-->

رواية جديدة لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني لسماح نجيب الفصل 25 - 2

 

   رواية جديدة لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني

من قصص وروايات الكاتبة سماح نجيب



الجزء الثاني من رواية لا يليق بك إلا العشق

رواية لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني

الكاتبة سماح نجيب


الفصل الخامس والعشرون

الجزء الثاني


العودة للصفحة السابقة

❈-❈-❈



أنتهت من إرتداء حجابها ، الذى لم تكن تعلم إلى أى لون ينتمى ، إلا بعدما وضعته على رأسها ، فحجابها المائل للون الرمادى ، كان الأنسب فى أن يلائم مزاجها التعيس بذلك الوقت ، عيناها الغائرتان واللتان لم تكفان عن ذرف الدموع ،  كأنهما صارتا خاليتان من الحياة والإبصار وهى واقفة تنظر لإنعكاس صورتها على المرآة ، شفتيها باهتتين كأن الدماء نضبت منهما ، وشحب وجهها كأنها تعانى من مرض عضال ، ولكن لم يكن الداء تلك المرة يسكن جسدها ، ولكن سكن قلبها وروحها التى صارت هائمة ، كأنها تبحث لها عن مأوى 


عادت الدموع من جديد تطفو بمقلتيها ، وسرعان ما وضعت وجهها بين كفيها وأجهشت بالبكاء ، فإلى متى ستظل تبكى ؟ أو إذا صح القول ، لماذا هى تبكى هكذا ؟ أتبكى من أجله أم من أجل شعورها بنكبة وإنتكاسة لحب وليد اللحظات القليلة التى لم تدم سوى أيام ، لينجلى الوهم سريعاً وتعلم ما كان يخفيه من حقائق ، جاءت ممزقة لأحلامها الوردية ، والتى وضعت بها أمنيات فتاة إشتاقت لأن تحيا إحدى قصص الغرام ، فأى حظ تعيس هذا الذى جعلها تقع بداية فى حب معلمها وهى مازالت طالبة فى المدرسة الثانوية ، ووقعت الآن فى حب زوجها ، والذى علمت عنه حقيقة جعلت جسدها يرتعد ويرتجف ، كلما تخيلت بشاعة وهول ما كان يفعله من محرمات 


– خلصتى يا سهى

هتف عمرو بعبارته وهو يلج الغرفة ، ليسألها إذا كانت أنتهت من إرتداء ثيابها وحجابها ، حتى لا يتأخران عن موعد الغداء ، الذى دعتهما إليه زوجة أبيها ، خاصة أنهما لم يقوما بزيارة بيت والدها حتى الآن


حاولت سهى الحد من ذلك الإرتجاف الذى عصف بأطرافها كافة ، إلا أن عمرو لاحظ إرتجافها الذى بات يزورها دائماً كلما رآته أو سمعت صوته ، فحاول رفع الحرج عنها ، إذ هتف بها والحزن والأسى ملئ جوفه :


– أنا هستناكى تحت على ما تخلصى ، لو ملقتنيش فى الصالة هتلاقينى فى العربية 


إستدار على عقبيه ليهم بالخروج من الغرفة ، وما كادت تفتح فمها لتخبره أن لا حاجة له لإنتظارها ، إذ كانت على أهبة الاستعداد لمرافقته ، وجدته خرج من الباب وهو يسرع بخطواته كأن الشياطين تسير فى أثره 

وضعت يدها على جبهتها وتمتمت بإرهاق وتعاسة :


–وبعدين بقى فى الحال ده 


زفرت بصوت مسموع بعدما رفعت رأسها ووجهها عالياً كأنها تنشد العون ، ولكن لم تدم حالتها تلك طويلاً ، اذ وجدت زوجة أبيها تهاتفها لتخبرها بضرورة الإسراع في الحضور ، وضعت هاتفها فى جيب حقيبتها الصغيرة المعلقة على كتفها وخرجت من الغرفة ، وصوت خطواتها يكاد لا يسمع ، كأنها تسير بخطوات رتيبة خالية من الحماس واللهفة، التى من المفترض أن تشعر بها وهى تزور منزل أبيها فى المرة الأولى بعد زواجها 


لم تجده جالساً فى الصالة ، فخرجت للحديقة وجدته يجلس بداخل سيارته ، ويبدو أنه ينتظر فقط أن تصعد للسيارة ومن ثم سيغادران على الفور ، فتحت الباب المجاور له ومن ثم صعدت للمقعد بجانبه ، إبتسمت له إبتسامة خفيفة ، لعلها تزيح ذلك التوتر ، الذى دل عليه أنفاسهما المضطربة ، فرغم مظهره الخارجي الهادئ ، إلا أنها شعرت بمدى ذلك الجهد الذي يبذله لمحاولة الحفاظ على رابطة جأشة حتى تمر الزيارة بسلام 


ما كاد يخرج بالسيارة من الباب الخارجى لمنزله ، حتى رمقها بنظرة عابرة ومن ثم حمحم متسائلاً بإرتباك :

– سهى هو إنتى ممكن تقوليلى لباباكى ومراته على اللى عرفتيه عنى ؟


جعدت جبينها من مباغتته لها بسؤاله ، الذى لم تكن تظن أنه سيحاول أن يسألها بشأنه ، فإمتعضت قليلاً لظنه أنها ستهرول سريعاً لمنزل أبيها لتشى لهما بحقيقته ، التى وإن كانت علمت بشأنها ، فما زال عقلها رافضاً تصديقها ، رغم تلك الدلائل التى لا تقبل الشك 


عقدت سهى ذراعيها ونظرت من نافذة السيارة قائلة بتبرم :

– هو أنت مفكرنى إيه ، واروح اقولهم ايه بالظبط ، ما لو كنت حابة إنك تختفى من حياتى ، كنت عملت كده قبل الفرح وكنت قولتهم على اللى عرفته عنك زمان ، ثم إن دى حاجة تتقال أصلاً 


لمس ضيقها وتبرمها بنبرة صوتها التى خرجت منها حادة بعض الشئ ، فأكتفى بالنظر إليها ، ثم عاد ينظر للطريق أمامه ولم يفه بكلمة أخرى حتى وصلاً لمنزل أبيها ، وما أن وضعت سهى يدها على جرس المنزل ، حتى قفزت إحدى القطط قريباً منها ، فلم تمنع نفسها من الصراخ بصوت عالى ، وتعلقت بعنق زوجها وهى مازالت تصرخ، حتى كادت تزهق أنفاسه وتصيبه بالصمم


هتف بها عمرو بصوت مكتوم خرج منه خافتاً :

– سهى حرام عليكى هتموتينى ، أنتى قربتى تخنقينى


أدركت سهى ما فعلته بزوجها ، فأسرعت فى الابتعاد عنه ، بينما ظل عمرو يسعل عدة مرات ناتجة عن شعوره بالاختناق من لف ذراعيها حول عنقه ، فرمقته بنظرة وديعة قائلة بندم :

– أنا بجد أسفة أنت كويس يا عمرو


لم يخنه حدسه بأن ما سمعه من عبارتها المتأسفة ، بأنها حقاً تشعر بالندم على إيذاءه دون قصد منها ، فأخذ أحد كفيها وقبل باطنه قائلاً بصوت متهدج :

– ولا يهمك يا حبيبتى 


لو يعلم كيف راحت ترفرف أجنحة الفراشات التى طارت بمعدتها من تلك القبلة التى تركها على باطن يدها ، ورغم نكران عقلها لما يحدث ، أرادته أن يعلم بحقيقة ما يفعله بها خاصة إذا بدا متمكناً من كيفية التأثير على حواسها ، ولكن لم يكن الحظ حليفها ، إذ سمعا صوت حاتم وهو يقول ساخراً:

– حمد الله على السلامة يا عرسان 


سحبت سهى يدها من يد عمرو وظن أنها ارتبكت من حضور ابن عمها ، إلا انه وجدها تتأبط ذراعه بتملك قائلة بسماجة :

– الله يسلمك يا حاتم اخبارك ايه ، يارب تكون كويس 


– أكيد كويس لما شوفتك قصدى لما شوفتكم 


قالها حاتم محاولة منه أن يثير اعصاب عمرو حد الانفجار ، إلا أن سهى شدت على ذراع زوجها ، كمن تبلغه أن يظل هادئاً ولا يفقد برودة أعصابه أمامه بسرعة 


ضغطت سهى على جرس الباب وفتح شقيقها ، فأنحنت اليه تقبله ، بل ورفعته عن الأرض وأخذته بين ذراعيها وهى تشير لزوجها بالدخول ، إستجاب عمرو لدعوتها له ولكن ولج بأثره حاتم ولم يستطع أن يفه بكلمة بعدما رأى والد سهى ينتظرهما فى الصالة 


– وحشتنى أوى يا بابا أنت وماما


قالت سهى وهى تقترب من أبيها وزوجته تحتضنهما بشوق لرؤيتهما ، فى حين أن إستقبال أبيها لزوجها لم يكن بالحرارة والود الكافيين للترحيب بزوج إبنته فى زيارتهما الأولى لمنزله بعد حفل الزفاف


قبلتها زوجة أبيها وهى تتفرس فى وجهها قائلة بإبتسامة :

– نورتى البيت يا عروستنا الحلوة 


أطلقت زوجة أبيها الزغاريد ، التى لم تعلم سهى ما الداعى لها سوى أنها تعبر عن سعادتها برؤيتهما ، ومن ثم أشارت إليهم بالجلوس ريثما تضع الطعام على المائدة ، فأصرت سهى على مساعدتها ربما هرباً من ظل نظرات زوجها ، وبعد أن صارت المائدة زاخرة بأصناق الطعام المختلفة ، التفوا حولها جميعهم بما فى ذلك حاتم ، والذى يبدو أنه أتى بدعوة من أبيها 


سمع عمرو رنين هاتفه ، فقطب حاجبيه بعدما رآى إسم إمام المسجد ، فتلك هى المرة الأولى التى يجرى به إتصالاً ، كون أن عمرو كان دائم الذهاب إليه والإتصال به ، فلم يتردد فى ترك المائدة معتذرًا منهم على أنه جاءه مكالمة هاتفية مهمة ، وما أن ابتعد وعلم أن إمام المسجد يريده بأمر هام يتطلب ذهابه إليه فوراً ، عاد إليهم قائلاً بكياسة :

– أنا متأسف جدا مضطر أمشى دلوقتى حصلت حاجة ضرورية ، أنا مش هغيب كتير وهرجع تانى 


تركت سهى مقعدها وأقتربت منه تسأله بصوت خافت خشية سماع الآخرين:

– عمرو الموضوع ده خاص بزوج مامتك


نفى عمرو ظنها وأجابها بصدق :

– لاء يا سهى دا إمام المسجد اللى حكيتلك عنه طالب يشوفنى ضرورى ، خليكى أنا هخلص مشوارى وهرجع اخدك ومتتكلميش مع السمج ابن عمك ده على ما ارجع 


بعدما أوصاها تلك الوصية النابعة من شعوره بالغيرة ، خرج من المنزل تتقاذفه الرغبة فى أن يعود ويأخذها معه أفضل من أن تظل بمنزل أبيها وذلك السمج المسمى حاتم مازال يجلس معهم ، ظلت أفكاره تتقاذفه تارة بين التفكير فيما يريده منه إمام المسجد ، وبين شعوره الناتج عن الغيرة ، ولم يدرك مدى استغراقه بأفكاره إلا بعدما رآى المسجد الكبير على مشارف بضعة أمتار قليلة


ترجل من السيارة ودلف للمسجد وجد الإمام جالساً بمكانه المعتاد ويبدو على وجهه الكرب الشديد ، فجلس عمرو قبالته وسأله بإهتمام :

– مالك يا شيخنا باين عليك مهموم 


أنسلت دمعة حارة من عين الإمام وهو يقول بنبرة صوت متحشرجة من أثر شعوره الشديد بالحزن :

– بنتى ياسمين اتجوزت وللاسف اكتشفنا إن جوزها يهودى وكمان تاجر سلاح ، وأنا خايف على بنتى ومش عارف اعمل حاجة علشان خايف عليها وعلى اخوها ليأذيهم ، علشان كده منعت بلال يكلم الراجل اللى بيشتغل فى شركته " عاصم النعمانى " وقولت جايز أنت تعرف حد تانى له كلمة مسموعة يعرف يرجعلى بنتى منه من غير ما إبنى يتأذى هو كمان


أندهش عمرو مما سمعه منه ، وقطب حاجبيه متسائلاً:

– إسمه ايه جوزها ده


أجابه الإمام وهو يزفر بتعب :

– اسمه الحقيقى زى ما عرفت ديفيد دانيال اسكندر شمعون 


– إيه ديفيد ابن اخو ادريانو اسكندر 


نطق بها عمرو مبهوراً مما سمعه ، فكيف حدث كل هذا ؟ أو كيف تم اجتماع هؤلاء الاشخاص بقصة واحدة ، واحداهما فى الشرق والاخر فى الغرب 


رمقه الإمام بإهتمام متسائلاً:

– هو أنت تعرفه يا عمرو 


حرك عمرو رأسه بالايجاب ، فى حين أنه ظل يفرك يديه ببعضهما البعض ، إلا أنه نهض من مكانه فجأة قائلاً بإصرار وتصميم :

– متقلقش يا شيخ أنا اللى هرجعلك بنتك 


لم يزد كلمة اخرى ولم ينتظر سماع رد فعل الإمام على ما قاله ، إذ هرول بخطواته ليخرج من المسجد ويذهب لمنزل ديفيد لعله هو يفلح فى إعادة إبنة إمام المسجد


وبعد عدة دقائق وصل عمرو أمام منزل عائلة " إسكندر شمعون " وبعد أن اخبر الحارس بأنه يريد مقابلة سيد المنزل على وجه السرعة ، تم فتح البوابة الكبيرة ليسمح له بأن يعبرها بسيارته ذات الدفع الرباعي ، واصطحبه احد الحراس إلى غرفة المكتب لحين مجئ ديفيد 


ولم يدم انتظار عمرو له طويلاً ، اذ وجده يلج الغرفة متعجباً من مجيئه ، فرغم ان ديفيد كان يعلم بشأن رجال عمه ادريانو إلا أن بعد وفاته لم يكترث بشأن إعادتهم للعمل تحت إمرته وكان يعلم بأن عمرو احد هؤلاء الرجال ، ورآه بضعة مرات ورغم ذلك لم يكن بينهما حديثاً يوماً


استند ديفيد على حافة المكتب الخشبى متسائلاً بفظاظة :

– خير كنت عايز تقابلنى ليه ، مش أنت عمرو فواز برضه 


دون أى مقدمات وثب عمرو من مكانه وأقترب منه قابضاً على تلابيب ثيابه صارخاً فى وجهه :

– هى فين البنت اللى أنت اتجوزتها بنت إمام المسجد ، أنت لازم ترجعها لأهلها حالاً


نفض ديفيد يد عمرو ومن ثم وكزه فى صدره بحدة وقال وعيناه عاصفتان كبحر هائج الأمواج:

– أنت مالك بالموضوع ده اصلاً ، ويلا أمشى من هنا أحسن مش هيحصلك طيب فاهم 


بلمح البصر أخرج عمرو سلاحه النارى من غمده وصوبه فى وجه ديفيد ، وهو يعلم أنه من الحماقة أن يأتى إلى هنا بمفرده ، فذلك بمثابة الدخول إلى جحر الشيطان ولا يضمن ان يظل على قيد الحياة أو يخرج من المنزل على قدميه ، ولكن شعوره بالإمتنان تجاه إمام المسجد لما فعله معه ، جعله لا يفكر كثيراً قبل المجئ 


يقال أن تشن حرباً من أجل الإنتقام ، فذلك أدعى لأن تشحذ قواك كاملة ، ولكن كيف سيكون الحال إذا شنت الحرب بين رجلين من أجل فتاة ، كل منهما مصوباً سلاحه بوجه الأخر ، وأعينهما خالية من الشعور ، لا يحكمهما بتلك اللحظة سوى غضبهما الأعمى


كز عمرو على أسنانه قائلاً بصوت هادر مرعب شاهرًا سلاحه بوجه ديفيد :

– لو مبعدتش عنها يا ديفيد صدقنى هقتلك ومش هيكفينى قتلك لاء هقطع جثتك حتت وهأكلها للكلاب 


ضحك ديفيد بصوت عالى ، ولم يكتفى بأن صوت ضحكته كاد يهز أرجاء الغرفة ، بل غرز مقدمة سلاحه النارى بجبهة عمرو وهو يلوى شفتيه بتهكم :

– متنساش نفسك يا عمرو وأفتكر أنك دلوقتى بتتكلم مع الزعيم الجديد للمافيا ، يعنى ممكن متلحقش تخرج من الأوضة دى دلوقتى ، بس أنا هعديهالك المرة دى ، ومش عايزك تتكلم فى الموضوع ده تانى فاهم 


لم تعنيه حياته بقدر ما يريد تخليصها من بين براثن ديفيد ، فذلك الوعد والعهد الذى أخذه على نفسه بأن لا يمسها سوء طالما هو مازال على قيد الحياة ، جعله أكثر تصميماً على ألا يخرج من هذا المنزل إلا وهى برفقته ، ولكن يبدو على ديفيد أنه لن يجعل مهمته سهلة بل ستكون كالحرب الضارية بينهما ، وزاد الأمر سوءاً أكثر ، بعدما رآى عمرو توافد رجال ديفيد لغرفة المكتب وكل منهم مصوباً سلاحه فى وجهه ،  فصار الإنسحاب حتمياً ، لكى يكون لديه وقتاً لإعادة ترتيب أفكاره وتنظيمها كون أن اندفاعه وتهوره لن يفيداه بشئ ، وعليه أن يكون أكثر حكمة ، فإن كان نجح مرة فى إنقاذ زوجته سهى من هذا المنزل عندما تم إختطافها على يد أدريانو ، فربما سيكون قادراً على فعلها مرة أخرى ، ولكن عليه إعداد خطة وأن يكون لديه عدد من الرجال كافياً لمواجهة ديفيد ورجاله ، فأعاد سلاحه إلى غمده وخرج من غرفة المكتب ويرافقه عدد من الرجال لضمان وصوله لسيارته دون حدوث فعل أحمق يستدعى خسارة أحد لحياته ، فراقبه ديفيد من نافذة الغرفة وهو يفكر فى أسباب عمرو للمخاطرة فى إن يخلى سبيل ياسمين ويعيدها لمنزل أبيها ، وما أن تذكر زوجته ، رفع رأسه ونظر للسقف لا إرادياً كأنه يسمع صوت بكاءها بتلك الغرفة التى تعلو غرفة المكتب ، فمنذ علمها بحقيقة أمره وجلبه لها هنا بمنزل عائلته ، وهى حبيسة غرفتها ، بل وامتنعت عن تناول الطعام وتقضى يومها باكية وكلما رآته يزداد نحيبها أكثر كأنها رآت مسخاً أو شيطاناً ، ولا تعلم أن نظرتها تلك تقتله وكم من مرة حاول جعلها أن تتناول شئ من الطعام ولكنه يفشل فى ذلك ويخشى أن يصيبها المرض من إمتناعها عن تناول طعامها ، فحظه التعيس لم يجعله يهنئ معها إلا بليلة واحدة ، ومن ثم نأت بنفسها عنه ، وكلما نظرت فى وجهه تخبره أن ما حدث بينهما خطيئة لن تغتفر ، ولكنه يرى أن تلك الخطيئة هى أجمل ما أعترض حياته من خطايا وذنوب 

❈-❈-❈


يقود راسل سيارته بسهولة ويسر ومن حين لأخر يميل برأسه قليلاً ليضع قبلة على رأس تلك الغافية على صدره ، فالطريق الفاصل بين قصر أبيه المنيف وبين منزله القديم الواقع فى أحد الأحياء الراقية ، يقدر بعدة كيلو مترات ،أتاحت لهما الفرصة للحديث الهادئ ، الذى أعقبه غفوتها القصيرة ، بعدما مالت برأسها على كتفه تحدثه حول كل شئ وأى شئ ، كأن الأشهر الماضية والتى أختزنت بها حديث العشاق ، قد حان الوقت وأن تبوح بأسرارها ، شد بذراعه حولها ربما ليتيح لها سماع تلك النبضات والخفقات لقلبه المتقد بنيران عشقها ، ولولا محاولته أن يركز بصره وتركيزه على الطريق ، لكان طلب منها ما هو أكثر من تلك الهمسات الرقيقة والتى راحت ترن فى أذنيه ، وهى تتفوه له بتلك العبارة التى إشتاق لسماعها منها أشد الإشتياق ألا وهى " أنا بحبك يا راسل " ، جملة مكونة من بضعة كلمات ولكنها بأكثر من كافية له من قصائد رنانة أو نغمات تعزف ألحانها على أرق الآلات الموسيقية ، بادلها عبارتها الرقيقة بعبارة أخرى بصوته الأجش وهو يجيبها " وأنا بعشقك يا روح راسل '' ، ظل الحديث والهمسات بينهما على ذلك المنوال حتى وصل للمنزل ، فترجل من السيارة ، ريثما يفتح البوابة الكبيرة ويمر من خلالها بسيارته ، وبعدها عاد إليها وولجا إلى الحديقة ، ولكن قبل أن تصل للباب الداخلى ، كان جاذباً ذراعها بلطف 


نظرت إليه مقطبة حاجبيها وتساءلت باسمة :

– فى إيه مش عايزنى أدخل ليه ؟


إبتسم فى وجهها ومن ثم أخذ كفيها بين راحتيه وأجابها بصوته العميق والقوى :

– علشان عايز نتكلم وناكل الأكل اللى جبناه معانا ، فى الأوضة اللى رقصنا فيها رقصة الفالس قبل كده ، وكمان هقولك على مفاجأة ممكن تفرحك


أبتهجت حياء ما أن سمعت قوله ، فتذكرت تلك النزهة فى ممر الحب مثلما أطلقت على تلك الغرفة ، التى شهدت ببوحه لها بتلك الأسرار التى كان يخفيها عنها بشأن والده ووالدته الراحلة  ، فقالت بحماس وصدق :


– مفاجأة إيه شوقتنى أعرفها علشان أنا كنت بحب المكان ده أوى 


– دا أنا اللى بحبك أوى والله

قال راسل وهو يقرص وجنتها بشئ من الدعابة ، فدفعته عنها بمشاكسة وقالت مازحة :

– وأنا بقى مش بحبك 


فغر راسل فاه وصاح مندهشاً :

– نعم ! بتقولى إيه 


أرادت المزاح معه على طريقتها ، كونها أرادت أن تجعله يستاء قليلاً ومن ثم ستعمل على تسكين إستياءه ، فما أن وجدته يلح عليها فى أن تعيد ما قالته ، قالت والعشق يختلج بنبرتها الرقيقة :

– أيوة أنا مش بحبك ، علشان أنا بموت فيك وبعشقك يا حبيبى 


لم تكتفى بقولها ، بل راحت تعيدها على مسامعه وهى تهمس بها فى أذنه ، حتى شعرت بإرتجافه أسفل يديها اللتان ترتحان على صدره بوداعة ، ولكنه أدرك أن المبارزة فى الحديث بينهما محسومة منذ البداية ، فكيف له بالثبات والصمود أمام رقتها ونعومتها ووداعتها، ولكنها أيقظت حواسه وبدا كأنه كامن بداخله أشواق عمر بأكمله قضاها فى إنتظارها حتى قبل مجيئها لهذا العالم ، فكأنها خلقت لتكون له دون سواه ، ولا لأحد حق بها غيره ، كانت وستكون وستظل صبيته الحسناء وزوجته ومعشوقته وإبنته ومبكاه عندما تضيق به الحياة ومرساة الأمان عندما تشرد سفينته مع رياح الخيبة والخذلان 


أغمض عينيه وهمهم بنبرة عاشق :

– دايما تغلبينى بكلامك الحلو ، اللى بمجرد ما بسمعه ببقى عايز اخطفك بعيد عن العالم ده كله وتبقى ليا لوحدى ومحدش يشوفك غيرى 


وقفت على أطراف أصابعها ولفت ذراعيها حول عنقه باسمة ، وعيناها تتلهف لسماع المزيد ، فقالت بعدما لاحت بعينيها نظرات مشاغبة :

– وإيه كمان ، على فكرة أنت عليك ديون سنتين بحالهم كنت بعيد عنى فيهم ، عيزاك تعوضنى عن كل يوم ودقيقة مرت وأنت بعيد عنى وعن كل دمعة نزلت من عيونى وأنا بلمس بإيدى مكانك الفاضى جمبى على السرير ، وكل لحظة كنت بشتاقلك فيها 


خانها صوتها من كثرة إنفعالها وهى تسرد عليه أمنياتها المختزنة من عامين كاملين ، فطوقها بذراعيه حتى ألصقها به ، وود لو كان بإمكانه أن يمحى من عقلها ذكريات هذين العامين ، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه ، فسبيله الوحيد لأن يجعلها تنسى ما اقترفه بحقها أن يحاول تعويضها عن غيابه عنها وعن كل ما عانته أثناء فراقهما 


قال والعزم بادياً ومؤكداً بصوته القوى :

– أنا معاكى يا حياء ومش ممكن أبعد عنك تانى ابدًا إلا بموتى ، مفيش حاجة هتقدر تفرقنا تانى عن بعضنا 


تبادلا عهد الغرام ورغم ما يبدو عليها من وداعة وقبول لذلك العناق الذى جاء توثيقاً لتلك اللحظات الثمينة ، إلا أنه بعد أن جذب رأسها لكتفه شعر بأنفاسها الحائرة تضرب جانب عنقه ، ظن فى البداية أن ربما تحاول التخلص من ذلك التوتر الذى أصابها فى الأيام الماضية ، إلا أنها عندما طال بها الحال هكذا ابعدها عنه قليلاً وأخذ وجهها بين كفيه الدافئين متسائلاً :

– مالك يا حياء زى ما تكونى بتفكرى فى حاجة أو عايزة تقولى حاجة 


هزت حياء رأسها علامة على صحة ظنه ، فرفعت عينيها إليه قائلة بهدوء :

– هو أنا كنت عايزة أطلب منك طلب ، وعيزاك تنفذهولى ضرورى يا راسل 


 يتبع..


إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة سماح نجيب من رواية لا يليق بك إلا العشق، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية و حكاية


رواياتنا الحصرية كاملة