رواية جديدة ندوب مضيئة ليارا علاء الدين - الفصل 6 - الأربعاء 7/1/2026
قراءة رواية ندوب مضيئة
كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ندوب مضيئة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة يارا علاء الدين
الفصل السادس
تم النشر يوم الأربعاء
7/1/2026
لا يكسر الإنسانَ عجزُ الجسد، بل تكسرهُ القلوبُ التي لم تعد تتسعُ لضعفه.
هل نبتعد لأننا نخطئ الطريق، أم لأن الطريق كُتب عليه أن يلتفّ بنا أولًا؟
❈-❈-❈
دخل ممدوح البيت بخطواتٍ غاضبة، أغلق الباب خلفه بعنفٍ مكتوم، وجهه مشدودًا، وعيناه تقدحان شررًا، كانت هدى تراقبه من زاوية الصالة، جسدها يرتجف بذبذبات الغضب المتصاعد منه. نهضت، وفي صوتها بحّة خوف:
-الحمد لله على سلامتك يا ممدوح.. أأضع لك الطعام؟
لم ينظر إليها، خلع سترته وألقاها على أقرب مقعد، وقال بحدّة:
لا, لا رغبة لي في شيء.
واتجه مباشرة إلى غرفته، أغلق الباب خلفه دون أن يلتفت.
ترددت هدى لحظة، ثم لحقته، طرقت الباب طرقًا خفيفًا ودخلت.
كان يقف قرب النافذة، يدير ظهره لها، قالت بصوتٍ خافت:
ماذا جرى في المستشفى؟ ريم عادت وهي تنتحب, ولم تنطق بكلمة.
استدار فجأة، وصوته خرج حادًا:
لا أريد أن أسمع اسمها!
ثم أضاف بغيظ:
هي السبب في كل ما نحن فيه الآن.
حاولت هدى امتصاص غضبه، مسحت بيديها المرتجفتين على كتفه وقالت بتوسل:
-دعنا من ريم الآن.. طمئن قلبي، متى سيخرج مروان؟
سكت لحظة، ثم قال وهو يضغط على فكه:
يريدون خمسين ألف جنيه لإجراء عملية.
ثم أردف بعصبية:
والمحامي أكد لي أنها طوق النجاة الوحيد؛ إذا زال الضرر الجسدي، تلاشت القضية.
اتسعت عينا هدى، وانفرجت أساريرها في لحظةٍ من الأمل فرفعت كفيها نحو السماء:
الحمد لله… يا رب لك الحمد.. كنت أعلم أنك لن تضيعنا، دعوت لك في كل سجدة يا ولدي.
ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي فرح، وقال بسخرية:
أفقدتِ عقلك؟ ومن أين لي بهذا المبلغ؟ هل سيهبط عليّ من السماء أو يخرج من باطن الأرض؟
دنت منه خطوة، هامسةً بترددٍ ينم عن خوفها من ردة فعله:
والمال الذي في البنك.. ألا يكفي؟
تجمدت ملامح ممدوح، وتحولت نظراته إلى نصلٍ حاد:
-اخفضي صوتك! إياكِ وهذا الحديث مرة أخرى. ذاك مالُ مروان مدّخر لمستقبله، لن يُمَس.
ثم قال بنبرة قاطعة:
ولا أريد أن أسمعكِ تذكرين هذا الموضوع مرة أخرى.
ظهرالضيق على وجه هدى، و قالت بمرارةٍ لم تستطع كتمانها:
-لكنه ليس من حقنا يا ممدوح.. أنت تعرف، وأنا أعرف. ولو أخذناه الآن لإنقاذ ابنه، لنعتبره دينًا نرده حين ميسرة.
انتفض ممدوح، واقترب منها حتى شعرت بلفح أنفاسه الغاضبة:
-ليس حقنا؟! هذا مالي، ثمن شقائي، وتعبي طيلة السنوات الماضية ولن أسمح بفتح الموضوع ولو بينكِ وبين نفسك ثانية, مفهوم؟
انكمشت هدى في مكانها، وانكسر بريق الأمل في عينها، وهمست بوهن:
-من أين سنأتي بالمبلغ إذن؟
أدار ممدوح ظهره لها مرة أخرى، ونظر إلى الأفق المظلم وراء النافذة، وقال ببرودٍ جليدي يقطع كل سبيل للنقاش:
-سأتصرف.
ساد الصمت.
وكان في هذا الصمت ما يكفي ليُنذر بأن القادم أثقل.
❈-❈-❈
2-
كان آسر قد أنهى الاجتماع الأخير مع فريق مطروح، أغلق ملفاته، ونهض من مقعده بهدوءٍ يخفي إرهاق أسبوعٍ كامل. خرج من المكتب، فوجد يحيى ينتظره عند نهاية الممر، متكئًا على الجدار، وعيناه تراقبانه بنظرةٍ فاحصة.
اقترب منه الأخير، وقال وهو يربّت على كتفه:
لقد انقضت العطلة يا آسر.. هل نتحرك إلى القاهرة الآن؟ أم تود أن نلقي نظرة أخيرة على البحر؟
تنفّس آسر بعمق، ومرّر يده على جبينه، ثم قال بنبرة يغلب عليها اليأس:
-لقد مضى أسبوع كامل.. نذهب كل يوم دون جدوى، لم يحدث شيء.
ثم استطرد بحدة خافتة:
حتى ذلك الرجل الذي ظننت أنه خيطي الوحيد ، هاتفه مغلق باستمرار. سكت لحظة، ثم قال بحسم:
لنذهب إلى القاهرة الآن، ونطوي هذه الصفحة تمامًا. هذا هو القرار الذي لا بديل عنه.
ابتسم يحيى ابتسامة خفيفة، وقال وهو يحدّق في عينيه:
المنطق يؤيد ما قلته تمامًا. ثم أضاف بمرحه المعتاد:
-لكن تلك اللهفة التي تبرق في عينيك تقول إنك لن تفعل ذلك.
اقترب منه أكثر وهمس بجدية:
-بصفتي أخاك الأصغر، أنصحك بأن تحاول فعلاً أن تغلقه، فهذا هو المتاح لنا حالياً.. إلا إذا حدث أمرٌ طارئ قلب الموازين رأساً على عقب.
ضحك آسر ضحكة قصيرة لا روح فيها، وقال:
-هيا بنا.. ينتظرني عمل كثيرفي القاهرة. ثم نظر إلى أخيه بصرامة مفتعلة:
-وأنت، عُد إلى جامعتك، يكفيك ما أهدرته من وقت.
ضحك يحيى وقال:
- هكذا عاد آسر الذي أعرفه؛ الصارم الجاد، لا آسر الباحث عن الاستجمام.
تحركا نحو الفندق لحمل الحقائب، وقبيل المغادرة النهائية، توقفت السيارة عند الشاطئ.
أطفأ آسر المحرك، فنظر له يحيى بتعجب:
-ألم تقل أننا انتهينا؟ وأنه لا فائدة من المحاولة؟ ثم ابتسم بخبث:
-لماذا عدت إلى هنا مجدداً يا أخي؟
ابتسم آسر ابتسامة هادئة شاردة، وقال:
-جئتُ لأودع البحر.
ترجل من السيارة، واتجه نحو الشاطئ بخطوات وئيدة, كان الموج يداعب الرمال بسكينة، والنسيم البارد يلفح وجهه. وفجأة، تسمرت عيناه؛ لمح قامةً تقف عند حافة الماء، وظهرها إليه. توقف نبضه للحظة، وسرت في جسده رعشة لم يعهدها. همس دون وعي:
-إنها هي..
اندفع بخطوات متسارعة، ونادى بصوتٍ متهدج:
-يا آنسة! التفتت الفتاة، ونظرت إليه باستغراب وتوجس:
-نعم؟
تجمد آسر في مكانه، لم تكن هي! كان حجابها ينسدل برقة فوق كتفيها كشالٍ من حرير، تماماً كما رآها المرة الأولى، لكن الوجه الذي استدار نحوه لم يكن الوجه الذي سكن ذاكرته, ملامحها حادة، خالية من تلك الرقة الفطرية التي توسمها في غريبته. وقف آسر متجمداً، يشعر وكأن سراباً قد تلاشى فجأة ليترك خلفه واقعاً بارداً وغريباً. في تلك اللحظة لحق به يحيى، وفهم المشهد من نظرة واحدة. كانت الفتاة تسأل بريبة:
-عفوًا.. من أنت؟ هل تريد شيئًا؟
تدخل يحيى سريعًا وببراعة، ثم قال مبتسمًا:
-لا، نعتذر منكِ بشدة.. لقد التبس عليه الأمر وظنكِ شخصاً آخر.ثم أشار بيده للفتاة:
-عن إذنك. أمسك بذراع آسر، وأبعده خطوات. قال آسر بلهفةٍ مكتومة:
-ظننتها هي حقاً.. رد يحيى محاولاً التخفيف عنه:
-تقصد الفتاة الشبحية؟ ثم ضحك بخفة:
-لكن هذه لا تشبه الأشباح في شيء.
رمقه آسر بنظرة حادة:
-ليس هذا وقت للمزاح.
وفي تلك اللحظة، لمحا الرجل المراكبي يهبط من مركبه عند طرف الشاطئ. اندفع آسر نحوه كمن وجد طوق نجاة:
-أبحث عنك منذ أسبوع، وهاتفك كان مغلقاً باستمرار.. هل توصلت إلى أي معلومة؟
ابتسم الرجل بخبث، وهز رأسه قائلاً:
-لا يا باشا، لم أرها منذ ذلك الحين. ثم أضاف وهو ينفض ملابسه:
-اعذرني، كنت في رحلة بحرية طويلة وقد عدت للتو.
تقدم يحيى بخفة دمه المعهودة، وقال للرجل:
-اسمعني جيداً، فور رؤيتك لها اتصل بنا، ولك مكافأة مجزية. وأخرج مبلغاً من المال وضعه في يد الرجل. تهلل وجه المراكبي، وقال بحماس:
- بكل سرور, أنا في خدمتك يا باشا... ثم أردف بثقة:
-بمجرد ظهورها على الشاطئ، سأرتب لكما لقاءً فورياً. وتابع:
-ليست من عادتها أن تغيب كل هذه المدة, كنت أراها كل اسبوع أو أقل, ربما انشغلت بشيءٍ ما، أو وعكة صحية طارئة.. لا تقلقا، اتركا الأمر لي.
ربّت يحيى على كتفه قائلاً:
-اتفقنا. ثم أخذ آسر وعادا نحو السيارة. كان آسر غارقاً في صمتٍ عميق، شاردًا, تولّى يحيى قيادة السيارة بدلاً منه، وبينما كان يُدير المحرّك قال بنبرةٍ هادئة:
-يبدو أنك عدت في قرارك يا هندسة.
تنفّس آسر بعمق، وقال بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتاً ليقنع به نفسه:
-لن أظل أعلق نفسي بحبالٍ واهية.. لقد أغلقتُ هذا الموضوع تماماً، منذ هذه اللحظة.
تحركت السيارة مبتعدة عن الشاطئ، تشق طريقها نحو القاهرة.. وبينما كانت السيارة تبتعد, ظل قلب آسر عالقاً هناك، تحت وطأة الانتظار.
❈-❈-❈
3-
اجتمعت الأسرة حول مائدة الإفطار في هدوءٍ صباحيٍّ مألوف. تتخلله رائحة القهوة ونسمات الشتاء الباردة. كانت سناء تضع اللمسات الأخيرة على الطاولة، بينما اتخذ آسر مكانه المعتاد، صامتاً على غير عادته، وقد غاصت عيناه في شرودٍ بعيد، وكأنه يرى خلف جدران الغرفة عالماً آخر.
إلى جواره، كان يحيى يلتهم طعامه بشهية، أما ديما فجلست مقابلهما، هاتفها لا يفارق يدها، تقلب فيه بين حينٍ وآخر بلا اهتمامٍ حقيقي بما يدور حولها.
نظرت سناء إليهما بابتسامة دافئة، وقالت:
طمئنا قلبي.. كيف كانت رحلتكما؟ هل سارت الأمور كما خططتما لها؟
لم يُمهلها يحيى فرصة أن تسمع ردّ آسر، فقال بسرعةٍ وهو يهز رأسه:
ابنكِ يا أمي كان يذيقنا الأمرّين! نُهلك في أروقة الشركة طوال النهار. ثم أضاف متهكماً وهو يغمز بعينه:
-لا يمنحنا هدنةً إلا في نهاية اليوم، ثم يقول لي بكل بساطة: هذا هو الاستجمام!
رفعت ديما عينيها من الهاتف، وقالت:
إذن، أهدرتما الوقت دون جدوى؟
التفت إليها يحيى مبتسمًا:
أرأيتِ؟ تلك هي النتيجة المحتومة لمن يسير خلف آسر واستجمامه.
لم تضحك سناء، بل كانت تنظر إلى آسر باهتمامٍ صامت. لاحظت شروده، وتوقّف حركته عن الطعام، فقالت بنبرةٍ قلقة:
مابك يا حبيبي؟ ملامحك تنطق بالتعب.. ألم تنم بما فيه الكفاية؟
انتبه آسر أخيرًا، ورفع رأسه، وقال بهدوء:
-لا تشغلي بالك يا أمي.. هو إرهاق السفر لا أكثر. ثم أضاف بابتسامةٍ باهتة:
-أسبوعٌ كامل من صخب يحيى وملاحقته.. أشعر أنني بحاجةٍ إلى غيبوبة نومٍ لِيومين متتاليين.
ضحكت سناء بخفة، وقالت بحنان:
لا تشغل بالك بالعمل، سأطلب من عادل أن يمهلك يومين للاستراحة، راحتك هي الأهم عندي.
ابتسم آسر، وقال ممتنًا:
لا حرمني الله منكِ يا حبيبتي.
في تلك اللحظة، نهضت ديما، التقطت حقيبتها وهاتفها، وقالت وهي تنظر إلى الساعة:
عن إذنكم, لقد تأخرتُ كثيراً.
أومأت سناء برأسها وهي تمتم بالدعاء لها, بينما ظل آسر صامتًا، يتابع حركتها بعينٍ غائبة، وكأن ذهنه لم يكن حاضرًا تمامًا وكان واضحًا أن التعب الذي يتحدّث عنه، لم يكن تعب سفرٍ فقط !
❈-❈-❈
4-
دخل ممدوح البيت بخطواتٍ حاسمة، وأغلق الباب خلفه. كان وجهه متجهمًا، وعيناه لا تعرفان التردّد. في الصالة، كانت صباح وهدى تجلسان متقابلتين، الحديث بينهما خافت، وما إن لمحَتاه حتى خيّم الصمت.
توقّف ممدوح في منتصف الصالة، وقال بصوتٍ قاطع:
لقد قررتُ أن أبيع البيت.
سقطت الكلمات كالصاعقة.
انتفضت صباح من مكانها، وحدّقت فيه غير مصدّقة:
تبيع البيت؟ وأين نعيش يا ممدوح؟
أجابها دون أن يشيح ببصره:
تواصلتُ مع صاحب العمل, وقد وافق على نقلي إلى فرع الشركة في القاهرة. سنستأجر هناك شقةً تتناسب مع عيشنا، وسأدفع المبلغ لمروان.
التفتت هدى إليه بعينين متسعتين، وقدغلبت لهفة الأمومة على صدمة الخبر، فاقتربت منه تسأله :
حقًا يا ممدوح؟ هل تعني أن مروان سيخرج؟
هزّ رأسه بحزم:
نعم.
وأضاف بنبرةٍ لا تقبل نقاشًا:
أخبرني المحامي أنه سيأتي بمشترٍ جاهز، سيدفع الثمن فوراً ويمهلنا وقتًا حتى نرتب شؤوننا. وعلى هذا الأساس, سيخرج مروان أولاً، ثم نغادر جميعاً إلى القاهرة.
ساد الصمت لحظة، قبل أن تقول صباح بقلقٍ واضح:
وأبوك؟ هل يعلم أنك ستبيع الشقة؟ وهل هو موافق؟
اشتعلت نظرة ممدوح، وارتفع صوته بقوة:
الشقتان مسجلتان باسمي! وأنا وحدي من يملك حق التصرف فيهما. ثم أضاف بانفعالٍ:
-أم تريدون مني أن أترك فلذة كبدي يقبع خلف القضبان، بينما أقف أنا مكتوف الأيدي؟
انكمشت صباح في مكانها أمام ثورته، وعجز لسانها عن الرد. أما هدى، فنكّست رأسها وهي تمتم بصوتٍ واهن:
-اللهم اجعل عاقبة هذا الأمر خيرًا.
ظلّ ممدوح واقفًا، كأن القرار قد اتُّخذ وانتهى الأمر, بينما بدت جدران البيت من حولهم تشهد زوال عهدٍ قديم، واستعداداً لرحيلٍ مجهول العواقب.
❈-❈-❈
5-
كانت ديما في سيارتها عائدة من عملها, تقود بسرعة معتدلة في طريق فرعي هادئ، تعلوه أشجار متناثرة، وأضواء الأعمدة متباعدة، لا تكاد تُضيء أكثر من ظلٍّ باهت على الإسفلت.
الساعة تقترب من التاسعة مساءً، والجوّ خانق رغم نسيم الليل، والطرقات شبه خاوية. يدها اليمنى تمسك المقود بثبات، بينما الأخرى تنقر على الشاشة بحثًا عن طريق مختصر.
فجأة، اهتزّت السيارة تحتها، وانطفأ المحرك دون إنذار.
توقفت في منتصف الطريق، وتنهدت بانزعاج:
- ليس الآن! ليس الآن!
نزلت من السيارة، ووقفت تنظر إلى السيارة، تحاول أن تستشفّ العطل .
من بعيد، ظهرت أضواء سيارة مسرعة تشقّ الطريق كرمحٍ من نار.
لم يمهلها الوقت حتى لتتحرك؛ إذ اجتاحتها أضواءٌ بيضاء مبهرة، تلاها صرير مكابحٍ حادّ مزّق سكون الإسفلت.
في جزءٍ من الثانية، شعرت بجسدها يرتطم بقوةٍ بشعة، ثم أُلقي بها بعيداً لترتطم بالأرض الصلبة. لم تغب عن الوعي فوراً؛ بل كانت الأرض تحتها تدور، وصوت طنينٍ مزعج يملأ أذنيها.
وسط هذا الضباب، شعرت بظلٍ يقترب منها بسرعة، ثم رأت وجهاً ينحني فوقها؛ شابٌ ثلاثيني، ملامحه مهذبة ولكن القلق يجتاحه، يرتدي بذلة أنيقة بدت مشوشة في عينيها. كانت صورته تتأرجح أمامها، لكنها لمحت ملامحه القلقة بوضوحٍ كافٍ قبل أن تنهار قواها.
أمسك الشاب بكتفها برفق، وهتف بصوتٍ مذعور :
-آنسة! هل تسمعينني؟ أرجوكِ، حاولي البقاء معي.. هل أنتِ بخير؟
حاولت أن تنطق بكلمة، لكن شفتيها لم تستجيبا، وحروفها ضاعت في الظلام الذي بدأ يزحف على رؤيتها، حتى انطفت آخر بقعة ضوء في عينيها، واستسلمت لسكونٍ عميق.
حاول أن يحملها، لكن صوت محرك سيارة يقترب بسرعة من الخلف جعله يلتفت.
رأى سيارة أخرى سوداء تقترب منه بسرعة ، نظر إليها برعب، ثم نظر إلى ديما، وكأن شيئًا داخله انقسم بين البقاء والهرب.
لكنه اختار الهرب!
تركها، ركض نحو سيارته، وانطلق بسرعة دون أن يلتفت خلفه.
لم تمضِ ثوانٍ، حتى توقفت السيارة الثانية قربها، نزل رجلٌ في منتصف الثلاثينات، بملامح فزعة، اقترب منها وهو يقول:
- يا إلهي... ما الذي حدث؟!
انحنى، وضع يده على عنقها، يتحسّس النبض.
- ليس هناك وقت! يجب أن أنقلها فورًا.
حملها برفق، وضعها في المقعد الخلفي لسيارته، ثم أغلق الباب بعجلة، وأدار المحرك وهو يتمتم:
- فقط دقائق ونصل. سلّم يارب.
وانطلقت السيارة في عمق الليل، تحمل جسدًا أنهكه الاصطدام... وقصةً لم تبدأ بعد، لكنها على وشك أن تُروى.
❈-❈-❈
6-
طرقت هدى باب غرفة ريم طرقًا خفيفًا، متردّدًا، كأنها تخشى أن تفتح جرحًا لم يلتئم بعد.
جاءها صوت ريم من الداخل، واهنًا لكنه واضح:
- تفضّلي.
دخلت هدى بخطوات بطيئة، وأغلقت الباب خلفها برفق. كانت ريم جالسة على طرف سريرها، عيناها محمرّتان، وآثار بكاءٍ لم يجفّ بعد على وجنتيها. تقدّمت هدى، وجلست إلى جوارها، وساد بينهما صمت قصير، قبل أن تتنهد هدى بعمق وتقول بصوتٍ منخفض:
-منذ ما حدث… وأنا في حيرة. لم أعرف كيف أدخل إليكِ، ولا ماذا أقول. الجميع يلومكِ، ولكني… لم أستطع.
رفعت ريم عينيها إليها في دهشة خافتة.
تابعت هدى:
-لا أقدر أن ألومكِ يا ابنتي. والله لو كنتُ مكان الطفل و أمّه، ما قبلتُ أن يهرب من فعل ذلك بابني، مهما كان السبب!
ارتسمت ابتسامة واهنة على شفتي ريم، ومالت فجأة نحو هدى، واحتضنتها بقوة، وقالت بصوتٍ متهدّج:
-أنا آسفة… واللهِ آسفة. لم أقصد أن أؤذي أحدًا.
ربتت هدى على ظهرها بحنان، ثم قالت محاولة طمأنتها:
-لابأس حبيبتي, الحمد لله ممدوح تصرّف في المبلغ, وخرج منذ الصباح, قال لي إنه سيذهب لدفع تكاليف العملية، والمحامي معه سيخلص جميع الاجراءات, ولن يعود إلا ومعه مروان.
ابتعدت ريم قليلًا، ومسحت دموعها بيدٍ مرتجفة، وقالت وقد أضاء الأمل عينيها:
- حقًا؟! إذن الطفل سيُجري العملية؟ الحمد لله… الحمد لله يا رب.
ثم أضافت بحرقة صادقة:
- كنت أتمنى أن أذهب إلى المستشفى، وأطمئن والدته، وأبشرها بهذا الخبر كما وعدتها.
خفضت هدى صوتها وقالت بحذر:
- أنتِ تعلمين يا ريم أن ممدوح شدّد على ألا تخرجي من البيت.كما إننا نحتاج إلى تهدئة الأمور بينكِ وبينه هذه الفترة…
ابتسمت ريم ابتسامة استسلامٍ هادئة، وقالت:
- لا بأس. الأهم أن كل شيء سَيُحلّ… الحمد لله.
وقبل أن يكملا حديثهما، دوّى صوت فتح باب الشقة، تلاه صوت ممدوح مرتفعًا من الخارج:
- يا هدى! يا صباح! لقد عاد مروان!
انتفضت هدى، ونهضت مسرعة، وخرجت من الغرفة بلهفة. لحقت بها ريم خطوتين، ثم توقفت فجأة، عادت أدراجها، تناولت حجابها، وارتدته على عجل، ووقفت عند عتبة غرفتها، تراقب دون أن تتقدّم.
في الصالة، اندفعت هدى نحو مروان، احتضنته بقوة وهي تقول بلهفة:
- اشتقتُ إليك يا حبيبي!
ابتسم مروان ابتسامة متعبة، وقال:
- وأنتِ أيضًا يا أمي.
اقتربت صباح وهي تقول:
- اتركيه قليلًا يا هدى… دعيني أحتضنه أنا أيضًا. لقد اشتقتُ إليه.
احتضنته وهي تقول بصوتٍ دافئ:
-البيت أشرق بقدومك يا حبيبي.
وفي تلك اللحظة، فُتح باب الشقة المقابلة، وخرج الجد متكئًا على عصاه، يسير بخطواتٍ متثاقلة لكنها مشحونة بالشوق. اقترب من مروان، وربت على كتفه وقال:
— لقد افتقدتك يا بني… الحمد لله على سلامتك.
قال ممدوح بنبرةٍ حازمة:
-تفضل يا حاج، ادخل. أريد أن أحدثك في أمر هام.
جلس الجد على الأريكة، وقبل أن يستقرّ، قال ممدوح مباشرة، وكأنه يريد أن ينهي الأمر دفعة واحدة:
- لقد بعتُ الشقق يا حاج، ودفعتُ المال لقضية مروان, والأسبوع القادم سننتقل جميعًا إلى القاهرة.
رفع الجد رأسه ببطء وسأله بحروف لم يستطع اخراجها:
-بعت بيتي؟ متى حدث هذا؟ وماذاعني؟
تنحنح ممدوح، وقال بنبرةٍ محسوبة:
- فكرتُ كثيرًا، ولم أجد حلًا غيرهذا, ثم إنني وجدتُ أنك لن تحتمل مشقة السفر والتنقّل. لذلك… حجزتُ لك غرفة هنا، في دار للمسنين. رعاية طبية، وغرفة مريحة... و...
لم يكمل جملته حتى خرجت ريم من غرفتها فجأة، وصوتها ارتفع بغضبٍ لم تستطع كبحه:
- دار مسنين؟! كيف يذهب جدي إلى دار مسنين؟!
التفت إليها ممدوح بعينين مشتعِلتين، وصاح بعصبية:
- كل هذا بسببك! من أين كنتِ تريدينني أن أجلب المال ؟ أم أردتِ أن يظل ابن عمك مُلقى في السجن؟!
همّ الجد بالنهوض، لكن جسده لم يسعفه، فتكلم وهو يحدّق في عيني ابنه:
-بيتي هذا آخر ما تبقّى لي من الحياة... لن أرحل عنه حيًّا.
تبادل ممدوح وصباح النظرات، ثم قال بنبرة حازمة:
لقد بعتُ البيت يا حاج ألم تسمعني؟
قالت ريم بصوت مبحوح:
- لا تفعل يا عمّي... أرجوك، دعه يبقَ في بيته، في مكانه، وأنا سأبقى معه.
لم يردّ ممدوح، إنما مدّ يده نحو والده وقال بهدوء جاف:
- قم يا أبي، وعد إلى سريرك الآن, سنرتّب لك كل شيء هناك... رعاية، ودفء، وغرفة مستقلة.
رفع الجدّ رأسه إليه، نظر طويلًا، ثم قال بصوت بالكاد يُسمع:
أتُنتَزع الروح من جسدها؟ هذا البيت أنا... فكيف تفصلونني عنه؟
اغرورقت عينا ريم بالدمع، تقدمت، وأمسكت بيد الجد:
-لن أتركك ياجدي, سأبقى معك.
لكن الجدّ وضع يده على رأسها برفق، وقال كأنّه يودّعها:
- يا صغيرتي... أحيانًا لا يُمنح الإنسان حقّ الاختيار, يُؤخذ من مكانه كما تُنتزع الورقة من غصنها، لا لذنب... بل لأن الريح قررت أن تهب.
نهض بصعوبة، متكئًا على عكّازه، وسار نحو الباب بخطًى متعبة، وقبل أن يلامس الباب، ارتجف جسده فجأة، كما لو أن صاعقة قد ضربت عموده الفقري، وفقد توازنه بالكامل، فانهار على الأرض كجذع شجرة مقطوعة، صامدًا في جذره لكنه عاجزًا عن المقاومة.
صرخت ريم، وانطلقت نحوه، جثت إلى جواره، واحتضنت رأسه بين كفّيها، كانت عيناه نصف مغمضتين، ونَفَسه متقطعًا، وفمه يتحرّك بكلماتٍ لم تكتمل.
- افتح عينيك يا جدي… أرجوك.
ارتبكت صباح، وضربت كفًا بكف، بينما اندفع مروان نحوه، وصاح ممدوح بصوتٍ متوتر:
- بسرعة… ساعدني!
حملوه على عجل، ممدوح من جهة، ومروان من الجهة الأخرى، وجسده يتدلّى بينهما بلا مقاومة. نزلوا به الدرج ركضًا، تعالت أنفاسهم، بينما كانت ريم خلفهم, تركض وهي تلهث، لا تدري ماذا يحدث!
في الخارج، فُتح باب السيارة بعجلة، أُدخل الجدّ إلى المقعد الخلفي، وانطلقت السيارة بأقصى سرعتها، تشقّ الطريق كأنها تطارد الوقت نفسه.
داخل السيارة، كانت ريم تمسك يد جدّها، تراقب صدره الذي بالكاد يعلو ويهبط، تهمس له بارتجاف:
- أنا معك… لن أتركك, أرجوك ياجدي, لاتتركني!
لم تعرف كم مرّ من الوقت. دقائق؟ ساعة؟ كل شيء امتزج في رأسها. الطريق بدا أطول من المعتاد، والإشارات الحمراء بدت كأنها تتعمّد إيقافهم.
وصلوا المستشفى أخيرًا.
انفتح باب الطوارئ، اندفعوا به إلى الداخل، التقطه المسعفون بسرعة، اختفى جسده خلف بابٍ أبيض، وبقيت ريم واقفة في الممر، يدها معلّقة في الفراغ، كأنها ما زالت تمسك به.
مرّت الدقائق ثقيلة، بطيئة، كل ثانيةٍ كأنها عمرٍ بأكمله!
خرج الطبيب أخيرًا، نزع القفاز من يده ببطءٍ متعمّد، توقّف أمامهم، وقال بصوتٍ خافت:
- البقاء لله… توقّف مفاجئ في عضلة القلب. لم تكن هناك إصابة ظاهرة، لكن الانهيار كان حادًا وسريعًا, لم نستطع أن نفعل شيئًا.
لم تسمع ريم باقي الكلمات.
تجمّدت في مكانها, لم يكن ما شعرت به مجرد حزن, بل انهيار داخلي يثقل صدرها.
كأن الأمان الوحيد الذي كان لها سقط , وتركها تواجه العالم بمفردها!
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة يارا علاء الدين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
