-->

رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 2 - الأربعاء 7/1/2026

 

قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 

الفصل الثاني 

تم النشر الأربعاء 

7/1/2026



أحدث صوتُ تحطم الأطباقِ دوياً أرعبَ قلوبَ الصغار، فانتفضَ أولادُ سميرة الواقفون على الدرج وتجمدت أطرافُهم من الخوف والذهول. أما جيهان، فقد غطت أذنيها بيديها بسرعة، وكأنها تحاول حجبَ الواقعِ كله لا صوتَ الزجاجِ المتناثرِ فحسب؛ فارتفاعُ الأصواتِ كان دوماً عدوَّها الأول الذي يُفقدها توازنَها.

وسط هذا الحطام، وقفت سميرة تلهثُ غضباً، وصاحت بصوتٍ يملؤه القهر والاستنكار:

ـ كفاية بقى دور المثالية اللي عايشة فيه ده! إحنا مش خدامين عنده.. مراته الجديدة تيجي هي وتخدمه، إحنا فين كرامتنا في كل اللي بيحصل ده؟

لم تشعر سميرة بوقع خطوات يوسف الغاضبة وهي تهبط الدرج؛ فقد أعماها غيظها عن كل ما حولها. وفجأة، شعرت بيده الغليظة تجذبها من ذراعها بقوة جعلتها تترنح وتلتفت إليه، وقبل أن تنطق بكلمة واحدة، هوت كفه على وجهها بصفعة قوية دوت في أرجاء المكان، مخلفةً صمتاً مرعباً إلا من أنفاسه اللاهثة.

تراجع الأطفال للخلف وهم يرتجفون، بينما تجمدت جيهان في مكانها وهي تشاهد مشهد الانهيار الذي كانت تخشاه دائماً. اقترب يوسف من وجه سميرة، وعيناه تبرقان بشررٍ مخيف، ثم هتف بصوت حاد كالشفرة:

ـ أنا بقى اللي زهقت من طول لسانك وقلة أدبك! عاوزة تتطلقي؟ أنا موافق، والباب يفوت جمل.. بس ولادي هيفضلوا معايا هنا، ومش هتشوفي ضفر واحد فيهم.. ها، قولتي إيه؟

ساد سكونٌ خانق، وظلت سميرة ممسكة بوجهها المشتعل، تنظر إليه بصدمة لم تكن تتوقعها؛ فالمواجهة الآن لم تعد على الزوجة الثالثة، بل أصبحت معركة بقاء وانتزاع لأغلى ما تملك.

ساد صمتٌ قاتل في المكان، وكأن الزمن توقف عند تلك الكلمة القاسية التي نطقت بها سميرة. كانت نظراتها إليه مشحونة بقهرٍ لا يوصف؛ ففي تلك الصفعة، شعرت وكأن كرامتها وسنوات عمرها قد تهشمت تماماً مثل الأطباق المتناثرة حولها. تساءلت في سرها بمرارة: أكل هذا من أجل تلك الفتاة التي لم تدخل حياتهما بعد؟ من هذا الوحش الواقف أمامها الآن؟ لقد تبدل يوسف تماماً، وصار شخصاً غريباً لا تعرفه.

لكن الانكـ.ـسار في صوتها سرعان ما تحول إلى صرخة يأسٍ مدوية، حين قررت أن تضرب هي الأخرى في مقـ.ـتل، فهتفت بمرارة أذهلت الجميع:

ـ بتهددني بأولادي يا يوسف؟ ماشي.. طلقني! أنا مش عاوزاهم، ولا عاوزة أي حاجة تربطني بيك تاني.. خلي مراتك الجديدة هي اللي تربيهم وتوريني شطارتها!

وقعت كلماتها كالصاعقة على مسامع جيهان، التي شهقت بذهول وهي تنظر إلى الأطفال الواقفين في ذهول، لا يستوعبون كيف تحولوا في لحظة غضب إلى ورقة ضغط يتبرأ منها الجميع. أما يوسف، فقد تجمدت ملامحه واتسعت عيناه؛ فلم يكن يتوقع أن يصل تمرد سميرة إلى حد التخلي عن أطفالها فقط لكي تكسر تهديده.

كاد يوسف أن ينطق بكلمة الطلاق التي ستُنهي كل شيء، لكن جيهان كانت أسرع منه؛ اندفعت نحوه ووضعت يدها على فمه بقوة، وكأنها تخرس الشيطان الذي استولى على عقله. كانت ترتعش، والدموع التي حبستها طويلاً انهمرت أخيراً على وجنتيها، ليس ضعفاً، بل قهراً على أسرة تتفكك أمام عينيها. نظرت إليه وإلى سميرة بقلبٍ محطم وهتفت بصوتٍ مخنوق بالبكاء:

ـ سميرة.. اطلعي فوق دلوقتي، اطلعي أوضتك واسمعي الكلام.. وأنا شوية وهجيلك، اطلعي يا سميرة عشان خاطر ولادك اللي بيترعشوا دول.

ساد صمتٌ واجم، وتراجع يوسف خطوة للخلف وهو ينظر ليد جيهان التي كانت على فمه، ثم نظر لأطفاله الذين انكمشوا على أنفسهم فوق الدرج، وكأن صرخة جيهان كانت الإفاقة التي يحتاجونها وسط هذا الكابوس.

بينما كانت سميرة تصعد الدرج بخطوات متعثرة، التقت عيناها بأعين أطفالها المليئة بالرعب والدموع؛ انهار جدار غضبها أمام براءتهم، فاحتضنتهم بلهفة وجذبتهم معها إلى غرفتها لتغلق الباب عليهم، وكأنها تحاول حمايتهم من شظايا هذا اليوم المسموم.

في الأسفل، ساد صمتٌ موحش، صمتٌ ثقيل جعل أركان الفيلا الواسعة تبدو وكأنها مهجورة، لا حياة فيها ولا روح. وقفت جيهان أمام يوسف، كانت تنظر إليه وكأنها تراه لأول مرة، وعيناها اللتان غمرتهما الدموع تحملان مزيجاً من الخيبة والذهول. قالت بصوتٍ يرتجف حزناً وقهرًا:

ـ إنت اتجننت يا يوسف؟ بجد كنت عاوز تطلقها وتِحرمها من ولادها؟ جبت القسوة دي كلها منين.. أنا حاسة إني شايفة قدامي شخص تاني خالص غير اللي عرفته وعشت معاه سنين!

خيم السكون بينهما، وظلت كلمات جيهان تتردد في أذنه كالسياط، تذكره بأنه لم يكـ.ـسر سميرة فقط، بل كـ.ـسر ما تبقى له من صورة الرجل السند في عين جيهان.

زفر يوسف بضيق شديد، ورمق جيهان بنظرة تجمع بين العتاب والحدة، وكأن دفاعها عن سميرة قد أربك حساباته. لم يتحمل فكرة أن تظهر جيهان بمظهر الملاك بينما يظهر هو بمظهر الوحش، فقال بنبرة خشنة وهو يحاول تبرير ما فعله:

ـ أنا مفيش حد اتحداني ووقف قصادي كدة قبل كدة يا جيهان! أنا ساكت عليها وعلى طول لسانها من الصبح عشان خاطرك أنتي.. بس توصل بيها الدرجة تكـ.ـسر وتخرب في البيت؟

خطا نحوها خطوة واحدة، وعيناه تبحثان عن مبرر لغضبه في عينيها، وتابع باستنكار:

ـ إزاي بعد كل اللي عملته معاكي، وبعد ما دخلت البيت ده غصب عنك، واقفة دلوقتي بتدافعي عنها؟ هاه.. ردي عليا!

كان يحاول أن يذكّر جيهان بأن سميرة هي العدوة التي سلبتها استقرارها يوماً ما، ظناً منه أن جيهان ستقف في صفه وتدعم قسوته ضدها، لكنه لم يدرك أن جيهان تجاوزت مرحلة الأحقاد الشخصية، وأصبحت ترى فقط دماراً شاملاً يهدد الجميع.

ارتسمت على شفتي جيهان ابتسامة ساخرة، ممتزجة بمرارة سنوات من الصمت والتحمل. نظرت إليه وكأنها تنظر إلى شخص غريب لا يدرك حجم الخراب الذي زرعه بيديه. لم يكن حديثه عن سميرة وكأنها دخيلة سوى محاولة يائسة للتنصل من ذنبه، متناسياً أنه هو من فتح هذا الباب أول مرة.

قالت بنبرة هادئة، لكنها حادة كالنصل:

ـ إنت المسؤول عن وجودها هنا يا يوسف.. إنت اللي جبتها، ودلوقتي جاي تسألني بدافع عنها ليه؟

صمتت للحظة، ثم تابعت وعيناها تلمعان بدموع القهر القديم والجديد:

ـ أيوه هدافع عنها.. عارف ليه؟ لأني عيشت إحساسها ده زمان، وعارفة الوجع اللي هي عايشاه دلوقتي.. أنا جربت حرقة القلب لما تحس إن اللي شاركته عمرك قرر يبيعك بجوازة تانية، وجربت يعني إيه تكوني زيادة في بيتك. أنا مش بدافع عن سميرة كشخص، أنا بدافع عن نفسي اللي شفتها مكسورة فيها النهاردة.

تذكرت في تلك اللحظة نظرة والد يوسف، ذلك الرجل الذي كان صلباً وقاسياً معها، لكنه في أيامه الأخيرة أو في اعترافاته المتأخرة، أقر بظلمه لها؛ أخبرها أنه فعل ذلك لأجل استمرار العائلة، وهي نفس الحجة الواهية التي يستخدمها يوسف الآن ليهدم ما تبقى من أطلال.

توقفت الكلمات في حلق يوسف، وساد صمتٌ طويل وهو يتأمل وجه جيهان الذي أصبح، رغم قربه، يبدو بعيداً جداً. كانت نظراته عميقة، وكأنه يحاول العبور من خلال عينيها إلى قلبها الذي كان يعرف ممراته جيداً، لكنه اليوم وجد الأبواب موصدة والأنوار مطفأة.

لم تعد نظراتها تحمل ذلك العتاب المحب، ولا تلك الغيرة المشتعلة، بل وجد فيها زُهداً مخيفاً. في تلك اللحظة، ولأول مرة، لم يشعر يوسف بالانتصار أو السيطرة، بل شعر ببرد الوحدة يتسلل إليه وهو يدرك الحقيقة المرة: جيهان لم تعد تحبه.

هتف بجدية، وصوته يحمل نبرة منكسرة لم تعتدها هي منه:

ـ أنتي مبقتيش تحبيني يا جيهان.. صح؟ الصمت ده، ودفاعك عن سميرة، وحتى وقفتك قدامي دلوقتي.. مابقاش فيها ذرة حب ليا. أنتي بقيتي بتتعاملي معايا كأني مجرد واجب أو أبو ولادك وبس.

كان يسأل وهو يخشى الإجابة، ففقدان حب جيهان بالنسبة ليوسف يعني فقدان الملاذ الوحيد الذي كان يلجأ إليه كلما عصفت به الحياة، حتى وإن كان هو من تسبب في ضياع هذا الحب بقراراته الأنانية.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة، ابتسامة يملؤها الوجع والخيبة، ابتسامة من يرى جهود سنوات تتبخر في لحظة شكٍّ واحدة. نظرت إليه بعينين عاتبتين، وتذكرت كل مرة كسر فيها قلبها بنزواته وعادت هي لتجبره، كل مرة سامحت فيها ليس ضعفاً، بل لأنها لم تعرف لقلبها سبيلاً لغيره.

خيم الصمت للحظات، قبل أن تجيب بصوتٍ يملؤه القهر المرّ:

ـ دلوقتي بس بتسأل عن حبي يا يوسف؟ بعد كل اللي عملته، بعد ما استحملت اللي مفيش ست تطيقه، وبعد ما كنت بسامحك في كل نزوة وكل وجع عشان مابحبش غيرك.. دلوقتي بتشك في حبي؟

ضحكت بمرارة وهي تشيح بوجهها عنه، وتابعت وكأنها تخاطب نفسها:

ـ ملعون ده حب اللي يخلي كرامتي تتهان بالشكل ده، وملعون الحب اللي مخليني واقفة قدامك دلوقتي مكسورة وعايشة في عذاب ملوش آخر.. الحب اللي بتدوس عليه كل يوم بقراراتك وبقلبك اللي مبيشبعش، هو اللي مخليني لسه باقية في البيت ده.. بس الظاهر إنك فعلاً مبقتش تستاهله.

كانت كلماتها كالسياط على روحه، قاسية لدرجة أنها عرت الحقيقة التي حاول دفنها لسنوات. أدرك يوسف في تلك اللحظة أنه هو من دفعها لهذه الحافة، وهو من أحال رقتها إلى هذا الجمود. بدافع من بقايا حنين أو ربما شعور بالذنب، اقترب منها ببطء، ومد يده ليمسح دمعة فرت من عينيها، لكن جيهان لم تعد تلك المرأة التي يرضيها لمسة؛ تراجعت عنه بهدوء قاتل، حركة بسيطة لكنها كانت تعني أنها وضعت حدوداً جديّدة لن يسمح له بتخطيها.

وقف يوسف مكانه، يده معلقة في الهواء وفراغٌ كبير يسكن صدره. كان يعلم يقيناً أنها تحبه، لكنه يعلم أيضاً أنه المسؤول الأول عن ضياع هذا الحب. تذكر كيف سار مغمض العينين خلف رغبة والده، وكيف وافق على كل شيء بدعوى استمرار العائلة، دون أن يدرك أن جيهان هي الوحيدة التي دفعت ثمن هذا الاستمرار من دم قلبها وكرامتها.

ساد الصمت بينهما، صمتٌ لم يعد يقطعه سوى أنين الذكريات؛ فهو الآن أمام امرأة تحبه، لكنها لم تعد تحترم وجوده في حياتها كما كانت، وعليه الآن أن يتحمل نتائج اختياراته التي لم تكن يوماً ملكاً له وحده.

خرج يوسف من المنزل بخطوات سريعة وكأن الجدران بدأت تضيق عليه، فقد تحولت الفيلا التي بناها لتكون رمزاً لعزه وقوته إلى المصدر الأول لوجعه، كل ركن فيها صار يذكره بخيبته في عيون زوجاته وبصدمة أطفاله. رحل وهو يهرب من نظرات جيهان التي جمدت قلبه ومن صرخة سميرة التي زلزلت كيانه.

أما جيهان، فقد وقفت لحظات تستجمع شتات نفسها، مسحت بقايا دموعها وحاولت أن تستعيد قناع القوة من أجل الأطفال. صعدت الدرج بخطوات ثقيلة نحو غرفة سميرة، وهي تعلم أنها لن تجد هناك مجرد "ضرة"، بل ستجد امرأة محطمة تشبهها في الوجع، حتى وإن اختلفت الطرق.

طرقت جيهان الباب بهدوء قبل أن تفتحه، لتجد المشهد الذي فطر قلبها؛ سميرة كانت تجلس على طرف الفراش، تضُم أطفالها إليها وكأنها تخبئهم من العالم، وعلامات أصابع يوسف لا تزال واضحة على وجهها المحتقن. ساد صمتٌ طويل، لم تقطعه إلا شهقات الأطفال الصغيرة.

نظرت سميرة لجيهان بنظرة تائهة، وكأنها تسألها: 

ـ إيه اللي حصل لنا؟ 

بينما اقتربت جيهان وجلست في صمت بجانبهما، لتمتد يدها وتمسح على رأس أصغر الأبناء، وقالت بصوت هادئ ومكسور:

ـ خلاص يا سميرة.. مشي. اهدي عشان خاطر العيال، هما ملهمش ذنب يشوفوا كل ده.

ساد صمت طويل في الغرفة، صمت لا يشبه الهدوء، بل كان كالصمت الذي يسبق العاصفة. كانت سميرة تنظر للفراغ بعينين جافتين تماماً من الدموع، وكأن الصفعة لم تجفف مآقيها فحسب، بل جففت كل المشاعر الرقيقة التي كانت تحملها ليوسف.

ضمت أطفالها بقوة أكبر، وكأنها تستمد منهم القوة لتتحول إلى سميرة أخرى لم يعرفها أحد من قبل. أدركت في تلك اللحظة أن طيبتها وصراخها وخوفها لم يحموها، بل جعلوا يوسف يستبيح كرامتها ويهينها أمام صغارها، وهذا تحديداً هو الخط الذي لا يمكن الرجوع عنه.

التفتت لجيهان، ولم تكن نظرتها نظرة انكسار هذه المرة، بل كانت نظرة باردة وحادة، وقالت بصوت هادئ بشكل مخيف:

ـ خلاص يا جيهان.. الوجع عدى وقته. يوسف النهاردة ممدش إيده على وشي بس، ده مد إيده على كل حاجة كانت بتربطني بيه. اللي اتكـ.ـسر قدام العيال النهاردة مش هيتصلح تاني.

ثم تابعت وهي تضع يدها على مكان الصفعة:

ـ من النهاردة مفيش سميرة اللي بتخاف وبتعيط.. يوسف اختار يربي وحش في البيت ده عشان يعرف يواجه بيه اللي جاي، وأنا هخليه يشوف الوش اللي عمره ما تخيله.

أدركت جيهان بحدسها أن أي محاولة للتهدئة الآن ستكون بلا جدوى، فسميرة ليست في حالة تسمح لها بالاستيعاب؛ هي الآن في مرحلة التحول التي تعقب الصدمة مباشرة. نهضت جيهان بهدوء، وألقت نظرة أخيرة على الأطفال الذين بدأوا يهدأون في حضن أمهم، ثم توجهت نحو الباب.

توقفت للحظة قبل أن تخرج، وقالت بنبرة رصينة:

ـ أنا هسيبك دلوقتي يا سميرة، ارتاحي وخليكي مع ولادك.. بس افتكري إن الهدد أسهل بكتير من البُنى، وإحنا في مركب واحدة، لو غرقت مش هتفرق مين فينا اللي كان ماسك الدفة.

خرجت جيهان وأغلقت الباب خلفها بخفة، ووقفت في الممر الطويل تستنشق أنفاساً عميقة. كانت تشعر بثقل الجدران من حولها؛ فالمنزل لم يعد مجرد جدران وسقف، بل أصبح قنبـ.ـلة موقوتة تنتظر عودة يوسف لتنفجر في وجه الجميع.

نزلت جيهان للأسفل، وبدأت تلملم بقايا الأطباق المحطمة التي تركها يوسف وسميرة في ساحة المعركة، وكأنها بلمّ هذا الحطام تحاول أن تلملم ما تبقى من شتات عائلتها، وهي تسأل نفسها: 

ـ يا ترى يوسف راجع بقرار إيه؟ وهل سميرة فعلاً هتقدر تقف قدامه المرة الجاية؟

❈-❈-❈

دخل يوسف المكتب وهو يفك ربطة عنقه بعصبية، ليجد تامر، شقيقه الأصغر، جالساً خلف المكتب بملامح جامدة لا تشبه سنه الصغير. تامر لم يكن يرى في يوسف مجرد أخ أكبر، بل كان يراه قدوة، لكن هذه القدوة كانت تنهار أمام عينيه الآن بسبب قراراته الطائشة.

نظر تامر ليوسف وقال بنبرة هادئة لكنها موجعة:

ـ البيت انهد يا يوسف؟ مبروك.. ده اللي كنت عايزه من زمان؟

التفت إليه يوسف بحدة وزأر فيه:

ـ تامر! الزم حدودك وأنت بتكلم أخوك الكبير. أنا مش ناقصك إنت كمان، كفاية اللي شفته في البيت.»

وقف تامر واقترب من أخيه، وبالرغم من فارق السن، إلا أن نظراته كانت أكثر ثباتاً:

ـ الكبير بيبقى كبير بعقله وبحكمته، مش بفرضه لقرارات بتكسر اللي حواليه. جيهان كلمتني وصوتها كان ميت.. جيهان يا يوسف! اللي كانت شايلة اسمك واسم عيلتنا فوق راسها. إزاي قدرت تهون عليك كدة؟

رد يوسف بتهكم وهو يحاول إخفاء شعوره بالذنب:

ـ بقت حبيبة الكل فجأة؟ ما هي اللي وافقت من الأول، وهي اللي سكتت على سميرة.. ليه دلوقتي بقت هي الضحية؟

ضرب تامر على المكتب بيده وهتف بصوت مسموع:

ـ لأنها كانت بتشتري خاطرك! كانت فاكرة إنها لما تضحي بكرامتها مرة عشانك، إنت هتقدر ده.. مش هتعتبره حق مكتسب وتدوس عليها بالتانية والتالتة. جيهان أختي قبل ما تكون مراتك، ولو إنت نسيت فضلها، أنا والبيت كله مش ناسيينه.

صمت يوسف تماماً وهو يرى في عيني شقيقه الأصغر انعكاساً لفشله. تابع تامر بأسى قبل أن يتوجه نحو الباب:

ـ أنا مش هعارضك عشان أنا مش هقدر أمنعك، إنت حر.. بس افتكر يا أخويا إن اللي بيبني بيت على أنقاض بيت تاني، لا الأول بيعيش ولا التاني بيكمل. أنا رايح لجيهان، لأنها في الوقت ده محتاجة راجل بجد يسندها، والظاهر إنك مش الراجل ده دلوقتي.

اشتعلت عينا يوسف بوميض غضب مفاجئ، وتقلصت عضلات وجهه وهو يسمع كلمات شقيقه الأصغر. رغم كل بروده الظاهري، إلا أن فكرة وجود رجل آخر، حتى لو كان شقيقه، يطالب بحق "سند" جيهان أو يظهر اهتماماً فائقاً بحالتها، أيقظت داخله غيرة "تملك" عمياء لم يتوقعها.

خطا يوسف خطوة سريعة نحو تامر، وجذبه من ذراعه بقوة وهو يهتف بصوت جهوري مكتوم:

ـ أنت بتقول إيه يا تامر؟ تروح لمين وتسند مين؟ جيهان مراتي أنا، والبيت ده بيتي أنا! وأي كلام بينك وبينها يكون في حدود، فاهم ولا لأ؟

ضحك تامر بسخرية مريرة وهو ينزع ذراعه من قبضة أخيه، وقال:

ـ إيه يا يوسف؟ غرت؟ غيرة دي ولا حب امتلاك؟ اللي بيغير على حد بيحافظ عليه، مش بيدوس عليه بالجزمة ويجيب له واحدة تانية وتالتة. جيهان طول عمرها بتعتبرني أخوها اللي مخلفتهوش، ولما تحس إن جوزها بقى هو الوجع، طبيعي تدور على أخوها.

ازداد احتقان وجه يوسف، وشعر بنار تأكل صدره، ليس فقط بسبب الزواج، بل لأنه أدرك أن مكانته الوحيدة في قلب جيهان بدأت تهتز، وأن هناك من يقدر قيمتها أكثر منه. صرخ في وجه تامر:

ـ جيهان متخصكش! ولا هي ولا سميرة، وأي مشكلة في بيتي أنا اللي أحلها. ملكش دعوة بيها يا تامر، ولا تروح لها ولا تسمع منها.. أنت فاهم؟


يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة  فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة