-->

رواية جديدة ذكريات ضائعة لعلا السعدني - الفصل 19 - السبت 3/1/2026

 


قراءة رواية ذكريات ضائعة كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية  ذكريات ضائعة

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة علا السعدني 

الفصل التاسع عشر 

تم النشر السبت 

3/1/2026


ذهبوا إلى المنزل سويًا بعد أن اوصلوا (ساندي) إلى بيتها، جلست إلى جواره على الأريكة بعد أن أحضرت المفتاح من غرفتها ثم أخرجت الصندوق من داخل الحقيبة، ساد بينهما صمت، بينما كان هو يحدق في الصندوق يشعر بالخوف من ان تتحطم آماله بعد أن يقوم بفتح الصندوق، فحثته (نغم) على أن يفتحه وان ينحّى عن هواجسه مؤقتًا، فاعتدل في جلسته فقد نبهته من شروده، تناول (حازم) الصندوق بين يديه، ثم بدء أن يسمي الله، أدخل المفتاح في القفل، بينما كانت (نغم) تراقب أنامله بعينين متسعتين، فقد قام المفتاح بفتح ذلك القفل إذًا هذا الصندوق يخص (ايمحور)، فتح الصندوق، وانحنى يفحص ما بداخله بدقة، ثم عبس وجهه فجأة، وتوقف لوهلة فما يراه غير قابل للتصديق، وقال بصوت منخفض ممتلئ بالضيق

- مش ممكن


اقتربت (نغم) أكثر، وحدّقت في محتوى الصندوق دون أن تفهم شيئًا، وسألته بحيرة

- ايه ده؟!!


رفع (حازم) بطاقات كثيرة بين يديه، وقد تسلل الإحباط إلى صوته

- دى كروت ملهاش اى لازمة يعنى ايه يعنى، المفتاح والصندوق طلعوا بخ


لم تستسلم (نغم) بسهولة، وقالت بإصرار

- دور كويس، اكيد في حاجة


راح يقلب الصندوق مرة أخرى، في محاولة أخيرة منه ولكنه لم يجد سوا بطاقات لأرقام هواتف بعض الأشخاص المهمة، شعر بالأحباط واليأس وألقى بالصندوق جانبًا على الأريكة، تجهمت ملامحها فجأة، وقالت بقلق

- يا نهارى لأحسن يكون الراجل اللى امنته على الصندوق، فتحه وخد اللى فيه


هزّ (حازم) رأسه نافيًا بسرعة، وكأنه يحاول طرد تلك الفكرة 

- لالا معتقدش لأن اصلًا مش مبلوعة من الأول ان اديله صندوق مهم، كان لازم يبقى حاجة تافهة


نظرت إليه بنظرة شاردة، ثم قالت بشك

- بس انا مش حاسة كده


أعاد (حازم) النظر داخل الصندوق، ثم هزه بعصبية أكثر من مرة، لربما يستمع إلى أي صوت بالداخل

- مفيش حاااجة خالص الصندوق فاضي، كل اللى فيه كروت وكارت بتاع الشغل بتاعى


صمتت (نغم) للحظات، غارقة في التفكير، ثم رفعت رأسها وقالت بنبرة متوجسة

- طب ما كنت تسيبه فى اى درج ادتله الصندوق ليه إلا لو فى حاجة مهمة، فى حاجة مش مظبوطة


تنهد بعمق، وقد بدا عليه الإرهاق من كثرة الأسئلة دون إجابات

- مش عااارف بقى يا (نغم)، بقولك ايه طنشى بكرة ربنا يحلها من عنده


نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالأمل الذي يشوبه الخوف وهمست

- يااااارب


❈-❈-❈

كانت جالسة متكأة على الفراش في الغرفة الخاصة بها بعد أن اوصلها شقيقها للمنزل، تمسك هاتفها وعيناها معلقتان على الشاشة، توقفت أنفاسها للحظة حين ظهر اسم (هيثم) مرفقًا بطلب صداقة، ثبتت نظراتها على الاسم طويلًا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة لم تشعر بظهورها على ثغرها حتى، ولكن ما لبثت من أن تجهم وجهها لفكرة أنه يرسل طلبات صداقة للفتيات فهو من يشتري معجباته، ولكن بالنهاية قررت أن تضغط على زر القبول ببطء، وفي الجهة الأخرى، ما إن رأى (هيثم) إشعار القبول حتى انفرجت أساريره دون وعي، وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة صافية، قبل أن يسارع بإرسال رسالة

(كده تمشي من غير ما تسلمي عليا)


تجمدت (ساندي) لحظة حين رأت رسالة منه في الحال، ثم زفرت بضيق، وكتبت سريعًا

(اه أصل (حازم) كان مستعجل، ومشينا على طول بس (نغم) سلمت عليك)


ما إن أرسلت الرسالة حتى حدّقت في الشاشة بغيظ من نفسها، ثم أنزلت الهاتف قليلًا، وحدّثت نفسها بنبرة مستنكرة

- الله! وأنا ببرر ليه؟ ليه؟!


هزّت رأسها بإحباط، احيانًا لا تفهم تصرفاتها، في المقابل، قرأ (هيثم) الرسالة وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة، فأرسل لها

(هسامحك المرة دي بس، بس المرة الجاية فيها زعل)


زفرت بضيق من تلك الأريحية التي يحدثها بها وكأنه أحد أفراد عائلتها، بالنهاية قررت تجاهل الرسالة فهي لن تجيبه لا تريد أن تتمادى معه في الحديث، صحيح انها أزالت (رؤوف) من قلبها وعقلها ولكن لن تقع في ذلك الفخ مرتين ذلك الفخ الذي يسمى الحب، في الجهة الآخرى شعر هو بالضيق لانها لا تجيبه، صحيح أنه يحترم ويقدر أنها لا تتحدث مع كل شخص وأنها لها شخصية مستقلة بها ولكنه لا يريد أن يشعر بأنه يفرض نفسه عليها، خصوصًا أن وضعه حساس للغاية، كل ما يريد أن يعلمه أن كان هناك فرصة بينه وبين (ساندي) أو أنها تستلطف وجوده، ولو شعر بذلك بالتأكيد سيحدث (حازم) على الفور، لا يريد التقدم لخطبتها وهو لا يتأكد من مشاعرها نحوه، حينها سيسبب احراجًا لشقيقته، لذا ارسل لها

(طيب لو عوزتي أي حاجة أنا في الخدمة يعني)


رفعت (ساندي) حاجبها بدهشة ممزوجة بالسخرية، وكتبت

(هعوز إيه يعني؟)


جاء رده سريعًا

(أقصد إنك عرفتي مكان شغلي)


ضاقت عيناها، وردّت ببرودٍ واضح

(طب ودي فيها إيه؟! هو انت في المخابرات؟!)


ابتسم (هيثم) لنفسه، يعجبه مشاكستها له فكتب

(مسيرك هتحتاجيني يا صاحبة الـفلوس زي ما احتجتيني عشان العربية)


انقبض فمها قليلًا، وكتبت 

(لا ده كان ظرف وعدّى)


لم يتراجع، بل زاد إصرارًا

(يمكن تحتاجيني في ظرف تاني)


ضحكت ضحكة قصيرة ساخرة، وردّت

(ولا ظرف ولا جوابات)


قرأ الرسالة، ثم ابتسم ابتسامة جانبية ثم أرسل

(بقى كده .. ماشي ماشي، الأيام جاية)

تأملت كلماته لحظة، ثم أغلقت الهاتف، بينما بقيت نظرتها معلقة في الفراغ، الوقوع في حب شخص أمر مؤذي ليس عليها أن تكرر تلك المشاعر البغيضة، وان تبني احلامًا وردية لمجرد أنه اهتم بها قليلًا، ربما يتسلى بها، تعلم قيمة نفسها جيدًا وأن جمالها مميز للغاية، ولكن عقل وقلب الرجال لا يمكن توقعه أبدًا ..


❈-❈-❈

كانت (نيرة) تجلس تشاهد التلفاز، لم يقطع مشاهدتها سوى اهتزاز الهاتف بين يديها، نظرت إلى الشاشة، وما إن رأت اسم (حسام) حتى ارتسم الامتعاض على شفتيها، فمنذ أن حدثها اخر مرة قبل ساعات، تشاجرا سويًا شعرت بأنه صرخ في وجهها كثيرًا ولا مبرر لذلك، فقد طكانت جائعة وخرجت في وجود (حازم) بالخارج، ترددت لحظة، ثم أجابت بنبرة جامدة 

- نعم


قال (حسام) بعتابٍ واضح، وقد حمل صوته نبرة حانية

- بقى بعد اللى عملتيه معايا يا بونوبونية تقوليلى نعم بالطريقة القاسية دى


زفرت (نيرة) بضيق، صحيح ان (حسام) يمتلك شخصية رائعة لكنها احيانًا تغضب من تصرفاته ومن الطريقة التي يتحدث بها خصوصًا وهو غاضب أو أثناء عمله

- انت بتعاملني وحش


شعر بدهشة من حديثها ذاك، وقال

- انا بعاملك وحش!!!! حراام عليكى انا بغير عليكي بس، انتي عارفة أن تصرفات (حازم) بتبقى مبالغ فيها لما بتجيله الحالة


أغمضت عينيها للحظة، تحاول أن تلتقط أنفاسها قبل أن تنهي هذا الجدال المعتاد، وقالت بنبرة مختصرة لا تخلو من نفاد الصبر

- عاوز ايه يا (حسام)؟


تحدث بنبرة هادئة

- بصاته ليكي بتعفرتني


اعتدلت (نيرة) في جلستها، وشعرت بشيء من الحرج، لكنها سارعت بالدفاع، محاولة تهدئة الموقف

- هو مش واعي، هو بيحب (نغم) اووووي على فكرة


ساد صمت قصير، ثم جاء صوته أكثر هدوءًا، وكأنه قرر التراجع خطوة

- طيب يا ستى خلاص حقك عليا، وبعدين بقى انا هاجي ل (عالية) ونحدد الفرح ملهاش لازمة نأجل اكتر من كده


احمرّ وجه (نيرة) فجأة، وشعرت بحرارة الخجل تصعد إلى وجنتيها، فخفضت بصرها لا إراديًا قبل أن ترد بصوتٍ خافت

- ماشي يا (حسام)


ضحك من قلبه، وقد عاد إليه أسلوبه المازح المعتاد

- هتموتي انتي وتتجوزيني، بس عاملة مكسوفة


قطبت حاجبيها سريعًا، محاولة إخفاء ارتباكها خلف نبرة متذمرة

- بس يا قليل الأدب


ضحك أكثر، وقال بنبرة مستسلمة

- حاضر هبس


أغلقت (نيرة) الهاتف، وبقيت تحدق في الشاشة المظلمة للحظات، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة لا إرادية، وهزّت رأسها بأسى خفيف، فمهما حاولت ان تأخذ منه موقف وتتجنبه لا تستطيع فقلبها لا يعرف طريقًا غيره ..


❈-❈-❈

في صباح اليوم التالي ..

جلس على مكتبه في مكان عمله، متأملاً الأوراق المبعثرة أمامه، كان شارد قليلًا لأن اليوم موعد ذلك المؤتمر وقد قرر أن ينهي عمله سريعًا، ويذهب ليرى لماذا ذلك الوغد يهتم بوجود زوجته إلى جواره إلى ذلك الحد، قُطع شروده حين دخل عليه (وائل) وهو يلهث قليلاً، وقال

- بقولك ايه .. الريس كلفني أنا وانت نطلع على المتحف، فيه حاجات جديدة هتدخل بعد الشغل


رفع (حازم) حاجبه باندهاش

- طب ليه يعني؟!


أجاب (وائل) مترددًا

- شغل يا (حازم) .. ايه اللي ليه؟!


تنهد (حازم) بملل واضح وقال بغضب

- وطبعًا أستاذ (رؤوف) مش فاضي صح؟! .. عنده مؤتمر


جلس (وائل) بالمقعد المقابل بمكتبه ثم قال

- أيوة فعلًا .. (رؤوف) اصلًا هيمشي بدري النهاردة عشان المؤتمر


صمت (حازم) لحظة، وعاد ليتحدث بنبرة أكثر جديّة

- بتقول إنه هيمشي بدرى .. يبقى هيروح ل (نغم)! ... عشان تروح المؤتمر معاه .. لا يمكن أسيب ده يحصل، لازم أتصرف فورًا


اقترب (وائل) قليلاً، متسائلًا

- وهيروح ل (نغم) يعمل ايه؟!!


فرد (حازم) بغضب 

- أنا مش عارف .. عاوز ايه من (نغم)، عاوز يقرب منها وخلاص، معرفش .. بيعاند معايا؟ بيغظني يمكن؟ ولا مهتم بيها بجد؟ أي كان السبب، مش هسمحله يتقرب منها بالطريقة دي، المشكلة اني كنت ناوي ابقى مع (نغم) في المؤتمر


تدخل (وائل) ليحاول تهدئته

- طب حضرتك النهاردة مش هينفع تروح تجيب (نغم) من الشغل؟


صمت قليلًا ثم قال بقلة حيلة

- طب هروح أوصلها وبعدين أروح المتحف


اعترض (وائل) موضحًا

- بس احنا هنروح من الساعة اتنين لخمسة أو ستة حسب الظروف، هنبقى متلقحين في المتحف


قبض يديه بشدة حتى ابيضت مفاصله من الغيظ

- مستحييل! يعني مش هينفع أروح ل (نغم)؟ يبقى الزفت (رؤوف) ليه يد .. عارف اني مش هيسبها ومصر يبقى معاها برده 


حاول (وائل) تهدئة (حازم) قليلًا لكنه فشل فزفر الأخير باستياء، ثم أخرج هاتفه واتصل بزوجته وتحدث بنبرة ناعمة عندما سمع صوتها من الجهة الآخرى عكس البركان الثائر على وجهه، يعلم لو حدثها بعنف لن تستجيب له وقال

- أيوة يا حبيبتي


ابتسمت تلقائيًا عند سماع نبرته الدافئة وقالت 

- خير يا حبيبي؟


أجاب بصوت عافر جاهدًا أن يخرج منه دون انفعال

- عندي شغل كتير النهاردة، هتأخر ومش هعرف أجي اخدك


طمأنته (نغم) بصوت هادئ

- ولا يهمك .. هبقى أخد تاكسي وهروح المؤتمر


تبًا لذلك المؤتمر، تشنجت عروقه في عنقه ومازال يحاول أن يكون لطيفًا هادئًا وديعًا حتى لا ينقلب الأمر عليه، لذا قال وهو يشعر بالقلق

- طب لو (رؤوف) جالك ياخدك من الشغل، اتصلي بيا أو متركبيش معاه، روحي لوحدك


ابتسمت (نغم) على غيرته وتحكمه في أعصابه فقالت بنبرة أثلجت صدره

- حاضر 


❈-❈-❈

في تمام الساعة الثانية ظهرًا، كانا قد وصلا إلى المتحف، حيث انغمسا في مهام العمل الجديدة، بينما كانت (نغم) لا تزال غارقة في عملها داخل الشركة، وبينما كانا يسيران في أروقة المتحف، شعر (حازم) بالضيق فقام بسؤال صديقه أن كان قد رأى (رؤوف) قد غادر ام لا، ليخبره صديقه بأنه بالفعل قد انصرف قبل أن يتجها إلى المتحف، فشعر (حازم) بالغيرة تسري في عروقه بدلًا من الدم، خوفًا أن يكون ذلك الوغد مع زوجته الآن، لاحظ صديقه بهوت ملامح وجهه وشحوبه والغيرة التي تتقافز من عينيه فسأله مازحًا

- بتحبها اوي كده؟!


التفت إليه بعينين صادقتين، وقال دون تردد

- طبعًا .. دي الحاجة الوحيدة اللي ظهرت في حياتي الجديدة ومش عارف انساها، لو تعرف بحب اد ايه حنانها وخوفها عليا، انا لولاها كنت يئست من الدنيا كلها يا (وائل)، هي الدافع الوحيد اللي عايش عشانك


اتسعت ابتسامة (وائل) إعجابًا، فهو أقرب شخص ل(حازم) ويعلم جيدًا أنه شخصية عملية بعيدة كل البعد عن الرومانسية وعن تلك الحالة التي يتحدث بها ولكن ربما كل ما حدث هذا في مصلحته فلا أحد يعلم أين الخير لو لم يحدث هذا لما وجد شريكة حياته التي يذوب بها عشقًا كما يرى ..


ما أن دقّت الساعة الثالثة تمامًا حتى أخرج هاتفه واتصل بـزوجته ليسألها سريعًا

- الزفت جالك؟!


اندهشت (نغم) قليلًا من تلك النبرة التي يتحدث بها، ثم قالت

- زفت مين؟


- (رؤوف)


شعرت بغرابة من سؤاله ولما سيأتي لها الآن، لذا اجابت

- لا يا (حازم)، مجاش، متقلقيش انا هركب تاكسي واروح هناك


تنفّس (حازم) الصعداء

- أوكيه


أغلق الهاتف، وزفر زفرة طويلة، وكأنه كان يحبس قلقه في صدره، ثم عاد هو وصديقه إلى العمل ..


وفي الجهة الأخرى، كانت (نغم) تغلق حاسوبها حتى ترحل، جمعت أغراضها على عجل، وخرجت من الشركة متجهة إلى الطريق، حيث وقفت في انتظار سيارة أجرة، وفي تلك اللحظة، توقفت سيارة أمامها رفعت رأسها، فتجمّدت ملامحها حين رأت (رؤوف)، شعرت بانقباض في صدرها، وابتلعت ريقها بتوتر، نزل (رؤوف) من السيارة واقترب منها مبتسمًا

- معلش، أتأخرت عليكِ بس الطريق كان زحمة


هزّت رأسها محاولة إخفاء ارتباكها

- بس احنا مكناش متفقين انك تيجي، هنتقابل هناك في المؤتمر


ابتسم ابتسامة جذابة، لتشع عيناه الزرقاء جاذبية وهو يقول

- طريقنا واحد يا (نغم)، وانا عارف أن (حازم) عنده شغل واكيد مش هسيبك تركبي مواصلات 


قالت سريعًا وهي تتراجع خطوة

- لا، مش هينفع .. انا هركب اوبر متقلقش


نظر إليها متفحصًا

- احنا رايحين في شغل .. وبعدين إنتِ خايفة كده ليه يا (نغم)؟


خفضت عينيها وقالت

- أنا مش قايلة لـ(حازم) اني هروح معاك


استخف من حديثها وهو يقول

- اتصلي بيه .. وبعدين إنتِ هتتفسحي يعني؟ ده شغل، وبعدين انا مش غريب يا (نغم) .. احنا عيلة واحدة


نظرت إليه طويلًا، ثم أخرجت هاتفها واتصلت بـ(حازم) مرة، واثنتين، وثلاثًا ولكن لا رد ..


كان الهاتف صامتًا، فقالت

- مبيردش


ابتسم لأنه يعلم جيدًا أنه لابد وأن هاتفه صامت أثناء استلام عمله لن يكون متفرغًا لأمساك هاتفه الآن، لذا قال بثقة

- اتصلي تاني


حاولت مجددًا بلا جدوى، زفرت بضيق، فقال (رؤوف) بنبرة آمرة

- اركبي يا (نغم)، الوقفة دي مش حلوة


ترددت لحظة، ولكن بالنهاية استقلت السيارة معه وهي تشعر بتوتر كبير، لو علم (حازم) سيدفنها حية، ولكن ما المبرر الذي كانت ستقوله إلى (رؤوف) وهما متجهين إلى نفس المؤتمر، قاد السيارة حتى توقف أمام مطعم، نظرت (نغم) حولها وقالت 

- ده مش مكان المؤتمر


ابتسم على خوفها وارتباكها التي لطالما يعشقه ثم قال بهدوء

- جعان يا (نغم) مكلتش حاجة من الصبح ولسه في وقت على المؤتمر، هاكل بس وهنروح على المكان


رمشت (نغم) بعينيها عدة مرات وهي لا تتخيل الموقف الذي أصبحت به الآن وقالت

- ط .. طيب انا هستناك هنا، روح كل انت


اتسعت عينان (رؤوف) وهو لا يصدق ما يسمعه منها وقال

- تقعدي هنا فين؟ في العربية لوحدك!! .. قدر حد غلس عليكِ، انزلي يا (نغم)، انا مش هاكلك


لامت نفسها على كل ما يحدث ولكنها حاولت أن تستنجد ب (حازم) العديد من المرات ولكنه لم يجيب، ترجلت من السيارة، ثم جلسا معًا على إحدى الطاولات بالداخل، فابتسم (رؤوف) وسأل

- هتاكلي إيه؟


شعرت بالضيق وقالت

- مش عاوزة اكل يا (رؤوف) .. ارجوك خلص بسرعة عاوزة اروح المؤتمر


ابتسم على حالها، تبدو أكثر فتنة عندما تكون مرتبكة وتتصبغ الحمرة بوجنتيها خجلًا وغضبًا معًا، ولكنه لم يهتم بكل ذلك وقال ببرود

- بس أنا ميت من الجوع، ومكلتش حاجة من الصبح، ومش معقول آكل وإنتِ تتفرجي


- مش جعانة يا (رؤوف)


لكم كان اسمه له مذاق خاص بعد أن خرج من فمها ليقول دون أن يشعر

- ده انا اسمي طلع حلو اووووي


نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بجمود

- أستاذ (رؤوف) بتقول ايه؟!


رفع يديه مستسلمًا، وشعر أنه لربما يخسر كل ما فعله الآن بسبب بضع كلمات هوجاء خرجت منه دون أن يشعر

- هطلب الأكل


ثم طلب من النادل الطعام وبعد دقائق كان قد حضر الرجل بالطعام ليضعه أمام (نغم)، التي لم تتناول شئ ورغم ذلك اكتفى هو بوجودها بجانبه وهو يشعر بالألفة لأنها تشاركه الجلوس أثناء تناوله الطعام، بعد أن انتهى من تناول الطعام قال

- تحبي تشربي حاجة؟


زفرت بضيق وقالت

- كده كتير اوووي، هنتأخر 


نهض من مكانه وذهبا معًا للسيارة، واتجها إلى ذلك المؤتمر ..


❈-❈-❈


في المساء ..

حان اقتراب موعد انصرافه كان يقف داخل إحدى قاعات المتحف، منكبًّا على عمله، يتنقل بعينيه بين القطع الأثرية والأوراق التي بيده، مدّ يده إلى جيبه ليُخرج هاتفه بعد أن هدوء العمل قليلًا، وما إن فتحه حتى اتسعت عيناه دهشة، فقد كان يوجد عشرات الأتصالات من زوجته، قطّب حاجبيه، شعر بانقباض في صدره، لم يتردد، ضغط زر الاتصال بسرعة، في تلك اللحظة ذاتها، كانت (نغم) تجلس داخل سيارة (رؤوف)، فبعد انتهاء المؤتمر اتصلت بزوجها العديد من المرات حتي يأتي ليأخذها ولكنه لم يجيب ولم يتصل، يبدو وأنها مشغولًا للغاية، فاضطرت إلى أن تستقل السيارة مع ابن خالته الذي الح بكثرة وأنه لن يتركه بمفردها وقد حل الليل، اهتز الهاتف بين يديها فجأة، نظرت إلى الشاشة لتجد اسم زوجها، ابتلعت تلك الغصة التي حلقها بعد أن تجمّد الدم في عروقها، وشعرت بأن أنفاسها تختنق في صدرها، حدّقت في الهاتف بشدة، ثم رفعت عينيها بارتباك نحو (رؤوف) الجالس إلى جوارها، فلو أجابت ستحدث الحرب العالمية الثالثة بالتأكيد ..

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة