رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 1 - الأحد 4/1/2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الأول
تم النشر الأحد
4/1/2026
تجلس في غرفتها، شاردة الذهن، تفكر في حديث زوجها معها منذ عدة أيام عن زواجه للمرة الثانية. ابتسمت بسخرية؛ فهذه المرة ستدخل الزوجة الثالثة إلى هذا المنزل. لامت نفسها بشدة، فهي من أخطأت حين سمحت له بالزواج في المرة السابقة؛ فلو أنها اتخذت موقفاً حازماً منذ البداية، لما آل بها الحال إلى ما هي عليه الآن.
لقد أحبته منذ طفولتها، فقد نشآ معاً في الحي ذاته، وحين تقدم لطلب يدها وافقت أسرتها دون تردد؛ فهو ثري ومن العائلة ذاتها، إذ إن والدها هو ابن عم والده. تنهدت بمرارة وهي تنظر إلى صورة معلقة على حائط الغرفة، تجمعها بزوجها في يوم زفافهما، وارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة.
بينما كانت غارقة في أفكارها، قطع حبل صمتها صوتُ ارتطام الباب بالحائط؛ لقد اقتحمت "سميرة" الغرفة كالعاصفة، وعيناها تطلقان شرراً من الغضب والحيرة. وقفت أمامها وهي تلهث، ثم صاحت بتهكم وضيق شديد:
ـ أنتي اتجننتي؟! إزاي توافقي بسهولة كدة إنه يتجوز التالتة علينا؟ أنتي إيه!!
نظرت إليها جيهان بهدوء قاتل، هدوء لا يعكس العاصفة التي بداخلها، بينما تابعت سميرة صراخها:
ـ اتكلمي! السكوت ده هو اللي ضيعنا.. أنتي اللي عودتيه إننا مالناش كلمة، ودلوقتي جايب لنا واحدة تالتة تشاركنا في البيت وفيه...
لم تتحرك جيهان من مكانها، بل ظلت نظراتها معلقة بالصورة القديمة على الحائط، وكأنها تستمد منها قوة باردة. ساد صمت ثقيل قبل أن تلتفت ببطء نحو سميرة، وارتسمت على وجهها ابتسامة شاحبة وهي ترد بهدوء مستفز:
ـ ودلوقتي بس افتكرتي إن لينا صوت يا سميرة؟ ما أنتي وافقتي قبلي ودخلتي البيت ده وأنا موجودة.. كنتي فين وقتها؟ ولا هي النار مابتحرقش إلا اللي بيمشي عليها؟
شحب وجه سميرة وتلعثمت الكلمات في حلقها، لكن البطلة تابعت بلهجة قاطعة:
ـ اللي وافقتي عليه مرة، هتوافقي عليه التانية والتالتة.. أنا خلاص مابقاش في قلبي مكان للوجع، روحي حاربي معاركك لوحدك، أنا شيلت إيدي من كل حاجة.
اشتعل الغيظ في صدر سميرة، ولم تتحمل برود جيهان الذي نزل عليها كالصفعة. وقفت تتأملها باستنكار، وكأنها تكتشف ضعفاً لم تكن تدرك أبعاده من قبل، ثم هتفت بصوتٍ مرتجف من شدة الانفعال:
ـ أنتي بتتنازلي عن حقوقك بسهولة يا جيهان، وعشان كدة هو استهيفك واتجوز عليكي مرة واتنين! بدل ما ترفضي وتوقفي المهزلة دي، قاعدة ساكتة وبتبتسمي؟
اقتربت منها أكثر، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الإصرار والتحدي، وتابعت بلهجة قاطعة:
ـ أنا بقى مش هسكت على حقي زيك، ولا هسمحله يدوس عليا. لو فكر بجد ينفذ كلامه ويتجوز.. يبقى يطلقني الأول! أنا مش جارية عنده زيك عشان يكدسنا في البيت وقت ما يحب!
التفتت جيهان بكامل جسدها نحو سميرة، ورمقتها بنظرةٍ باردة من الأعلى إلى الأسفل، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة تهكمية جعلت سميرة تشتعل أكثر. قالت جيهان بنبرة هادئة لكنها حادة كالمشرط:
ـ والكلام ده بتقوليهولي أنا ليه يا سميرة؟ الكلام ده تروحي تقوليه ليوسف مش ليا.. هو اللي قرر، وهو اللي هيتجوز، وهو اللي معاه مفاتيح الطلاق اللي بتطلبيها.
ثم عادت لنظرتها الأولى نحو الصورة المعلقة، وأضافت بلامبالاة قتلت ما تبقى من ثورة ضرتها:
ـ وفري طاقتك يا حبيبتي للمواجهة معاه، أنا خلاص لا بقيت بحارب، ولا بقيت بفرق بين جوازة تانية ولا تالتة.. كله محصل بعضه.
بينما كانت نيران الكلمات تشتعل بينهما، كان يوسف قد دلف إلى المنزل. وعلى درجات السلم الرخامي، تناهى إلى مسامعه صوت سميرة الحاد وهي تزمجر بكلمات التهديد والوعيد. توقفت قدماه للحظات، وشعر بدمائه تغلي في عروقه؛ فهذه السطوة التي تمارسها سميرة أمام صمت جيهان المستفز أثارت جنونه.
دفع باب الغرفة بقوة ودخل، فاصطدمت عيناه بنظرات جيهان التي لم تحرك ساكناً؛ كانت تنظر إليه بلا مبالاة قا.تلة، وكأنه غريب لا يعنيها أمره، فبالنسبة لها، لم يعد يوسف الشخص الذي أحبته يوماً، بل هو الرجل الذي قضى على روحها مرات عديدة حتى لم يعد فيها متسعٌ لطعنة جديدة.
حاول يوسف أن يبتلع غضبه، وضغط على قبضة يده محاولاً استعادة هدوئه المصطنع حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة أكثر، ثم سأل بنبرة خشنة تملؤها الريبة:
ـ إيه الحكاية؟ وليه صوتكم عالي كدة وواصل لآخر الفيلا بره؟ فيه إيه يا سميرة.. وأنتي يا جيهان قاعدة كأنك مش هنا ليه؟
انتفضت جيهان من مكانها، وتحدثت بسرعة غريبة وكأنها تحاول سد الثغرات قبل أن ينفجر البركان. لم يكن دافعها حماية يوسف أو سميرة، بل كان نفوراً تاماً من تلك الصراعات التي استنزفت عمرها منذ دخول سميرة حياتهما، وخوفاً دفيناً من الأصوات المرتفعة التي تزلزل كيانها.
رسمت على وجهها قناعاً من الهدوء الزائف وقالت بنبرة حاولت جعلها طبيعية:
ـ مفيش حاجة يا يوسف، سميرة كانت بتتكلم معايا عادي.. متهيألي الليلة ليلتها وهتبات معاها، اتكلموا سوا في أوضتكم أحسن.. ولا إيه يا سميرة؟
رمت جيهان كلماتها الأخيرة كطوق نجاة لسميرة، وفي نفس الوقت كإشارة ليوسف بأن يغادر غرفتها ويأخذ معه ضجيجه ومشاكله. نظرت لسميرة بعينين تحملان رجاءً خفياً بأن تصمت وتنسحب، لتستعيد هي عزلتها الهادئة التي تنشدها.
لم تنطلِ تلك المحاولة من جيهان على يوسف؛ فقد كان بصره يتنقل بين وجهيهما، يقرأ في عيني سميرة ناراً لم تخمد بعد، وفي عيني جيهان رغبة مستميتة في الهرب. وقف بثبات في منتصف الغرفة، وبنبرة جادة لا تقبل الجدال، وجه حديثه لسميرة دون أن يزيح نظره عن جيهان:
ـ سيبيني شوية مع جيهان يا سميرة.. اطلعي أنتي دلوقتي، وأنا جاي وراكي عشان أعرف حكايتك إيه، وأفهم إيه اللي كان موصل صوتك لآخر الشارع.
ألقت سميرة نظرة أخيرة محملة بالغل نحو جيهان، ثم زفرت بضيق وخرجت تضرب الأرض بقدميها، تاركةً خلفها صمتاً أشد وطأة من الصراخ. أغلق يوسف الباب ببطء، ثم التفت إلى جيهان التي عادت لتتجاهل وجوده وكأن شيئاً لم يكن، وسألها بنبرة منخفضة لكنها تحمل تهديداً مبطناً:
ـ هتفضلوا لغاية إمتى تداروا على بعض؟ أنتي فاكرة إن حركتك دي هتخلي الموضوع يعدي؟
انهارت جيهان بجسدها فوق الفراش، وكأنها تحمل جبالاً من التعب على كتفيها. كان التعب قد تمكن منها تماماً، فلم تعد تملك طاقة للمناورة أو الكذب. شعرت بضيق في صدرها من جدران هذا المنزل الذي تحول من "عش حب" قديم إلى ساحة معارك يومية لا تنتهي. لولا طفلتاها اللتان تنبضان في حياتها، لكانت قد رحلت وتركته خلفها يصارع أمواجه منذ سنوات بعيدة.
رفعت عينيها المجهدتين إليه، وقالت بنبرة فاترة لا تحمل أي انفعال:
ـ هداري إيه بس يا يوسف؟ مراتك زعلانه عشان عرفت إنك عاوز تتجوز عليها مرة تانية.. أظن ده حقها ولا كلامي غلط؟
صمتت للحظة، ثم أضافت وهي تشيح بوجهها عنه، وكأن رؤيته أصبحت تسبب لها ألما جسدياً:
ـ وفر كلامك يا يوسف.. أنا لا فارق معايا تتجوز ولا تطلق، أنا كل اللي محتاجاه شوية هدوء، كفاية اللي أنا فيه.
نظر إليها يوسف، وفي أعماقه غصة مريرة وهو يرى أطلال المرأة التي أحبها يوماً. غلفه حزن شديد وهو يدرك أنه هو من صاغ بيده هذا البرود الذي يغلفها الآن. عادت به الذاكرة خمس سنوات إلى الوراء، حين وقف أمام والده عاجزاً عن الرفض، وقبل بقراره في الزواج من أخرى؛ في تلك اللحظة تحديداً، ذ.بح محبته لجيهان بسـ.ـكين الطاعة العمياء، والآن، يرى الدماء تجف في عينيها.
لقد كانت هي الضحية الوحيدة في كل تلك الصراعات، هي من دفع ثمن كبريائه وثمن إرضاء عائلته، والآن ترفض حتى عتابه. اقترب منها خطوة، وانخفض صوته ليصبح أكثر انكساراً وهو يقول:
ـ عارف إني ظلمتك يا جيهان.. وعارف إن مابقاش للكلام فايدة دلوقتي. بس صدقيني، مكانش قصدي نوصل لهنا، والوضع اللي إحنا فيه غصب عني وعنك.
نظرت إليه جيهان نظرة خاطفة، لم يكن فيها عتاب ولا غضب، بل فراغ موحش، ثم ردت بكلمات مقتضبة كأنها تنهي الحكاية:
ـ كلمة "غصب عني" دي مابترجعش اللي انكـ.ـسر يا يوسف.. روح لسميرة، زمانها مستنياك، هي لسه عندها طاقة تتخانق، أنا خلاص مابقاش فيا حتة سليمة.
أشاحت بوجهها بعيداً عنه، وكأن ملامحه صارت تذكيراً يومياً بكل خساراتها. لم تعد ترغب في سماع تبريراته؛ فالكلمات لن ترمم روحاً تهدمت، ولن تعيد سنوات العمر التي ضاعت في انتظار إنصافٍ لم يأتِ أبداً. كانت تنظر إليه في صمت، وفي مخيلتها صورة واحدة لا تتغير: يوسف هو "القاضي والجلاد" في آن واحد، هو من أصدر الحكم بكسرها، وهو من نفذه ببرود تحت مسمى "النصيب" أو "إرضاء الأهل.
شعر يوسف بجدار الصمت الذي بنته حولها، وأدرك أن اعتذاراته المتأخرة لا تزيد الألم إلا اشتعالاً. انحنى ببطء، وطبع قبلة هادئة على جبينها؛ قبلة حملت كل ندمه وعجزه، ثم انسحب من الغرفة مسرعاً، وكأنه يهرب من مرآة حقيقته التي رآها في عينيها.
بمجرد أن أُغلق الباب وخلفه صدى خطواته المبتعدة، انهار ذلك القناع الجامد الذي ارتدته جيهان. انفجرت في نوبة بكاء مرير، شهقات مكتومة خرجت من أعماق قلبها لتملأ أركان الغرفة الباردة. بكت ظلماً تجرعته لسنوات، وألماً لم يترك فيها مكاناً سليماً، بكت على "جيهان" القديمة التي ضاعت بين رغبات رجل لم يعرف كيف يحافظ على قلبها.
❈-❈-❈
خطا يوسف خطواته نحو غرفة سميرة، وقلبه ما زال مثقلاً بصورة جيهان وهي تبكي. دخل الغرفة ليجد سميرة متربعة فوق الفراش، لا مبالية بوجوده، ترشقُه بنظراتٍ فاترة لم يعهدها منها. ارتسمت على ثغره ابتسامة ساخرة؛ فمنذ يومين فقط كانت سميرة تتسابق لإرضائه وتوفير سبل الراحة له، لكنها اليوم، وبمجرد أن علمت بنيته في الزواج الثالث، تبدلت تماماً وكأنها خلعت قناع الوداعة وارتدت وجه امرأة أخرى لا يعرفها.
تجاهل نظراتها المستنكرة وكأنه يهرب من صدامٍ جديد، واتجه نحو خزانة ملابسه ليبدل ثيابه الرسمية بأخرى مريحة. تحرك بآلية داخل الغرفة، ثم اتجه نحو الشرفة يستنشق هواء الليل، لكنه لم يجد الراحة التي ينشدها. فجأة، بدأت الذاكرة تعبث به؛ عادت إليه جيهان، ليس بصمتها الحالي، بل بصورتها قبل سنوات حين علمَت بأمر زواجه من سميرة. تذكر توسلاتها الحارة، ودموعها التي بللت يديه وهي تترجاه ألا يكـ.ـسر قلبها بامرأة أخرى.
وقف يوسف أمام الشرفة يراقب الأفق، وقد بدأت أشباح الماضي تطارده؛ فنظرات جيهان الحالية هي نتاج توسلاتها التي لم يُعرها اهتماماً آنذاك، وسميرة التي تزوجها "ليجد السكـ.ـينة"، هي الآن من تذيقُه مرارة القلق.
لم تحتمل سميرة صمته المستفز في الشرفة، فانتفضت من مكانها واتجهت نحوه بخطوات واثقة، وقفت أمامه مباشرة لتقطع عليه خلوته بأفكاره، ورمقته بنظراتٍ حادة كأنها تحاول اختراق جدار صمته. كان الغضب يتصاعد داخلها حتى وصل ذروته، فهتفت بنبرة جهورية مليئة بالتحدي:
ـ أنا مش موافقة على جوازك يا يوسف، والمرة دي مش زي اللي قبلها.. لو فعلاً ناوي تتجوز، يبقى تطلقني فوراً!
خيم سكون ثقيل على الشرفة بعد كلماتها، وكأن الهواء تجمد بينهما. كانت سميرة تتنفس بسرعة وهي تنتظر رده، وقد ألقت بآخر أوراقها في وجهه؛ فهي تدرك جيداً أنها ليست كجيهان التي قبلت بالأمر الواقع، ولن تسمح لنفسها بأن تكون مجرد رقم إضافي في حياة رجل يجمع النساء كقطع الأثاث.
استقبل يوسف ثورتها بنظراتٍ فاترة، برودها كان كفيلاً بأن يخرس أي كلمات قد تقال. في تلك اللحظة، أقسم في سره أن وجود أطفاله منها هو الحبل الوحيد الذي يربطها بهذا المنزل، ولولاهم لكان قد أنهى هذا العذاب منذ سنوات خلت. كانت ملامحه الجامدة تخفي خلفها بركاناً من الغيظ؛ فهو يدرك أن أي كلمة ينطق بها الآن ستكون المسمار الأخير في نعش هذا الزواج، وأنه إن فتح فمه بالرد، فستكون هذه هي ليلتها الأخيرة تحت سقفه.
لم يمنحها شرف الرد، بل تجاوزها ببرودٍ قاتل وعاد إلى داخل الغرفة. استلقى على الفراش وأغمض عينيه، محاولاً تجاهل وجودها تماماً، وكأنه ينسحب من الواقع إلى عالمٍ من الصمت الاختياري. كان جسده فوق الفراش، لكن عقله كان يتخبط في دوامة من القرارات المصيرية، بينما تركتها كلماتها المعلقة في الهواء تواجه فراغ صمته المستفز.
اندفعت سميرة خارج الغرفة، وصدرها يضيق بأنفاسها المتلاحقة؛ فقد أحرقها بروده أكثر مما أحرقها قراره بالزواج. كانت ترغب في مغادرة هذه الجدران الخانقة واللجوء إلى منزل والدها، لكنها تذكرت كلماته القاسية التي ألقاها في وجهها سابقاً حين لوحت بالرحيل؛ حين أخبرها بلهجة لا تقبل الشك أن "البنت لا تعود لبيت أهلها إلا لسبب قهري، وأن طلاقها أو تمردها هو وصمة عار ستلاحق العائلة كلها".
تجرعت مرارة عجزها، واتجهت بخطوات مثقلة نحو غرفة أطفالها. ألقت بجسدها المنهك بينهم، واستنشقت رائحتهم وكأنها تستمد منهم القوة لتواجه واقعاً لا تطيقه. لم يزرها النوم، بل ظلت تحدق في سقف الغرفة، وعقلها ينسج خططاً لا تهدأ؛ فهي ليست كجيهان، ولن ترضى بدور الزوجة المهملة أو "القديمة". أقسمت في سرها أن دخول امرأة ثالثة لهذا المنزل لن يمر بسلام، وأنها ستجد حلاً، مهما كلفها الأمر، لتمنع هذه الزيجة أو لتقلب الطاولة على الجميع.
مع أول خيوط الصباح، استيقظت جيهان كعادتها، وكأن جسدها مبرمج على العطاء رغم ذبول روحها. توجهت إلى غرفة صغيرتيها، فوجدتهما غارقتين في تفاصيل استعدادهما للمدرسة. رسمت على وجهها ابتسامة أمومة دافئة، وضمتهم إلى صدرها في عناقٍ طويل، وكأنها تستمد منهما الأكسجين لتعيش يوماً آخر في هذا السجن الكبير.
هبطت معهما إلى الأسفل، أعدت لهما طعام المدرسة وودعتهما حتى اختفى الحافلة عن الأنظار. عادت إلى الداخل، وبدأت بآلية اعتادتها منذ سنوات في تحضير إفطار يوسف؛ فرغم كل الطعنات التي تلقتها منه، كانت "جيهان" لا تعرف كيف تتخلى عن واجباتها، ويوسف بدوره كان يرفض أن تمس طعامه يدٌ غريبة، متمسكاً بهذا الرباط الأخير الذي يجمعه بها.
وبينما كانت تخرج من المطبخ وهي تضع اللمسات الأخيرة على المائدة، اصطدمت بوقوف سميرة أمامها. لم تنطق سميرة بكلمة، لكن عينيها كانتا تشتعلان بنارٍ لم يطفئها نوم الليل. نظرت سميرة إلى الأطباق المرتبة بعناية، وإلى تفاني جيهان المستفز في خدمة الرجل الذي أهانهما معاً، فشعرت بمرارة الغيظ تخنقها. وفي لحظة جنون، اندفعت نحو الطاولة، وبحركة هستيرية سحبت المفارش لتلقي بكل ما عليها من أطباق وزجاج على الأرض، ليتحول هدوء الصباح إلى صدى لارتطامٍ مدوٍّ وشظايا متناثرة في كل مكان.
يتبع
