رواية جديدة حان الوصال لأمل نصر الفصل 44 - 2 - الأحد 29/12/2024
قراءة رواية حان الوصال كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية حان الوصال
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة أمل نصر
الفصل الرابع والأربعون
2
تم النشر يوم الأحد
29/12/2024
قاطعته بهجة مرددة بانهيار:
وأنا مش عايزة الحاجة دي، لأني وبكل بساطة عارفاها كويس وهي سبب تعبي. ملعون أبو الحب اللي يذل صاحبه، قلبي بقى زي الخرقة المقطعة على مية حتة. أنا هلكت، هلكت من التعب، يا ريتني ما قبلته ده اتفاق، يا ريتني قعدت على حالي ولا كنت قربت منه عشان أفرح لي يومين وبعدها أفضل أتعذب بناره، يا ريتني ما قربت منه، يا ريتني ما عرفته أصلًا.
وختمت بنوبة أصعب من البكاء تخبئ بكفيها وجهها، ضاعفت من حزن الثلاثة وإحساس العجز نحوها، رغم وقوفهم معها ضده، ومع ذلك لا يتمنون لها الفراق.
❈-❈-❈
في لحظة ضعف، وجد نفسه حائرًا بين الماضي وآلامه، ينظر إلى الفراغ الذي تركته، كما لو أن قلبه سقط في بئر عميق لا نهاية له. تخلّت عنه حبيبته كما يتخلّى الربيع عن زهوره بعد أن جفّت، وتركته في العتمة يواجه نفسه. لكنه كان يعلم، رغم كل شيء، أن الهزيمة في الحب ليست النهاية، بل بداية لعهد جديد.
أما عنه، وبعد أن خرج من عندها، شاعرًا بهموم العالم فوق رأسه، مهلهلًا من الداخل، فاقد الشغف، فاقد الحياة، فاقد الطاقة حتى في المواصلة والتعايش مع ما يحدث معه من مصائب.
لم يكن لديه أدنى قدرة على الذهاب إلى المنزل الذي أصبح يتشاركه مع شقيقه، لا يريد أي شيء يذكره الآن بمسؤوليته، فهو في حاجة للتعبير عن احتياجه الآن فقط.
بعث برسالة نصية عبر الهاتف إلى آدم يسمح له بالذهاب اليوم مع خالته بناءً على طلبها، كي يبيت الليلة عندها ويقضي معها الوقت، تلك الأفعى التي لم يعلم حتى الآن ما فعلته مع بهجة لتجعلها بهذا الانكسار وتغلق كل الأبواب أمامها. لكن لا بأس، سوف يكشفها مهما فعلت.
قاد سيارته واتجه إلى منزله مع والدته، ليذهب إلى غرفتها على الفور، حتى إذا طرق باب الغرفة وجدها أمامه جالسة على كرسيها تراجع بعض أوراق الجمعية. دلف إليها وبدون أن يتفوه ببنت شفة، جثا جالسًا بركبتيه على الأرض، يبعد الأوراق عن حجرها، ثم يلقي برأسه محلها أمام دهشتها، يحتضنها كطفل صغير يستجدي الحنان.
انخلع قلبها من صدرها لفعلته، لتخلع العوينات الطبية عن عينيها وتسأله بهلع وكفها حط على شعر رأسه:
إيه اللي تاعبك يا حبيبي؟ مالك يا رياض؟
تأوه بضعف شديد قائلًا:
تعبان أوي يا ماما ونفسي أرتاح، معدتش قادر ولا متحمل، الدنيا جاية عليا أوي ومش مدياني الفرصة أعيش زي باقي البشر. حتى الست الوحيدة اللي قلبي انفتح لها، هي كمان كرهتني زيها. أنا عايش ليه أساسًا؟ ياريتني روحت مع اللي راح كان أريح.
انتفضت برفض تام لكلماته، لتضم رأسه إليها وتقبله مرددة برجاء:
ماتقولش الكلام ده، ماتقولش الكلام ده يا رياض، بعد الشر عليك يا روحي. ليه يا بني توجع قلبي عليك؟ إيه اللي حصل بالظبط بينك وبين بهجة؟
مش قادر أتكلم، عايز حنانك وبس.
ألم تسرب بنبرته حتى وصل كنصل حاد إلى قلبها، فزادت من ضمه، تزيح بيدها العبرات التي أصبحت تسيل على خديها قبل أن تصل إليه، تخبره بكل خلية تنبض بجسدها:
حناني بس يا رياض؟ دا أنت تاخد قلبي وروحي كمان. هو أنا ليا حد في الدنيا دي كلها غيرك يا حبيبي؟
قابل موافقتها بصمت، ليرخي حصونه وكل الأسلحة التي يقاتل بها طواحين الحياة القاسية، يلقي بهم تحت أقدامها، ويدفن رأسه بحجرها، ليتذوق الحنان الذي فقده منذ سنوات كثيرة، يتلقف الأمان من ضعفها، حتى استسلم وغفت عينيه.
وهي ظلت على نفس الوضع تضمه، لم تشتكِ ولم تتحرك كي لا تزعجه، فغلبها النوم ولم تشعر بنفسها سوى صباحًا حينما اخترق ضوء النهار الغرفة، لتعي على وضعه، فتحاول إيقاظه:
رياض يا قلبي، أنا بقول تقوم تريح على السرير أحسن.
استيقظ بعد عدة محاولات ليرفع رأسه ويحاول تدليك عنقه بتوجع ودهشة:
أااه، أنا نمت هنا إزاي بس؟ وانتي يا ماما مش تصحيني؟ أكيد أنتي كمان تعبتي.
اقتربت تكوب وجهه بين كفيها، تغمره بصدق:
يا قلبي تعبك راحة، أهم حاجة تكون ارتحت.
ابتسامة ضعيفة لاحت على ملامحه الشاحبة وهو يحاول النهوض من جوارها متمتمًا:
منكرش إني ارتحت، رغم إن عضمي اتكسر، بس كفاية ريحتك اللي ملت أنفاسي. أنا هروح أخد شاور وأرجع أنام تاني.
يعني مش هتروح شغلك؟
رد يجيبها وهو يسحب قدميه للخروج من الغرفة:
النهاردة خليته إجازة للنوم وبس، ولما أشبع وأرتاح أبقى أخرج.
تطلعت في أثره بشرود، تبحث عن حل لتلك المشاكل التي تحاوطه. لقد تحمل الكثير وطال صبره، حتى اللحظات السعيدة التي سرقها لنفسه مع من أسرت قلبه، ارتدّت عليه بعذاب الهجر بعد ذلك. متى يأتي الحل؟ الأمور يوميًا تزداد تعقيدًا، مشاكل وأشخاص يظهرون من العدم،و...
توقفت عند خاطرها تتذكر الطفل شقيقه. كيف يتركه ليلة كاملة وحده؟ أترى نسيه؟ يا إلهي.
انتفضت لتنهض وتحاملت على ألم ركبتيها الذي أصابها بالتيبس لطول الوقت في جلوسها ورأس ابنها الثقيل عليهما. سارت تمشي كالعرجاء حتى وصلت إلى غرفته، التي وجدتها مفتوحة كعادته، فدلفت كي تستفسر منه:
رياض، مش هتروح عند آدم تتطمن عليه طيب؟ انت سايبه من امبارح لوحده؟ أوعي تكون نسيته! يا نهار أسود!
لم تجده لتحصل على إجابة، ولكن وصلها صوت الماء من المرحاض، لتعلم بوجوده في الداخل. شرعت تخرج من الغرفة لتعود إليه بعد ذلك بقليل، ولكن لفت انتباهها شيء ما جعلها تتجمد في مكانها. توسعت عيناها بذهول، حينما وقعت أبصارها على حين غرة داخل الغرفة المخصصة للملابس والأشياء التي تخصه. أصابتها الرهبة أمام هذا الذي بدا أمامها كمصباح ضخم ينير العتمة.
أو هو من تنعكس الإضاءة عليه فتجعله يضيء بروعة وسحر خطف قلبها، وجعله يتراقص داخلها بحنين. فلم تشعر بنفسها إلا حينما وصل إلى مسامعها صوت غلق باب المرحاض وقدومه من خلفها. فخرج قولها بمشاعر زلزلتها من الداخل:
دا من إمتى هنا يا رياض؟
رد مجيبًا بنبرة يغلب عليها القنوط واليأس:
جيبته معايا وأنا راجع من تركيا.
❈-❈-❈
بعد الصبر، يأتي العوض كنسمة تلامس القلب برقة، تُزيل عنه تعب الانتظار وتغسل روحه. هو الفرج الذي لا يُرى إلا بعد أن يُختبر الإنسان في صبره، كأن الله يختار لحظات العناء ليُعيدنا بها إلى أنفسنا، فيمنحنا من رحم المعاناة أملًا جديدًا. العوض بعد الصبر هو دليل على أن الحياة لا تتركنا في الظلام، وأنه مهما طال الليل، فالصبح آتٍ.
أمام المرآة وقفت تتأمل نفسها، بعد أن ارتدت ملابسها لتتجهز للخروج. عينان منتفختان من كثرة البكاء، بشرة باهتة، وملامح حزينة... اللعنة. إذن عليها وضع القليل من مساحيق التجميل، ربما تنجح في إخفاء هذا الشحوب وآثار الحزن.
تناولت الفرشاة، تنثر بها القليل من الحمرة على الوجنتين وبعض أجزاء من الوجه. همت لتلون شفتيها، ولكن أوقفها دخول عائشة ونداؤها:
بيبو يا بيبو، في زيارة جاتلك بره.
❈-❈-❈
خرجت من غرفتها لتجد نجوان في انتظارها، جالسة على أحد الأرائك، تستقبلها بابتسامة فاترة تثير الارتياب:
أهلاً يا بهجة، شكلك كنتِ لابسة وخارجة، بس إحنا لسه بدري يعني على ميعاد الجمعية.
اقتربت تُقبلها على جانبي وجهها بخفة وتجيبها:
لا، ما أنا كنت هتصل بيكي وأبلغك إن ممكن أغيب النهارده، أصلي كنت رايحة الجامعة، خلاص بقى الدراسة ابتدت ويدوب ألحق أاا....
قطعت حديثها وقد انصرف ذهنها عن التركيز، شاعرة بشيء ما غير مفهوم:
مالهم دول مبلمين ليه؟
سألتها بإشارة نحو أشقائها الواقفين في محلهم بصمت وسكون، فخاطبتها نجوان قائلة:
اقعدي يا بهجة وانتي تفهمي كل حاجة. وانت، إيهاب، معلش هاتوا هنا لو سمحت.
هو إيه اللي يجيبه؟