، وكأن الطريق إن لم ينتهِ سريعًا سينفجر صدره.

لم يعد يهتم بمن ينتظره أو بما سيقوله،كل ما يعرفه الآن أنه إن لم يصل إليها في هذه اللحظة، سينهار..بل كان يعلم…

أن اشتياقه لها لم يعد ضعفًا يخفيه خلف غضبه...بل صار حقيقة فاضحة...حقيقة تسوقه الآن نحوها… بلا مقاومة.


دخلت ليل بوابة فيلا الفهد بخطوات مترددة، عيناها تتحركان في المكان بقلقٍ لم تعهده من قبل....لم يكن يمان هناك… وهذا ما زاد ارتباكها.

جلست في الصالون الكبير، قبضت حقيبتها بين يديها بقوة، وكأنها تتمسك بآخر خيط أمان.فالخبر الذي تحمله ثقيل… قاتل… وقادر على إشعال حرب الثأر ثانيه .


وفي الأعلى، طرقت حنان باب الجناح بخفة.


حنان : مدام  ميلا…  الست ليل اللي كانت سكرتيره يمان بيه  برّه.... مستنيا تحت.... وبتقول عندها كلام مهم ليمان بيه .


رفعت ميلا عينيها ببطء...نظرة باردة...ثابتة… نظرة سيدة المكان لا ضيفته.....تقدّمت حنان خطوة وقالت باحترام واضح تنفيذا لاوامر يمان  


حنان : تحبي أخليها تمشي؟ ولا تستناه لما يرجع ؟ 


ساد صمت قصير.حيث ميلا أغمضت عينيها لحظة…

مرّ وجه ليل في ذاكرتها


تهديداتها … ابتزازها … صورها مع يمان … طفلها …

كم مرة بكت بسببها؟

كم مرة شعرت بالضعف والمذله والإنكسار  من تحت رأسها  ؟


فتحت عينيها… وابتسمت.

ابتسامة هادئة، لكن خلفها تشفي وانتقام بارد.


ميلا : لا… خليها تستنى.


رفعت ذقنها قليلًا وأضافت بنبرة متعمدة الهدوء.


ميلا : قوليلها المدام  نازلة حالًا....ولا أقولك سيبهالها مفاجأه...وخليها تستني 


ثم التفتت نحو خزانتها بتمهّل مقصود...اختارت ملابسها بعناية… لا عجلة، لا ارتباك.

فستان أنيق، بسيط لكنه فخم،كأنها تقول دون كلام: أنا هنا… وأنا الأقوى.


أمام المرآة، عدّلت شعرها ببطء،وضعت لمسة خفيفة من أحمر الشفاه،ثم نظرت إلى انعكاسها وقالت لنفسها همسًا


ميلا : دلوقتي الدور عليكي…أما أشوف حكايتك ايه يا بنت الكل....


وفي الأسفل، كانت ليل تتحرك في مكانها بتوتر،تنظر إلى الساعة مرة، وإلى السلم مرة أخرى،والدقائق تمر…ثقيلة… خانقة…لم تكن تعلم أن الانتظار نفسه صار أول عقاب.


نزلت ميلا الدرج بخطوات هادئة محسوبة، كأنها تهبط على عرشٍ خصص لها  لا على درجات.

توقفت ليل عن الحركة فور أن رأتها، نظرت لها نظره سريعة من أعلى لأسفل، ثم ابتست أمامها إبتسامه  مائلة مليئة بالوقاحة.


اقتربت ميلا حتى وقفت أمامها مباشرة، لم تجلس، لم تدعُها للجلوس،بل نظرت لها من فوقها لأسفلها وفقط قالت بهدوء قاتل.


ميلا : سوري اتأخرت… بس أكيد الانتظار في بيتي مش هيضايقك.


عضّت ليل على شفتها بسخرية، ثم ردت بنبرة متحدّية


ليل : ولا يهمك، أنا متعودة أستنى… خصوصًا لما أكون عارفة إن اللي جاي في الآخر بيكون لمصلحتي .


رفعت ميلا حاجبها، عيناها ثابتتان لا تهربان....وابتسمت  بخبث .


ميلا : طب والله كويس إنك عارفه انك هتستني كتير ..ويمكن عمرك يخلص قبل ما تخدي اللي إنتي عاوزاه ....ثم جلست ووضعت ساق علي الأخري وأعادت ظهرها للخلف .


ميلا : خير؟ قولي اللي عندك، واضح إنك مش جاية زيارة...وجايه علشان ترغي .


ضحكت ليل ضحكة قصيرة خالية من أي خجل، واقتربت خطوة


ليل : أنا جايه ليمان  مش ليكي خالص  ...بس مش مشكله علشان خاطرك هأقولك كلمتين تحطيهم حلقه في ودنك ...قبل ما تسمعيهم من حد تاني ..... أصل يمان بيه من يوم مراته ما ماتت وهو معايا وفحضني …و عمره ما كان مرتاح مع غيري.....إنتِ بس  مجرد مرحلة او نقدر نعتبرها نزوة… وهتعدّي ...لانك للإسف إتفرضتي عليه .


لم يتغير وجه ميلا، لكن يدها انقبضت قليلًا...حتي تابعت ليل بوقاحة أكبر.


ليل :  عارفة بيجي عندي شايل هموم الدنيا وحملها التقيل ؟ ويخرج من عندي  هادي...و بيضحك...و بينسى الدنيا كلها في حضني .....إنما إنتي بقا ؟ انتي عارفه هو إتدبس فيكي إزاي .


مالت برأسها وأضافت ببرود مستفز


ليل : قريب قوي هتطلعي من الفيلا دي…ويمان بنفسه هيطردك...وساعتها… أنا اللي هدخلها كست البيت وهدوس عليكي وأفرمك تحت رجلي .


ساد الصمت....ثانيتان… ثلاث…ثم ابتسمت ميلا...ابتسامة هادئة... باردة...لكنها  أخطر من الصراخ...وقفت واقتربت خطوة، حتى أصبحت المسافة بينهما أنفاسًا 


ميلا :  خلصتي؟


ارتبكت ليل لحظة، لكنها تماسكت...وربعت يدها علي صدرها 


ليل : لسه…لسه اللي عندي كتير أوي ....


قاطعتها ميلا بنبرة منخفضة لكنها حاسمة


ميلا : أولًا…إنتِ هنا في بيتي...واقفِة قصادي لأن أنا سمحتلك بكده .


ثم أشارت بيدها حولها

ميلا : المكان ده كله … باسمي دلوقتي.... واللي شغالين هنا كلهم شغالين عندي ...وبصراحه كده إنتي واقفة فيه ضيفة تقيلة عليه وعلي  قلب سكانه .


تقدمت أكثر، نظرتها اخترقت ليل 


ميلا : أما عن يمان…فلو كان بيحبك أو مرتاح معاكي زي ما بتقولي كان مكانك كان هيبقى هنا من زمان أوي وما كنتيش لجأتي للحيله الوسخ....ه دي علشان بس يقبل يتجوزك.


سكتت لحظة ثم أضافت بتهكم

ميلا : مش كده ولا ايه ؟.....


احمرّ وجه ليل غضبًا وصرخت بها 


ليل : إنتِ فاكرة نفسك مين.


ردت ميلا بهدوء موجع


ميلا : للأسف أنا الست اللي إنتِ بتحلمي تكوني مكانها....وتخطفي جوزها ....وأنا آخر واحدة تقدري تطلعيها من بيتها.


ثم استدارت نصف استدارة، وقالت ببرود قاتل


ميلا : حنان… وصلي مدام ليل لحد الباب....ثم نظرت لها بإشمئزاز ....مش مدام برده .


شهقت ليل بغضب وهي تقترب منها 


ليل : إنتي بتطرديني يا بتاعه إنتي ؟


التفتت ميلا، ونظرت لها نظرة أخيرة، حاسمة واقتربت منها وهي تشتبك معها وتجرها من شعرها .


ميلا : أنا مش بطردك…أنا بعلّمك حدودك يا واطيه يا خطافه  الرجاله .


في تلك اللحظه توقفت السيارة أمام الفيلا بعنف، وصوت الفرامل شقّ سكون المكان....نزل يمان بخطوات سريعة، ملامحه متجهمة، وعيناه تقدحان شررًا حيث كان صوت الجدال قد وصل إليه قبل أن يخطو داخل الباب.


دخل الصالة فوجد المشهد مشحونًا…

ميلا واقفة شامخة تعلم هذه القذره أبسط أنواع الاحترام لسيده هذا المنزل رغم الوجع المتراكم في عينيها،

وليل في مواجهتها، نبرتها عالية تحاول أن تتملص من هذه التي تفتك بها ، وقلبها يفيض شماتة.


توقف الزمن لحظة.


رفع يمان نظره، تنقّل بينهما، ثم قال بصوت منخفض لكنه قاطع.

يمان : في إيه؟ وايه اللي جابك هنا ؟


استدارت ليل فورًا نحوه، وكأنها كانت تنتظر حضوره ليرحمها من بطش هذه الفتاكه .


ليل : أنا جيت علشان أحذرك.....


قاطعها يمان بنفاد صبر


يمان : إخرسي مش عايز أسمع منك حاجه .


ثم، وبحركة مقصودة محسوبة لإثاره غيره ميلا ، التفت إلى ليل وقال بنبرة رسمية باردة


يمان : حنان ...خديها خليها  تستناني في أوضه  المكتب.


اتسعت عينا ميلا للحظة.لم يكن الأمر… عاديًا.

كانت تعرف نظرات  يمان جيدا ، وتعرف أن هذا الطلب لم يكن بريئًا.


ابتسمت ليل ابتسامة انتصار خبيثة، ونظرت لميلا نظرة مستفزة، ثم مرّت بجانبها متعمدة الاحتكاك بها قليلًا، وهمست 


ليل : يارب تكوني سمعتي؟


لم تتحرك ميلا...لكن قلبها… اشتعل... ونظرت له بغضب 


بينما سارت ليل نحو المكتب بخطوات واثقة، فيما بقيت ميلا واقفة تحاول أن تسيطر على انكسارها.


التفت يمان أخيرًا إليها.

نظرته كانت حادة، لكنها لم تكن خالية من الاضطراب.


يمان : قالتلك حاجه ضايقتك ؟


ضحكت ميلا ضحكة قصيرة موجوعة ومقدمه لما تفعله 


ميلا : لا أبدا أهانتني وقللت مني بس ...وعرفتني مكاني جوا بيتك إيه ...


اقترب خطوة، لكنّها تراجعت فورًا ووضعت أصبعها أمام وجهه محذرة .


ميلا : خليك مكانك، لو سمحت....ولو مش عاوزني أنا أخرج بره البيت  تبقي تخرجها بره حدود المكان اللي هتجبرني أعيش فيه ودلوقتي .


اقترب منها رغم اعتراضها، صوته انخفض قليلا وقال بأمر 


يمان : وطي صوتك وأطلعي الجناح لحد ما أجيلك .


نظرت نحو المكتب، ثم عادت بعينيها ثم استدارت مبتعدة بخطوات ثابتة، تبتلع دمعتها قبل أن تسقط.


وقف يمان مكانه، صدره يعلو ويهبط، غير عابئ لتهديدها الصريح بين مكتب يحتضن ليل وطريق يصعد إلى الأعلى حيث ميلا…وللمرة الأولى، أدرك أن لعبه على حبال الغيرة

قد يشعل حريقًا لا يستطيع إطفاءه.


اندفع يمان إلى المكتب كالعاصفة، وأغلق الباب خلفه بعنفٍ اهتزت له الجدران.

كانت ليل تقف قرب المكتب، ما زالت ابتسامة الانتصار معلّقة على شفتيها… لكنها تلاشت في اللحظة التي التقت فيها بعينيه.


لم يمنحها فرصة للكلام ارتفع كفّه وصفعها صفعةً دوّت في المكان،كان قلم قاسي أسكت لسانها قبل أن ينطق.


صرخت ليل، تراجعت خطوتين، لكنه أمسك بذراعها بقسوة وسحبها للخلف ، فارتطمت بالأرض، وجرّها بلا رحمة وهو يهدر بصوتٍ مخيف


يمان : بقا واحده مو....مس زيك تهين مراتي وفي قلب بيتها كمان يا بت الكل....مين إدكي الحق تهيني مراتي....أو تدخلي بيتي من الأساس ؟


حاولت أن تتكلم، أن تبرر، أن تبكي…لكن صوته كان أعلى من أن  تتفوه بحرف 


دفعها بقوة بعيدًا عنه، فوقعت أرضًا، تتنفس بصعوبة، عيناها ممتلئتان بالذعر.


اقترب منها وانحنى قليلًا، صوته منخفض لكنه مرعب


يمان :لو  فكرتي تاني بس تهوبي ناحيه الفيلا هنا  أو تقربي منها أو تنطقي اسمها على لسانك…قسَمًا بالله ما حد هيعرفلك طريق.


كانت ترتجف، عاجزة عن الرد ...وقبل أن تنطق وفجأة…

انفتح باب المكتب.


دخلت حنان بخطوات مترددة، وجهها شاحب، وصوتها مهزوز 


حنان : يمان بيه…


التفت إليها بعصبية


يمان : في إيه؟


ابتلعت ريقها وقالت بسرعة


حنان : الهانم…مدام ميلا… خرجت من الفيلا من شوية.


تجمّد يمان....سقط الغضب من عينيه، وحلّ مكانه ذهولٌ قاتل.


يمان : خرجت؟!


حنان : أيوه…البواب قالي ركبت تاكسي من أدام الفيلا ، من دقيقتين بالظبط .


لم يسمع باقي كلماتها....استدار فجأة، واندفع خارج المكتب، تاركًا ليل ملقاة على الأرض، وحنان تنظر إليه بخوف.


ركض يمان في حديقه  الفيلا، قلبه يخبط صدره بعنف.

خرج إلى الخارج، نظر يمينًا ويسارًا…لا أثر لها.


فتح باب سيارته بعنف، أدار المحرك، وانطلقت السيارة بسرعة جنونية.....لأول مرة…لم يكن يطارِد أحدًا.كان يطارِد خوفه.


خوفه من أنها هذه المرة قد لا تعود أبدا مهما فعل .


❈-❈-❈


كانت داليدا تسير بخطواتٍ متعبة، كتفاها مثقلان بكل ما مرّ بها ذلك اليوم.

الشارع القريب من منزلها بدا هادئًا على غير العادة، مصابيحه الصفراء تلقي ظلالًا طويلة على الأرض الترابيه ، والليل يضغط على صدرها بثقلٍ غريب.


أخرجت المفاتيح من حقيبتها، وبمجرد أن همّت بالدخول إلى شارعها الضيق…


توقفت سيارة سوداء فجأة أمامها.ثم ثانية…وثالثة.


انفتحت  الأبواب دفعةً واحدة....تجمّدت داليدا في مكانها، قلبها بدأ يخفق بعنف.


اقترب منها رجل بزيٍّ رسمي، صوته حازم


الضابط : إنتي بقا داليدا ؟


رفعت رأسها بتوجس


داليدا :أيوه حضرتك … في إيه


أخرج بطاقته وقال ببرودٍ قاتل


الضابط : إنتِ مطلوبة للتحقيق في قضية سرقة كبيره .


اتسعت عيناها، تراجعت خطوة للخلف


داليدا : سرقه ...سرقه ايه ؟إنتوا غلطانين… أنا مش ممكن أعمل حاجه زي دي ؟


لم يسمعوا اعتراضها.


أمسك أحدهم بذراعها، حاولت الإفلات، صوتها ارتفع مذعورًا


داليدا : سيبوني...إنتوا واخديني علي فين ؟إنتوا بتعملوا إيه؟


قال الضابط بنبرة لا تقبل النقاش


داليدا : كل الكلام ده تقوليه في القسم.


تلفّتت حولها تبحث عن وجهٍ مألوف، عن نافذة مفتوحة، عن أي شيء ينقذها…لكن الشارع كان صامتًا، كأن المدينة قررت أن تتخلى عنها في تلك اللحظة هي الأخري .


دُفعت إلى داخل السيارة بعنف و الباب أُغلق عليها  بقسوة.


جلست داليدا بين رجلين من الأمن، أنفاسها متقطعة ودموعها تنحدر بلا وعي....تمتمت بصوتٍ مكسور


داليدا : دي مؤامرة…ده حدّ قاصد يعمل فيا كده.وعقلها، دون أن يستأذنها،ذهب مباشرةً إلى اسمٍ واحد…


آدم.


انطلقت السيارة، وابتلعت الظلمة جسدها،بينما كانت الحقيقة تُنسَج لها في مكانٍ آخر…بعنايةٍ، وبقلبٍ لا يعرف الرحمة.


❈-❈-❈


لم يمر وقتٌ طويل…كان يمان يقود سيارته بجنون، الشوارع تنسحب من تحته، صدره يعلو ويهبط بعنف، واسم ميلا لا يفارقه كأنه لعنة أو صلاة.


رنّ هاتفه.


نظر إلى الشاشة…كان رقمٌ رسمي أجابهم بحدة 


يمان : لقيتوها؟ 


جاءه الصوت جافًا


الأمن :أيوه يا  يمان بيه … المدام بمنطقه عابدين  في بيت والدتها القديم....وهي موجودة هناك حاليًا.


توقف الزمن....ضغط يمان على الفرامل فجأة، حتى صرخت الإطارات، وانحرفت السيارة قليلًا قبل أن تتماسك...قبض على المقود بقوة، عروق يده برزت، وصوته خرج مبحوحًا


يمان : متأكد؟


الأمن : متأكدين يا فندم....المراقبه  رصدت دخولها في تاكسي  من حوالي عشر دقايق.


أغلق الهاتف دون كلمة أخرى....أسند رأسه إلى المقعد للحظة قصيرة…ذكريات الصباح  اندفعت كالسيل...ضحكتها مع يزيد هناك  ...دموعها وهو يوبخها ....رائحتها التي كانت تملأ المكان وصورتها التي أصبحت  بين جدران لم تعرف الأمان دونها .


أدار السيارة بعنف، غير مساره، ضغط على البنزين حتى كاد عداد السرعة يصرخ.وعيناه اشتعل بقرارٍ عودتها الذي لا رجعة فيه.


وفي بيتٍ والدتها في عابدين ..الذي أصبح  مهجورا منذ شهور 

كانت ميلا تجلس وحدها...لا تدري أن القادم إليها ليس رجلًا فقط...بل عاصفة كاملة…تحمل معها الحب.. والغضب.. والندم،

وكل ما لم يُقال.


❈-❈-❈


دخلت داليدا قسم الشرطة بخطوات مترددة، كتفاها مرفوعان عنادًا، لكن قلبها كان يخفق بعنف لا يليق بملامحها الثابتة. رائحة المكان الخانقة، الأصوات المتداخلة، ونظرات الفضول كلها كانت تضغط على صدرها، لكنها أبت أن تنكسر.


لم تمر دقائق حتى فُتح الباب بعنف...دخل آدم.


كان حضوره كافيًا ليُخمد كل الأصوات من حولها، عيناه سوداوان قاسيتان، ووجهه جامد كالصخر، لا يحمل أي ملامح للرجل الذي أحبته يومًا.


اقترب منها بخطوات محسوبة، انحنى قليلًا حتى صار صوته لا يصل إلا لأذنها، وقال بغضب ممزوج بلهجته العصبيه  الخشنة


آدم : اللعبة خلصت يا داليدا....وإعرفي إني هجيبك لو في بطن الأرض...هحفر وأجيبك واطلعك ومكانك هيبقي جنبي غصب عنك برده .


رفعت رأسها ببطء، نظرت له بتحدٍّ واضح


داليدا : إنت فاكر إنك كده هتخليني أوافق علي الهبل اللي انت عاوز تعمله ده ؟


ابتسم بسخرية جارحة، ثم أخرج هاتفه من جيبه ولوّح به أمامها.


آدم : وطي صوتك ..وابلعي لسانك


ابتلعت ريقها بصعوبه ونظرت له 


آدم :  شايفة ده؟ ملف كامل… تهمة سرقة كبيرة متفصله علي مقاسك ، شهود عيان ...وتوقيعات كلها تدينك . بكلمة مني تتحول من تحقيق بسيط لحكم يقعدك خمس ست سنين تفكري ... وهتطلعي بردوا هتلاقيني  مستنيكي بره .


إرتجفت أوصالها من لهجته التهديديه ، لكن صوتها خرج ثابتًا


داليدا : بس ده يبقي ظلم.


اقترب أكثر، صوته انخفض لكنه صار أخطر من جنون غيرته 


آدم : الظلم الحقيقي إني لسه سايبك واقفة علي رجليكي بعد ما شوفتك في حضن ابن الفهد  في المستشفي وهو بيواسيكي.. والنهارده ماشيه تتمرقي وانتي بتكلميه في التليفون ولا كأنكم حبيبه .


داليدا : الزم حدودك يا آدم  ..وإعرف إنت  بتقول ايه ؟


توقف لحظة، ثم قال بالعامية القاسية


داليدا : مش لما تلزمي حدودك انتي الأول ..وتعرفي انك علي أسم  راجل .


أغمضت عينيها بقله حيله وجلست علي المقعد من خلفها تخفي وجهها بيدها .


داليدا : أنى مش علي أسم حد 


آدم : لا ياروح أمك علي أسمي ...من يوم  البوسه فكراها ...ومن الآخر كده يا  إمّا تتجوزيني النهارده قدّام المأذون ومأمور القسم  يبقي شاهد علي جوازنا يا إمّا تطلعي من هنا على  الزنزانةوهلبسك الأساور  بإيديا وإعتبربها شبكتك لحد ما تفكري كوبس … والا وديني  مش هتشوفي الشمس تاني غير من شباكها. 


شهقت، واهتزت عيناها لأول مرة، لكن دموعها لم تسقط.


آدم : ده ابتزاز.... وأنا مش هسمحلك بده ...


وقد همست بوجع...آلم جسدها .


مال برأسه قليلًا، نظر لها كما لو كانت ملكًا ضائعًا


آدم : سميه اللي تسميه يا داليدا ...أنا مش هخرج من هنا غير وإنتي مراتي ، ومش هسيبك الا وإنتي علي إسمي .


رفعت داليدا ذقنها بعناد مكسور


داليدا : حتى لو دخلت السجن… مش هبقى مراتك.


تصلبت ملامحه، واختفت السخرية تمامًا، حلّ مكانها غضب مظلم. قال ببطء، كأنه يحفر كلماته في قلبها


آدم : السجن مش بطولة يا داليدا…والنهارده آخر فرصة ليكي تختاري...يا أنا ....يا أنا .


وساد الصمت كان صمت ثقيل....كأنه حكم للأبد …أو بداية كارثة جديدة في حياتهم .


بعد قليل تمّ الزواج…لا زفاف.... لا زغاريد... لا فستان أبيض.

فقط كانت ورقة باردة على مكتبٍ باهت في قسم الشرطة،

وضابط القسم شاهدًا صامتًا على عقدٍ كتبه كاتب القرآن  على مضض.


كانت داليدا تجلس شاردة...عيناها معلّقتان في فراغ لا نهاية له....وقلبها يوقّع قبل يدها… لكنه لم يكن موافقًا....كان فقط مُنهكًا.


خرجوا من القسم....الهواء في الخارج بدا أثقل من الداخل.


ركبت السيارة بجواره دون كلمة...وهو قاد بثبات رجل اعتاد أن يفرض واقعه على الجميع.


إستدار عائدا ثم توقّف أمام فيلا يمان الفهد...نظرت له بإستغراب ..التفت إليها وأخرج مفتاحًا من جيبه،وضعه في يدها بهدوء مفاجئ.


قال بصوت منخفض، وكأنه يمنحها هدية حياة جديده  وأشار الي فيلا صغيره بجانب فيلا الفهد 


آدم :  الفيلا اللي جنبها....جاهزة بالكامل إشتريتها إمبارح  وكتبتها  باسمك. من النهارده بقت  ملكك.


تجمّدت للحظة…ثم اتسعت عيناها....رفعت رأسها ببطء،

ونظرت إليه غير مصدّقة.


داليدا : بجد هسكن جنب ميلا 

خرجت الكلمة منها ضعيفة...خجولة....كأنها تخاف أن تكون وهمًا.


هزّ رأسه لشعوره أخيرا بسعادتها ...


آدم : أيوه… علشان تبقوا تعرفوا تتفقوا عليا كويس 


وفي تلك اللحظة…ابتسمت داليدا.ابتسامة حقيقية...نادرة...

كأن الحياة قررت فجأة أن تعتذر لها.


شعرت بشيء دافئ يعود إلى صدرها،كأن هذا المفتاح لم يفتح باب منزل  فقط ..بل فتح بابًا للأمل…للاستقلال…وللنجاة.


ظنّت ولو للحظة أنها ربما تستطيع أن تبدأ من جديد.


لكن آدم…لم يكن آدم لو تركها تفرح طويلًا.


استدار بالمقود قليلًا... عائدا بها الي منزلها ...وتحدّث بنبرة عادية جدًا....قاسية قليلا .


آدم : بالمناسبة....


توقّف لحظة..ثم ألقى القنبلة وكأنها خبر يومي عادي 


آدم : كلمي والدتك وبلغيها إني هاجي بكرة أنا ووالدتي علشان نطلب إيدك علشان  هتجوزك إنتي وأسماء… بنت عم يمان… الخميس الجاي.


سقط المفتاح من يدها.


تجمّد الزمن.....نظرت إليه بذهول،ثم ضحكت…ضحكة قصيرة مكسورة....لم تصل لعينيها.


داليدا : إنت بتقول إيه؟


❈-❈-❈


أوقف يمان سيارته على بُعد خطوات من البيت القديم، المحرّك ما زال يعمل، وصدره يعلو ويهبط بنَفَسٍ ثقيل.

انحنى أحد أفراد الأمن نحوه وقال باحترام


الأمن : باشا… ميلا هانم  جابت نجّار من شوية وغيّرت مفتاح الباب علشان كان معصلج معاها وماعرفتش تفتحه 


تصلّبت ملامح يمان، عروق رقبته برزت، وقبل أن ينطق أكمل الرجل سريعًا


الأمن : بس النجار طلع بتاعنا … وإدانا مفتاح تاني من غير ما الهانم ما تآخد بالها .


مدّ الرجل المفتاح، فخطفه يمان من يده كأنه ينتزع سلاحًا. قبض عليه بقوة حتى انغرز المعدن في راحة كفه. ثم قال ببرود قاتل 


يمان : روحوا إنتوا. 


الامن : بس يا باشا

قاطعه بنظرة واحدة

يمان : قولت امشوا...إنتوا 


تحركت السيارات، وبقي وحده… وحده تمامًا أمام البيت الذي هربت إليه، وأغلقته في وجهه.


جلس في سيارته، أطفأ المحرّك هذه المرة، وأسند رأسه إلى المقعد، عيناه لا تفارق نافذة غرفتها.وفجأة… رآه.


السمج قاسم.


كان يجلس على المقهى المقابل، سيجارته  بين أصابعه، ورأسه مرفوع، ينظر مباشرة إلى نافذة ميلا...نظرطويلة....مستمتعة… جريئة.


اشتعل شيء أسود في صدر يمان....غيرة لم يعرف لها اسمًا من قبل  ولا قانونًا يحمي أحد منه  ولا رحمة تطلب منه إذا فعلها وقتله .


يمان : آه يا بن الـ........سبه نابيه همسها بين أسنانه.


ثم قبض على المقود بقوة، كأنه يخنق عنقًا وهميًا، ومر شريط قصير في رأسه.....ميلا وحدها… غيرت المفتاح… وهناك رجل يراقب نافذتها.....نزل من السيارة فجأة، أغلق الباب بعنف، وخطى خطوتين ثم توقف....تنفّس… حاول أن يسيطر علي غيرته ....أخرج المفتاح من جيبه، نظر إليه طويلًا، ثم رفع عينيه مرة أخرى ناحية قاسم....التقت نظراتهما.


إنتبه قاسم ، توتر، حاول أن يبدو غير مكترث، لكن يمان تقدّم خطوة للأمام، نظرته وحدها كانت كافية ليخفض قاسم رأسه، ويطفئ سيجارته بسرعة.


ابتسامة باردة ارتسمت على شفتي يمان… ابتسامة لا تبشر بخير حيث استدار، وتوجه مباشرة إلى باب البيت....وقف أمامه لحظة، كأنه يمنحها آخر فرصة لا تعرف بوجودها، ثم أدخل المفتاح الجديد في القفل....أدار المفتاح بسلاسةوفتح الباب…ودخل إليها،وقد حُسم القرار.


ابتلعت ميلا ريقها بصعوبة ما إن انفتح الباب،ودخل يمان بخطوات بطيئة… ثقيلة… كأن الأرض نفسها تتراجع أمامه.


تراجعت خطوة للخلف دون وعي، ظهرها ارتطم بحافة الطاولة، وعيناها اتسعتا بخوفٍ لم تستطع إخفاءه.


توقّف يمان فجأة....كأن الزمن انكسر عند العتبة.

كانت ميلا تقف أمامه بملابس داخلية ناعمة، بسيطة لكنها قاتلة…

لم تتعمّد الاستعراض، لكن الضوء الذي لامس بشرتها، وارتباكها الواضح، جعلا المشهد ينهش أنفاسه.


ابتلع ريقه بوضوح.عيناه علقتا بها دون إذن، دون مقاومة…

حاول أن يشيح بنظره، فلم يستطع.

مرّ شريطٌ خاطف في رأسه…نظرات قاسم السمج وتلك الوقاحة الصامتة وهو يحدّق في نافذتها.


انفجر الغضب فجأة، كأن الرغبة تحوّلت نارًا.

فقال بصوت أجش، متحشرج


يمام : إنتِ فاكرة نفسك فين؟ وايه اللي إنتي لبساه ده ؟


نظرت إليه بدهشة، حاولت أن تستر نفسها بذراعيها


ميلا :  أنا… أنا كنت لوحدي....إنت إيه اللي جابك هنا وإزاي دخلت وأنا لسه مغيره الكالون .


اقترب خطوة واحدة فقط، لكنها كانت كافية ليملأ حضورُه المكان.


ميلا : مافيش باب هيمنعني عنك يا بت سعد ؟


اشتعلت عيناه وصرخ فجأة، وقد فقد السيطرة علي حاله 

ثم خفّض صوته، لكن حدّته كانت أشد


يمان : أدخلي إلبسي هدومي وإياكي وانتي في الحاره الزفت دي أشوفك لابسه كده تاني .


تصلّبت مكانها وهي ترف عينيها .


ميلا : أنا في بيتي علي فكره ...وإنت هنا ضيف ..يعني لازم تحترم نفسك مش تفضل تتأمر عليا ولا كأنك صاحب البيت كده. 


اقترب أكثر، صوته صار همسًا خطيرًا توقّف قليلا ، شدّ على فكه محاولًا كبح جماح  نفسه لم يجب فورًا...لكنه نظر إليها نظرة طويلة، مشتعلة، متناقضة… رغبة، غضب، وامتلاك.


يمان : أنا جوز صاحبه البيت ...يعني أنا كمان صاحب البيت .


ثم قال بصرامة


يمان : أخلصي 


ارتعشت يدها وهي تلتقط ثوبها....ليس خوفًا فقط…بل لأنها رأت الحقيقة أخيرًا تماما كما قالت داليدا ..هذا الرجل لا يحتمل أن يراها أحد… لأنه بالكاد يحتمل نفسه وهو ينظر إليها.وبينما أدارت ظهرها لترتدي ملابسها،وقف يمان جامدًا،

يحارب رغبة تشده إليها،وغيرة تحرقه،وخوفًا مرعبًا…

من أنه إن نظر ثانية أخري ، قد لا يستطيع التراجع.


قال بصوت منخفض لكنه مخيف


يمان : ايه اللي خلاكي تخرجي من الفيلا من غير إذني ...إنتِ فاكرة إنك تقدري تهربي مني ؟


تماسكت، واستدارت له ثم رفعت ذقنها رغم ارتجافها


ميلا  : أنا ما هربتش… أنا مشيت بإرادتي...وقلتلك لو الزفته دي ما مشيتش أنا اللي همشي .


ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي دفء، وأغلق الباب خلفه بهدوء مستفز.وهو يقترب نحوها بخطوات خطره 


يمان : إرادتك دي تبقي في الحمام ....إنما لما تكوني مراتي و تحت حمايتي، وتحت اسمي، وتحت سقف بيتي ...ما تتنفسيش غير بإذني .


صرخت، وقد خرج صوتها مكسورًا لكنه صادق


ميلا :وأنا  لو هتعاملني علي ان سجينتك ولا هتحترم وجودي وكرامتي ...مش هرجع ولو هتموتني يا يمان يافهد .


توقف أمامها مباشرة، المسافة بينهما لا تُحتمل...نظر إليها طويلًا… نظرة رجل فقد السيطرة ويحاول استعادتها بالقوة.


يمان : إنتي مراتي يا بت سعد ... ومكانك جنبي… في الفيلا من غير شروووط .


هزّت رأسها بعنف...الدموع لمعت في عينيها


ميلا : يبقي مش هرجع... حتى لو قتلتني… مش هرجع.


اشتعل الغضب في عينيه كالنار، قبض على ذراعها فجأة. 


يمان : متخلّينيش أطلع أسوأ ما فيّا.


سحبت ذراعها بقوة، دفعت صدره بكل ما أوتيت من قوة


ميلا : إبعد عني! إنت بتعاملني كده ليه ، ليه بتوجعني، ليه عاوز تكسرني … مش من حقك تجبرني أرجع.


مرر يده على وجهه بعنف، أنفاسه مضطربة، ثم قال بنبرة أقرب للتهديد


يمان : لو ما رجعتيش معايا دلوقتي… أنا مش مسؤول عن اللي هيحصلك إنتي وأهلك كلهم .


رفعت عينيها إليه بثبات موجوع


ميلا : اللي هيحصل؟ !!!!!.....اللي هيحصل  حصل خلاص. أنا اتكسرت لما واحده قذره زي ليل ذلتني في بيتك وعرفتني حجمي الحقيقي فيه ...وجيت إنت أكدتلي كلامها … مش أنا اللي هقبل إني  أرجع أعيش مكسورة تاني...ومش هعيش علشان أحمي حد تاني ..كل واحد يشيل شيلته بعيد عني ..حتي لو كان خالي . 


لحظة صمت ثقيل سقطت بينهما...هو ينظر إليها وكأنها تنزلق من بين يديه.....وهي تنظر إليه وكأنها تراه لأول مرة…بنظرات مليئه بالحب والإحتواء .


قال أخيرًا، بصوت منخفض يحمل وجعًا وغضبًا معًا


يمان : ما عاش ولا كان اللي يذل مرات يمان الفهد وهو علي وش الدنيا .


أجابت وهي تمسح دموعها وتتمسك بالأمل 


ميلا : ارجوك خلينا ننفصل بهدوء ونخرج بأقل الخساير قبل ما يضيع عمرنا وإحنا بنكسر بعض ؟


وقف مكانه، صدره يعلو ويهبط،..والبيت القديم هذا  يشهد على شجارٍ لم يكن بين رجل وامرأة فقط…بل بين قوةٍ تريد الامتلاك،وقلبٍ لم يعد يحتمل...فحين نطقت ميلا بكلمة الانفصال،انكسر شيء بدائي داخل يمان.لم يفكّر…لم يزن الامور …اندفع فقط نحوها ...قبض على ذراعها، وجذبها نحوه والتقط شفتيها بقبلة عاصفة، قاسية، مرتبكة،قبلة لم تكن شهوة خالصة بقدر ما كانت فزعًا من الفقد...تبعثرت أنفاسها...ارتبك قلبها...ودقّ شيء عميق جميل  داخلها رغم مقاومتها.


دفعت صدره بقوة


ميلا : إبعد… إبعد عني.


وانفلتت منه هربا ودخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بعجلة.


لكن قبل أن يكتمل الإغلاق…كان قد لحق بها،وضع حذائه بين الباب والحائط  ثم دفعه بقدمه  ودخل إليها. 


وقف أمامها، صدره يعلو ويهبط، عيونه تائهة على غير عادته.


قال بصوت منخفض، مبحوح بعدما عانقها ووضع مقدمه جبهته علي مقدمه جبهتها .


يمان : أنا من يوم ما دخلتي حياتي وأنا مافيش ست غيرك فيها ... فأوعي تجيبي سيره الإنفصال تاني ....لأني أنا  نفسي مش فاهم ليه فكرة إنك تبعدي عني … مخوفاني كده...


نظرت إليه، دامعة، مترددة..مصدومه من حديثه 

رفع يده، ولمس خدّها برفق هذه المرة، كأنه يخشى أن تختفي وأردف 


يمان : أنا مش بعرف أقول كلام حلو… ولا بعرف أشرح اللي جوايا....ولكنه  انحنى اليها ....وقبّلهاثانية قبلةمختلفة...هادئة...متوسلة....والاكثر صدمه لها أنها شعرت أنها صادقة خرجت من قلبه ....ودخلت علي قلبها دغدغته ... فلم تدفعه هذه المرة.


استجابت له بكل ما كابَرَت عليه طويلًا،وكأن القلوب سبقت العقول أخيرًا.


تلاشت الكلمات،وبقي القرب…وبقي العناق…وبقي دفء افتقداه منذ زمن...وفي تلك الليلة،لم يكونا خصمين،

ولا جرحين متقابلين…


كانا زوجين للمرة الأولى بحق،تشاركا سكونًا طاغيًا،

وتركَا للحب أن يقول ما عجزا عنه.


ساد الصمت بعد تلك الليلة...صمتٌ ثقيل لا يشبه الهدوء،

بل ارتباك قلبين لم يتفقا بعد على شكل ما حدث بينهما.


استفاقت ميلا قبله بقليل،فتحت عينيها على سقف الغرفة وكأنها تراه للمرة الأولى...وقلبها يخفق بعنف كلما تذكّرت كيف انتهى الليل… وكيف بدأ....تحرّكت ببطء،...شعرت بذراعه يحيط بها....أنفاسه قريبة أكثر مما تحتمل أعصابها الآن.


توترت....سحبت نفسها بحذر شديد،كأنها تفرّ من سطوته حتى وهو نائم،ثم أدارت ظهرها له،وأغمضت عينيها بقوةوتصنّعت النوم....خجلٌ دافئ صعد إلى وجنتيها ....ارتباك أنثى لم تعتد أن تكون ضعيفة هكذا أمامه.....ولا أن تستسلم ثم تستيقظ لتواجه نظراته.


فتح يمان عينيه بعد لحظات....لم يحتج كثيرًا ليعرف أنها مستيقظة....كان يعرف أنفاسها جيدًا…أقرب من أن يخدع.


نظر إلى ظهرها الصغير،إلى توتر وتشنج  كتفيها...وابتسامة خفيفة...ومتعبة....ارتسمت على شفتيه.


اقترب قليلًا لكنها شدّت الغطاء حولها أكثر...فهم الرسالة....لم يلمسها....اكتفى بأن يتمدّد على ظهره،.....عيناه معلّقتان بالسقف مثلها قبل دقائق...وقلبه يخوض معركة صامتة بين رغبة السيطره والانتقام ....ورغبة الحب والاحتواء.


همس بصوت خافت، كأنه لا يريد إيقاظها


يمان : أنا عارف انك ما بتحبيش ريحه السجاير هشرب سيجارة في البلكونه .


لم تردلكن أنفاسها هدأت قليلًا...وبين خجلها الذي احتمت به بالنوم...وتوتره الذي حاول كتمه بالصمت...بدأ شيء جديد يتشكّل ببطء....شيء لا يعرفان اسمه بعد....لكنه لم يعد حربًا فقط.


خرج يمان إلى الشرفه  بخطوات متوترة،شَعره مبعثر كفوضى رأسه،وجسده لا يزال عاريًا إلا من ملابسه الداخلية..كأن الليل لم يمنحه فرصة ليلتقط أنفاسه.


أشعل سيجارة بعصبية...سحب منها نفسًا عميقًا،

وعيناه تجوبان الشارع بلا وعي…إلى أن رآه.


قاسم.


ما زال جالسًا في المقهى المقابل،نظره معلّق بالنافذة ذاتها،

بالطابق ذاته،بالغرفه  الذي تنام   بها الآن زوجته.


اشتعل الدم في عروق يمان....شدّ فكه بقسوة...ونفث الدخان بحدّة وهو يحدّق فيه بنظرة قاتلة...نظرة لا تحتاج كلمات.


شعر قاسم بالخطر قبل أن يراه بوضوح....استدار فورًا إلى الجهة الأخرى....تظاهر بالانشغال...اتقاءً لشرّ رجل يعرف أن سطوته وغضبه لا يُمزح معه.


ظل يمان واقفًا لحظات...كأنه يتأكد أن الرسالة وصلت،

ثم أطفأ سيجارته بعنف....ودخل إلى الداخل...توجّه مباشرة إلى الغرفة....اقترب من الفراش....نظر إلى ميلا…هذه المرة كانت استسلمت حقا للنوم من التعب .


ملامحها هادئة،أنفاسها منتظمة....كأن جسدها استسلم أخيرًا بعد كل ما مرّت به.


لا ينكر أنه شعر بشيء من الارتياح....مدّ يده ليغطيها جيدًا عانقها وجذبها لصدره لينام.


وفي اللحظة التي لامس فيها رأسه  الوسادة.....أضاءت شاشه ...هاتفه .


رسالة واحدة....رقم مجهول.....فتحها…فتجمّد في مكانه من محتواها 


مليون دولار.

وإلا هتتفضح حقيقة إبنك المزيف 

وهبلغ أهل مراتك  في الصعيد إن يزيد مش ابنك…

وإنه ابن سعد العماري أخو مراتك .

وساعتها هما اللي هيخلصوا علي الولد بمعرفتهم. 


تصلّبت ملامحه....واختفى أثر النوم من عينيه تمامًا..وتحوّل جسده إلى حجر.


ضغط الهاتف بين أصابعه بقوة...حتى كاد يسحقه.


يزيد…


الطفل الذي طالما كرهه لانه يذكره بزوجته وسعد والذي ظل يحميه بجنون لمده خمس سنوات حتي لا يصل الي هذه النقطه أصبح الاسم الذي يمثّل خطًا أحمر في حياته.


مرّت الخمس سنوات أمام عينيه في صور سريعة الصعيد ....الدم…العار…والقتل الذي لا يرحم....رفع نظره ببطء إلى ميلا النائمة بجواره ،وقلبه يخوض حربًا جديدة…أخطر من كل ما سبق فهذه المرة

التهديد لم يكن له وحده...بل لزوجته الحاليه ..ولكرامه وسمعه زوجته المتوفيه وعائلته بالصعيد ...وليزيد الطفل الذي طالما كرهه ولكنه لا ينكر إهتمامه به ...و وعائله العماري بأكملها ...زفر عندما وجد الحلقه قد توسعت منه حتي  أمتدت ليشمل الصعيد بأكمله وظهور ثأر جديد علي السطح .


ارتدي ملابسه بسرعه ثم نظر الي ميلا نظرة وداع أخير وإنطلق للخارج بينما إستيقظت هي بفزع عندما أغلق الباب خلفه .

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة هالة زين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

NextGen Digital... Welcome to WhatsApp chat
Howdy! How can we help you today?
Type here...