-->

قراءة رواية جديدة مشاعر مهشمة الجزء الثاني لشيماء مجدي- الفصل 23

 قراءة رواية مشاعر مهشمة الجزء الثاني  كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية مشاعر مهشمة الجزء الثاني رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

شيماء مجدي


رواية مشاعر مهشمة الجزء٢

الفصل الثالث والعشرون

❈-❈-❈



من الطبيعي عند وقوع اسم ذلك البغيض المدعى ب"توفيق العاصي" على مسامع "مجد"؛ أن يتشكل على وجهه أمارات النفور في لحظتها، إلا أن الغضب كان مخالطا له بقوة، ولم يستطع حينئذ المحافظة على طور هدوئه، وثباته المزعوم مع حضور "عاصم"، فقد أشعل تساؤله فتيلة الغضب داخله، واشتدت عضلات وجهه على الفور، لما رآه في استفساره من إهانة لشخصه، وانحطاط لشأنه، وراح يزجره عليه بغير تساهل:


-توفيق العاصي! انت شارب حاجة قبل ماتيجي؟


رغم وضوح الإجابة ل"عاصم" على تساؤله، إلا أنه أرادها منطقوها، حتى لا يدع لعقله مجالا للشك، وباستفسار متزايد سأله:


-يعني آه ولا لأ؟


انقلبت سحنة "مجد" على الأخير، وقابل سؤاله باستنكار يحمل النفور:


-انت لسه مستني إجابة؟ ولا انت متخيل إن ممكن يبقى في مواضيع جامعة بيني وبين واحد حقير زي ده؟


تشوش فكر "عاصم" وتشتت، خاصة مع رؤيته للصدق في رد الآخر، ونطق بنزق بما يجول في ذهنه من تخبط عظيم:


-لو مش انت اللي بتروحله هيكون مين؟


ناظره "مجد" بنظرة مستشفة، وسأله بنبرة جامدة، متحيرة:


-بروحله فين؟


رد عليه "عاصم" دون تمهيد أو شرح مسبق:


-بيته.


توسعت عينا "مجد" بصدمة محملة بالاستهجان على كل كافة ما قاله، وبالتحديد الأخير، واستقام واقفا، وهو يهتف في تجهم شديد:


-انت شكلك اتجننت يا عاصم، موت كمال بيه مأثر عليك باين.


تضاعف تشتت ذهنه، وأصبحت حدقتاه تتنقل في أنحاء شتى وهو يردد بتخبط بالغ:


-أنا فعلا ماعدش فيا عقل، ومبقيتش عارفة مين عدوي من حبيبي.


دار "مجد" حول مكتبه، وصولا إلى موضع وقوف الآخر، وبجمود شديد، بعد أن حاول جاهدا تثبيط انفعاله، أخبره:


-دور على عدوك وحبيبك بعيد عني يا عاصم، لإن انا لا عدو ليك ولا حبيب.


لاح حزن غريب على عيني "عاصم"، من عبارته التي تؤكد على خسارته كصديق كان يكن له الحب، بل وتوحي بعد وجود مكان له في قلبن حتى كعدو يحمل له الكره، وازداد ذلك الحزن مع إحساسه بخلو حياته من الأحباء، الاوفياء له، فكل من تجمعه به صلة، ليست بالطيبة نهائيا، ولا يستطيع أن يأمن غدر أحدا من المحيطين به على الإطلاق، وبعفوية ممزوجة بشجن ملأ صوته، علق "عاصم" على ما قاله الآخر:


-الظاهر إني السنين اللي فاتت معرفتش أعمل حبايب ليا، كل اللي عملتهم كانوا أعداء.


انبجست الشكوك إلى رأس "مجد" مع غرابة حالته، وسأله في تشكيك:


-انت عايز توصل لإيه يا عاصم؟


لم يختفِ الحزن من فوق قسماته، بل ازداد، وامتزج بانكسار أصاب روحه، من خلو حياته من معين، أو من يشد أزره، زفر نفسا مختنقا، تزامنا مع حركة رأسه للجانب، مانعا نفسه من الانهيار، متمسكا بإخر ذرات تماسكه المزعوم، ثم عاد للنظر إليه، وأجابه بصدق، بنبرة فاترة:


-أنا مش عايز اوصل لحاجة يا مجد، أنا جيت اسألك على حاجة وماشي.


عقد "مجد" ما بين حاجبيه، وهو يرمقه بنظرة متفرسة، وأطنب متسائلا:


-بالسهولة دي! عايز تفهمني إن جيتك مفيش وراها أي حركة و*** من بتوعك.


رد عليه "عاصم" بنفس النبرة الشجية، التي حملت حزن دفين بداخله:


-للأسف هخيب ظنك، المرادي مفيش وراها حاجة.


رمقه بنظرة بائسة، قبل أن يشرع في التحرك من أمامه، بخطوات تحمل كل معاني الخيبة، تاركا "مجد" متحيرا من حالته الغريبة عليه كليا، ف"عاصم" لم يكن سوى شخصا جامدا، متجردا من الشعور، حتى أنه لم يظهر يوما ضعيفا، أو ضائعا مثل الحين، والجدير بالذكر أن ما رآه عليه للتو، ليست إلا صورة ممزقة لشخص كان يتظاهر بالقوة، ويرسم في كلماته الصلابة والفتور.



❈-❈-❈



دخول الغرباء إلى محيط حياتنا، ربنا يشعرنا بالتوتر، التفاجؤ، أو حتى بالضيق، فماذا عن دخولهم إذا إلى بيتنا دون علم مسبق! ما طرأ على وجه "داليا" عند علمها من العاملة بوجود عائلة أخ زوجها بالبيت، كان مخالفا لكل الظنون، فقد وهجت عينيها بسعادة غريبة، وارتسمت بسمة متلهفة لرؤيتهم، كما تحمست لفكرة مجيئهم للعيش معهم، فمن ناحية أرادت أن تقوى علاقة زوجها بأخيه، حتى يزول من داخله شعور الوحدة الذي بات ملازما له الآونة الأخيرة، خاصة بعد موت والده، ومن ناحية أخرى سيمتلأ البيت بالأشخاص، وتتداخل الأصوات، وسيختفي الصمت الخانق، التي تعيش داخل بؤرته البائسة طوال يومها، حتى انتهاء دوام عمل زوجها، وعودته إلى البيت، حتى إنها أصبحت ترى أن عودته إما محفوفة بالمشاكل بينهما، أو لا تحدث أي اختلاف في يومها.


سعادتها المتحمسة كانت نابعة من رغبتها في الشعور بالدفء العائلي، فشخصية "داليا" من الشخصيات المحبة للدخول في كثير من العلاقات الاجتماعية في حياتها، كونها تربت وحيدة، فقد فقدت والدها في سن الرابعة، وتبعته والدتها وهي لم تتم عامها الثاني عشر بعد، ووجودها في بيت خالتها لم يعوضها بالحنان، والدفء، التي كانت تحتاج لهما، لمرض خالتها في سنواتها الأخيرة، وجفاء زوج خالتها، وصرامته الشديدة، والمخيفة في بعض الأحيان، حتى أن انجذابها نحو "عاصم"، وتعلقها باهتمامه الطفيف بها -والذي كان مقتصرا فقط على مرحلة طفولتها- آل بها إلى الدخول علاقة خالية من الحب والعطف، التي كانت في حاجة ماسة لهما في مرحلة مراهقتها، وما تزال في حاجة لهما إلى الوقت الراهن.


بعدما انتهت من إرضاع طفليها، توجهت إلى حيث أخبرتها العاملة بوجود زوجة أخ زوجها، ووالدته، كانت خطواتها التي تطئ بها أرضا معبرة عن تحمسها، حتى أن شفتيها انفرجتا ببسمة طيبة، قبل حتى رؤيتهما، وعندما أمسكت حدقتاها بهما، جالستين في حديقة المنزل، على كرسيين متجاورين، ازدادت بسمتها اتساعا، وأسرعت في خطواتها، وحينما أضحت قبالتهما، ألقت عليهما تحية الصباح، بصوتها الناعم الظاهر به الترحيب بوجودهما:


-صباح الخير.


نظرت كل من "أمل" وزوجة ابنها إلى "داليا" بشيء من التفاجؤ، كانت "أمل" الأسرع في التغلب عليه، وردت عليها التحية بود:


-صباح النور.


قبل أن تتكلم "داليا"، سارعت "زينة" في التساؤل مرددة بلهجة استفهامية:


-انتي داليا مش كده؟


توجهت "داليا" للجلوس على الكرسي المقابل لهما، وردت عليها ببسمة طيبة:


-أيوه أنا، سعاد بلغتني بوصولكم.


حولت "زينة" نظرها نحو والدة زوجها فاغرة العينين، وبداخلها ازداد التفاجؤ من صغر سنها، ورغم تفاجؤ "أمل" هي الأخرى، ألا أنها تابعت الحديث، حتى لا تلاحظ "داليا" ما ظهر على محياهما، وعرفت عن نفسها قائلة:


-أنا مامة عز، ودي زينة مراته.


أشارت بعينيها تجاة زوجة ابنها في قولها الأخير، حينئذ ازدادت بسمة "داليا" اتساعا، ورحبت بهما في ودادة بالغة، وغير مزيفة:


-أهلا بيكم، أنا فرحت جدا لما عرفت إنكوا هتعيشوا معانا.


لاحت الغرابة، على وجه "أمل" و"زينة"، من الترحيب المبالغ به من قبل الأخرى، وبالتأكيد لاحظت "داليا" ما طرأ على تعبيراتهما، من تبادلهما النظرات فيما بينهما في صمت يعج بالتساؤلات، وضحت "داليا" سبب تحمسها الفرح، قائلة في استيضاح:


-أصل أنا ببقى طول النهار لواحدي في البيت، وعاصم بيبقى في الشغل، ووجودكم معايا مش هيحسسني بالوحدة.


تراءى لكلتاهما صفاء قلبها، وروحها النقية، مما جعل أمارات الراحة ترتسم على قسماتهما، وزال القلق من أمر معاشرتهم لها، وعلقت "أمل" على ما قالته ببسمة حانية:


-احنا اللي سعدا أوي اننا اتعرفنا عليكي، ومكناش نعرف إنك بالحلاوة دي كلها.


تشكلت بسمة خجلى على شفتي "داليا" من إطرائها على حُسنها، بينما ما لبثت أن انتهت "أمل" حتى أطنبت "زينة" بنزق:


-بصراحة مكناش نعرف كمان انك صغيرة أوي كده.


شعرت "داليا" بالتحرج عندما تطرق الحديث إلى سنها، كونها تدرك رؤية الجميع المستغربة لصغر عمرها مقارنة بعمر زوجها، وما ضاعف من تحرجها، هو توضيح "أمل" لكلمات زوجة ابنها:


-يعني عاصم أكبر من عز، فتوقعنا تبقي من سن زينة.


رمشت "داليا" بعينيها بتوتر، وقالت في لهجة ظهرت عادية:


-أنا مش صغيرة أوي، انا عندي تسعتاشر سنة.


حينما تداركت "أمل" حرجها، من تبدل نبرة صوتها، وعبوس وجهها، غيرت مجرى الحديث، مستطردة:


-انتي وعاصم بقى واخدين بعض عن حب؟


أزاد انتقالها إلى تلك النقطة من ربكة "داليا"، وأجابتها في تلجلج، ببسمة مهزوزة:


-ايوه.. هو ابن خالتي أصلا، وبحبه من صغري.. وهو كمان بيحبني.


كانت ملاحظة "أمل" لتوترها المبهم قوية، ولكن توقفها عن الحديث الحين؛ ربما سيشعر الأخرى بالحرج كونها هي من أتت للتحدث إليهما، لذا تابعت متسائلة:


-وعلى كده مامتك عايشة معاكم؟


طفا على عيني "داليا" بعض الحزن، وأجابتها في نبرة هادئة مشبعة بالأسى:


-لأ هو.. مامي وبابي متوفين.


شعرت "أمل" بالأسف، وأخبرتها معتذرة:


-أنا آسفة، الله يرحمهم.


ابتسمت "داليا" في مجاملة، وحتى تزيح عنها الحرج، عقبت في هدوء:


-لأ عادي.


ما كادت تنتهي حتى وقعت عيناها على الطفل الصغير الراكض نحوهما، ضمت حاجبيها في غرابة، سريعا ما زالت من وجهها، عندما ارتمى بمرح طفولي في حضن "زينة"، حينها فطنت الصلة الجامعة بينهما، وأرادفت في استشفاف لما تفقهته:


-ده ابنك؟


حملته "زينة"، مجلسة إياه على قدميها، وأجابتها مؤكدة:


-ايوه، اسمه يونس.


قربت "داليا" يدها، لامسة بأناملها بشرة وجنته الناعمة، ورددت بإعجاب بالشبه الكبير بينه وبين زوجها:


-يا روحي على جماله، فيه شبه من عاصم أوي.


علقت "أمل" عليها بنبرة لينة:


-يونس نسخة من باباه، وممكن برضه فيه من عاصم، عشان عز وعاصم شبه باباهم.


تظاهرت "أمل" بالإعتيادية في الأخير من قولها -رغم ضيقها- مع إتيانها على ذكر سيرة زوجها السابق، بينما أكدت "داليا" على ما قالته بحماس، دائما ما يظهر على صوتها عندما يتعلق الحديث ب"عاصم":


-أيوه فعلا، انا شوفت صور لأونكل كمال وهو صغير، وعاصم شبهه أوي.


لم تعلق "أمل"، واكتفت بإيماءة صغيرة من وجهها، ثم انتقلت بالحديث مرددة:


-ومامة عاصم.


ضمت "داليا" حاجبيها في غرابة من إتيانها على ذكرها، وسألتها مستفسرة:


-مالها؟


تنحنحت "أمل" بخفة، متداركة زلة لسانها المتسرعة، وسألتها في هدوء نسبي:


-عايشة معاكم؟


أجابتها "داليا" ببعض الحزن الذي ظهر في صوتها:


-طنط نيرة متوفية من حوالي سنة.


تخللت الراحة إلى نفس "أمل" في لحظةٍ من قولها، فقد كانت تخشى من مواجهة تلك المرأة، كونها تزوجت زوجها في الماضي سرا، ومؤكدا ستكن لها الكره عند معرفتها بنبأ تلك الزيجة، الذي نتج عنها أخ لابنها، وكان هذا الأمر بالتحديد من الأسباب التي كانت تحول دون موافقتها في المجيء مع ابنها للعيش هنا، ولكنها في ذات الآن لم ترِد أن تشعره بقلقها من ذلك الشأن، حتى لا تشغل فكره، خاصة مع شعورها ببؤسه الغير معلوم سببه الآونة الأخيرة، ولكن مع معرفتها بأمر وفاتها، هدأت ثورة رأسها، وعم الهدوء قليلا روحها، بشأن بقاءها في ذلك البيت، فاقت من شرودها، على صوت زوجة ابنها، الموجهة حديثها نحو "داليا"، قائلة:


-عاصم كان قالنا إنكم عندكم ولدين.


توهجت عيناه بوميض السعادة، لمجيء زوجها على ذكر طفليهما معهم قبلا، وأخبرتها ببسمة ناعمة:


-توأم، نائل ورائف، لسه عندهم شهور، ممكن ابعت حد من الخدم ينزلهم مع المربية لو عايزين تشوفو...


قاطع استرسال كلماتها المتحمسة، صوت ذكوري مهيب، لم يكن إلا لزوجها، هاتفا بإسمها من على بُعد من موضع جلوسهن:


-داليا.


انتقلت أنظارهن جميعا نحو مصدر الصوت، الذي كان يبعد عنهن مسافة ليست بالكبيرة، ظاهرا لهن جسد "عاصم" المشدود، في وقفته السامقة، انتاب "داليا" الارتباك، ونهضت على الفور من مقعدها، واعتذرت منهما في لباقة وهي تشرع في الذهاب إليه:


-عن إذنكم.


تبعتا ذهابها المتعجل كل من "أمل" و"زينة" بنظرات متوترة من حضوره المفاجئ، والذي بث القلق في نفسيهما، خاصة مع نبرة صوته الخشنة في ندائه لها، والتي أشعرتها بعدم الارتياح، ومع ابتعادهما عن مرمى بصرهما، شرد ذهن "أمل" في زوجها السابق، وتعالت خفقات قلبها، تذكرا لصوته المخيف، الذي كان يدب الرعب في كافة أوصالها، والمشابه إلى حد التطابق مع صوت "عاصم"، مما جعلها تشعر بالخوف على كل من ابنها، وزوجته، وحفيدها الغالي، من الاحتكاك به، بالأخص إذا كان حاملا -كما قال "عز"- لطباع والده القاسية، والظالمة.


تابع قراءة الفصل