-->

الفصل التاسع عشر - جسارة الإنتقام

 


 - الفصل التاسع عشر -

سألها بوهن وآسى متوسلًا اياها:

- هويدا، لآخر مرة بسألك ليه عملتي في هشام كده؟

زفرت في ضيق وملامحها تحتد واجابته مجيبة بزرقة عينيها الغاضبتان:

- بردو مش عايز تصدقني بعد العمر ده كله؟

توسلها بنبرة هادئة ثم اجابها بصوت مهتز:

- أنا مبثقش في حد قدك، عمري ما حبيت غيرك، بالرغم من مشاكلنا وخناقتنا بسبب الموضوع ده لكن عمري ما فكرت في لحظة إني ابعد عنك، ريحيني وصارحيني بكل حاجة وحتى أيا كان السبب أنا مسامح و... 

قاطعته هويدا بدموع زائفة استطاعت استحضارها في ثوانٍ:

- أرجوك كفاية.. هشام ميستاهلش منك كل ده، عارفة أنت بتعزه ازاي لكن كفاية، صدقني ميسواش منك أنك تفضل كل ده مضيع حياتنا وعمرنا كله بتدور ليه سرق الفلوس، وأنا عشان بحبك وخايفة على تعبنا كان لازم ابعده عن حياتنا

 انتحبت في كذب تام واستطاعت أن تخدعه بنظراتها التي سيطرت عليها ثم أقتربت منه وعانقته واراحت رأسها على صدره وهمست له بنبرة باكية اتضح عليها الحُزن الجلي:

- أنا بحبك يا شرف.. مقدرتش اشوف هشام بيضيع تعبك وشقاك وافضل ساكته، انسى كل اللي حصل وفكر فيا أنا وجاسر ونور، كلنا كبرنا وحالنا بقا احسن، ولو هشام كان عنده سبب مقنع من زمان كان قالك.. 

أنا عارفة انك لسه بتشوفه وبتقابله ولسه بتعتبره أخوك زي زمان.. بس خلاص أنا مش هاقدر احكم عليك تعرف مين ومتعرفش مين.. انسى وخلينا نفرح بولادنا وتعبنا بعد السنين دي كلها وأوعدني من النهاردة منفتحش الموضوع ده تاني

 أخبرها بهدوء رابتاً على ظهرها في حنان بينما لم تشعر هي بتلك النيران التي اندلعت بداخله ولكنه في النهاية كعادتهما اراد أن يسترضيها فقال:

- حاضر يا هويدا.. أوعدك!!

     

لح "شرف الدين" على صديق عمره الوحيد وصوته يصرخ به الحرقة لرفضه اياه:

- طيب أنت ليه مش راضي تقبل أي مساعدة مني؟ مش أنت اللي ساعدتني زمان؟ مش أنت اللي وقفت جنبي لغاية ما بقيت شرف الدين؟ عايزني اشوفك قدامي كده ومعملش حاجة؟

ابتسم له بطيبة ثم اجابه:

- كفاية اننا لسه اصحاب بعد العمر ده كله، يوم ما احتاج لحاجة هبقا أعرفك ومتضغطش عليا أكتر من كده.. أنا دلوقتي الحمد لله أحسن من زمان كتير..

عاود سؤاله في توسل عله يُخبره بتفسير منطقي:

- أنت ليه مصمم متصارحنيش ومش عايز تقولي هويدا عملت كل ده ليه؟ ليه سايبني السنين دي كلها من غير ما تديني سبب واحد لكل اللي حصل؟ هتفضل ساكت كده لغاية ما أموت قدامـ.. 

قاطعه رافضًا كلماته ولكن بلباقة وود:

- شرف الدين أرجوك متقولش كده، هتقوم بالسلامة وهتكون أحسن من الأول وخلاص انسى اللي حصل ومتحاولش تعرف حاجة، صدقني كده احسن للكل، أنا بعد السنين دي كلها لسه أخوك وصاحبك وهويدا مراتك اللي بتحبها وأم أولادك..

 وأنا لو خايف عليا من الناحية المادية كله بقا تمام وسيرين ربنا يخليهالي وهانت وهتتخرج السنة الجاية مبتسبنيش احتاج لحاجة.. ارجع أنت بس شرف الدين بتاع زمان دي أكتر حاجة هتبسطني

لم يحاول "هشام" الدفاع عن نفسه بأي طريقة وبالطبع لن يخبره بالحقيقة خاصة بعد مرضه الذي عرف جيداً أنه ليس له علاج بأي سبيل من السُبل..

     

لم يستطع "رامز" أن يصدق عيناه عندما رأى "سيرين" لا حول لها ولا قوة في حالة اعيائها الشديد على سرير المشفى، ازداد غضبه تجاه الجميع، يريد أن يقتل "جاسر" بيده.. يريد لوم "مراد".. يريد معاتبة نفسه على تركها وحدها دون التواجد بجانبها، يشعر بتسرعه وخطأه بقرار زواجه وتركها وحدها.

نادها متضرعًا وهو يمنع عينيه عن ذرف العبرات بأعجوبة:

- سيرين.. ردي عليا أرجوكي..

لم يحصل منها على أي رد وهو لا زالت في غيبوبتها لتتساقط دموعه وهمس في ندم معتذرًا: 

- أنا آسف.. آسف إني سبتك، حقك عليا، هموتلك جاسر الكلب ده بإيدي بس اصحي وطمنيني عليكي.. 

ظل ناظرا لها بحزن ساحقا أسنانه بغضب ليلتفت خلفه وامسك بـ "مراد" من تلابيبه وصرخ به:

- هي دي اللي سايبها أمانة معاك؟! هو ده اللي وصيتك عليه؟!

كادت عروقه تنفجر من كثرة غضبه ثم صاح مُكملًا: 

- ايه عيل اوي للدرجادي!! غبي وحمار مش فاهم؟ أنطق قولي ازاي تسيبه يعمل فيها كده؟! 

ظل ناظراً له بلوم وعتاب وشدد قبضتاه على قميصه لينظر له الآخر بآسى وشعور بالذنب لينتبها سويا على صوتها وهي بالكاد تهمس بصعوبة بالغة من كثرة الآلام التي تشعر بها ليلتفتان لها في صدمة:

- مش.. هاقدر.. أقوم أضربكوا.. بطلوا دوشة

صاحا سوياً بأعين اتسعت خوفاً ودهشة في آن واحد وهما يهرولا نحوها:

- أنتي كويسة؟!

 صاحت بهما مانعة كل منهما عن التقدم نحوها:

- متقربوش مني.. 

توقفا بنفس الوقت في تعجب بينما حدثتهم بنبرة مُنهكة: 

- مراد كلملي أدهم ابن خالي بسرعة آآآه.. وأنت يا رامــ..

صاح "رامز" عندما سمع صراخها بينما تحجرت الدموع بأعين "مراد" صارراً أسنانه بندم:

- سيرين فيه ايه؟!

صرخت بآلم مجيبة:

- الوجع بيموتني.. الحقوني بدكتور بسرعة

شعر "مراد" بتخدر جسده وصرخ "رامز" برواق المشفى بعد أن فتح الباب خارجًا منه كالرصاصة المندفعة:

- دكتور يا بهايم حد يلحقنا بسرعة

     


ابتلعت "هويدا" في ارتباك عندما رآته في نفس الغرفة لتحدثه في تلعثم مدعية ملامح الطيبة:

- جاسر.. وحشتني يا حبيبيـ..

قاطعها وتحول تماماً لكتلة من الجماد: 

- برا.. 

تصلب جسد "نور" وهي لا تقوى على التحدث أو حتى التصديق أن "جاسر" قد استمع لتوه لكل شيء واعترت ملامحها الصدمة الهائلة مما سيحدث بينما همست والدتيهما:

- جاسر، أنت بتقول ايه؟ أننت.. أنا.. حد يطرد أمه يا حبيـ.. 

 قاطعها صوته وهي حتى لا تملك القدرة على صوغ جملة واحدة مفيدة او حتى اكمال كلماتها: 

- ابعتلي اتنين من الحراس عند اوضة هويدا وعاوز كل اللي شاغلين هنا تحت قدام باب البيت حالاً!

ازدردت في خوف وعينا "جاسر" الفيروزيتان تحدق بخاصتيها في خيبة أمل وآلم استطاعت أن تقرأهما "نور" بسهولة ولكنه بنفس الوقت لا يزال يتسم بجبروته وهدوءه اللاذع يظهر فقط وقت الشدائد ودائماً ما يسبق انهياره لتهتف "هويدا" في تضرع شديد مُدعية البراءة:

- أننت.. بتطردني؟ من بيتي؟ بتطرد أمك يا جاسـ..

صاح صوته العميق آمرًا:

- اخرسي واياكي تعتبري نفسك أمي من النهاردة، برا بيتي وبيت مراتي! حالاً

 تهشم قلب "نور" وهي لا تزال صامته بتلك النبرة المكسورة التي غلفت صوته بينهما همست والدتهما في صدمة:

- مراتك؟ أنت هتفضلها عليا؟ أنا أمك اللي ربيتك وكبـ.. 

قاطعها بلهجة غاضبة وهو يحدقها في انكسار مصحوب بالغل الشديد الذي كا نتيجة سنوات من الكذب والخداع:

- جيبي سيرتها على لسانك وأنا هندمك على اليوم اللي فكرتي فيه تأذيها.. برا

صدح صوت إحدى الحراس من خلفه ليعلن عن وصوله:

- جاسر بيه 

آمرهما بغطرسة واضعاً يداه في جيبيه بعد أن التفت لهما: 

- خدو الست دي وارموها برا! 

رغماً عنه لم يبد بتلك القسوة التي عهدها الجميع، كانت هيئته تدل على اقتراب انهياره.. لأول مرة تدرك "نور" أن أخيها الوحيد الذي يتزلزل الكون من قسوته أصبح مكسورًا مُحطمًا من تلك الصدمة التي عصفت به.. وبالطبع مهما نظر له الجميع لن يفهم ذلك سوى اخته وحدها!

توجه الحراس ليفعلا ما آمرهما به لتصيح "هويدا" ببكاء زائف: 

- هترميني بهدومي في الشارع.. أنت اتجننت؟ أمك يا جاسر؟ هتعمل فيا كده؟ كدبت عليك بنت هشام ولعبت عليك وخلاص اخدتك مني؟ هتصدق البنت القذرة دي علـ..

 قاطعها صارخاً بها: 

- ورحمة ابويا يا هويدا إن جيبتي سيرتها على لسانك القذر او فكرتي تأذيها لاكون موريكي الويل..

جذبها من شعرها في قسوة متناسيًا أنها والدته حتى تعجب الحارسان وكل من حولهما، أهذه هي والدته التي انجبته؟ لا؛ هو لم ير سوى إمرأة خائنة معميًا بتلك السنوات التي خدعته بها، ومعصوب العينين مختنقًا بتلك العبرات التي انسابت من "سيرين" وهي اسفله على سرير والدها.. 

والدها الذي لم ير منه إلا خيرًا!! 

أمّا تلك المرأة فهو لا يراها إلا كأحدى الشياطين امامه بكل استغلالها اياه لطوال سنوات عجاف وهي تكذب عليه وتتمادى في كذبها بل وكنت عشقها لرجل آخر سوى والده ويا لوقاحتها ارادت منه بعد استغفاله أن ينتقم لعشقها!! عشقها الزائف!!

ابتلع الحارسان بعد أن نظرا لبعضهما البعض ولكنهما تبعاه رهبة منه بينما جذبها متسلقاً درج المنزل الداخلي للأسفل فتهاوى جسد "هويدا" خلف خطواته الواسعة وهرولت "نور" خلفهما وهي بالكاد ترى خلال تلك الدموع التي كست عيناها بالكامل ولكنها شعرت بتجبره الشديد وفعلته الشنعاء بوالدتهما ستؤدي إلي كارثة حتمية!..

 صرخ بالجميع بينما ظل يجذبها خلفه ليلقيها أمام بوابة المنزل الذي اجتمعوا أمامه كما آمر مسبقاً: 

- الكل يسمعني كويس.. الخاينة دي ممنوع تدخل البيت، اللي هيساعدها أو هيتعامل معاها بأي طريقة متسبعدوش إني أموته هو وكل اللي يعرفهم.. ارموها برا زي ما هي واياكم كلامي ميتنفذش بالحرف الواحد

طغت نبرته الآمرة لتُفزع الجميع وأذهلتهم بآن واحد ليلقيها أرضاً واخته خلفه لا تستطيع أن تتفوه بحرف واحد لينفذ الحارسان ما آمر به على وجل لتنهض "هويدا" وحدها في جبروت مساوٍ لخاصته وصاحت بهم:

- محدش يلمسني.. منك لله يا ابني.. ابني بيرميني بعد العمر ده كله عشان خاطر مراته، اشهدوا على اللي بيحصل.. وأنتي يا نور أنتي وأخوكي لا أنتو ولادي ولا أعرفكوا، منكوا لله!

ذرفت بعض الدموع الكاذبة وهي تغادر للخارج تحت أنظار الجميع ليشعر البعض تجاهها بالشفقة والبعض الآخر نظر لها بإمتعاض فلم يرى أياً منهما أي خير على الإطلاق وكذلك خاف البعض الآخرون بينما اجتمعت نظرة الدهشة والتعجب على الجميع الذين يتوقون لمعرفة ما وراء كل ذلك.. وهي لازالت بداخلها تصدق أنها ستكسب الشفقة وسيصدقها كل من رآها.

     

تحدث "حسام" تحت أنظار "معتز" المترقبة بعناية لكل ما يقول وكلاً من "رامز" الغاضب و "مراد" النادم ليشرح حالتها وما تمر به بعد استيقاظها: 

- اللي حصلها ده طبيعي جداً لأن الآلم بيكون صعب ومش بس في مكان الجرح.. احنا ادناها منوم شديد شوية عشان تنام ومتحسش بالآلم ومسكن.. وأحب أطمنكم أننا مش محتاجين نشيل الرحم، وبالنسبة لموضوع الحمل والولادة في المستقبل هيبقى على حسب آثار التمزق نفسه وحسب استجابة جسمها بس مش مستحيل!

أنهى "حسام" وصفه لحالتها بينما رن هاتف "معتز" الذي فر للخارج ليجيب ليتابع مخبرًا اياهما:

- سيبوها ترتاح يا جماعة، هي مش هتفوق دلوقتي خالص.. أقرب وقت هيكون بكرة الصبح

توجه نحوهما رابتاً على كتفيهما وحاول أن يُطمئنهما بنبرة هادئة جادة: 

- متقلقوش وأنا هاكون جنبكم ومعاكم في كل اللي أنتو عاوزينه.. رقمي معاكم كلموني في أي وقت.. بعد أذنكم

اعتذر منهما وتوجه للخارج مغادرًا ليصيح "مراد" متألمًا:

- أنا السبب.. معرفتش أحافظ عليها

تهاوى جسده على الكرسي وراءه لينظر له "رامز" صاررًا أسنانه بغضب وهو لا يدري أيحاسب مراد حقًا أم يقتل "جاسر" بيديه أم يلوم نفسه؟! وهل كان سيتغير شيء لو كانا معها أم كان هذا آمرًا سيحدث بأي حال من الأحوال؟ لقد تشتت افكاره كثيرًا ليقاطعها صوت صديقه وهو يتحدث بصوتٍ مرتجف:

- متخيلتش أنه ممكن يعمل كده فيها.. مهماً كان فيه بينه وبين أبوها ايه أنها توصل للدرجادي!!

حاول أن يبرر بأي كلمات وقعت على لسانه متخللاً صد ره وجعاً شديداً وأضاف في استغراب:

ليه يعمل فيها كل ده؟ أنا شايفه بعنيا، نظراته ليها قالت أنه بيحبها، بيغير عليها، كان مش طايقني وأنا جنبها، ليه فجأة يعمـ..

قاطعه بحدةٍ زاجرًا اياه:

- أخرس بقا!!

اتجه وجلس بجانبه ودارى وجهه بأكمله بكلتا يداه وساد صمت بينهما ليغرق كلاً منهما بندمه وحزنه عليها ثم صاح رامز سائلا فجأة عندما تذكر ما قالته عندما استيقظت:

- هي ليه قالتلك تكلم أدهم ابن خالها؟! 

التفت نحوه بأعين متسائلة ليجيبه الآخر بنظرات خيبة وهمس في وهن:

- مش عارف!


     

صاح "معتز" متوسلًا بهاتفه وهو يحاول أن يتفهم كلمات "نور" بين بكائها وشهقاتها التي لم تتوقف بينما غضب وتآكله القلق مما جعلها بتلك الحالة:

- نور يا حبيبتي أرجوكي اهدي أنا مش فاهم ولا كلمة من اللي أنتي بتقوليه!

صاحت بصعوبة ومشقة بين بكائها في تلعثم شديد: 

- بـ.. بقولك.. بقولك.. جاسر.. سمعني وأنا.. وأنا بتخانق مع ماما.. وطردها قدام الناس كلهم.. بطريقة صعبة اوي!

بكت مجددًا ليعقد حاجباه مما استمع له وهتف متسائلًا:

- يعني ايه اللي حصل وازاي سمعكوا بتتخانقوا؟ واتخانقتي أنتي وهي ليه أصلاً؟ أرجوكي يا "نور" حاولي يا حبيبتي تبطلي عياط عشان أفهم 

صر أسنانه وهو يشعر بالغضب ينفجر بداخله لتآلمها وبكائها بهذه الحُرقة ليحصل منها على صمت لبرهة ثم محاولات عدة للكف عن البكاء وتنظيم أنفاسها المتقطعة لتجيبه في النهاية متحدثة بمشقة بعد أن استطاعت السيطرة على نفسها ولملمة مشاعرها:

- أنا.. أنا جيت من المستشفى زي.. زي ما قولتلي.. كنت متضايقة جداً من كل اللي حصل لسيرين، قلبي وجعني كمان على جاسر اللي كان فاكر أن ماما ملاك.. 

أخذت نفساً عميقاً بشهقة عالية ثم أردفت:

- دخلت عليها وشوفت منظرها كأنها هتموت من الزعل عشان موت بابا سيرين.. أفتكرت بابا الله يرحمه وأنها حتى لما تعب ولما مات مشوفتش نص الحزن ده في عينيها

انتحبت بحرقة ثم بكت مجددًا وحاول تهدأتها:

- الله يرحمه يا حبيبتي.. كفاية أرجوكي متعيطيش كده!

حاولت من جديد استعادة هدوئها اللحظي ورباطة جأشها لتكمل:

- محستش بنفسي وأنا بلومها وبقولها أنها كانت خاينة لبابا وبتحب أنكل هشام وكدبت على جاسر، عرفتها إني عارفة عنها كل حاجة، أنها عرضت نفسها عليه ولما كان محترم ورفض سرقت فلوسه.. وإن جاسر اتخدع فيها وبهدل سيرين بسببها وهو فجأة لقيته ورايا ولم كل اللي في البيت وطردها قدامهم بهدومها حتى ومخدتش معاها اي حاجة.. 

ومن ساعتها طلع وقفل على نفسه اوضتها وسمعت صوت تكسير كتير وأنا خايفة عليه أوي يا معتز.. خايفة لا يعمل في نفسه حاجة..

أجهشت بالبكاء مرة أخرى ليزفر هو مخللا شعره بعنف ثم كاد أن يقتلعه بين يداه وهتف بها:

- طب محاولتيش تمنعيه أو حتـ..

قاطعته في لهوجة بنبرة مزقها البكاء المرير:

- لا يا معتز.. أنا مقدرتش أقول حرف.. أنا عارفة جاسر.. أنا عارفة أخويا.. حاول يبين أنه جامد وزعقلها قدام الناس وطردها وكمان هددها لو جابت سيرة سيرين وقالها ده بيتي وبيت مراتي بس أنا حاسة أنه اتكسر.. بعد ما الحراس طردوها طلع زي الأعمي حتى ناديته مردش ولغاية دلوقتي في اوضتها فوق.. أنا خايفة عليه اوي.. خايفة يجراله حاجة..

تنهد متفهمًا ما تقوله فهمس بها:

- طيب اهدي عشان خاطري.. أطلعي خبطي عليـ..

قاطعته بنبرة منتحبة في رفض قاطع:

- لأ.. لأ.. معتز تعالى حالاً.. أنا مش هاقدر ابص في وشه حتى.. أنا خايفة اوي، جاسر اتكسر، جاسر هينهار لا متعصب ولا زهقان.. أنا بجد مش هاقدر أشوفه كده

أومأ بالتفهم ليحسم امره ليرد مُعقبًا:

- طيب خلاص هاجي.. اهدي بس وبطلي عياط وأنا هحاول اطمن على سيرين واجي حاضر..

     

دخل "معتز" بعد أن حسم آمره بالتحدث لكلاً من "مراد" و "رامز" اللذان لا يستطيع تركهما في ثورتهما وآلمهما على "سيرين" التي تُعتبر بمثابة اخت لهما فاستجمع كل ما لديه من طرق اقناع وجدية ليحدثهما عله يسكن ذلك الجرح المرير بداخلهما ولو بتفسير وحيد خائب لكل ما فعله ابن خالته حتى يستطيع المغادرة له ليطمئن عليه فقال:

- أنا عارف اللي هقوله ده مش هيغير كتير بس لازم تعرفو كل حاجة وارجوكم محدش يقول لسيرين خالص لأن والدها لسه متوفي وسيبو الموضوع للأيام واسمعوني للآخر

زفر بعمق تحت أنظارهما التي امتزجت بالغضب والاحتقار له فأسرع بالحديث بنبرة هادئة متفهمة:

- جاسر من وهو صغير عنده عشر سنين كان دايماً يسمع باباه ومامته يتخانقوا بسبب والد سيرين.. عمي شرف الدين الله يرحمه كان متأكد أن هويدا سرقت الفلوس وهي اللي سحبت كل حاجة لأن كان معاها توكيل، جت خالتي الله يسامحها وجاسر عنده ستاشر سنه فهمته إن والد سيرين اغتصبها وانها استحملت وصبرت عشان متجرحش عمي وتحافظ على تعبه السنين دي كلها في شغله اللي كبره وتعب فيه!! 

تريث قليلاً ليرى أثر كلماته عليهما وقد بدأ في الإمساك بطرف الإطمئنان عندما اندهش كلا منهما بطريقته الخاصة فأكمل كلماته:

- جاسر طول عمره قريب من مامته، او هي اللي قربته منه، من الآخر عملتله غسيل دماغ وربت في دماغه فكرة الانتقام من والد سيرين، طبعاً ده اللي عاش جاسر فاهمه من زمان وكل اللي كان مانعه إنه متأكد من العلاقة القوية اللي بين هشام وشرف الدين..

 بالرغم من إنه يقدر ينتقم بسهوله وعمي في آخر كام سنة في حياته مكنش هيقدر يوقف قدامه بس مرضاش ينتقم من والد سيرين على حياة عينه وكلنا كنا عارفين ان عمي مرضه مالوش علاج وكان هيموت في الآخر..

تنهد وهما لا يزالا تحت اثر الصدمة بفعل كلماته فأضاف:

- جاسر اتفاجأ بموضوع الورث المشروط بجوازه من سيرين وانه يخلف منها، مامته لما عرفت مكانش الموضوع سهل طبعاً عليها وعارضت وهو قالها انه هيزهقها ويعاملها بطريقة مش كويسة لغاية ما سيرين تطلب الطلاق وانه هاينتقملها من هشام، ده طبعاً من وجهة نظر جاسر اللي للأسف كان مضحوك عليه 

ابتلع في آسى وتريث للحظة وأكمل مستطردًا:

- كل ده انا فهمته من وجهة نظره كله لغاية ما في يوم ماما راحت تزور خالتي ونور سمعت كل ده وعرفت أن السبب هو حب خالتي لهشام والد سيرين من زمان وأنها اعترفتله بكل ده وهو رفض وساعتها كان متجوز والدة سيرين وهي حامل فيها وانتقمت بأنها اخدت فلوسه واظن الباقي هتقدروا تفهمهموه.. كلنا رجالة واظن احنا فاهمين دلوقتي هو عمل كده ليه!

تنهد مجدداً لينظر لهما في حزن بالغ وتنحنح منظفًا حلقه وأردف بالمزيد:

- لما والد سيرين مات جاسر انتقم منها هي باعتبارها بنته زي ما يكون أعمى مش شايف غير الحل ده قدامه، أنا استغربت لما كنت بجيب سيرتها قدامه وكان بيتعصب جداً.. 

واضح انها مكانتش سهله، اللي اعرفه من نور أنها كانت بتقفله الكلمة بكلمتها وانها شبهه جداً وجريئة ومبتخافش، كل ده اكيد مش مبرر للي عمله نهائي.. 

بس لو واحد منكم كان فاهم زي جاسر كنتو ممكن تعدوا الموضوع بسهولة؟ تفتكروا لو حد اغتصب امكم هتسبوه هو او حتى اهله؟.. وعلى فكرة اللي عرف الحقيقة كانت نور بالصدفة وجت حكيتلي وكنا فعلاً هنعرف جاسر اللي كان مستحيل يصدق ده وكنا بنحاول نجيبهاله بطريقة عفوية بس الوقت كان ضيق وحاجات كتيرة حصلت ورا بعض..

نهض "رامز" في حنق وغضب مكتوم لا يدري ماذا يفعل بينما تخدر جسد "مراد" ليشرد بالفراغ كمن يحاول استيعاب ما يستمع له ليهمس من جديد مُكملًا في حُزن:

- جاسر لسه عارف كل ده مفيش من ساعتين.. طرد امه قصاد كل الناس باللي عليها في الشارع، قافل على نفسه اوضة ومحدش قادر يتكلم معاه

زفر "رامز" انفاسا غاضبة وغلفت الحسرة والشفقة ملامح "مراد" وكلاهما تلجمت السنتهما في تخيل أن والدتهما مُغتصبة من رجل وهذا كل ما يُصدقاه لسنوات عديدة فأضاف من جديد موضحًا انه سيكون في صفهما:

- ده اقل اختصار اقدر اقوله عن الموضوع وأنا معاكم لغاية الآخر، واللي ترضوا بيه أنا هنفذهلكوا، محدش يرضى بالظلم اللي جاسر عمله ابدًا!

     

تمتم بآلم لا تستطيع بضع كلمات أن تعبر عنه موجهًا لصورتها في عقله التي خدعته بها لسنوات عدةٍ مستغلة رجولته بمنتهى الخداع والخيانة اللاذعة إليه:

- ليه تعملي فيا كده ده انا محبتش حد في الدنيا قدك!

التقط أنفاسه بعد أن دمر كل ما يخصها بغرفتها وكأنه سيعوضه عن تلك السنوات التي تحمل بها كل تلك الدموع والكذبات بل وانتظار سنوات ليحقق انتقامه فقط لأجلها ليهمس بإنكسار:

- لأ.. مفيش حد اقارنه بيكي، ده أنا محبتش حد في دنيتي كلها غيرك! 

نظر شارداً ثم ارتمى جالساً ارضاً في إنهاك تصديق أنه خُدع لسنوات:

- أنتي يا امي من بين كل ستات الدنيا تستغفليني ليه؟ عشان بتحبي راجل تاني؟ طب وابويا اللي مشفتش في طيبته؟ طب رجولتي اللي كنتي بتلعبي بيها زي الخاتم في صباعك؟! ازاي تكوني كده؟ ليه تعملي فيا أنا كده؟ طب أنا قصرت معاكي في ايه؟

أنا طول عمري وأنا بحاول أكون احسن واحد في الدنيا عشان خاطرك، الاحسن في دراستي والاحسن في شغلي وكنت بموت قدامك وانا شايفك بتعيطي عشان احسسك اني سندك وضهرك وهاجبلك حقك وكانت نار بتاكل فيا وبحس بعجز زي المشلول وفاكر ان علاجي من الشلل ده اني انتقملك! ايه اللي غلطت فيه عشان تخدعيني كده؟

فكر ليشعر باعتصار قلبه بداخله وبدأت الدموع في الانهمار على وجهه الرجولي كالأطفال ليهتف بندم وخيبة عبر عنهما صوته المرتجف:

- أنا ازاي اكون راجل تاني في نظر نفسي؟ ازاي أنا بهدلت ستات كتير عشان بس احس اني بخلص من ضغط السنين اللي شيلت جوايا فيها وجع ميتحملوش انسان!

عارفة انتي خلتيني اعمل إيه؟! أنا.. أنا أغتصبت البنت الوحيدة اللي قلبي اتفتحلها.. حاربت نفسي وعاندتها وقولت استحالة يكون قلبي اختار بنت الراجل اللي بهدل أمي، أنا كنت بهين فيها ليل نهار عشان بس اشوفها مكسورة زي ما كنت بشوفك بتعيطي بحرقة وفاكرك مكسورة من واحد قذر عشان تبقى انتي اللي في الاخر احقر ست عرفتها في حياتي..

خنتها قصاد عينها عشان اكسرها، خوفتها بحقيقتي عشان اكسرها، مديت ايدي عليها عشان جابت سيرتك وبهدلتها قصاد عينك عشان بردو اكسرها لغاية مالقيتش حل معاها غير اني اعمل اللي عملته ده عشان اكسرها..

طب جالك قلب ازاي؟ استحملتي كدب ونفاق طول السنين دي ازاي؟ جبروتك وانتي كل شوية تفكريني بانتقامي من راجل محترم حافظتي عليه ازاي كل ده؟

شعر وكأنما جن عقله من كثرة تلك التساؤلات التي طرحها على نفسه وهو يُحدث صورتها الخائنة ليتمزق قلبه إربًا، فهو لم تخنه إمرأة خاض معها عشقًا بل من فعل به ذلك هي المرأة التي انجبته للحياة، التي حملته في رحمها ليلفظه بقسوة معنفة اياه لسنوات كثيرة في استنزاف تام وتحدث إلي نفسه بمزيد من التساؤلات وهو خائر الحيل والقوى ولا يدري ما الذي عليه فعله: 

- طيب أنا دلوقتي هاعمل ايه؟ هاعيش ازاي؟ مفكرتيش في يوم إني ممكن أعرف كل حاجة؟! 

شعر بالفزع من مجرد الفكرة ليستحضر عقله صورة "سيرين" الملقاة على السرير فوق دمائها التي كست تلك الشراشف بسبب تجبره عليها، بسبب كذب وخداع واستغلال تحمله دون أن يدرك لسنوات فصاح بحرقة باكيًا:

- هاعمل ايه معاها؟ هعوضها ازاي؟ هابتدي منين؟ هبرر بإيه؟ ليه يا أمي كده؟ 

طغت الحسرة التامة عليه وهو يحاول كتم بكاءه ليهتز جسده بإنفعال وهو لا يدري من أين له بالشجاعة لينظر لتلك البريئة اليتيمة لتوها؟

- أنا كنت جايلك اجري عشان تواسيني، تحسي ان ابنك جابلك حقك، عشان مشوفكيش مكسورة تاني وترفعي راسك بعد العمر ده كله.. كل الناس شايفاني وحش وقولت انتي الوحيدة اللي هتحضنيني وتفهميني.. 

كنت هاشكيلك قد ايه أنا تعبان وقد ايه كانت روحي بتطلع لما حسيتها مكسورة اوي مني، كانت بتترعش زي اللي روحها بتطلع تحت ايدي وانا اللي كانت روحي بتطلع بدالها وسكاكين بتقطعني اني وصلت للحقارة دي بس عشان خاطرك وهشان راسك تترفع و نار قلبك تهدى استحملت عشانك وقولت مش مهم أنا..

دلوقتي اروح لمين؟ مين هياخدني في حضنه غيرك؟ مين هيحبني يا أمي إذا انتي من بين كل الناس محبتنيش؟

تجرع المرارة بتحدثه لنفسه بحفنة كلمات ثقبت قلبه وهزت ثقته بنفسه للأبد وهو لا يدري كيف له أن يتحمل كل هذا وحده بخداع والدته له؟!

والأسوأ أنه أدرك كل ذلك بعد ضياع الوقت بأكمله!

#يُتبع . . .