رواية جديدة ذات الرداء الأزرق لفاطمة الألفي - الفصل 2 - السبت 3/1/2026
قراءة رواية ذات الرداء الأزرق كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ذات الرداء الأزرق
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الألفي
الفصل الثاني
تم النشر السبت
–خيام الغجر–
أشعلت "سماهر" النيران خارج الخيمة، وجلست بالقرب منها وهي تنظر للسماء تحدق بالنجوم التي بدأت تتناثر في السماء، كأنها تنتظر طقوس معينة لكي تفعلها، طوق الظلام كبد السماء وتلألأت النجمات والنيران تتوهج وأتت اللحظة المنتظرة، لكي تغربل النجمات وتهمس بصوت لم يسمعه غيرها، كأنها تلقى تعويذة من داخل بئر غائر، مرت بها ذكريات كثيرة قبل أن تنهي طقوسها، وعندما أستفاقت ، أخمدت النيران ثم استقامت ناهضة، لتجد "مرجان" أمامها
هتف بغل:
-اليوم سيتحول زفافهم إلى عزاء
-لن تفعلها، حذاري وأن تفعل شيئاً دون علمي يا مرجان
ارتفع صوته بغضب قائلا:
-هل نسيتي الماضي؟
قاطعته بحدة وهي تضغط على أسنانها:
-جعلتهم يبكون طوال حياتهم وكان الثمن غاليا، أنسيت ؟!
-ولكن لن يشفي مرارة ما عشناه في الترحال، كيف حكموا علينا بالتشتت؟
اتت نجمة تركض على صوت شجار والديها، وقفت بجوار والدتها تتساءل بقلق:
-ما الأمر؟ لما هذا الصراخ؟ هل أنتِ بخير ؟
هزت راسها بالايجاب ولكن اعترض والدها بسخريته التي اعتادت عليها:
-لا تخافي على سماهر يا ابنة سماهر .
-اغرب عن وجهي يا مرجان.
نطقت بها سماهر في ثورة غاضبة وهي تطوق ابنتها، لا تعلم نجمة رغم أنها ابنتهما ولكنها لم ترى يوما محبته ولم تشعر بحنانه كأنها حقًا ابنة سماهر فقط.
كلما طالعت عينيه يرتجف جسدها، كأنها ترى شبحًا، عيناه دائما تتوهج كالجمر المشتعل وملامح وجهه جامدة، لم يبتسم قط دائما عبوس الهيئة.
-ليلة الحناء حفيد شيخ القبائل غدا، سنحي ليلة الحناء والزفاف، استعدوا من الليلة.
قالها وهو يرمق نجمة بجمود ثم تركهن وابتعد ليجلس بعيدا على الرمال ويخرج لفافة الحشيش يشعلها ثم يستنشق دخانها يعبئ رئته ويشرد بخياله إلى الماضي الذي طوته الايام منذ قرابة العشرين عامًا...
❈-❈-❈
ضربت الرمال بقدميها لتصدح رنة خلخالها وقالت بنبرة منفعلة:
-هل حقًا سنحي زفافهم؟
اوقفتها بثبات وقبضت بكلتى كفيها على ذراعي نجمة وهي تنظر بقوة داخل مقلتيها قائلا:
-زرعت داخلك القوة وليس الضعف، ابنتي قطعة مصغرة مني، لن يهزمها حب ولن يكسرها رجُلاً، ستظلين شامخة، عنيدة، كالشجرة التي غرزت جذورها بالأرض ولن توجد رياح قادرة على أقتلاعها مهما عصفت بها .
ثم تابعت بهدوء ما قبل العاصفة:
-سألقن أبن البادية درسًا لن ينساه، صبرًا، أقفي وشاهدي بأستمتاع وابتسمي فقط، لا أريد أطفاء بسمتك الجميلة يا صغيرتي.
-لا أريد أن يؤذى سيف؟
قالتها برجاء
ربتت والدتها على كتفها بشدة:
-لا تخافي، لن يتزوج "سيف" إلا إياكِ .
❈-❈-❈
على جانب أخر ، كان يجلس شابًا شاردًا حزينًا على ضياع فتاته، التي كبرت في أحضانه، طالما احتواها منذ أن اتت لعالمه وهو من علمها الغناء والعزف على الربابة، كانت خطواتهما تتقارب حينذاك ظن بأنها جزءًا منه، نصفه الآخر الذي لا يكتمل إلا بها، الآن يراها تبكي من أجل رجلا أخر، ليس منهما ولا ينتمي إليها، فلما تنجذب إليه وتتغافل عنه .
عندما لمحه "مرجان" من بعيد، استقام وسار إليه مترنحًا في خطواته، تنغرز قدميه بالرمال، ثم هوى بجسده بجانب الشاب، سرعان ما فاق "زين" من شروده ورأى "مرجان"
يزفر أنفاسه بلهيث وهتف بصوت فحيح:
-ستظل كالصنم، هيا ثور يا فتى، أن لم تكن لك برضاها أجعلها بالقوة، غصبًا، خذها فأنت الاحق من غيرك.
تنهد بضيق ثم قال بأسى:
-ولكنها تُحب غيري، ولم أقبل على كرامتي بأن أخذها غضبًا.
ضحك بقوى وقال ساخرًا:
-وهل للغجري كرامة؟
اقتدت عينيه بالغضب ونهض من جانب مرجان :
-ليس كل رجال الغجر مثلك أنت يا مرجان بلا كرامة.
ابتعد عنه وهو غاضبًا ولكن أستوقفه رائحة عطرية مميزة هو يعرفها، وجدها تقترب منه برداءها الأزرق الذي يرفرف خلفها كأنها طائر الحسون تدنو منه وتهمس منادية بأسمه.
-زين.
تجمد مكانه وظل ينظر لها في صمت
عادت تهتف بصوتها الرقيق:
-أين أختفت؟ لم أجدك منذ الأمس؟
همس دون أن يرفع عيناه وينظر إليها:
-أمس لم تشعري بوجودي ، فقد كنتِ بحالة مذرية منذ أن علمتي بزفاف أبن البادية، انسيتي رقصة أمس وما جرى.
تذكر الدماء المتناثرة من قدميها بينما كانت ترقص على الزجاج ، أنشق صدره ونظر إلى كاحلها فوجدها حافية القدمين تساءل بقلق:
-هل داويتي جروح قدمك؟
لاحت شبح ابتسامة على ثغرها :
-ليت كل الجروح سهلة الألتام يا زين.
وضعت كفها برفق أعلى صدره حيث ينبض قلبه وقالت بتساءل:
-هل خفق قلبك بالحُب من قبل؟
ازاح كفها قبل أن ينفضح أمر خافقه ويصرخ من بين أضلعه بأنه لن يعشق سواها.
دار ظهره عنها وقال وهو يسير في الاتجاه المعاكس:
-نجمة.. دعيني وشأني.
ظلت تحدق في جسده الذي يبتعد عنها دون فهم لما هو غاضبًا منها؟ ماذا فعلت له ؟ فهو مثابة شقيقها الذي لم تلده أمها، هو من علمها كل خطوات حياتها.
توجها "زين" إلى خيمته، وسرعان ما هوى جسده أرضا ، لشعوره بارتجافة تسري في جسده أثر الحمى التي أصابته وهو تائها في الصحراء تحت أشعة الشمس القظة منذ أن رأها بتلك الحالة، وهو لم يعد إلى خيمته إلا الآن.
تساقطت حبات العرق على صفيحة وجهه وارتجفت شفتاه هامسًا بأسمها، ثم غاب عن وعيه..
قررت أن تذهب خلفه وأن تشاركه بما عليها أن تفعل، هل حقًا تُحي زفاف حبيبها على أخرى ؟
ولكنها تفاجئت به ملقى على الحصير ، اقتربت منه تحاول إيقاظه لكنها صعقت عندما وجدت حرارة جسده مرتفعه وينتفض برجفة كأن ماس كهربائي أمسك به، تحسست جبينه المتعرق ، مسحت عنه حبات العرق بطرف وشاحها الأزرق وجلبت صحن سكبت به الماء من القلة الفخار وبللت الوشاح ووضعته على جبينه، شاعره بالحزن بسبب تغافلها عن مرضه.
فتح عيناه ببطء ورأ ملامحها الهادئة همس بصوت خافت:
-أُحبك يا نجمة... لم أعشق إلا نجمة واحدة، ولا أريد سواها...
سمعت همسه ودنت منه تتأكد من كلماته الخافتة ثم تراجعت بصدمة وظلت تطالع وجهه النائم بعدم تصديق..
عند بزوغ الفجر، تأكدت من أنخفاض حرارة جسده، وتركت الخيمة وهي تتخبط في أفكارها، تطلاطم بها كامواج البحر، منذ أن علمت بما يخفيه عنها "زين" داخل قلبه من مشاعر اتجاهها.
هرولت أتجاة خيمتها ولم تعلم بالعيون التي كانت تتربص بها في الظلام، عينان ماكرتين وابتسامة سمجة تطغوا على ملامح تنبض بالحقد والشر معًا.
❈-❈-❈
أضرمت النيران داخل قبيلة البدو، التهمت الخيام واحدة تلو الأخرى، كوحش جائع يلتهم كل ما يقربه، الجميع في حالة ذهول، ركض الرجال يغادرون الخيام وهم يحملون أطفالهم والنساء تصرخ وهن يطالعنا تصاعد النيران والدخان الكثيف الذي غطى السُحب وأخفى الرؤية، وسعال المسنين اللذين عبئت رئتهم بالدخان، والشباب يركض في كل اتجاه يحاولون أنقاذ ما يمكن أنقاذه من أرواح ، أنهارت العروس هوت على ركبتيها وهي ترى خيمة عُرسها أصبحت كومة من الرماد، في لحظة تحول الزفاف إلى فاجعة..
ساعات متواصلة قضوها الرجال في أخماد الحريق الذي لا يعرفون سببه، وقف شيخ القبيلة ينظر بحزن لما طالته النيران من خسائر، ثم ازداد نوبة سعاله قبل أن يحدث أبناءه بحسرة قائلا:
-نحمد الله بأن الخسائر التي طالتنا لم تكن في الأرواح.
ثم سكت قليلا يسترد أنفاسه بهدوء ليكمل حديثه :
-سنعوض ما خسرناه، ستُقام الخيام من جديد وسنعمل بكل جد، ليست خسارتنا فادحة، خسارة بعض الخيام أو القماش أمر بسيط وسيعوض طالما لازلنا متماسكين.
تابع كلماته ببطء وهو ينظر إلى ولده الأكبر:
-يُأجل الزفاف إلى حين عودة القبيلة كما كانت
أطاعه وهو يؤمى برأسه :
-أمرك يُطاع يا شيخنا.
رغم الحريق الذي طال قبيلته فهو من داخله يشعر بالراحة بسبب تأجيل موعد زفافه ويتمنى ألغاءه نهائيًا، لكنه في الوقت ذاته حزينًا على تلك المصيبة وظل يبحث عن سبب أشعال تلك النيران.
❈-❈-❈
_خيام الغجر_
كانت قد ذهبت في النوم بعد أرهاق طويل، لتفتح عينيها بعد عدة ساعات على صوت والدتها وهي توقظها وتزف لها خبر ما صار مع البادية، شهقت بصدمة وركضت بخوف إلى حيث يناديها قلبها الذي يريد الأطمئنان على حبيبها.
لم تكترث لهيئتها فقد كانت حافية ، شعرها يتطاير حولها ونست وشاحها بخيمة "زين"
ثوبها الازرق يتطاير حولها كحورية قذفها موج البحر على غير ارادتها ، كلما ركضت اشتمت رائحة الدخان ورأت السحابة السوداء التي غطت السماء، اختلطت دموع الخوف مع عرق التعب من كثرة الركض، فوقفت تستظل باقرب نخل لتلتقط انفاسها , تنادي حبيبها بقلب مُضطرب وصوت يأس ، إلى أن أزداد بكاؤها وظلت تسعل.
أت هو من خلفها هامسًا بصوته الدفئ:
-فداكِ بروحي يا محبوبي.
جحظت عيناها وتوقف السعال وهي تتحسس ذراعيه بلهفة وتنظر الى وجهه بتمعن، رفعت أناملها تلامس وجنتيه، شقت الأبتسامة ثعرها، كأنها ام تطمئن على مولودها بعد ان خرج من ظلمة رحمها .
-هل أصابك شيء ؟
قالتها بلهفة، بينما هو ابتسم بحب وهمس بهيام عاشق:
-لم أحترق في النيران ولكن قلبي كان يحترق من أجل بُعدك يا نجمتي.
افترشت الرمال أسفل النخيل وظلت تعبث بأطراف أناملها حبات الرمال بشرود، ثم رددت بحزن:
-ستتزوج نجمة أخرى.
جلس بجوارها وهو يتنهد بهدوء ثم قال بصدق:
-لا يوجد نجمة غيرك، تركت السماء وأحتلت موطنها بقلبي.
-غدا ستكون لغيري.
ضحك بصوت عالِ:
-يا غجريتي لم تفهمي بعد! تأجل الزفاف يا ملعونة.
رمقته بنظرات غاضبة وقالت بضيق:
-ألا تكف عن تلك الكلمة لتزيدها بملعونة أيضا
عاد يقهقه ثم أرسل إليها غمزة بطرف عينه اليسرى:
-أذوب عشقًا في مشاكستك.. هيا أعزفي على وتر قلبي العاشق.
ابتسمت وهي تنظر للارض ، ثم التفتت له في جدية وتحدق في عينية بنظرة تساؤل:
-لما قبيلتك تكره الغجر ؟
طال صمته فلم يجد جوابا يقوله، لا يريد حزنها، وجرحها برأى جده.
انهالات عليه بالتساؤلات:
-ماذا لو كنت أنت أيضا من الغجر؟
تعلم لو كان الوضع متبادل وأنا ابنة البادية لكنت احببتك أيضا ولم يهمني رأى القبيلة، حتى لو تطلب الأمر الهروب معك إلى أرض بعيدة لا تنتمي إلى هذا أو ذاك.
صمتت برهة ثم تابعت قائلة:
-ما ذنبي أنا في إختيار أهلي؟ لا يحق لجدك رفضي كوني فتاة غجرية؟ لم أختار من أكون ولا إلى أي قبيلة انتمى؟ لم نختار أهلنا ولم نختار ديننا، ولدنا بالفطرة وعندما نكبر نحدد ونختار بأنفسنا، أنا إلى الأن أبحث عن هويتي، عن أعرافي، عن تقاليدي ، أنا فتاة ناضجة ووجب عليً الاختيار ممن أحب ومع من أعيش وأريد الانتماء.
جذب رأسها برفق لتتوسد صدره وضمها بذراعه ثم أراد أن يمزاحها:
-من اين اتيتي بهذا الكلام الكبير يا نجمتي؟ هل الغجر لديهم مدرسة وأنا لا أعلم ؟ هيا اعترفي من أي مدرسة تخرجتي؟
زفرت بضيق وبترت كلماتها بثقة:
-لا تمزح معي، تخرجت من أعظم مدرسة وهي مدرسة الحياة، لا تنسى كم تخبطت بي الدنيا؟ وتلاطمت بي الأمواج هُنا وهُناك، لم استقر في موطن ولكني تعلمت من كل مكان شيء أخترق عقلي وروحي.
ثم تابعت بحزن :
-نضج عقلي أضعاف عمري، بسبب معاناة ما ذقته منذ الصغر، لا تظن بأنِ سعيدة بتلك الحياة التي اعيشها ولكني مجبرة عليها.
شعر بمدا حزنها والدموع التي انهمرت من بركتي العسل خاصتها، همس بحب:
-ساخلصكِ من كل ما يورقكِ، أنا جانبك فلا تحزني، سأفعل كان ما بوسعي من أجلك يا حبيبتي، سننسى معا الماضي بكل أحرانه وألامه، أعدك بذلك.
❈-❈-❈
_عودة إلى قبيلة البدو_
لطمت "غفران" صدرها وهي تبكي بمرارة وصوتها مبحوحًا، ترمق والدتها بنظرات مبهمة متذكرة حديث الحنانة التي أخبرتها بنذير شؤم، هتفت بنبرة ملتاعة:
-حقًا يا أمي أنا نذير شؤم واحترقت القبيلة من أجل زفافي، تلك المشعوذة اخبرتني بإلا يتم الزفاف، فلابد أنها ترى ما لم نراه.
قالت الأم غاضبة:
-كفاكي جنون يا ابنتي، وأياكِ أن تأمني بكلمة عراف، فلا يعلم الغيب إلا الله.
خرج صوتها منفعلًا:
-إذا لما حدث كل هذا قبل زفافي بيوم؟
-أمر الله ... سنعترض على مشية الله؟! أستغفري ربك وعودي إلى رشدك، ما صار قضاء وقدر.
لم تكترث لحديث والدتها وظلت تفكر في أمور أخرى، تريد معرفتها ولابد وأن تبحث عن تلك السيدة وتجلس معها ثانيا لمعرفة ما أخفته عنها، أثناء قراءة كفها، لن يهدئ لها بال إلا برؤية العرافة مرة أخرى...
بينما أجتمع الجد بشيوخ القبيلة ليتشأورون بأمر إعادة بناء القبيلة من جديد، كما يبحثون عن مصدر الحريق، هل هي بفعل فاعل أم قضاء وقدر.
وأصدر أوامره الأخرى بطرد الغجر، فمنذ أن قدموا ثانياً والخراب يلاحقهم، أجتمعت شيوخ القبائل على قرار واحد وهو الخلاص منهما وتطهير الصحراء فهم يعلمون أنهم بلا دين ولا وطن، ولا يملكون الأعراف،فنساءهم متاحة وجودهم يشبههم وهم لن يقبلون بذلك.
أرتجف قلبه وهو يستمع لحديث جده الصارم، والأراء التي تؤيده من مشايخ القبائل المجاورة.
الآن هو متوجس خيفة على نجمته، لا يريد بأن يطالها الأذى ولم يقدر على فراقها، كما يشعر بأنه مكبل بالاغلال ولن يستطيع الفرار من مصيره. هل حُكم عليه بأن يعيش مُعذب الفؤاد؟! أذا خسر نجمة فلن يقبل ب غفران ولن يرضخ لأوامر جده، حتى لو قرر الهرب بنجمته بعيدا عنهما، لا يريد بأن ينقض وعده و يتخلى عنها حتى لو دفع حياته ثمناً لذاك البعد..
يتبع
