-->

رواية جديدة لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني لسماح نجيب الفصل 18

 

  رواية جديدة لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني

من قصص وروايات الكاتبة سماح نجيب



الجزء الثاني من رواية لا يليق بك إلا العشق

رواية لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني

الكاتبة سماح نجيب


الفصل الثامن عشر

" أنتِ إمرأتى وجذورى "



أنزلقت نظراتها من رأسه المكلل بشعره الأسود ، الذى تضارب لونه مع غطاء الوسادة الأبيض ، إلى وجهه ذو التعبيرات الهازئة والذى يبدو أنه مستمتعاً بحيرتها ، مروراً بصدره الذى إلتمع جلده تحت تلك الإنارة الخافتة على جانبى الفراش ، وساقيه الطويلتين اللتان وصلتا لحافة الفراش الواسع ، الذى كانت تغرق بين طيات أغطيته بجسدها الذى إزداد نحوله منذ أن تركها 

أرادها أن تتيقن من صدق حديثه ، فترك الفراش وأخذها من مرفقها حتى وصلا غرفة الثياب ، رفع يده يشير إلى ذلك الجزء الذى تم تخصيصه لثيابه ، فتجولت ببصرها فى تلك الأرفف التى كانت خاوية حتى مساء اليوم ، ولكنها صارت تعج بثيابه العملية والبيتية ، تعجبت حياء من عدم ملاحظتها لثيابه عندما ولجت للغرفة وأخذها ثياب لها ، فربما إنشغالها بالتفكير فيما فعلته معه ، جعلها تتصرف بآلية ولا تنتبه لأى تغير طرأ على غرفتها ، أو إذا أنصفت القول غرفته 

فيما مضى كانت تلك غرفته وكانت هى من تسكنها معه ، وظلت مقيمة بها بعد رحيله ، ولكنه عاد ثانية ليفرض هيمنته وسيطرته ، على ذلك الحيز الوحيد الذى تأخذ راحتها به ، وتتعرى من جمودها وتستطيع أن تكون على سجيتها ، خلافاً لإبتساماتها المصطنعة وكبرياءها الواهى 


إلتفتت برأسها إليه وتساءلت بنبرة جامدة :

– وده إسمه إيه بقى يا راسل ؟


دفعها برفق حتى وقفت أمام تلك المرآة الطويلة ، والتى أنعكس على زجاجها صورتها من رأسها حتى أخمص قدميها ، ولا تدرى لما جعلها تقف أمام المرآة ، ولكن لم تدوم حيرتها طويلاً ، إذ وجدته يقف خلفها ، حتى باتت تشعر بدقات قلبه تصدر صوتاً ورجفة بعمودها الفقرى ، فقبل أن تفكر فى الإبتعاد لكى تحل إلتصاقه بها ، وجدته يمد ذراعيه ويطوقها بهما ، بل عمل على ضمان بقاءها بينهما بأن تشابكت أصابعهما سوياً ، وأحنى رأسه على كتفها 


شهقت حياء من جرأته التى لم يعد لها حد ، وتململت بين ذراعيه تحاول الفكاك منه وهى تقول بصوت مختنق :

– إيه اللى بتعمله ده ، ثم أنا سألتك سؤال جاوبنى بتعمل ايه فى أوضتى ؟


– مبعملش حاجة جديدة يا حياء ودى أوضتنا اللى شافت نصيب من ليالى حبنا

بدا صوته الخافت معبأ بأشواق خرجت من بين شفتيه ، قاصدة حواسها ، التى يعلم كيف يجعلها تشعر بالخدر ولا تبدى إعتراضًا 


تعذبت ما أن تذكرت تلك الليلة التى رواها بالعشق وأيقظها على الغدر ، كأنها متاع رخيص ، حاول الإستفادة منه قدر إستطاعته قبل أن يلقيه ولا يلتفت إليه ،إنتفضت ما أن مرت الذكرى بمخيلتها ، فحدقت بصورته المنعكسة أمامها على المرأة ، وقالت بإشمئزاز وقهر :


– ليالى حبنا اللى أنت سقتنى فيها السم ، خلتنى أحس أن زى أى واحدة من الشارع ، قضيت معاها الليلة ورمتها ومسألتش فيها لأنها متهمكش فى حاجة أكتر من أنك تاخد منها حقوقك كزوج غير كده هى متلزمكش  


دام الصمت لبرهة ومن ثم عادت تستأنف حديثها المرير :

– زى اللى بتعمله دلوقتى ، حسيت فجأة بندمك وبتحاول تعتذر علشان بس تلاقيك زى أى راجل عايز أى واحدة ترضى غروره كراجل ، وبما أنك ملكش فى الشمال فقولت فى نفسك وماله ماهى مراتى لسه موجودة واخد منها اللى أنا عايزه ، مش هو ده تفكيرك يا راسل ، بس مكنش ليه لزوم كل اللى بتعمله ده ، كنت تعال وقولى أنا عايز مراتى ، وأنا مكنتش هكسفك ، زى دلوقتى كده 


إستدارت بين ذراعيه ونزعت عنها حجابها وثوبها الطويل ، ولم يتبقى سوى ذلك الثوب القصير ، الذى دائماً ترتديه أسفل ثيابها ، ولم تكتفى بذلك ، بل أقتربت من ثياب نومها ورفعت عدة أثواب بين يديها وأضافت :


– تحب ألبسلك أى واحد فى دول ، أختار وأنا ألبسهولك ، ولا أنت عملت حسابك وإشتريت حاجة جديدة علشان خاطر مزاجك ، أصل عارفة أن مزاجك عالى وبتحب تشترى الحاجة اللى تخليك مبسوط ، زى ما أنت فاكر كده إنك إشترتنى أنا كمان ها قولى 


حديثها الساخر الذى راحت تقذفه به ، جعله يقف متصنماً ، كأنه تمثال من الشمع ، حتى أنه لم ينتبه على شعرها القصير ، و ظل محدقاً فى وجهها ، وكأن الدماء نضبت من عروقه ، ولكن بجهد إستطاع أن يقول بصدمة :

– إيه اللى بتقوليه ده يا حياء ، إزاى تفكرى كده 


كل منهما يحاول أن يستعرض ذكاءه على الأخر ، ويظن نفسه أنه قادراً على فهم ما يدور بعقل من يقف أمامه ، وكلاهما يحاولان ممارسة سلطتهما وتأثيرهما على ما يظناه النصف الأضعف والقابل للإنصياع ، ولكن الأمور بينهما إزدادت سوءاً ، وأتسعت تلك الهوة بينهما ، حتى لم يعد أى منهما قادراً على سد تلك الفجوة أو ترميم ذلك الصدع الذى أوشك على هدم حياتهما 


– إيه قولت حاجة غلط مش هى دى الحقيقة يا حبيبى 


أرتجفت شفتاها وحاولت السيطرة على دموعها التى ملأت مقلتيها ، ولكنها أبت أن تطرق برأسها أرضاً ، وظلت تحدق به كند له ولن تعلن هزيمتها مهما بلغت خسائرها 


فما كان منه سوى أن قبض على كلتا جانبى رأسها بكفيه ، وبدا أنه على وشك عصرها ، فأحناها قليلاً للخلف ، لكى ينظر فى عينيها بهيمنة ، فقال من بين أسنانه والغضب يكتسح ملامحه :

– حقيقة إيه يا حياء ، وإزاى يخطر فى بالك أن أنا ممكن أفكر فيكى بالطريقة دى ، أنت مراتى وحبيبتى ، ساكنة ضلوعى وجذورى ، وأنتى حقيقتى فى الدنيا دى ، مستحيل أنظر ليكى نظرة مختلفة عن أنك نصى التانى وتؤام روحى 


رفعت يداها ووضعتها على يداه لتسحبهما عن رأسها ، فضغط كفيه لا يطاق ، ولكن خرج صوتها متألماً وهى تقول بنبرة متحشرجة :

– حلو الكلام ده يا راسل ماهو مفيش أسهل منه ، لكن تصرفاتك غير كلامك ، متحاولش دلوقتى تطلع نفسك برئ ، كل تصرفاتك معايا أثبتت ليا إن أنا ولا حاجة بالنسبة ليك ، متجيش دلوقتى تضحك عليا بكلامك 


قبض على خصيلاتها بحنان ، ومرر يده بينهما إلا أن جولته بين طياتها أنتهت بسرعة ما أن وصل لأطرافها القصيرة ، فهنا وأدركه الفهم ، أنها لم تبقى على شعرها الطويل ، فجن جنونه وهو يلمس أطراف شعرها قائلاً بدهشة :

– أنتى قصيتى شعرك يا حياء ، معقولة اللى أنا شايفه ده ، إزاى تعملى كده ، إزاااى 


ما أن صاح بعبارته أزاحت يديه وأرتدت بخطواتها للخلف واضعة شعرها خلف أذنيها قائلة ببرود وفتور :

– وفيها حاجة لما أقص شعرى ، أنا حرة فيه أقصه أخليه طويل دى حاجة تخصنى أنا بس ، أنت زعلان ليه وبتزعق فيا ، عايز تتحكم حتى فى شعرى  


عادت عيناه تحملق بها وهو ما زال مذهولاً ، فحلمه الدافئ بأن يعود يوماً ويدفن وجهه بين طيات شعرها الحريرى ويهمس بأسراره بين جدائلها ، التى كان يهوى هو أن يجدلها بيديه مثلما كان يفعل مع إبنته ، لن يعود بإمكانه الحصول عليه ، إذ أحرقت أمنيته تلك بمقص جائر راح يهدر أطراف شعرها الحريرى ، ليكسبها مظهراً لم يعتاده ، كأنها أرادت طمس تلك الملامح التى كانت راسخة بذهنه ، ولتجعله يستبدلها بأخرى ، ربما سيأخذ وقته قبل أن يعتادها ، فلو كان التوبيخ والتأنيب والتقريع قادراً على إعادتها لصورتها الأولى ، لكان قضى ليلته بأكملها يأنبها على ما فعلت 


– الظاهر فعلاً إنك أتغيرتى يا حياء ، كل حاجة كنت بحبها فيكى بقيتى تغيريها ، كأنك بتقوليلى إن مراتى اللى أعرفها خلاص مبقاش ليها وجود


قالها همساً بصوت مبحبوح ، كأن تلك الغصة التى تكونت بحلقه منعته من أن يخرج صوته طبيعياً 


– أيوة أتغيرت يا راسل ، زى ما فى حاجات كتير أتغيرت فى حياتنا ، إحنا بقينا عمالين زى اللى بيدور فى دايرة مقفولة ، بنلف ونرجع لنقطة البداية تانى ، ومبقتش عارفة مين فيا الأقوى أو اللى قادر يضحك على التانى 


رفعت وجهها بإباء ما أن أنتهت من قول عبارتها ووجنتيها اللتان شحبتا فجأة ، بدت بهما عظامها الغائرة ، وكأن سقط عنها تلك الملامح الزائفة ، ليبرز من خلفها حقيقتها المرهقة والمعذبة وشحوبها الذى لم يسكن وجهها فقط بل أن روحها ما عادت تملك رونقاً ، كتلك الأيام الخوالى التى كانت تعيش بها منعمة ومترفة بنعيم الحب ، الذى لم يدم طويلاً ، بل جاءت النهاية أبكر مما كانت تظن ، فأن تنعم بأشهر قلائل لم تخلو من العثرات ، ويأتى بعدها أيامها الخاوية ، لهو بالأمر الذى تستحق أن تكافئ عليه من أنها مازالت صامدة رغم كل ما حل بها من نوائب وكوارث ، كانت كفيلة بالقضاء عليها حتى رمقها الأخير 


فركت يديها ببعضهما وسرعان ما قالت بإبتسامة متألمة نابعة من قلبها المتكتل بالغصات الأليمة :

– أنت عارف لما سبتنى ، كنت كل يوم أدعى ربنا وأتمنى أنك ترجع حتى لو رجعت وأنت زعلان منى ، بس كنت هحاول أفهمك إن أنا مليش ذنب وكنت مستعدة أنسى اللى حصل ونبدأ حياتنا من تانى طالما الخطر والشر بعد عننا 


صمتت لهنيهة ومن ثم ضحكت ساخرة من حالها وتلك الدمعات تتسابق فى الإنسكاب على وجنتيها الشاحبتين ، فتابعت حديثها :

– بس إكتشفت إن كنت ساذجة فى تفكيرى ، لأن الخطر الحقيقى مكنش فى وجود عمى أدريانو أو ديفيد أخويا ، لاء دا الخطر كان حبى الزايد ليك وخوفى عليك ، اللى خلونى أوقف حياتى على وجودك جمبى ، ومفكرش فى أى حاجة تانية ، كنت بالنسبة ليا الهوا اللى بتنفسه ، دقات قلبي اللى مخليانى لسه عايشة ، وده كان غلطى أنا مش غلطك يا راسل ، إن خليت حياتى كلها وقفت عليك ، بس دلوقتى عرفت أن محدش هيمسح دمعتى غير إيدى ، وإن مهما وقعت مش هرجع أقف على رجليا تانى إلا علشان خاطر نفسى مش علشان خاطر حد ، وأتعلم إن أحب نفسى لأن أنا أستاهل أتحب ، حتى لو ملقتش اللى يقدر يحبنى   بالشكل اللى كنت بتمناه


تدفقت عبراتها وأنسكبت حتى تخضل وجهها ، وكلما حاولت محوها بكفيها ، تعود وتنهمر بغزارة ، وهى مازالت تعنف نفسها بصمت من أن تكف عن البكاء ، فهى لا تريد إثارة شفقته أو أن تجعله يرى ضعفها ، ولكن تلك هى طبيعيتها التى كرهتها مؤخراً من أنها ما أن تنفعل أو تشعر بالتوتر تبكى حتى لأتفه الأسباب 


جذبها إليه برفق وطوقها بساعديه مقبلاً لرأسها يرجوها بصوته الذى بدا ممزق النبرات :

– خلاص يا حبيبتى كفاية ، ليكى حق تكرهينى ، أنا اللى إستحق علشان ضيعت الحاجة الحلوة اللى فى حياتى ، بس والله العظيم يا حياء أنا عمرى ما حبيت وعشقت واحدة زى ما بحبك أنتى 


كأنه أدرك بوقت متأخر مدى فداحة أفعاله ، من أن يجعل صبيته الحسناء و زهرته الندية والتى أرتوت من فيض عبراتها ، أن يصل بها الحال من أن تشعر بالسوء من حبها له وشغفها به ، فكم تبدو كطفلة خائفة وحائرة ضلت طريقها إلى المنزل ، وهى تمسح وجهها بظاهر يدها وعيناها زائغة النظرات ، كأنها تبحث عن بارقة أمل أو ضوء من بعيد لتخرج من ذلك النفق المظلم الذى تاهت بين أرجاءه


أهتزت الدموع بمقلتيه تريده أن يطلق سراحها من محبسها ، فغص حلقه وهو يستأنف حديثه بندم حقيقى:

– أنا عارف إن مقدرش أرجع اللى فات ، وإن أخليكى تنسى اللى حصل ، بس لو قضيت الباقى من عمرى وأنا بحاول أخليكى ترجعى حياء اللى حبيتها فأنا مش هيأس ولا أزهق ، بس أدى حبنا فرصة تانية 


طبع قبلة دافئة على رأسها حاول تضمينها إعتذاره وندمه الذى تأكل خلاياه ، ومازال ينخر بعقله على أنه بالرغم من أنه أخذ قراره بأن يحاول إستعطافها لتغفر له مما كان بحقها ، إلا أنه مازال رافضاً البوح بأسبابه الجوهرية ، مكتفياً بأن تعتقد أنه تركها بالبداية من أجل ما حدث له من عمها وشقيقها ، فهو بحاجة لمزيد من الوقت حتى يستطيع إخبارها بما أخفاه عنها ، فالوقت الآن ليس فى صالح أحد منهما وخاصة هى ،وهو لن يغامر بأحلامها ، ويجعلها قيد المراهنة على أمنية تزداد فرص الإخفاق فى تحقيقها 


رفعت وجهها إليه وتساءلت بنبرة لجوجة :

– وعايز فرصة تانية ليه ؟ وليه لحد دلوقتى حاسة أنك بتلف وبتدور عليا في الكلام ؟


إستكانت إليه بوداعة ، خشية ألا تتحمل قدميها حملها ، فهى تعبة ومرهقة وتعيسة لأبعد الحدود ، وبدت بتلك اللحظة أنها تحدق بالفراغ وترى حياتها الماضية تسير أمامها كمشاهد لفيلم بدأ بداية حسنة ووممتعة وهادئة وسرعان ما تصاعدت أحداثه ، حتى صار درامياً ومأساوياً ولا يستطيع أحد التكهن بنهايته 


أفترت شفتيه عن تنهيدة حارة تبعها بقوله :

– حياء عايزك تقبلينى على الحالة اللى أنا فيها دلوقتى ، صدقينى الوجع جوا زيك بالظبط ويمكن أكتر كمان ، وأنا بشر بغلط ومنكرش إن غلطت ، فسبينى أصلح غلطى ، حتى لو فى الأخر أصريتى على أنك تبعدى عنى بس أكون كفرت عن غلطى فى حقك 


عملت إحدى يداه بالربت عليها والأخرى تمسد على رأسها بداية من منبت شعرها حتى نهاية أطرافه ، فبتردد رفعت راحتيها وحطت بهما على ظهره ، فأرتعد بخفة من ملمس يديها الباردتين على سخونة جلده كأنهما بأحد أيام الشتاء القارصة البرودة ، أغمضت عينيها بإرهاق بعدما تسرب دفئه إليها ، فماذا تفعل ؟ وبما تجيبه ؟ فهى حائرة تائهة ، ولا تعلم أى سبيل تسلكه لتخرج من تلك المتاهة ، فهل تقبل بعودتها إليه وبذلك يكون خدعها أكثر من مرة عوضاً عن مرة واحدة ، فأسئلة كثيرة تزاحمت بعقلها وتريد إجابة عليها ولكن يبدو أنه ليس مستعداً لأن يجيبها على ما تنوى السؤال عنه ؟ ولذلك فهى لن تقبل بعودتها إلى بصورة فعلية ، إلا إذا قدم إليها تفسيراً كاملاً عما فعله


ومن المحتمل أن الحظ كان حليفها بتلك اللحظة ، إذ سمعت طرقاً متتالياً على باب الغرفة ، وصوت سجود الباكى وهى تقول بإلحاح:

– مامى إفتحى أنا خايفة ومش لاقية بابى فى أوضته 


أنسلت من بين ذراعيه وراحت تبحث عن رداءها، بينما أخذ راسل قميصه وإرتداه ومن ثم فتح الباب لصغيرته ، التى سبقته قدميه فى الإقتراب من الباب ليعلم سبب إستيقاظها هكذا بوقت متأخر وتبكى أيضاً بصوت مسموع ، وما أن فتح الباب انحنى إليها وحملها قائلاً وهو يربت على ظهرها بحب وحنان :


– مالك يا روح بابى بتعيطى ليه كده


وضعت سجود رأسها على كتف أبيها وأخفت وجهها بين ثنايا عنقه قائلة وهى ترتجف :

– بابى كان فى ست وحشة جاتلى فى أوضتى وخوفتنى 


عقد راسل حاجبيه بعدما سمع ما قالته إبنته ، ولكنه عاد يربت عليها مطمئناً لها ، فربما شاهدت فيلماً ورآت إحدى شخصياته الشريرة بأحلامها ، فقبل وجنتها قائلاً برفق ولين :

– حبيبة قلبى متخافيش تلاقيكى كنتى بتحلمى ، أنتى أتفرجتى على فيلم كارتون قبل ما تنامى ؟


هزت سجود رأسها علامة الموافقة على سؤال أبيها ، إلا أنها عادت تحكم ذراعيها حول عنقه رافضة تركه ، وحتى لا يفكر بأن يعيدها إلى غرفتها ، ولكن ما أن رآت حياء تخرج من غرفة الثياب ، حلت ذراعيها من حول عنق أبيها ودفعت كتفيه برفق لكى يحل وثاق ذراعيه عنها لتذهب إليها 


تركت سجود والدها وركضت إلى حياء ، التى جلست القرفصاء أمامها وأحتضنتها بحنان كعادتها ، فعادت سجود تتلو عليها ما تلته على أبيها وجعلها تفزع من نومها ، ولكن وجدت السلوى بين ذراعى حياء إذ أخبرتها بأنها ستنام برفقتها الليلة 


فصفقت الصغيرة بحماس لعرض حياء المغرى ، والذى يبدو أنه لن يقتصر على المبيت لديها الليلة ، إذ يبدو أن أبيها هو الأخر سينام بجوارها على الجانب الأخر ، على الرغم من أن سنها لا يسمح لها الآن بالنوم بين والديها ، إلا أن سجود لم تعترف بعد بأنها لم تعد تلك الصغيرة التى يُسمح لها بالنوم فى غرفة والديها


– يلا بقى يا بابى أنت ومامى علشان ننام 


قالت سجود عبارتها وسرعان ما قفزت على الفراش وتمددت بالمنتصف ، وهى تشير بكلتا يداها لهما بأن يستلقيان جانبها ، تبادل راسل وحياء النظرات سوياً بصمت ، على الرغم من أنه كان بنيته أن يقيم معها بالغرفة ، حتى لو لم تكن سجود هى من تدعوه الأن للإستلقاء على ذلك الفراش ، الذى لم يتقاسماه منذ تلك الليلة التى غادر بعدها ولم يعد 


قطعت حياء حيرتهما بأن تمددت بجوار الصغيرة ، وفتحت لها ذراعيها وغاصت بينهما بإرتياح ، بينما إستلقى هو على طرف الفراش الأخر ، وترك مسافة كافية بينه وبينهما ، إلا أن سجود قالت وهى تشعر بالنعاس :


– قرب مننا يا بابى وطبطب عليا علشان أروح فى النوم 


لم يجعلها تكرر مطلبها مرتين ،إذ أقترب منهما وعلى وجهه إمارات التسلية ، بعدما رآى حياء تنظر إليه محذرة إياه من أن يقترب أكثر من تلك المسافة ، التى جعلته كاد يلمس أطراف قدمها ، ولكنه لم يكن ذلك الذى يلتزم عهداً يمنعه من أن يدنو منها ، حتى إنه أخذ أمر الربت على صغيرته وسيلة لأن يلمس ظاهر يدها من حين لأخر 


وما أن تيقنت حياء من خلود الصغيرة لنومها ، قالت بصوت هامس:

– أنت بتعمل إيه على فكرة بنتك نامت بقالها شوية وأنت برضه عمال تطبطب عليها أو لو قولت الحق بطبطب على إيدى أنا 


أدعى راسل الجهل وقطب حاجبيه قائلاً ببراءة لم تصدقها :

– إيه ده هى دى إيدك أنا أفتكرتها إيد سجود وأنا برضه عمال أقول إيد سجود كبرت ليه كده 


ألتوى ثغرها الوردى وإستطاع هو رؤية ملامح وجهها الساخرة بضوء الإنارة الخافتة بالغرفة ، إلا أنه أعاد الكرة مرة أخرى ، حتى رآها تنفض يده عنها محذرة :

– راسل بطل إستهبال شوية ، علشان أنا عرفاك ، لولا سجود كنت خليتك ترجع أوضتك دلوقتى 


لم يعنيه تحذيرها وتهديدها ، بل أن يده راحت تداعب وجنتها بلطافة ،جعلتها تأخذ أنفاسها بحذر خشية أن تستيقظ سجود ، فأدنى برأسه قليلاً منها متبجحاً بقوله :

– حتى لو مكنتش سجود جت يا حياء مكنتش هسيبك ولا أسيب الأوضة 


كزت على أسنانها قائلة بغيظ :

– ليه إحتلال ده ولا إيه يعنى ، لو أنت مصمم تقعد هنا هشوف أنا أى أوضة تانية أقعد فيها القصر مفيهوش أكتر من الأوض 


أشاحت بعينيها عن وجهه ما أن أنتهت من قول عبارتها التى خرجت منها بنبرة جافة ، لتدرأ عنها تلك الأفكار ، التى بدأت تتمحور بعقلها ، جاعلة نبضات قلبها تتصاعد ، حتى كادت تشعر بأنه كاد يحطم ضلوعها من شدة خفقانه ،ولعله يعلم أنها جادة بحديثها 



حاول بلع حديثها وقال مزمجراً بدهاء :

– مش هيحصل يا روحى ، أنتى هتقعدى مكان ما أنا قاعد ، ولولا شغلى وشغلك ، كنت خليتك تلازمينى زى ضلى علشان متبعديش عن عينى يا نور عينى ، ومش هنتكلم فى الموضوع ده تانى 


 من المحال أن يتركها تسكن غرفة أخرى غير تلك الغرفة ، خاصة وأن ذلك الشاب مازال مقيماً هنا ، فلا تعلم أى جمر يتأكل روحه وأحشاءه كلما رآى أدم ، ويراها هى تضحك وتبتسم وتتحدث معه حتى وإن كانت حريصة على الإلتزام بالعادات الأسرية من كونها زوجة له ولا تتعدى تلك الحدود الشرعية والمشروعة، التى تجعل أحد يظن أنها لا تضع لزوجها حسابها أو أنها مازالت تحمل إسمه حتى وإن كان ظاهرياً بذلك الوقت 




– راسل أنا....


لم يدعها تكمل جملتها ، إذ اسرع بوضع يده على فمها ليمنعها الكلام ، وتجنباً لثورتها التى لاحت بوادرها بعينيها الملتمعتان رغم ذلك الضوء الخافت الساقط عليهما ، إلا أنه رآى أن من الأفضل أن يحاول إسكاتها بتلك الكلمة التى قفزت إلى شفتيه وهو يقول بوله ظاهر :


– بحبك 


حيلة جديدة منه محاولاً بها أن يجعلها تنسى أو أن تمرر له ما حدث ، هكذا فكرت حياء وأقنعت عقلها بأنه لم يتفوه بتلك الكلمة إلا من أجل إلهاءها ، رغم أن بإمكانها رؤية سوداويتيه التى تشعان ببريق لطالما تمنت رؤيته ولطالما جعلت نبضها لا يهدأ ، بل دائما ما ينجح بخلق جو من الشغف الخانق بداخل أوردتها ، ولم تكن تستطع السيطرة عليه ، إذ كانت تسرع بالإرتماء بين ذراعيه وتلتصق به راغبة فى أن تسمع المزيد والمزيد على شاكلة تلك الكلمة التى يضع بها عمق صوته وسحره وتأثيره الكامل بها ، فمحاولة منها لإيقاف ذلك الإرتجاف الذى ضرب حواسها ،  شددت من إحتضان الصغيرة ، لعلها تقيها لفحات الضعف والخيبة التى بدأت تنتشر بمراكز الحواس لديها 


ولكن علام تقى نفسها وهى تحتضن قطعة منه ، تحمل دماءه وتأثيره عليها ، فدائماً سجود كانت تنجح بجعل إشتياقها رهن سيطرتها عندما كانوا يعيشون سوياً كأسرة صغيرة سعيدة ، إذ كانت تملأ عينيها من رؤية وجه الصغيرة المحبب لها لكونها إبنته حتى يحين موعد عودته إليها، ولكن يبدو عليه الأن أنه لن يكتفى بأن يجعل عواطفها حكراً على صغيرته ، بل سيعمل جاهداً فى أن ينفض الثرى عن مشاعرها ، التى حاولت يأساً دفنها بغياهب عقلها وقلبها ، فلو كانت تتمتع بذرة واحدة من الذكاء ، لكانت غادرت الفراش الآن ، أو أن تحاول على الأقل ، بألا تجعله يضع يده عليها مثلما يفعل الآن وكاد يذيب بشرتها بأصابعه القوية ، التى راحت تداعب وجنتها تارة وتمسد على شعرها تارة أخرى 

❈-❈-❈


جلسا ينتظران دورهما بعيادة الطبيبة النسائية ، التى زارها منذ بضعة أيام وأكدت لهما حمل هند ، ولكنها طلبت منها عمل بعض التحاليل الطبية والفحوصات ، للتأكد من سلامتها وسلامة ذلك الجنين الذى تحمله بأحشاءها ، فسعادتهما وبالأخص هى بلغت عنان السماء ما أن سمعت الطبيبة تهنئها بحملها ، وراحت بوقتها تحتضن زوجها بفرح مجنون متناسية أنها فى عيادة الطبيبة وأنهما ليسا فى المنزل ، ولكن سعادتها جعلتها تنسى كل شئ عدا أن تهنئ نفسها وزوجها بأنه فى القريب العاجل وبعد بضعة أشهر سيحملان صغيرهما ، والذى تمنت هند أن يكون صبياً يشبه والده بملامح الوجه وخاصة رماديتيه ، اللتان تجعلانها تشعر بفيض من المشاعر الجامحة ، والتى لا يستطيع أحد أن يجعلها تشعر بها غيره ، ولم تنسى أن تخبر والديها بأن الحفيد الأول لهما صار فى طريقه للمجئ إلى هذا العالم ، فتذكرت بإبتسامة كيف كان رد فعلهما ، إذ أحست بأن أباها ود لو كان يملك جناحان ويصل إليها ليهنئها وجهها لوجه ، حتى صارت تتخيل تلك الأوقات التى ستجمعهم برفقة طفلها 


– هو لسه كتير على دورنا ولا إيه 


مال كرم برأسه لزوجته هامساً بعبارته ، ونقر على شاشة هاتفه نقرات خفيفة دلت على شعوره الطفيف بالضيق من مكوثهما بالعيادة لمدة تزيد عن النصف ساعة ، فالممرضة لم تعلن بعد عن دورهما ، لتكدس العيادة بالنساء الحوامل 


أجابته هند باسمة وهى تنظر لتلك التقارير الطبية التى وضعتها على ساقيها :

– هانت يا حبيبى هندخل للدكتورة بعد المدام اللى عندها ما تخرج 


ضحك كرم بصوت خافت قائلاً بطرافة :

– دا اللى بتدخل جوا مش عارف بتنام ولا إيه ، دى لو بتولدهم كانوا خلصوا أسرع من كده


وكزته هند بلطف لتجعله يكف عن دعابته ، والتى حرص على أن يقولها بصوت منخفض ، بعد رؤيته للممرضة وهى تنظر إليهما عن كثب ، كأنها راغبة فى معرفة عما يتهامسان حوله ، فوضعت هند يدها قريباً من فمها قائلة من خلف ستار أناملها الرقيقة :

– بس بقى الممرضة عمالة تبص علينا كأنها شوية وتيجى تقولنا بتضحكوا على إيه 


لم ينتبها لخروج المرأة التى سبقتهما فى الدخول للطبيبة إلا بعدما نادت الممرضة بصوتها الجاف ، لتنبههما بأن دورهما قد حان ، فنهض كرم وأخذ يد زوجته وولج للداخل 


بعدما جلست هند على ذلك المقعد الجلدى أمام المكتب الصغير الذى جلست خلفه الطبيبة ، ناولتها التقارير الطبية والفحوصات ، فأخذتها منها وبدأت تمعن النظر بها جيداً ، مما أثار شكوك هند خاصة بعد رؤية تلك التقطيبة الخفيفة التى أرتسمت على جبين الطبيية الخمسينية ، والتى راحت من حين لأخر ، تعدل من وضع نظارتها الطبية ، لكى تساهم فى جعلها ترى التقارير بوضوح 


خرجت هند عن صمتها وتساءلت بقلق:

– هو فى حاجة فى التقرير أو الإشاعة يا دكتورة ؟


خلعت الطبيبة نظارتها وضمت كفيها بعدما إستندت بمرفقيها على حافة مكتبها الصغير وقالت بصدق ودون مواربة :

– هو الموضوع يا مدام هند أن حضرتك عندك عضلات الرحم مش قوية يعنى متستحملش ضغط حجم البيبى لو كبر وممكن بعد الشر يحصل إجهاض 


شحب لون وجه هند بعد سماعها ما تفوهت به الطبيبة ، و تلقائياً نظرت لكرم ، لعله هو يخبرها أنها إستمعت لشئ خاطئ أو توهمت ذلك ، إلا أن نبرة صوته التى خرجت من فمه تحمل فزعاً وهو ينظر للطبيبة متسائلاً بدهشة:


– يعنى إيه كلامك ده يا دكتورة ؟ وإيه الحل دلوقتى ؟


بدأت عينىّ هند تتجمع بهما العبرات الحارة حزناً على حلم لم تدوم سعادتها به إلا أيام قلائل ، إلا أنها أنتبهت عندما قالت الطبيبة بمهنية محاولة منها طمأنتهما :

– هو إن شاء الله خلال الحمل مدام هند تلتزم الراحة التامة فى السرير ، ولما أقول الراحة التامة أنها تنام على ضهرها خلال شهور الحمل لحد الولادة ومتعملش أى مجهود من أى نوع فاهمنى يا أستاذ كرم ، وفى الشهر التالت لو حسينا بأى خطر على البيبى ممكن نعمل عملية ربط للرحم 


أزدرد كرم لعابه لفطنته بما تعنيه الطبيبة بتحذيرها له من أن يحرص على عدم قيام هند بأى مجهود يذكر ، خاصة المتعلق بحياتهما سوياً كزوجين محبين ، فمد يده وقبض على يد زوجته قائلاً بهدوء :

– تمام يا دكتورة حضرتك إحنا هنلتزم بكلامك بالحرف الواحد ، المهم هى والبيبى يكونوا بخير 


رفعت هند كفها الأخر وأحتضنت يده ورمقته بإبتسامة عاشقة ترافقت مع إهتزاز تلك العبرات بعينيها ، ولكن ساهم صوت الطبيبة بخروجهما من تلك الحالة العاطفية ، بأن أخبرتهما بالنظام الواجب عليها إتباعه للحفاظ على جنينهما وأن تحول دون خسارتهما له 


فبعد بضعة أيام ، كانت هند تستلقى على فراشها بعدما نجحت الطبيبة فى طمأنتها و أن تجعلها تشعر بالسعادة من أنها ستتذوق حلاوة شعورها بأن تكون أم لطفل من زوجها ، ولكن لا شئ يجعلها تشعر بالضيق ، سوى أن أعباء المنزل كافة وقعت على عاتق زوجها ، فقبل ذهابه لعمله يتتهى من الأعمال المنزلية اليومية ويوصيها بعدم الحركة إلا بأضيق الحدود كذهابها للمرحاض ، ويوصى والدة سويلم بأن تنتبه عليها لحين عودته من عمله الذى حرص أن يعود منه مبكراً من أجلها 


أنتهى من إرتداء قميصه وتأهب للذهاب إلى عمله ، بعدما وضع لها طعام الإفطار بجوار الفراش لحين نهوضها ، إلا أنها أعتدلت بجلستها وهى تقول بتثائب :

– حبيبى إنت خلاص خارج ، هى الساعة كام دلوقتى ؟


نظرت هند بشاشة هاتفها ووجدت الساعة تشير للسابعة صباحاً ، فرد كرم قائلاً بعجالة وهو يدنو بوجهه منها يقبلها على رأسها :

– أيوة يا حبيبتى يادوب ألحق ، أنتى عارفة اليومين دول فى ضغط شغل والمدير مأكد علينا نكون موجودين بدرى  أنا عملتلك الفطار كلى كويس وأنا إن شاء الله هرجع البيت بدرى ، خلى بالك من نفسك سلام 


حركت هند رأسها ببطئ ونظرت لأثره وهو يخرج من الغرفة يحث خطاه على الإسراع ، فزفرت بقلة حيلة وهى تنظر للطعام الموضوع على المنضدة القريبة من الفراش ، ولكن قبل أن تمتد يدها إليه ، فكرت فى حيلة ربما تفيدها فى أن تخفف العبء عن كاهل زوجها ، وهى أن تهاتف والدتها ، وأن ترسل إليها إحدى الخادمات التى تعمل عندهما بالمنزل ، وبذلك تستطيع أن  توفر الراحة لها ولزوجها ، عوضاً عن تشتته بين المنزل وعمله