-->

رواية جديدة لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني لسماح نجيب الفصل 14 - 2

  رواية جديدة لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني

من قصص وروايات الكاتبة سماح نجيب



الجزء الثاني من رواية لا يليق بك إلا العشق

رواية لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني

الكاتبة سماح نجيب



الفصل الرابع عشر

الجزء الثاني

"منافس الطاووس"


العودة للصفحة السابقة

❈-❈-❈

تركت حياء مقعدها وأقتربت منها وجلست بجوارها وهى تمسد على ذراعها بإشفاق لكونها قد عاشت تلك اللحظة الأليمة من قبل عندما عاد راسل يحمل صغير بين ذراعيه ، فناشدتها أن تكف عن البكاء بصوتها الرقيق الذى لم تستطيع إخفاء تلك الغصة العالقة به ما أن تلاقت عينيها بعينى زوجها الذى راح يرمقها بهدوء كأنه ينتظر سماع ما ستقوله ، فسرعان ما أشاحت بوجهها عنه وعادت تنظر لغزل وهى تقول كأنها توجه حديثها لراسل :


– غزل أتمنى أنك تهدى ، حتى لو فعلاً طلع إن الشاب ده إبنه ، فأنتوا بتقولوا أن ده مكنش بمزاجه وحصل غصب عنه ، يعنى مكنش قاصد أنه يوجعك ويكسرك ويكسر قلبك ويهدم أحلامك ويخليكى تحسى أنك ملكيش أى قيمة عنده ، ولا أن حبك ليه ملوش أى لازمة ، هو لحد اللحظة اللى عرف فيها كان خايف على زعلك وكان خايف يقولك بس عمى رياض اللى أصر أن الكل يعرف 


لم يعلم راسل هل تواسى غزل بحديثها هذا أم أنها تعاتبه على ما فعله ؟ ولكنها مخطئة بشأن عدم تقديره لقيمتها أو حبها له ، فربما كان ذلك هو الأدعى لأن يجعله يفكر بأن يطلق سراحها 


ما أن نظرت إليه مرة أخرى آبى أن تخسر عيناه ذلك الصراع العنيف بين نظراتهما ، فبندقيتيها اللتان كانتا تشعان عشقاً وهياماً صارتا ممتلئتان بالعتاب والغضب ، ورغم من أنه بات متيقناً من أنها صارت تعلم بحقيقة أمر الصغير وساندرا وأن أباه ربما لم يتردد بإخبارها بتلك الحقيقة التى علمها عنه ، إلا أنها لم تأتى على ذكر ذلك ، بل ظلت كما هى تتقاتل معه بحديثها وسخطها على أفعاله وأقواله ويشعر أحياناً بأنها تريد أن تثأر لقلبها منه بأن تقدم على طعنه بسكين بارد وحينها ستشعر بالسلام وأنها أخذت ثأرها منه كاملاً 


إسترعى إنتباهه ترك عاصم لمقعده مقترباً من مجلس زوجته وهو يغمغم بأسف :

– عارف أن اللى سمعتيه صعب ، بس إهدى علشان خاطرى ، والله أنا ما كنت أعرف حاجة ولا اعرف كل ده حصل إزاى 


تكتل بعينىّ عاصم شعور طاغى بالحزن على أنه تسبب بإيلامها رغماً عنه ، فتقدم منها وأخذ بيديها بين راحتيه ، لعله يحاول التخفيف عنها ، ولكن ما أن رآى الجميع ينظرون إليهما ، أخذها وذهب لغرفتهما ، فلم يختلف حالها كثيراً عما كانت عليه آثناء وجودها فى غرفة المعيشة ، بل ترجته أن يتركها تلك الليلة بمفردها رغم محاولاته العديدة فى جعلها أن تكف عن البكاء متذرعاً بأن ربما الأمر بالنهاية سيفضى إلى أن ذلك الشاب ماهو إلا مدعياً كونه إبنه ولاينتمى له أو لعائلة النعمانى 


❈-❈-❈


تدفق الأدرنالين بشرايينه ما أن حطت الطائرة بالممر الخاص بالهبوط ، وأسرع بترك مقعده وهو يوكز صديقه " عماد " فى كتفه بإبتسامة عريضة ، فها هما قد عادا للإسكندرية مرة أخرى ، ولكن تلك المرة عاد بدعوة صريحة من كبير عائلة النعمانى ، والتى علم نسبه إليها من قصة أخبرته إياها والدته وهى على فراش الموت ، وإذا كان قبل الدعوة بكل ترحيب وسرور ، فليس هذا معناه أنه جاء من أجل تخريب حياة والده ، ولكن دفعته رغبته فى أن يشعر بتلك العاطفة التى عاش محروماً منها ولم يعلم كيف يكون طابع الحياة بين الوالد والإبن ، فحتى والدته لم تفكر فى الزواج ، بل ظلت إمرأة عزباء تعتنى به وتدلله حتى صار شاباً ومطرباً مشهوراً ، والعلاقة بينهما كانت على خير ما يرام حتى يوم وفاتها ، وبالرغم من علمه بحقيقة ما فعلته بماضيها إلا أن ذلك لم يتسبب فى زعزعة حبه لها ، وحافظ على ذكرياتهما سوياً ولم يجعل أى شئ ينال منها 


بعد إنتهاء معاملتهما فى المطار وجدا رجل يحمل لافتة صغيرة كتب عليها بالعربية والفرنسية " السيد أدم جوزيف " فرفع أدم يده باسماً وصاح بتهليل :

– ده جاى علشانى أنا عماد ، أكيد جاى من قصر النعمانى 


سعادته البادية على وجهه وصيحته المتهللة ، جعلت بعض الأفراد الذين جاءوا من أجل إستقبال العائدين من الخارج ، ينظرون إليه وهم يضحكون ، كمن وجد كنزًا وصار يهلل إعراباً عن سعادته 


جذبه عماد من مرفقه وهو يهتف به :

– إهدى يا أدم الناس بتتفرج عليا ، كويس أن محدش أخد باله منك وعرف أنت مين كانت هتبقى فضيحة على السوشيال ميديا 


ما أن سمع أدم قول صديقه ، مد يده على الفور يتحسس نظارته الشمسية والقبعة الموضوعة على رأسه ، كونه حرص على أن تكون عودته للإسكندرية تلك المرة بنطاق السرية ، وحتى لا تثار الأقاويل والشكوك حوله 


بهدوء إقترب من الرجل الحامل اللافتة ، والذى لم يكن إلا أحد رجال رياض النعمانى المخلصين ، فهتف به أدم بصوت خافت :

– أنا أدم جوزيف


أحنى الرجل رأسه قائلاً بإحترام وهو يشير إليه بأن يرافقه :

– أهلا أدم بيه أتفضل معايا ، رياض باشا بعتنى علشان أوصلك لحد عنده فى قصر النعمانى


رافقاه حتى السيارة السوداء الفارهة ، والتى تم صفها بالخارج ، فأسرع الرجل بفتح باب السيارة ودعاهما لصعودها ، وما أن أنتهى من وضع حقائبهما وأغراضهما و تأكد من أخذهما لأماكنهما ، جلس خلف المقود ، ليقود السيارة ويصل بهما لمنزل سيده 


أنتبه أدم على شرود عماد وأنه يتحاشى النظر إليه وأكتفى بأن يراقب الطريق من نافذة السيارة ، فحمحم أدم قائلاً بلهجة المعتذر :

– عماد أنت زعلان منى 


إلتفت إليه صديقه وعاتبه بعينيه قبل لسانه ، وما لبث أن قال بضيق :

– أنت مش شايف دى حاجة تزعل ، يعنى إحنا أصحاب العمر ده كله وتخبى عليا حاجة زى دى 


زفر أدم زفرات متتالية ووضع يده على عيناه وضغط على كلتاهما كأنه شعر بألم مفاجئ بهما ، فرد قائلاً بتيه :

– صدقنى أنا لحد دلوقتى مش مصدق اللى بيحصل ، أو أن أنا فعلاً زى ما ماما قالتلى إن إبن عاصم النعمانى ، ومقدرتش أقول لحد ، لأن فى البداية كنت ناوى أنسى الموضوع كأن معرفتش 


رمقه عماد وهو يقول بحذر وصوت خفيض خشية سماع السائق لهما :

– طب إيه اللى خلاك دلوقتى وافقت تيجى تقابل اللى بتقول عليه والدك ، أوعى يا أدم تكون رجعت علشانها ، دى دلوقتى المفروض مرات عمك وهنا مجتمع شرقى أنت فاهمنى 


حرك أدم رأسه بيأس ، وأراد تغير دفة الحديث ، فصاح قائلاً وهو يشير بيده لذلك القصر المنيف ، الذى بدا على بعد عدة أمتار :

– شوفت قصر بالجمال ده قبل كده 


أثنى عماد على رُقى القصر ، كأنه تحفة معمارية رائعة الجمال تم بناءها لتناسب أحد الملوك من تلك العصور الذهبية ، وما أن وصلوا للباب الداخلى ، ترجل أدم من السيارة وتبعه صديقه 


ضيقت ساندرا عينيها وهى واقفة فى شرفة غرفتها بعدما رآت هذان الزائران ، واللذان لا تعلم أى شئ بشأنهما ، إلا أنها غمغمت بدهشة وتعجب ما أن دققت النظر فى وجه أدم :

– مش ده أدم جوزيف ، بيعمل ايه هنا وجاى ليه ؟



 وجدا أدم وعماد الباب مفتوح على مصراعيه وإثنتان من الخادمات تبتسمان لهما وتشير إليهما بالدخول ، ومن ثم إصطحبهما رجلان آخران حتى وصلا لمجلس رياض النعمانى 


طافت نظرات أدم فى الجالسين ، وكأن تم جمع أفراد العائلة لإستقباله هو وصديقه ، ورغم ذلك التوتر الذى بدأ بإرسال ذبذبات بمعدته ، جعلته يشعر بتقلصات من تلك الرهبة التى تملكته ما أن وجد نفسه وجهها لوجه مع عائلة والده الحقيقى 


ولكن ذلك لم يمنعه من أن يرفع يده قائلاً بإبتسامة:

– السلام عليكم 


طوال طريقه كان يبحث عن تحية ملائمة يلقيها عليهم ، وما أن علم أن تلك هى التحية الخاصة بهم ، ظل يرددها حتى لا يخطئ فى نطقها أثناء إلقاءها على مسامعهم


رد رياض تحيته قائلاً برصانة كعادته :

– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، أهلا بيك منور البيت يا أدم


لم ينبس أحد غيره ببنت شفة ، ولم يفعلوا شئ سوى أن راح كل منهم يحدق به ليرى وجه التشابه بينه وبين عاصم ، فأخفض أدم يده وقضم شفتيه من إستقبالهم الفاتر له ، ورغماً عنه راحت عيناه تبحث عنها ، لعلها هى تساهم بتخفيف حدة التوتر السائد بالمكان على الرغم من أن لا أحد منهم أظهر له مظاهر الرفض أو العداء 


رفع رياض يده وأشار إليه بالإقتراب والجلوس بجواره وهو يقول بهدوء وإبتسامة :

– تعال يا أدم أقعد 


جلس أدم على يمينه وضم كفيه وراح يفركهما بتوتر وينظر لأباه بطرف عينيه ، فمنذ أن وطأ المنزل بقدميه ، لم يظهر له أى رد فعل سوى أنه جالساً يحدق به بإندهاش 


قطع عليه رياض أفكاره إذ بدأ الحديث معه حول ما أدعاه من كونه ينتمى لتلك العائلة ، فأخبره أدم بكل ما علمه من والدته وسبق وأخبر به حياء ، وظل رياض يتجاذب معه أطراف الحديث ويستمع إليهما باقى أفراد العائلة ، وأنتهى المطاف بالحديث إلى ضرورة إجراء DNA للتأكد من نسب أدم لعاصم 


رآى حياء قادمة  ومالبثت أن قالت بإبتسامة صافية :

– حمد الله على السلامة 


إنتفض أدم من مكانه قائلاً بتهليل :

– الله يسلمك حياء كنت لسه هسأل عليكى 


إنتفاضه من مكانه بتلك الطريقة ، وتلك السعادة التى ملأت وجهه ، جعلا راسل يوزع نظراته بينهما ، وهو يتساءل عن سر معرفتها به والتى رفضت هى سابقاً إخباره عن كيفية تم التعارف بينهما ، ولكنه لم يكن ذلك الرجل ، الذى يرى شاب حتى وإن كان بصدد معرفته أنه سيكون فرد جديد بعائلته أن يبدى سعادته لرؤية زوجته ويتحدث معها بتلك الأريحية 


ترك راسل مقعده ، قائلاً بإمتعاض :

– وأنت تسأل عليها بتاع إيه إن شاء الله 


– أنت تبقى جوزها ؟ تبقى زى ما بتقولوا عمى راسل ؟

تساءل أدم بعفوية ، فطار صواب راسل من مناداته له بلقب العم ، وهم لم يتأكدوا بعد من صدق قوله 


حدق به راسل بتقييم ورد قائلاً بسخرية :

– أه أنا هبقى عمك يا ننوس دا لو أنت فعلاً طلعت إبن عاصم ، بس متبقاش تقولى يا عمى مبحبهاش الكلمة دى ، قولى يا راسل 


لا يمكن أن يتصور أحداً من الجالسين ، كم تشعر حياء بالإنتشاء من محاولات أدم العفوية بإزعاج زوجها البارد ، فلو كانت بمفردها لقفزت فرحًا وصفقت بيديها على أن رآت بوادر خروج زوجها عن طوره ، ورغم ذلك ظلت محافظة على رابطة جأشها وابتسامتها الأنيقة 


ورغبت بسكب المزيد من مواد الإشتعال على نيران زوجها ، إذ قالت وهى تتدعى البراءة :

– أدم معلش هو بالرغم من أن فرق السن بينكم ييجى حوالى ١٣ سنة بس راسل زى ما أنت شايف كده سبور أوى فى تعامله مع اللى حواليه ، حتى ميس بنت أخوه بتقوله يا راسل ،فعايزك تبقى زيها وتناديله بإسمه 


هز أدم رأسه وهو يقول بهدوء:

– تمام حياء ، وأنت برضه هقولك حياء ، علشان أنتى مراته


وقف راسل بالمنتصف بينهما قائلاً بسماجة :

– لا أبقى قولها طنط حياء يا حبيبى 


فهم أدم تلميح راسل له من فوره، فرد قائلاً بدهاء:

– بس دى هى أصغر منى ، أه هى المفروض مرات عمى ، بس ده ميمنعش أن أناديها بإسمها 


كأنها مسرحية بين ثلاثة أشخاص ، يأدى كل منهما دوره ، فى حين أن باقى الأفراد جالسون يشاهدون ما يفعل هؤلاء الثلاثة ، والذين أتخذ الحديث بينهم منحنى أخر ، كأنه تمهيد لبدء مشاجرة بين رجل وشاب يحاول كل منهما وضع قواعده وقوانينه ليلتزم الأخر بها ، تفادياً لحدوث مشكلات فى المستقبل


ولكن رغبة رياض فى فض ذلك النقاش والذى يبدو عليه أنه لن يفضى بالنهاية إلا بمزيد من السخط والسخرية من جانب راسل ، جعلته ينقر الأرض بعصاه لعله يستقطب سمعهم وبصرهم 

فحمحم بصوت رخيم يتماشى مع هيبته المتوارثة من أسلافه :

– أدم أتفضل أقعد وسيب مسألة الألقاب دى لبعدين ، أو ممكن أنك تطلع الأوضة اللى خلتهم يجهزوهالك علشان ترتاح شوية قبل العشا ، أكيد أنت مرهق من السفر ، وصاحبك كمان يرتاح 


فمنذ وصولهما كان عماد جالساً بصمت يتابع الحديث بين أفراد العائلة ، والذى إقتصر على ثلاثة منهم فى حين أن ظل الباقيين جالسين بصمت مطبق كأنهم تماثيل من الشمع ، فما أن سمع قول كبير تلك العائلة ، أسرع بترك مكانه وأقترب من أدم يجذبه من ذراعه بعد مجئ الخادمة التى سترافقهما إلى الطابق الثانى حيث سيمكثان 


وما أن أختفيا أدم وصديقه بأعلى الدرج ، وأطمئن الجميع أنه لن يكون بإمكانهما سماع ما سيدور بينهما من حديث خاص بأن يقول كل منهم ما شعره تجاه ذلك الشاب الذى زعم بأنه يحمل دماء عائلة النعمانى


فكان أول من بادر بقول رآيه هى سوزانا التى قالت بإعجاب لم تستطع نبرة صوتها الرقيقة إنكاره :

– ماشاء الله شاب وسيم وكاريزما ياريته فعلاً يطلع إبنك يا عاصم 


ما أن تفوهت سوزانا بأمنيتها وليدة اللحظة ، حتى حدقت بها غزل بقوة كأنها تستنكر قولها ، ولكنها لم تفه بكلمة ، بل هبت واقفة وتركت مجلسهم وهرعت تجاه غرفتها


نظر عاصم لشقيقته بيأس ووضع وجهه بين يديه مغمغماً بما يشبه الإرهاق :

– يعنى كان لازم تقولى كده يا سوزانا قدام غزل 


نقرت سوزانا بأصابعها على طرف مقعدها وردت قائلة بهدوء يناسبها كثيراً:

– أنا مكنتش أقصد حاجة يا عاصم ، الكلام طلع منى كده عادى ، ومتنكرش أنك أنت كمان نفسك أنه يطلع إبنك 


طغى التوتر على تلك الجلسة التى راح كل فرد يعبر عن رآيه سواء مؤيداً أو معارضاً ، حتى هتف رياض بعبارته التى كانت الفيصل لفض تلك النقاشات الجانبية منهم :

– على العموم بكرة هنعرف إذا كان أدم فعلاً إبن عاصم ولا لاء ولو أن عرفت إنه فعلاً أبنك يا عاصم حتى من قبل ما نعمل تحليل اثبات النسب


رفع عاصم رأسه ونظر لعمه مطولاً ، تحمل تعبيرات وجهه السؤال عن كيف صار متيقناً هكذا من أن أدم إبنه ، فما كان من رياض سوى أنه إبتسم قائلاً بهدوء :

– لو ركزت فيه هتشوف نفسك فيه لما أنت كنت لسه فى سنه يا عاصم دا غير الشامة اللى فى دراعه الشمال زى اللى موجودة عندك فى نفس المكان ، بس الظاهر محدش منكم أخد باله منها 


أرتفعا حاجبى راسل دلالة على تعجبه من قوة ملاحظة والده ، كأنه مازال كما هو يستطيع التدقيق بكل الأمور الصغيرة منها قبل الكبيرة ، وربما هذا سر تميزه ودليل حنكته وحكمته وذكاءه الحاد والذى شهد له بذلك كل من يعرفه حق المعرفة ، ولكن لم يكن هذا ما آثار إهتمامه وإنتباهه فقط ، بل تبادل الحديث بين ذلك الشاب وزوجته لم يثير به سوى الإمتعاض والإستياء والغيرة ، التى عصفت به ما أن رآهما يتحدثان كصديقان يعرفان بعضهما البعض منذ سنوات ، فى حين أنه الآن لا يلاقى منها سوى الجفاء ، ولكنه يعلم أنه الملام بكل ما يحدث

❈-❈-❈

ما أن أنتهى أدم من الاغتسال وخرج من المرحاض ، سمع صوت طرقات على باب الغرفة ، فأسرع بفتح الباب وهو يجفف رأسه بالمنشفة ، فإبتسم ما أن وجد الطارق لم يكن أحد سوى عاصم ، والذى إستأذنه فى الدخول ، لرغبته فى أن يتحدث معه قبل العشاء ، فهو لم تسنح له الفرصة للحديث معه ، إذ لم يكن تخلص نهائياً من شعور الدهشة والصدمة وهو يرى بعد مرور تلك السنوات الطوال ، نتيجة لتلك الخطيئة التى لم يفعلها بإرادة منه ، بل أنه لا يتذكر ما حدث بليلتها سوى رد فعل غزل بعد إقتحام الغرفة ووجدته هو وتلك المرأة بفراش واحد 


أشار أدم إليه بالدخول وهو يقول برنة صوت مليئة بالحماس :

– أتفضل 


ولج عاصم الغرفة وجلس على تلك الأريكة المواجهة للفراش ، فضم كفيه قائلاً بهدوء :

– طبعاً الموقف اللى إحنا الاتنين فيه غريب شوية المفروض إن إحنا أب وإبنه محدش فيهم كان يعرف التانى طول السنين دى كلها ، بس دلوقتى الوضع مختلف ولسه هياخد شكل تانى بعد ما نعمل تحليل DNA ، ولو أنت فعلاً طلعت إبنى مش هكدب عليك واقولك إن مش هبقى مبسوط وخصوصاً أنا لحد دلوقتى ربنا مرزقنيش بأطفال ، بس عايز أقولك برضه أن غزل مراتى دى حب عمرى كله ، واتمنيت أن ولادى كلهم يكونوا منها ، بس لو ربنا رايد إنك تكون إبنى ، فأنت هتبقى أدم عاصم النعمانى وهيبقالك حق فى إسمى وفلوسى وكل ما أملك ، بس هطلب منك طلب ، أنك متزعلش من غزل ، لأنها مش هتتقبلك بسهولة 


هزت أدم رأسه موافقاً على أبداه عاصم من نصائح له ، فرد قائلاً بهدوء :

– تمام ، وأنا مش حابب أسببلك مشاكل ، ولو فعلاً طلعت إبنك ولو مش عايزنى أقعد هنا ، أنا هرجع فرنسا ، بس إسمحلى إن أجى أزورك أو أنت تيجى تزورنى وبكده أكون بعيد عن مراتك علشان متضايقش



نهض عاصم عن الأريكة وأقترب منه رابتاً على كتفه قائلاً برفق :

– متفكرش فى الموضوع ده دلوقتى هسيبك تجهز علشان العشا 


نهض أدم هو الآخر ، فكان قريباً من عاصم إلى ذلك الحد ، الذى أغرته نفسه المشتاقة للشعور بحنان الأب بأن يلقى بنفسه بين ذراعيه ، ويحصل على عناق الأب والإبن الأول فى حياته ، وربما بتلك اللحظة تحالفت أمنياته مع أمنيات عاصم ، فلم يتردد بجذبه له والربت على ظهره بحنان ، فرفع أدم ذراعيه وربت على ظهر عاصم ، وإبتسامته تزداد إتساعاً ، من شعوره بذلك الود من ذلك الرجل المفترض أنه والده


فبعد مرور بضع ساعات وعندما حان وقت العشاء ، وجلس الجميع حول المائدة الطويلة ، كانت ميس هى أول من بادرت بجذب أطراف الحديث مع أدم ، فرمقته بإبتسامة ودية وتساءلت :

– هو أنت دارس إيه يا أدم غير أنك مغنى ؟


بادلها أدم إبتسامتها بإبتسامة أشد حلاوة ورد قائلاً بحماس غير معهود :

– أنا معايا شهادة فى الهندسة المعمارية ، بس طبعاً مش بشتغل مهندس حالياً أنا مغنى بس 


رفع راسل شفته العليا قائلاً بسخرية :

– وهو أنت كل طموحك تبقى مغنى وخلاص  


لم تشأ حياء أن تجعل فرصة جديدة تهرب منها بأن تجعل دماء زوجها تصل لدرجة الغليان ، فوضعت الملعقة من يدها وإستندت بمرفقيها على حافة الطاولة وأسندت ذقنها لكفيها المضمومين قائلة بمكر :

– الصراحة أدم فى الغناء وعزف الجيتار ممتاز جدا من أجمل الأصوات اللى سمعتها 


حسناً ...فهى يبدو عليها التصميم الكامل بأن تصل به لأقصى درجات الغضب من مديحها المستمر بأدم ، ولا تعلم أن كل كلمة تتفوه بها تجعله راغباً فى أن يقبض على فكها ليخرسها عن الكلام ، فأن تمدح غيره ولم تعد تبالى به ؛ لهو شعور مميت ، وربما علم الآن كيف كانت تشعر بالسوء من محادثته لساندرا وأنه كان متصنعاً اللامبالاة تجاهها ، فهو لا يلومها ولا يمكن أن يضع عليها أحد اللوم بأنها تحاول الثأر لكبرياءها الجريح من أفعاله معها 


فتلك النيران التى نشبت بداخله من علمه بأن ديفيد كان سيمكث معهم بالمنزل ، لاتوازى أو تعادل ذلك الشعور بالإحتراق الذى يشعر به الآن من أن ذلك الشاب سيقيم معهم فى القصر ، فالكل على علم ودراية بأى مشاعر مكنونة لدى راسل تجاه عاصم وشقيقته سوزانا ، فما بالهم الآن وهو يرى شاب يحمل دماء عاصم وليس هذا فقط ولكن يبدو عليه متبجحاً فى التفكه والمزاح مع الجالسين على الرغم من أنه لم يتجاوز الحدود المتعارف عليها من أن يكون مهذباً ولطيفاً بحديثه معهم ، وأن لا يبادر بالتصرف على أنه أحد ملاك ذلك القصر قبل أن يتيقن من ذلك الأمر 


– اللهم طولك يا روح

غمغم بها راسل بصوت منخفض وهو مازال مستمعاً للحديث الدائر بين الجالسين حول مائدة الطعام ، فتمنى أن تنتهى تلك الجلسة العقابية ، قبل أن يقدم هو على إرتكاب فعل أحمق يتنافى مع هيبته و بروده المعتاد 


بعد إنتهاء جلستهم بغرفة المعيشة، ودقت الساعة الحادية عشر تقريباً ، أصدر رياض أمراً لطيفاً وهو يقول بصوته الرصين :

– أتفضلوا كلكم علشان تناموا وترتاحوا وأنت كمان يا أدم علشان الصبح هتروح مع عاصم مستشفى راسل علشان تعملوا تحليل DNA 


انقضت الليلة بعدما كان وصل راسل لحافة صبره ، ونفذت طاقته على إحتمال سماع الحديث الدائر بين أفراد العائلة ، ومما زاد بإمتعاضه رؤية تلك الإبتسامات والوجوه التى تشع بالبهجة فى تلك الجلسة التى تندروا بها حول عدة أمور ، متحاشيين ذكر السبب الأساسى لإجتماعهم ، ولكن أقر بقرارة نفسه أن أدم لديه حضور طاغى ، وإلا ما كان إستطاع جعل الجميع يتناوبون على سؤاله عن أى أمر يخص حياته الشخصية أو الخاصة بشهرته كمطرب لديه العديد والعديد من المعجبين والمعجبات 


ما أن وطأ الغرفة بقدميه صفق باب غرفته خلفه بقوة ، وبالحقيقة هو لم يلج لغرفته إلا بعدما تأكد أن أدم خلد للنوم بتلك الغرفة القريبة من غرفته ، كأن لم يكن يكفيه أن من الممكن أن يصبح أحد ساكنى القصر حتى يسكن إحدى الغرف القريبة منه ، ولكن جفاه النوم وظل ليله بأكمله مسهدًا متنقلاً من الغرفة للشرفة وظل فراشه مرتباً كما هو ، أى منذ عملت إحدى الخادمات على ترتيبه بصباح ذلك اليوم الذى شعر أنه لن ينتهى 


ولكن واتته رغبة مُلحة بأن يرى حياء ولن يكون هناك ضير من أن تسمح له بالمبيت لديها الليلة ، فهو يريد أن يتحدث معها وحسب ، ولكنه لم يستطع فعل ذلك لعلمه بأن زوجته ربما أتخذت إحتياطاتها اللازمة لتضمن عدم إقتحامه لغرفتها 


أنبلج الصباح ، وبعد إنتهاءه من روتينه اليومى ، خرج من الغرفة يشعر بنشاط خلاف لذلك الإرهاق والذى لابد أن يشعر به نتيجة عدم خلوده للنوم بالأمس ، ولكنه معتاد على ذلك الأمر منذ سنوات ، وحمد الله أنه اليوم لن يكون لديه جراحات عاجلة ، حتى إذا حدث ذلك سيجعل أى طبيب أخر يلج لغرفة الجراحة نيابة عنه ، فهو لا يستطيع المخاطرة بحياة المرضى إذا ولج لغرفة الجراحة ولم يكن بكامل طاقته ووعيه المطلوب 


لدهشته وجدهم أنتهوا من تناول الإفطار ووجد عاصم وأدم على أهبة الإستعداد لمرافقته إلى مشفاه ، ولكنه تجاهلهما عمداً وجلس على المائدة التى لم تبدأ الخادمات بتنظيفها وحمل أطباق الطعام والذهاب بها للمطبخ 


رمقهما بنظرة مطولة ولكن قال ببراءة وهو يضع قطعة من الجبن بفمه يمضغها ببطئ :

– أعذرونى بس لازم أكل قبل ما أخرج مينفعش أروح المستشفى على لحم بطنى 


بادر أدم بالرد قائلاً بإبتسامة عفوية :

– براحتك راسل إحنا هنستناك 


ما أن ختم عبارته لراسل نظر لعاصم ومازالت إبتسامته تزين محياه الوسيم ، فإبتسم له عاصم إبتسامة متوترة نابعة من شعوره بالإمتعاض لعلمه بأن أفعال راسل ناتجة عن محاولته لإغاظته ، وكأنهما لن يلتقيا بنقطة تفاهم أبداً ، فإن كان فشل بفعل ذلك مع أباه ، هل يظن أن الأمر معه سيكون مختلفاً ؟


بعد نجاح راسل بأن يجعل مخزون صبر عاصم ينفذ نهض من مقعده وأخبرهما بأنه على إستعداد لمرافقتهما ، فذهبوا ثلاثتهم للمشفى ، ومن ثم بدأ راسل بالإشراف على إجراء اللازم لإثبات النسب ، وبعد إنتهاءهم نظر راسل لأدم نظرة عابرة وقال ببرود :

– أول النتيجة ما تظهر هجبلكم التقرير على البيت ، فدلوقتى ممكن تتفضلوا تروحوا


– شكراً يا دكتور راسل

نطق بها عاصم بلهجة طفيفة من السخرية ، فلا أحد يعلم كيف يصبح الأمر بينهما عندما يبدأ إبن عمه بمضايقته ولكن نظراً لوجود أدم والذى لم يريد له أن يطلع على خفايا المشاعر بينه وبين راسل المتسمة دائماً بالبرود والنفور ، أخذه وخرج من إحدى غرف المشفى ، قبل أن تبدأ مشادة كلامية بينهما


فى مساء اليوم التالى ، عاد راسل للمنزل وهو يحمل التقرير الطبى الخاص بإختبار إثبات النسب ، وكأن كان الجميع بانتظاره فى غرفة المعيشة ، فبعد أن ألقى عليهم التحية ، أقترب من عاصم قائلاً وهو رافعاً التقرير أمام عيناه :

– التحليل أثبت أن أدم فعلاً إبنك 


وكأن بعبارته تلك أشعل فتيل إحدى القنابل أو المفرقعات ، فحتى تلك اللحظة كانت غزل تأمل بأن كل ذلك ما هو إلا وهم وإدعاء من ذلك الشاب ، ولكن هدم راسل أمانيها ، فلم تمنع نفسها من أن تشهق بصوت مسموع وعيناها دامعتان و لم تكتفى بذلك بل فرت هاربة من غرفة المعيشة لتلتجأ لغرفتها لعلها تستطيع البكاء والنواح بحرية ، فتبعها عاصم للغرفة وجدها تجلس على المقعد بجوار الفراش دافنة وجهها بين راحتيها وصوت بكاءها مسموع له بكل وضوح 


– غزل حبيبتى إهدى أبوس إيدك كفاية عياط عينيكى الحلوة دبلت من كتر ما عيطتى يا حبيبتى


قالها عاصم وجثى راكعاً على إحدى ركبتيه أمامها ، يرمقها بتوسل أن تكف عن بكاءها الذى مزق نياط قلبه فلم تبرح الدمعات عينيها منذ سماعها بشأن أنه من المحتمل أن يكون لديه إبناً شاباً من إمرأة أخرى ، حتى وإن كانت تعلم بشأن أنه ليس مذنباً بذلك الأمر بإرادته الحرة ولكن يكفى أن ترى تلك الخطيئة تمشى على قدمين ومتجسدة بشاب بالغ     

 

حدقت به غزل ملياً ومن ثم مسحت وجهها وهى تقول بصوت مزقه كثرة نشيجها ولوعتها :

– دلوقتى بقى عندك إبن كبير يا عاصم من واحدة غيرى ، حتى الفرحة دى كمان مكانتش من نصيبى ، كان نفسى أكون أنا أم أول أولادك ، ويوم ما أفتكرت إن أمنيتى دى إتحققت ضاعت فرحتى 


لم يفته تلميحها الذى بدا له للوهلة الأولى مبهماً ، ولكن ما أن أمعن التفكير بشق جملتها الأخير ، حملق بها فاغرًا فاه قائلاً وهو مشدوهاً :

– أنتى تقصدى إيه بكلامك ده يا غزل ، أنتى ....


لم يكمل حديثه فتولت هى تلك المهمة عنه ، إذ مسحت وجهها قائلة بصوت إستجمعت شجاعتها لكى يخرج متزناً دون تلك الرجفة التى خلفها بكاءها :


– أيوة يا عاصم أنا حامل 


يتبع....