رواية جديدة ذكريات ضائعة لعلا السعدني - الفصل 20 - الثلاثاء 6/1/2026
قراءة رواية ذكريات ضائعة كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ذكريات ضائعة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل العشرون
تم النشر الثلاثاء
6/1/2026
ظلت تفكر بداخل نفسها بقلقٍ ينهش صدرها، وعيناها معلّقتان بالشاشة التي تضيء باسم زوجها، فلو زوجها علم أنها قضت اليوم مع ابن خالته داخل مطعم ومؤتمر سيجن جنونه الذي تعرفه جيدًا، ولن يستطيع السيطرة على نفسه، تعلم زوجها تمام العلم أنه ليس من هؤلاء الذين يتحكمون بغضبهم، انتبهت إلى نظرة (رؤوف) الموجّهة إليها، وقد لاحظ ارتباكها الواضح، فقال وهو يرمق الهاتف في يدها
- ما تردّي على التليفون؟
انتفضت قليلًا، لكنها دون تردّد، ضغطت على زر الإلغاء، وأغلقت الهاتف سريعًا، قبل أن ترفع عينيها إليه، وترسم على شفتيها ابتسامة متكلّفة
- دي (نيرة) أختي .. لما أطلع فوق هكلمها على راحتي
رمقها (رؤوف) بنظرة عابرة، ثم اماء رأسه بلا اكتراث، في الجهة الأخرى، كان (حازم) يعاود الاتصال مرة أخرى، لكن هذه المرة ظهرت له رسالة أن الهاتف مغلق، فتجمّد للحظة، وشعر بانقباضٍ حادّ في صدره، فقد حل في قلبه الخوف والقلق عليها، تحرّك بخطوات سريعة نحو الخارج لربما شبكة الجوال بها خطب ما، وتبعه (وائل) على الفور، وقد لاحظ التوتر المرتسم على ملامحه، ليسأله بقلق
- مالك؟ مش على بعضك ليه كده؟!
خرج صوته متيبّسًا من فرط القلق، تخونه محاولاته للتماسك
- مش عارف .. (نغم) كانت متصلة بيا كتير قوي، ودلوقتي أنا بتصل ومش بترد، وفجاءة التليفون اتقفل
حاول (وائل) أن يخفف عنه، فربّت على كتفه قائلًا
- يمكن التليفون فصل شحن وانت بتتصل، بتحصل عادي
هزّ (حازم) رأسه بقلق
- بس هي المفروض تكون في البيت
حاول صديقه طمأنته أكثر
- يمكن نسيت تشحنه، أو حاجة بسيطة يعني .. متقلقش، إن شاء الله خير
تنفّس (حازم) بعمق، وقال يحاول إقناع نفسه
- إن شاء الله خير
ثم عاد إلى الداخل، محاولًا الانشغال بعمله، لكن تركيزه كان شاردًا، وعقله عالق فقط بها ولكن ما يصيبه أنه سينهي فقط ما يده ويذهب للبيت للأطمئنان عليها ..
في ذلك الوقت وصلت (نغم) إلى المنزل، أغلقت الباب خلفها، واستندت إليه للحظة، تحاول استعادة توازنها، تؤنب نفسها لأنها كانت مع ذلك الأخرق، صحيح انها كانت في عمل ولكنها تلوم نفسها أشد اللوم بأنها ذهبت معه خارجًا إلى ذلك المطعم، تشعر بأنها اخطئت بحق زوجها، ولكن ذلك الوغد هو من خدعها ووضعها أمام موقف لا تستطيع أن تتملص منه ثم سارعت بفتح هاتفها، واتصلت بـ(حازم)، لم تمرّ سوى ثانية حتى جاء صوته، متوترًا ومندفعًا
- في إيه يا (نغم)؟ قلقتيني!
قالت بصوت حاولت أن تجعله مطمئنًا
- مفيش .. أنا كويسة، آسفة لو قلقتك
- كنتي فين طيب؟
ابتلعت ريقها، وشعرت بحرارة تسري في وجهها، وحدّثت نفسها بأنها لا تستطيع أن تخبره الآن عبر الهاتف بما حدث، وحتى لا يحدث له شيئًا بالطريق أثناء انفعاله، لاحظ صمتها، فقال بنبرة أقل حدّة لكنها قلقة
- مالك يا نانا؟ في إيه؟
قالت مسرعة لتطمئنه
- مفيش يا (حازم)، الفون بس فصل شحن، أنا هحضّر الأكل على ما تيجي
قال فورًا رافضًا مرة تقوله
- أكل إيه اللي تحضّريه؟ أنا طلبت اكل وفي الطريق هاخده واجيلك على طول
اعترضت فهل يدللها الآن وهي على وشك أخباره بكارثة فعضت شفتاها بغيظ من نفسها وقالت
- بلاش يا (حازم)، أنا هعمل عادي
ضحك ثم قال
- انا في الطريق وجاي .. المهم (رؤوف) ضايقك في حاجة؟
تصلّبت في مكانها، وانخفض صوت أنفاسها دون وعي وقالت
- لما تيجي بقى نبقى نتكلم
استحسن حديثها بعدها أغلقت الهاتف، وبقيت واقفة في مكانها لثوانٍ، تنظر أمامها بشرود، وقلبها ممتلئ بالخوف مما هو آتٍ، تعلم أن هذه المواجهة لن تمرّ بسلام، وأن ما ستقوله سيثير غضبه، ولكن إن لم تقول له لربما يعرف من ذلك الوغد الذي تأكدت اليوم أنه يكن لها مشاعر، نظراته حديثه الناعم المبالغ فيه، وقررت أن أي عمل سيُطلب منها مع ذلك الخبيث سترفضه على الفور، بعد ما فعله اليوم لا يجب أن تتعامل معه ثانية ..
❈-❈-❈
بينما كانت تتجوّل بين المتاجر، تختار بعض المشتريات التي أتت من اجلها، حتى وجدتها مصادفة أمامها، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة فقد رأتها سابقًا في منزل شقيقها وتعلم أنها صديقة (نغم) المفضلة، اقتربت منها وسألتها لتتأكد من هويتها، شدّت يدها على حقيبتها لا إراديًا، فهي لا تحبذ التحدث إلى الغرباء خصوصًا بعد الحادثة التي تعرضت لها، ولكنها اطمئنت حين رأت ملامح (ساندي) البريئة التي تعلم أنها شقيقة زوج صديقتها، مالت (ساندي) بجسدها قليلًا للأمام، وهي تحدثها بأريحية فهي لا تحبذ التجول بمفردها ولكن لم تجد ونيس وها قد رأت أحد ما تعرفه، لذا تحدثت بنبرة طفولية مرحة
- كويس اني شوفتك، أنا أصلًا بكره أشتري حاجة لوحدي، حلو إننا اتقابلنا
ابتسمت (حنان) ابتسامة صغيرة، ولم ترد أن تصد تلك الفتاة بعفويتها خصوصًا أنها تخص صديقتها الوحيدة، مضى الوقت بين المحلات، وكانت (ساندي) الطرف الأكثر حماسًا تتحدّث بحيوية، بينما كانت الآخرى تراقبها أحيانًا وتبتسم، وأحيانًا أخرى تكتفي بالصمت ..
بعد أن انتهتا، وصلتا إلى سيارة (ساندي) فتحت الأخيرة الباب وهي تقول
- تعالي أوصّلك معايا يا حنون
رفعت (حنان) كفها معترضة
- لا لا، ملوش لزوم، هاخد أي تاكسي
زمت (ساندي) شفتيها في امتعاض
- بطّلي رخامة بقى يلا اركبي، كفاية اني عطلتك عن اللي بتعمليه وخدتك تلفي معايا
هزت (حنان) رأسها نافية وقالت
- لا خالص، انبسطت معاكِ، بس انا هروح لوحدي مش مستاهلة
أصرت (ساندي) على إيصالها، ولم تستطع الآخرى إلا الاستسلام إلى تصميمها فرافقتها، تحرّكت السيارة، لكن في الطريق صدر صوت غريب، تبعه توقّف مفاجئ، شدّت (ساندي) المقود، ثم أرخته بعصبية، وكزّت على شفتيها وهي تزفر
- تاااني!
التفتت (حنان) إليها بقلق
- في إيه؟ وقّفتي ليه؟
ضربت (ساندي) المقود براحة يدها
- مش عارفة! أنا زهقت من العربية دي
ثم أخرجت هاتفها بعصبية وهي تتابع حديثها
- هتصل ب(حازم) ييجيلي
لم تبادلها (حنان) الحديث فقط زفرت بضيق واشاحت بوجهها حتى لا تلاحظ (ساندي) توترها فالساعة أمست الثامنة مساءًا وقد تأخرت كثيرًا وهي لا تحب التجوال ليلاً من الأساس، مرّت ثوانٍ، ثم أخرى، حدّقت (ساندي) في الشاشة، ثم عقدت حاجبيها
- مش بيرد
أجبرت نفسها على الثبات، رغم الخوف الذي كان يطرق صدرها بعنف وسألتها
- متعرفيش حد تاني؟
صمتت لحظة، ولم يأتي في عقلها سوا منقذها الوحيد فأبتسمت واتصلت به سريعًا ثم ضغطت زر الاتصال، في الجهة الأخرى، كان (وائل) يقود سيارته عائدًا لمنزله، فاهتز الهاتف بجانبه، أخرجه بسرعة، وحين رأى الاسم، تسارعت دقّات قلبه، وتوقّف على جانب الطريق فورًا وهو يجيب
- ايه المفاجأة الحلوة دي يا دودي
ازدادت ريقها بصعوبة، صحيح انها تعتبره مثل شقيقها ولكنها أيضًا ستجبره على المجئ لها وهو لا يخصه ذلك الأمر
- (وائل) .. معلش أنا آسفة إني بتصل بيك دلوقتي
ابتسم، وقال بصدق
- على إيه بس؟ إنتِ تتصلي في أي وقت
فشرحت له الأمر
- عربيتي عطلت بيا ومش عارفة أتصرف، واتصلت ب(حازم) ومش بيرد
كان (وائل) يعلم أن هاتف صديقه على الوضع الصامت وهو بالتأكيد عائد مثله الآن إلى المنزل ولم ينتبه لذا قال
- أكيد عامل تليفونه صامت، إحنا لسه مخلّصين شغل
صمتت لحظة، ثم قالت بنبرة خافتة
- ممكن تساعدني؟
رد فورًا دون تردّد
- طبعًا، قوليلي إنتي فين؟
نظرت (ساندي) حولها، تميل بجسدها قليلًا خارج النافذة
- كنت في سيتي ستارز، دلوقتي واقفة عند ميدان الساعة
- خلاص، جايلك حالًا
تنفّست براحة
- ميرسي أوي يا (وائل)
أغلق الهاتف، وأسند رأسه للحظة إلى المقعد، وابتسامة خفيّة تشقّ وجهه، فتلك الفتاة الوحيدة التي سرقت قلبه وعقله منذ الصغر، الوحيدة التي يهتم بها رغم أنه لا يأبه بالفتيات ولا الحديث معهن ولكنها ليست كمثل أي فتاة، فهمس لنفسه
- يا رب يا (حازم) تفضل عامل موبايلك صامت على طول
❈-❈-❈
وصل إلى المنزل، وما إن أغلق الباب خلفه حتى وقعت عيناه على زوجته، جالسة فوق الأريكة، تحدّق في شاشة التلفاز بلا تركيز، لمحته فنهضت سريعًا، واقتربت منه محاولة أن تبدو طبيعية، وقالت بابتسامة مشتتة
- عامل إيه يا ميزو؟
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، وقال وهو يخلع سترته
- ده إيه الدلع ده كله؟
ازدردت ريقها بصعوبة ثم أمسكت رسغه كي يجلس بجوارها، فنظر لها وليدها الممسكة به وارتسمت ابتسامة هادئة على شفتاه وربت على يدها بحنان وقال
- طب هغير هدومي ونقعد سوا، حضّري الأكل اللي جبته، أنا واقع من الجوع، عقبال ما أغيّر هدومي
توقفت في مكانها، وترددت لحظة قبل أن تقول
- بس أنا عاوزة أحكيلك على حاجة
توقف (حازم) في مكانه، والتفت إليها
- خييير يا حبيبي؟
ابتسمت ابتسامة مهزوزة، وقالت بصوت يحمل قلقًا
- بص .. أنا اتصلت بيك الصبح كتييير
جلس واجلسها بجواره وحثها على الحديث، تنفست بعمق كي تستمد القوة، ثم قالت
- مفيش .. أصل بعد ميعاد شغلي، (رؤوف) جه
ساد صمت وهو ينظر إلى الأرض لم يرفع عيناه لها حتى بعدها نظر إليها مطولًا، ثم قال بصوت منخفض
- وبعدين؟
لن تنكر أنها شعرت بالرعب من نظراته ولكنها تعلم جيدًا أنه لن يؤديها، فقالت
- اتصلت كتير عشان أقولك إنه جه بعد الشغل على طول، وطلب مني اروح المؤتمر معاه في العربية، عشان مركبش تاكسي أو عربية لوحدي، قالي عارف أن (حازم) عنده شغل وأننا كده كده طريقنا واحد
فما أن أنهت (نغم) حديثها، تكاد تجزم انها رأت عروق رقبته بارزة من شدة الانفعال، ارتجفت شفتاها قليلاً وتابعت حديثها وقصت له كل ما حدث، كان سكون (حازم) يشعرها بالخوف أكثر من انفعاله السابق زاد صمته، فنظرت له بترجي حتى يتحدث ليسألها كأنه يحاول استيعاب ما قيل للتو
- روحتي قعدتي معاه في مطعم؟
ابتلعت ريقها، وصححت
- والله ما كنت اعرف انه هيوديني مطعم، انا ركبت على أساس رايحين المؤتمر وهو قعد يقول احنا عيلة واحدة وبتاع
رمقها بنظرة ساخرة ولم يتحدث، فتابعت حديثها
- اسمعني بس .. أنا اتصلت بيك كتيييير قوي، وإنت مردتش، طب كنت اتصرف ازاي في الموقف ده
شعر بنبرة الرعب التي في صوتها، وهو لم يرد أن يخيفها، قال وهو يزفر بغضب
- الحيوان ده عرف يستغل الوضع كويس
شعرت بأنه قد لان قليلًا لأن حديثه يخص المزعج وحده فقالت
- متخافش، وقّفته عند حدّه
نظر إليها بشك ووضع يده أسفل ذقنه وهو يقول
- ازاي؟!
بالتأكيد لن تقول له أنها فهمت أنه يكن لها مشاعر، هي صراحة تشعر بالخوف على زوجها من ذلك الدنيء لذلك قالت
- يعني لو حاول يتكلم معايا في أي موضوع خارج الشغل كنت بصده بذوق يعني، عشان برده مش عاوزة اغلط فيه أو اعمل مشكلة عشان شغلك أو ميشكش انك بتحكيلي حاجة أو اني اعرف حاجة، خفت شغلك يبوظ
لم يصدق ما تسمعه اذنياه منها لذلك قال بسخرية
- قربي يا (نغم) قربي كده شوية
لم تفهم ما يعني فاقتربت وهي تنظر إليه وعلامات الأستفهام على وجهها ليفاجئها بقول
- اعدلي الأريال ليا شوية كده، عشان مش باينين، عشان اسيب مراتي تقعد مع رجالة عشان شغلي
ابتعدت عنه قليلًا وزفرت بضيق وقالت
- (حااااازم)
نظر لها ببرود وقال
- إنتِ هتشلّيني قريب، ما يعرف إننا متفقين ولا أي نيلة .. يفرق معاكي في إيه؟
قالت بنبرة صادقة مرتجفة
- خفت عليك .. (رؤوف) شراني
ضحك بمرارة
- إنتِ فاكراني خايف منه؟ عارفة اسوء حاجة ايه اني شايف اني مش مالي عينك اصلًا ولا شايفة اني راجل بتصرفي كأني عيل صغير، كان المفروض متركبيش معاه يا هانم ولما راح المطعم كنتي تسبيه وتروحي المؤتمر لوحدك أو متروحيش حتى مش فارق
نظرت (نغم) إلى أسفل واجتهدت في حبس الدموع في عينيها، فلم يوبخها أحد بتلك الطريقة سابقًا، فصار صوته أغلظ
- انا واثق أنه قالك حاجة أو اتغزل فيكِ أو أن نظراته معجبتكيش، ومع ذلك انتِ كنتِ مصرة تحطيني في خانة أني عيل صغير مش راجل
أمسك ذراعها بقوة وقال
- اول مرة ازعل منك يا (نغم) كده
صرخت متألمة
- دراعي يا (حازم)!
لم يكن يشعر بأنه يؤلمها فترك يدها وهو ينظر لها نظرة طويلة ممتلئة باللوم، ثم اتجه نحو غرفته وجدته أخذ ملابسه واتجه نحو الغرفة الثانية، يخبرها دون حديث أنه لن يشاركها الغرفة اليوم، حينها انهمرت دموع (نغم) فقد أطلقت العنان لها، كانت تخشى غضبه وعصبيته، هي الآن تخشى فراقه، ليته صب غضبه عليها كم يفعل كل مرة، لكن أن يشعرها بأنها فعلت جرم بحقه بتلك الطريقة، لا تستطيع حتى أن تغفر لنفسها ما حدث ..
❈-❈-❈
وصل (وائل) إلى (ساندي)، وما إن لمحها حتى اقترب منها بخطوات سريعة وجدها تقف تنتظره خارج السيارة، وسألها عما حدث فأخبرته بكل شئ، ابتسم (وائل) ابتسامة هادئة، في محاولة منه لتهدئتها، فيما كانت (حنان) تنظر إليه من زاوية عينها داخل السيارة، شعرت فجأة بارتباك شديد؛ إنه الشاب نفسه الذي صدمها في السوبر ماركت قبل أيام، ابتلعت ريقها، وخفق قلبها سريعًا، فيما هو ذهب نحو سيارتها، وتفحصها بعناية قبل أن يبدأ في إصلاح العطل، بعد أن انتهى من الصيانة المؤقتة، التفت إلى (ساندي) قائلاً
- بصي، أنا صلحتهالك مؤقتًا، بس أنصح نوديها لمكانيكي قريب هنا، وبعد كده نرجع تاني، وابقى أوصلك البيت
أومأت (ساندي) موافقة وقالت
- طيب، ماشي .. تعالى اركب معانا
ارتفع حاجب (وائل) بدهشة، وهو يتمتم لنفسه
- معاكوا!!
استقل السيارة، ليلاحظ وجودها بجواره رفع حاجبه متفحصًا إياها تلك هي نفس فتاة السوبر ماركت وقد رأها سابقًا ولا يذكر أين، قاطع أفكاره (ساندي) وهي تستقل في المقعد الخلفي لتعرفه عليها حينها علم هويتها، لابد وأنه رأها يوم زفاف صديقه فقال بابتسامة خفيفة
- أهلًا
ابتلعت (حنان) ريقها، ولم تجرؤ على الرد فقط ابتسامة باهتة حلت على ثغرها، فارتفع حاجب (وائل) مرة أخرى يبدو أنها غريبة الأطوار، ثم انطلق بالسيارة متجهًا نحو الميكانيكي، سلم السيارة للعامل، وعلم منها موعد استلامها، وبعد أن أتموا الإجراءات، التفت (وائل) إلى (ساندي) ليقول
- يلا.. أوصلك يا دودي
اماءت له لتنظر لهما (حنان)، وقالت بخفوت
- طب أنا همشي بقى يا (ساندي)
اعترضت (ساندي) بحدة
- لأ، هتركبي معانا
هتفت (حنان) في محاولة منها لتفادي التعامل ما ذلك الشاب
- لا .. هاخد أي تاكسي من هنا
ارتفع صوت (وائل) بنفاذ صبر
- خلصي، الوقت اتأخر .. تاكسي إيه دلوقتي؟!
أجابت بهدوء
- متقلقوش، هعرف اتصرف
لم يهتم لحديثها وقال
- يلا، نتمشى شوية لحد عربيتي المسافة مش كبيرة
ارتبكت (حنان) لكنها اتبعتهم وكانت تسير خلفهم بينما (ساندي) و (وائل) يتحدثون ويضحكون معًا، ما أن وصلوا حتى استقلت سيارة (وائل)، فيما قالت (ساندي)
- معلش يا (وائل)، هتوصلني الأول، بيتي أقرب من (حنان)
شعر حينها بالضيق فقد كان يتمنى أن يجلس معها مدة اكبر ولكن ماذا عليه أن يفعل، استقلوا معًا السيارة، وما أن توقفت أمام منزل (ساندي) حتى قامت بشكره وودعته هو و (حنان)، دلفت (ساندي) المنزل، ونظر (وائل) إلى (حنان)، وقال
- هنمشي منين دلوقتي؟
شعرت بالتوتر لأنها بمفردها معه، وقالت
- لا .. أنا همشي لوحدي، هنزل هنا
اندهش منها ومن تصرفاته ونظر للساعة التي بيده وقال
- هتمشي فين دلوقتي؟ ممكن حد يرزل عليكِ
فتحت (حنان) باب السيارة، وقالت
- عن إذنك .. وشكرًا
نزلت قبل أن يعلق، وظل (وائل) يحدق بها بشدة، ثم تمتم لنفسه
- إيه المجنونة دي!!
حينها رن هاتفه، فأجاب وقد كانت والدته ظلت تتحدث معه وهو كان سعيد فقد اشتاق لها كثيرًا، وأخبرته أنها في بداية الأسبوع القادم ستعود إلى مصر، فشعر بسعادة كبيرة، أغلق الهاتف، وأكمل القيادة، بينما كانت تمشي في الظلام، متوترة وخائفة في تلك المنطقة المنعزلة فجأة، ظهر شاب خلفها وأخذ يضايقها بالكلام المبتذل وعندما وجدها خائفة تجرأ وأمسك يدها، لتصرخ هي في وجهه، في اللحظة نفسها، اقترب (وائل) بسيارته، أوقفها جانبيًا، ونزل بسرعة، وضرب الشاب بقوة، ثم ترك الشاب ساقطًا على الأرض، ثم نظر إليها قائلاً بغضب
- قولتلك أوصلك من الأول!
- لا، هعرف أمشي لوحدي
تنهد (وائل) بشدة، ونظر إليها بعينين منفعلة
- انتِ مبتعرفيش تمشي أصلاً .. ومبتعرفيش تعملي أي حاجة
لم تستطع (حنان) السيطرة على دموعها، وقالت بخوف
- يعني كنت أعمل إيه؟ الدنيا ضلمة أوي .. وهو شكله شارب .. خفت منه
شعر (وائل) بالضيق لدموعها ولا يفهم لما تبكي من الأساس هو لم يصرخ تحدث فقط بانفعال بسيط في وجهها، فقال بهدوء
- طب متعيطيش .. تعالى .. أوصلك
ابتسمت بخجل، ثم قالت وهي تمسح دموعها
- لا، شكراً .. أنا هعرف أتصرف
ابتسم (وائل) لبراءتها وقال
- خلاص يا ستي .. عرفت إنك بتعرفي تتصرفي، تعالى، وابقى أثبتي ليا جرأتك في حاجة تانية .. بس مش دلوقتي، الدنيا ضلمة والشارع مقطوع
شعر أنه محق وتوسمت به خيرًا عليها أن تنفذ العلاج الذي نصحها به طبيبها الرجل الوحيد الذي تثق به في الحياة، وذهبت لتستقل السيارة معه، فإبتسم على تلك البراءة التى بداخلها ثم اوصلها للمنزل وقبل ان تنزل قال
- على فكرة انا ساكن قريب من هنا
- عشان كده شفتك فى السوبر ماركت، عموما ميرسى اووووى
نظر لها بحنان وقال
- على ايه يعنى، خلى بالك على نفسك
- ميرسي
وذهبت إلى مدخل العمارة وظل ينظر لها حتى اطمئن انها صعدت من ثم قاد السيارة ليصل إلى منزله ..
❈-❈-❈
اتكأ على فراشه، وتقلب عليه يمينًا ويسارًا، محاولًا أن يستسلم للنوم، لكن كان الندم ينهش صدره نَهشًا، رغم محاولاته المستميتة لأن يكون هادئًا معها، إلا أن طبعه كعادته غلبه في النهاية، أغمض عينيه، ثم فتحهما سريعًا، نهض فجأة، حسم أمره، وغادر الغرفة، واتجه نحو الغرفة الخاصة بهما، كان يدرك جيدًا أنها إنسانة محترمة ولن تفعل شئ خاطئ، بل يعرف في قرارة نفسه أنها أهم شخص في حياته الآن، وأن خسارتها تعني خسارة لا يستطيع تحملها، طرق الباب طرقًا خفيفًا، وانتظر ولم تأتي له إجابة، عاد فطرق مرة أخرى، ولكن لم تجيبه تسلل القلق إلى قلبه، فمد يده وفتح الباب ببطء، وقع بصره على الفراش مرتبًا كما تركاه، سقط قلبه في قدميه، تجمد في مكانه لحظة، ولم يأتي بتفكيره سوا هل غادرت؟
استدار على الفور واتجه نحو غرفة الجلوس، وما إن دخلها حتى لمحها نائمة على الأريكة، كانت ملامحها شاحبة، وآثار الدموع لا تزال على وجنتيها، شعر بوخز حاد في صدره، فالجو بارد وهي نائمة بلا غطاء، أسرع نحو الغرفة، جلب غطاءً، وعاد ثم انحنى عليها، ومد الغطاء برفق فوق جسدها، لكن ما إن لامس الغطاء كتفيها حتى فتحت عينيها، تلاقت نظراتهما، فاعتدلت من نومها سريعًا، وهمّت أن تبتعد عنه، لكنه أمسك بيدها قبل أن تغادر، وأجلسها بجواره على الأريكة، ثم قال بصوت منخفض، ممتلئ بالندم
- أنا آسف يا (نغم) .. أنا عارف إن عصبيتي وحشة، بس حطي نفسك مكاني
مد يده ومسح أثر الدموع عن وجهها، لكنها لم تنطق بكلمة، ظلّت تحدّق في الأرض، زفر بضيق، ثم تابع بصوت مكسور
- أنا عارف إني غلطان بس صدقيني، منمتش من ساعة ما سيبتك، مش عارف أنام وإنتِ مش جنبي، وزعلانة مني كمان
رفعت رأسها ببطء، وقالت بصوت ضعيف، مرتجف
- أنا .. أنا مكنش قصدي أعمل اللي إنت بتقوله ده و(رؤوف) لو كان قال من الأول إنه رايح مطعم، كنت رفضت
توقفت لحظة، ثم تابعت
- وعمري ما شفت إن رجولتك ناقصة، ومش معنى إني بخاف عليك يبقى شايفاك طفل
كان يعلم جيدًا أن كلماته السابقة كانت قاسية، جافة أكثر مما ينبغي، اقترب منها، وقبّل رأسها بحنان، وقال
- حقك عليّا
شعرت بقليل من الهدوء يتسلل إليها، لكنها ظلت صامتة، ابتسم لها ابتسامة صغيرة، وقال
- طيب يلا ندخل ننام .. وبعتذرلك تاني، حسّيت قد إيه أنا حيوان لما شوفتك نايمة في البرد كده
رفعت إحدى حاجبيها، وقالت بحدة
- لا، إنت خليك في الأوضة بتاعتك، مش أنا ناشز وبتهجرني في الفراش؟ خليك يا حبيبي في أوضتك، خليك قد العقاب اللي بتعاقبني بيه
ثم نهضت سريعًا قبل أن يجيب، واتجهت نحو الغرفة، وأغلقت الباب بالمفتاح خلفها، وقف مكانه مذهولًا، يردد بذهول
- ناشز؟! وأهجرك؟!
تحرك نحو الباب، وطرقه وهو يقول
- كبرتي الموضوع يا (نغم)، أنا كنت زعلان وبقول معكّش الدنيا أكتر، وأفضل لوحدي لما أهدى
جاءه صوتها من خلف الباب
- تؤ تؤ خليك قد أفعالك بقى، وانسى (نغم) القديمة اللي بتتصالح من أول ما تبتسم في وشها .. لا، أنا بعرف آخد مواقف على فكرة
طرق الباب مرة أخرى، وصوته يحمل نبرة استعطاف
- (نغم) .. هنام على الأرض، هبرد
هزّت كتفيها بلا مبالاة، وقالت
- لا، أنا عاوزة أكمّل عقابك
عضّ شفتيه بغيظ وقهر، وأسند جبهته إلى الباب، يتمتم بصوت خافت ممتلئ حنقًا
- منك لله يا (رؤوف) .. الكلب
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي ..
استيقظ وهو يزفر بضيق، قضى ليلته كاملة وحيدًا، لم تأتِ، لم تُلقِ نظرة واحدة تطمئن بها عليه، اتجه إلى المرحاض، يغسل وجهه بالماء البارد، ما إن خرج حتى اتجه نحو غرفتهم، وجدها قد ارتدت ملابسها بالفعل، ويبدو أنها استيقظت منذ وقت طويل، لم تلتفت إليه، وكأنه ليس موجود، راقبها وهي تهمّ بالخروج، فاشتعل الضيق في عينيه، وقال بنبرة حادة حاول أن يكسوها بالتهكم
- هو ممكن أدخل ألبس هدومي؟ ولا الأوضة بقت ممنوعة عليّا؟
ارتسم على شفتيها شبح ابتسامة خفيفة، لكنها تنحّت جانبًا وأفسحت له الطريق دون أن تنبس بكلمة، ضغط على أسنانه بغيظ، ودلف إلى الداخل، وأغلق الباب خلفه، في الخارج، وضعت يدها على فمها تكتم ضحكة كادت أن تنفلت منها ..
بعد دقائق، خرج من الغرفة، كان يرتدي قميصًا أزرق، لونها المفضل، وبنطالًا أسود، بدا وسيمًا على نحوٍ مستفز، وكأنه تعمّد ذلك، التقت عيناهما لثوانٍ، لكنها أشاحت بوجهها سريعًا، عازمة ألا تضعف أمامه، جلس لينتعل حذاءه، ألقى نظرة على ساعة يده، ثم تمتم بضيق
- يعني أنا راجع امبارح ميت من الجوع وماكلتش .. والصبح كمان مصحّتنيش بدري، وأنا متأخر ومش هتلحقي تعملي فطار .. ده يرضي مين بس؟
تصلّب وجهها، واختفت أي ملامح للين، وقالت ببرود
- ابقى خلّي زميلتك في الشغل تفطّرك
تشنّج فكّه، وربط رباط حذائه بعنف، ثم قال
- شغلي كله مع رجالة .. يا ريت كان فيه أي زميلة، كانت هتبقى أحنّ عليّا منك
أنهى جملته ونهض، فالتفتت إليه بسرعة، وقالت وهي تلتقط حقيبتها
- مانا عارفة إن معاكش ستات .. ولو كان معاك، كنت هتفطر يعني؟ عادي؟!
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، حاول إخفاءها وهو يحك ذقنه بين سبابته وإبهامه
- ما انتِ حلوة وبتغيري اهو؟! اومال انا مش عاجبك ليه؟!
قالت بضيق، وقد انعقد حاجباها
- أنا مش ضد الغيرة .. أنا ضد أسلوبك
زفر بعمق، ثم قال بنبرة أقل حدّة
- خلاص يا (نغم)، اعتذرت .. طب أعمل إيه تاني؟ وبعدين انتِ كمان غلطتي، مش أنا لوحدي
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بصوتٍ منخفض
- سبني شوية أهدى، أنا بجد المرّة دي زعلت منك جامد، سيبني أهدى الأول
التقط مفاتيح سيارته، ثم قال وهو يتجه نحو الباب
- طيب… يلا، عشان أوصّلك
سارت خلفه، ففتح الباب وجد شخص امام الباب فنظر له بغرابة وسأله
- افندم اى خدمة
ليجيبه الآخر بسؤال
- مش ده منزل مدام (نغم)
فنظر لزوجته وكرر جملته بدهشة ثم قال
- اه، انت عاوز ايه انت كمان؟!
فإبتسم له
-انا (إيهاب الشناوي) من الحراسات الخاصة وكلفنى (حسام) بيه انى احرس المدام
فنظر (حازم) ل (نغم) التي بدورها نظرت إلى (حازم)، فسألها وقال
- ليه حارس شخصي؟!، هو حصل حاجة؟
يتبع
