-->

رواية جديدة مشاعر مهشمة 2 لشيماء مجدي - الفصل 61 - 1 الأحد 17/12/2023

  

قراءة رواية مشاعر مهشمة الجزء الثاني كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية مشاعر مهشمة الجزء الثاني 
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات 
الكاتبة شيماء مجدي 

الفصل الواحد والستون

1

تم النشر يوم الأحد

 17/12/2023



تعانقت الأجساد، وتناغمت الأرواح، في حالمية مضاعفة، وانسيابية مفرطة، بالغ الأثر خلالها كان للهفة الاشواق، في امتزاج الأنفاس، واجتماع الحواس، بصورة بدت وكأنها موحدة، ومشددة، جعلت الاثنين أكثر رغبةً، وشغفًا، فكان يهفو هو إليها بشوق، وتميل هي معه بتوق، ألحم العواطف، وآثار المشاعر، التي ظلت كامنة لشهور، حتى حط على سطحها الفتور، ولكن الحنين الشديد، والاشتياق العتيد، جعل بركانًا ثائرًا منها يفور، حارقًا كل الحواجز والجسور، حتى حلت السكينة بينهما، وأمن القلب في سكون.


عادة ما ترتبط العلاقة الحميمية، بارتفاع ضغط الدم وزيادة الضغط داخل الجمجمة، وحتى بدون مشاكل داخل الدماغ، قد يكون من الطبيعي أن يعاني بعض الأشخاص من الصداع بعد الممارسة، ستكون حالة المريض الذي خضع لعمليلة جراحية ناجحة في الدماغ متشابهة، وفي أغلب الحالات لا داعي للقلق. هذا ما سرده عليه الطبيب الجراح، قبيل مغادرته المشفى، عند إلقاء التوصيات، والإرشادات التي ينبغي أن يسير عليها الفترة المقبلة، وذلك بعد أن تيقن من أن الضغط داخل الجمجمة تحت السيطرة.


صداع مفاجئ ضرب رأسه، جعل ملامحه تنكمش، وتأويهة موجوعة غادرت فمه، مع دوار داهمه فور أن قضى وطره وانقضى. فقد اتزانه، وتشوش بصره، وارتمى وهو يبتعد عنها بغير انتباه بظهره على السرير، ممَ أوقع قلب "داليا" في صدرها، وانتفضت من نومتها وهي تتفقده بعينين هلعتين، وسألته بوجل:


-انت كويس؟


زفر نفسًا متعبًا، وهو بالكاد يلتقط أنفاسة بصورة طبيعية، ثم أجابها بإرهاق:


-دوخت شوية، متخافيش.


أحست بلسعة الدموع تحرق عينيها الناظرتين له، والراصدتين لتأثير توجعه على وجهه، حتى أنزلقت عبرة من إحديهما، غادر معها شهقةً، صرحت عن بكائها التي انخرطت به بغتةً، ممَ دفع الاستغراب إلى داخله، وسألها بهدوء يعتريه الحيرة:


-بتعيطي ليه يا داليا بس؟


تزايد انهمار الدموع من طرفيها، وردت عليه بنحيب يعج بالندم:


-اللي حصلك ده بسببي، انا مش هسامح نفسي.


مسح فوق وجهها برفق، ماسحًا عبراتها وهو يردد باستيضاح:


-إيه اللي بسببك؟ الدكتور قال إن الصداع والدوخة عادي في الأوقات دي يعني..


حالت دون شرحه، فقد حضرت إلقاء ذلك الكلام عليه من قِبل الطبيب، قبل أن يرحلوا من المشفى مساء الأمس، وأخبرته بصوت مهزوز بندم مضاعف:


-انا السبب في الحادثة اللي حصلتلك يا عاصم.


مال قليلًا للجانب المقابل لها، وملس بيده فوق جانب رأسها، واستنكر ما قالته بلطف:


-انتي السبب ازاي يعني؟ انتي اللي خبطتيني بالعربية!


بنشيج اختنق صوتها إثرًا له غمغمت:


-انا اللي زعلتك وخليتك ماشي مش شايف قدامك، لحد ما العربية خبطتك.


بمشاكسة متعمدة منه، حتى ينتشلها من بؤرة الشجن التي وقعت بها، هتف:


-يعني بتعترفي ان انتي زعلتيني؟


هزت رأسها بهزات صغيرة متتالية، وأكدت قائلةً:


-أيوه معترفة، وندمانة أوي.


تجدد تجمع الدمع في عينيها، مضيفةً بجزع:


-كل مافكر ان كان ممكن أخسرك بسبب غبائي، أحس..


اختنق صوتها فلم تتمكن من إكمال باقي جملتها، حينها تكلم "عاصم" ليخفف من وطأة الندم المعتصر صدرها، مرددًا بحنوٍ:


-يا حبيبتي انتي ملكيش دعوة، انا الغلطان.


ارتسمت بسمة صغيرة على محياه وهو يضيف:


-بسبب غبائي أنا يعني مش غبائك.


تشكلت بسمة مهزوزة على شفتيها وقد هدأ بكاؤها الصامت، فأطنب هو بمرح:


-ماهو مفيش حد بيلف بالعربية فجأة على طريق سريع من غير ما يبص وراه.


تنفست مطولًا، لتثبط من بكائها، ثم اعتذرت منه:


-بس انا كنت ظالمة وقاسية أوي معاك، سامحني يا حبيبي، سامحني.


مع تفوهها بطلب السماح منه ارتمت بحضنه، ضمها هو حينئذ بشدة حانية، وعلق بتريث:


-سيبك بقى من الكلام ده، أنا أصلا مش زعلان منك، ولو حد فينا المفروض فعلا يطلب السماح من التاني فهو انا مش انتي.


على فورها هتفت بهمس وهي تدفن رأسها في صدره:


-انا مسامحك، مسامحك والله بس ميجرالكش حاجة تاني وتفضل معايا.


أراد أن يشاكسها حتى يشغل عقلها عن التفكير فيمَ يبعث الشجن لنفسها، وعقب بتسلية:


-قد كده اللي حصل خلاكي عرفتي قيمتي؟


عندئذ رفعت وجهها له، لتبصر وجهه وهي تعلق بطريقة موحية:


-انا طول عمري عرفاها، وانت عارف كده.


لم يستطع أن يطنب في مشاكسته، فقد أصابت في قولها، رفع راحته محاوطًا جانب وجهها، وأكد بهدوء:


-عارف، انا اللي كنت حمار ومكنتش مقدر ولا عارف قيمتك.


انفرج ثغرها ببسمة صغير خبت وهو يقرص مقدمة أنفها، عائدًا إلى جملتها المتوسلة بقائه جوارها، مرددًا بمزاح:


-وبعدين مانا معاكي يعني هروح فين، مانتي قدري.


عبست ملامحها من قوله الأخير، وتمتمت باستنكار جلى في صوتها:


-وبتقولها كده ليه؟


ارتفع حاجباه وقد تدارك ما فطنته، وأسرع في إخبارها بلطافة:


-ايه ده ليه التكشيرة دي؟ ماهو قدري طلع حلو.


ارتسمت بسمة راضية على وجهها، فقد نجح في استمالة عقلها بوصفه الجميل، ممَ جعلها تعود لإراحة رأسها فوق صدرها، وبيدها حاوطت جذعه، وهسهست بعد تنهيدة حالمة:


-خايفة اكون بحلم، خايفة انام واصحى في أي وقت ألاقيك لسه في الغيبوبة.


أحكم ذراعيه على ظهرها، مزيدًا في ضمها له، بطريقة باعثة الدفء في جسديهما، وطمأنها بهمس هادئ:


-مبتحلميش، انا رجعتلك، كل حاجة رجعت زي الأول.


مجددًا ابتعدت عنه لُيتاح لها النظر إليه وهي تعلق بجدية:


-كل حاجة هترجع أحسن من الأول، الأول ده مش هنكمل فيه، ولا هنكرره تاني.


تفهم قصدها وراء رفضها لعودة الأمور فيمَ بينهما لنصابها السابق، بما يضمن العديد من المساوئ، وبقى صامتًا وهو يستمع لإطنابها الجاد:


-وعلى فكرة انا متابعة بقالي فترة online مع Psychotherapist (معالج نفسي)، تقريبا من بعد ماعرفتني بالـPsychotherapy sessions (جلسات العلاج النفسي) اللي بدأت تروحها..


لاح تفاجؤ واضح على تعبيراته، ولكنه كان ممزوجًا بالرضا، في حين أضافت هي:


-احنا الاتنين لازم نتغير، مش انت لواحدك.


اتفق معها في قولها، فهي كذلك كانت تحتاج إلى التوجيه النفسي، من يد شخص متخصص، وباستحسان مع ما أقدمت عليه أخبرها:


-كويس إنك خدتي القرار ده، الموضوع بيفرق، وانا حاسس إنه جايب نتيجة معايا.


أكدت له إحساسه بقوله الداعم:


-فعلا جاب نتيجة، وده عشان انت كنت عايز تتغير فعلا، الدكتور قالي إن لازم يكون في دافع نابع من جواك، وعندك عزيمة قوية، وانك تاخد خطوة زي دي ومن نفسك، حاجة كبيرة أوي في نظري، وزعلانة أوي من نفسي إني مكنتش جنبك وقتها.


اعتلى وجهها أمارات الحزن مع ترديدها للأخير من قولها، ممَ جعله يخبرها بحكمة:


-يمكن عشان كل حاجة ليها وقتها، ويمكن لو كنتي معايا كانت حصلت مشاكل بينا اكتر خلتني افقد الأمل أو اكتئب وابطل احضر الجلسات.


اتفقت معه في وجهة نظره، ولكن وجهها ما يزال يعبر عن بؤس جلي، حينها أضاف بمناغشة:


-ويمكن مكنتش حسيت بإنك وحشتيني أوي كده..


انفرج ثغرها ببسمة أخذت تتوسع مع قوله الهامس:


-ولا حسيت كمان بلهفتك وانتي معايا، انا بقالي كتير محسيتش بكل اللي حسيت بيه من شوية وانتي في حضني.


تورد وجهها بدموية شديدة، فكلماته كان لها تأثير قوي في إرضاء أنوثتها، ولكنه كذلك عزز قلقها بشأن ما طرأ عليه من تعب غريب، واستطردت بريبة: 


-بس حاسة إن كان لازم نأجل الموضوع شوية، دي أول مرة تتعب أوي كده، وانا خايفة يكون..


بُتر الكلام في حلقها من حركة جسده المباغتة، حيث إنه قد رفع جذعه، مجبرًا جسدها على الرجوع والتمدد بظهرها، موقفها عن المتابعة في ذات اللحظة بقوله:


-لحظة لحظة، كلامك ده في إهانة على فكرة.


ضمت ما بين حاجبيه في غير فهم لما يشير إليه في كلامها، بينما أكمل هو بزجر غير جاد:


-مالك في ايه؟ ايه تعبت دي! انا لسه جامد زي مانا، احنا هنلبخ في الكلام ولا إيه؟


تداركت تفسيره لعبارتها النزقة، وانشقت شفتيها ببسمة متأثرة بتعبيراته المثيرة للضحك، وأردفت بضحكة مكتومة:


-انت فهمت إيه بس؟ انا مقصدش.


رمقها بعبوس مصطنع، وغمغم:


-بحسب.


حاوطت عنقه لتستبقيه على وضعه المشرف عليها، وبينما هي تتلمس نهاية شعره أخبرته بنعومة:


-محتاج تحلق دقنك وتقصر شعرك شوية.


ضيق عينيه عليها، وسألها باشتفاف:


-مش عاجبينك؟


ناظرته بنظرات والهة وهي تعترف له بتيم بالغ:


-أي حاجة فيك بتعجبني..


تشكلت بسمة محبة على وجهه، اجتذبت نظراتها، وما لبثت أن أضافت بغنج:


-بس ممكن مستغربة دقنك شوية، مسيبتهاش قبل كده تطول بالشكل ده غير يمكن في الشهرين اللي سيبتك فيهم.


تغيرت تعبيراته لأخرى مغتاظة، وهتف بضيق زائف:


-افضلي فكريني بعمايلك السودا عشان يبقى ليا حق اخلص منك.


هزت رأسه بحركة مستفسرة وهي تسأله باستخفاف مشاكس:


-هتعمل ايه يعني؟


سدد لها نظرة تحمل مغزى، وردد بثقة:


-هعمل كتير.


تحدته بنظراتٍ شقية، غير عابئة، انفرج جانب شفتيه إثرًا لها وسألها باشتفاف:


-إيه البصة دي مش خايفة ولا إيه؟


زادت في تحديه بقولها المتعمد:


-انت بتاع كلام بس.


ارتفع حاجباه مدهوشًا من وصفها، وأشار إلى نفسه سائلًا بذهول:


-ده اللي هو انا؟


أومأت بغير اكتراث لتبدل تعبيراته، والغيظ المنبجس من نظراته، وظلت مرتكزة ببصرها عليه بنفس النظرات المتحدية، حتى تحولت للترقب عندما قال بنبرة عابثة يعلوها مكر تستهويه بشدة:


-طب تعالي اما انشوف بتاع الكلام هيعمل إيه.


صدرت منها ضحكة مجلجلة، حينما امتدت أصابع يده نحو خصرها، مدغدغًا جلدها الطري الغض، بغير شفقة لحركات جسدها المتململة، ولا لتوسلاتها الضاحكة، ظل يلقي على سمعها كلمات شقية، ماكرة، تزيد من ضحكها، وتملصاتها الفاشلة، حتى عفى عنها بعد بعض الوقت، ورحمها من عقابه اللذيذ، لذةٍ مرهقة، رغم السعادة المفرطة، بعد ذلك تمدد جوارها، مائلًا بوجهه نحو وجهها الملتفت نحوه، وبينما يلتقطان أنفاسهما، المسلوبة من الحركة الزائدة، قطعت أعينهما وعودًا صامتة، بتطيب الجروح الغائرة، ورأب المشاعر المهشمة.


 الصفحة التالية