رواية جديدة بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض) لعفاف شريف - الفصل 9 - 1 - السبت 14/12/2024
قراءة رواية بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر
رواية بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض)
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة عفاف شريف
الفصل التاسع
1
تم النشر السبت
14/12/2024
#عريس_قيد_الرفض
#بين_الرفض_والقدر
#الفصل_التاسع
#عفاف_شريف
❈-❈-❈
دقيقة...
أعطني دقيقة...
دقيقة هدوء، وربما هروب...
من الضوضاء في العالم
إلى السكون في حضنك...
من هبوب العواصف بقلبى...
إلى الحب اللطيف بقلبك.
من واقع الآلام في عالمي
إلى وهم الحب
ووهم الشعور في عالمك.
أعطني دقيقة هروب...
ربما هروب إليك لأغفو
وربما هروب منك لأنجو...
❈-❈-❈
صباح يوم جديد وربما بدايات جديدة للبعض.
يتحرك أصحاب الأشغال لأعمالهم،
الأطفال لدراستهم،
وربات البيوت لسلسلة واجبات طويلة لا تنتهي.
ويظل النهار يدثر ظلام الأمس،
لكن في عمق هذا الروتين اليومي، هناك لحظات صامتة نسرح فيها بأفكارنا.
نتساءل: هل يحمل لنا اليوم الجديد فرصة لتغيير ما في داخلنا؟
هل هي مجرد ساعات تمضي بسرعة، أم أنها خطوات نخطوها نحو شيء غير مرئي بعد؟
ورغم تنقلنا بين واجباتنا، يبقى الأمل في كل بداية جديدة هو ما يضيء طريقنا.
❈-❈-❈
لم تعلم منذ متى هي مستيقظة.
فقد نامت نومًا مضنيًا،
مرهقًا.
أفاقت بعد نوم مقلق وغير منتظم.
تطالع الغرفة حولها بلا أي تعبير،
وظلت بعدها تتطلع نحو النافذة.
تراقب الطيور تقف تأكل وتشرب مما وضعت لهم مساء أمس قبل أن تنام.
رأَتهم أول أمس،
فقررت أن تضع لهم لليوم.
وها هم يزينون شرفتها بجمالهم،
وصوتهم المحبب لقلبها.
كانت تراقب وجودهم بعيون تائهة.
منذ أمس كسر بداخلها شيء جديد،
وكان ما بداخلها لا يكفي.
أمها، أباها،
آسيا،
وأخيرًا عمر.
خوف ما بداخلها ينهش قلبها،
يورق راحتها.
ألا يسعى لأجلها؟
يسعى.
الم يُعطِها الحب؟
بل أعطى.
إذاً ماذا يحدث؟
لِمَ خوفها؟
لم تلك الغصة؟
كيف صنعوا منها امرأة هشّة لتلك الدرجة؟
تطلعت بالجهة الأخرى من الفراش الفارغ.
ذهب عمر لعمله ولم تستيقظ هي
أو ادّعت النوم.
هي لم تُرد أن تتحدث.
أصبح الحديث ثقيلًا.
لا تريد.
فقط تريد النوم لمدة طويلة قدر الإمكان.
أغمضت عينيها لوهلة قبل أن تفتحهما.
معتدلة في جلستها،
متخلية عن رقدتها.
توجهت نحو المرآة بخطوات متعبة.
أزاحت خصلاتها من على وجهها.
تنظر لنفسها.
تمرر يدها على وجهها.
عيون منتفخة،
وجه مرهق متعب،
والخذلان يملأ عينيها.
كانها ترتوي حزنًا يومًا بعد يوم،
حتى اكتفت.
يكفي ما حدث،
ولأجل من؟
لأجلهم.
رفعت عينيها المتعبة
تناظر نفسها بعين أخرى.
أسرعت نحو الحمام،
تفيق نفسها بالماء
مرة بعد مرة.
كانها بحاجة لإزاحة كل هذا.
تزيحه بكل قوتها،
مقررة أنه كفى.
يكفيها هزيمة،
يكفيها ضعفًا وألمًا.
يكفي ما حدث.
رفعت وجهها تنظر لوجهها الأحمر
من شدة غسله.
الماء تقطر منه،
وبعينها نظرة مختلفة،
نظرة تعني كفى.
من اليوم.
لن تسمح لنفسها أن تضعف مرة أخرى.
لا تحزن نفسها هكذا أبدًا.
كفاهم ما أخذوه.
❈-❈-❈
كان يجلس يتابع مع أحد زملائه أحد الأعمال بإجهادٍ، اليوم من بدايته إلى نهايته، عملٌ دون توقف، ولا يجد وقتًا حتى لتناول لقمة ليكمل اليوم.
فـ "روفيدا" تضع على كاهله ما لا يحتمل.
انتفض هو وزميله على الملف الذي سقط على المكتب بعنف،
وروفيدا تصيح بعصبية: "ممكن تفهمني إيه اللي في الملف ده؟ إيه الإهمال ده يا عمر؟"
نظر لها بعدم فهم، وحينما لم تجبه،
لم يضع وقتًا وهو يأخذ الملف يقلب فيه محاولًا فهم ما حدث،
إلى أن وقعت عيناه على الخطأ.
اتسعت عيناها وهو يحاول الاستيعاب،
كيف حدث هذا؟
لم تحدث من قبل أن وقع في خطأ كهذا.
زم شفته بضيق،
وهو يحاول التذكر،
أغمض عينيه بيأس، في الأغلب أمس وهو ينهي العمل بمنزله.
طالعها بضيق وهو يردد باعتذار مجبرًا: "بعتذر جدًا، أستاذة روفيدا، معرفش الحقيقة حصل إزاي. دي أول مرة. حضرتك عارفة أن..."
قاطعه حديثه وهي تضرب المكتب بقوة وترد بصلف وعجرفة: "أسفك مش مقبول. خصم أربع أيام. وهتقعد زيادة عن الكل. اللي عايز يشتغل هنا، يكون عينه وسط راسه. لعب العيال ده أنا مش همسح بيه. وده ثاني إنذار ليك. الثالثة تابته."
وأكملت بصوتٍ عالٍ وعينيها عليه: "واللي مش عاجبه الوضع، الباب يفوت جمل."
اتسعت عيناه وهو يسمع تهديدها المبطن.
ناظرها بغضبٍ وشعور بالإهانة يقتله،
لكنه لم يستطع التحدث،
ليكتم غضبه وهو يراها تغادر بكبرياء،
بعد أن أهانته متعمدة.
نظر حوله لنظرات زملائه،
لينتفض من مكانه مغادرًا الغرفة،
يكاد يحطمها فوق رؤوسهم،
رأسها هي تحديدًا.
يعلم نيتها،
ويعلم السبب،
يعلم الآن أي جحيم سيعيش.
❈-❈-❈
دلف لشركته وهو يتحدث مع آلاء موبخًا إياها على ما حدث أمس، وهو يؤكد لنفسه أنه يجب وبسرعة وضع حد لما يحدث.
لتجيبه مبررةً مدافعة عن نفسها بمرح:
"يا أخي تعبنا منك، اتجوز وريحنا بقى. نفسنا نشوفك مع عروستك وتملي البيت عيال يا تيمو."
تنهد وهو يجيبها بهدوء مارًا بالمكاتب يتفقد الوضع بها، وهو يقول:
"آلاء، أنا تعبت من الكلام في الموضوع ده. أنا لعيال صغير ولا فاقد الأهلية عشان تحاولوا تحطوني قدام الأمر الواقع. الموضوع هيتقفل، وهيتقفل يعني هيتقفل. وأنا مش بهزر، أنا بتكلم جد. وكفاية أوي إني لسه محاسبتكيش على الموقف الزفت اللي حطيتني فيه أنتِ وبابا. وأنا بتفاجئ بإني في قاعدة تعارف. أروح؟ أه بس بمزاجي وبرضايا. بس مش طبيعي أتغفل يعني. مينفعش بجد. أنتو بتضغطوا عليَّ أكثر من اللازم، واللي بيحصل ده تهريج ولازم يخلص وفورًا."
قالها بصرامة، جعلت الأخرى تجفل وتبكي.
استغفر ربه وهو يتنهد بصوت، ليتحدث بعدها بهدوء:
"آلاء، ممكن تصلي على النبي وتستهدي بالله؟"
قالها وهو يشير لسكرتيره الخاص أن يعد له فنجان قهوة قبل أن يدلف لمكتبه.
ف رأسه ستنفجر.
خلع سترته ملقيًا إياها على أحد المقاعد وهو يجلس يحادثها بهدوء:
"اقفلي، هكلمك فيديو."
وأغلق واتصل بها، ليقابله وجهها المحتقن بالبكاء.
كانها تبكي منذ مدة، وليس الآن بسببه.
اقترب من الشاشة يتفحصها بقلق، غير مهتم في تلك اللحظة سوى بها هي فقط.
لا يهم سواها.
"آلاء، أنتي كويسة؟"
سألها والقلق ينهش قلبه، وهو يكمل:
"أنتِ معيطه ولا إيه؟"
رفعت صغيرها تميم النائم بين ذراعيها، وهي تمسك الهاتف باليد الأخرى قائلة بتعب وهي تضعه في الفراش:
"تعبانة بس من الولاد، إنت عارف المسؤولية مش سهلة أبدًا. كل عيل عايز وقت وطاقة وصحة."
جلست جوار صغيرها تمسح على خصلاته، تناظره بتعب شديد تمكن منها.
هي لم تعد تحتمل تلك المسؤولية وحدها.
لا طاقة، ولا صحة، ولا أي شيء.
فقط تعب وإرهاق.
أربع أطفال، أربع أطفال، بالعديد والعديد من المسؤوليات والواجبات والالتزامات، ولكل منهم مصائبه الخاصة.
توأمتيها آية وآيلا بعمر الأربع سنوات، وابنها عزّ صاحب السنتين، وأخيرًا تميم صاحب السنة الواحدة.
تأتي لها لحظات تقف وسطهم، تصرخ وتجلس باكية لا ترغب في هذا.
لا تريد سوى النوم بضع دقائق فقط.
تنهدت بتعب، وهي تخرج تغلق الباب خلفها تاركة الصغير يحظى بنوم هادئ.
وخرجت هي لتجلس على أحد الأرائك، تنظر له لعدة ثوانٍ، قبل أن تنفجر في بكاء لم تقدر على إيقافه.
انتفض من مكانه وهو يرى انهيارها أمامه بهذا الشكل، وبداخله أصبح مؤكدًا أن شقيقته ليست بخير.
ليست بخير أبدًا.
❈-❈-❈
تركها تبكي بقدر ما تحتاج.
بكت وبكت حتى اكتفت.
تنهد بضيق وهو يرى إرهاقها الواضح للأعمى إلى أي حال وصلت شقيقته.
أكانت تخدعهم بمزاحها الدائم؟
أكانت ضحكاتها كاذبة؟
وثرثرتها الفارغة لم تكن سوى غلاف تحيط به نفسها.
كيف لم يلاحظ؟
كيف أهملها لهذا الحد؟
ومن السبب في هذا؟
من أوصلها إلى تلك الحالة؟
مد يده يتلمس صورتها الباكية راغبًا وفي تلك اللحظة في ضمها بين أحضانه مربتًا عليها حاملاً كل ما يؤلم قلبها بقلبه إن استطاع يكفيه فقط هي أن تعود كما كانت ولا تزرف دمعة واحدة بهذا الشكل المؤلم.
كم كانت ذا روح مرحة، مبتسمة ومشاكسه.
كانت بهجة بيتهم.
وشعلة نشاط وطاقة.
انطفأت شمعتها وخفت بريقها.
كأنها أصبحت شخصًا آخر.
شخصًا أنهكته الحياة.
تنهيدة أخرى خرجت منه متعبة ومتألمة وهو يحادثها بهدوء قائلاً: "بقيتي أحسن؟"
هزت رأسها نافية.
هي ليست بخير.
أصبحت لا تتحمل.
أغمضت عينيها وهي تفكر.
هي التي تستيقظ قبل الجميع لتلبي احتياجاتهم، وتظل مستيقظة بعد أن يخلد الجميع للنوم لترتب، تخطط، وتفكر.
المنهكة ليست فقط من العمل البدني، بل من الضغوط النفسية والمسؤوليات التي تتزايد دون توقف. قد تُخفي تعبها بابتسامة أو دعابة تُدخل الفرح على قلب من حولها، لكنها تحمل في داخلها أوجاعًا وجروحًا لا تراها إلا هي.
هي من تُرهقها الليالي الطويلة بجانب طفلها المريض، أو تسهر على تجهيز احتياجات أسرتها دون أن تشتكي. تجدها دائمًا منشغلة، ولكن عينيها تخبرك بحجم التعب. ومع ذلك، تظل شامخة.
زفر بضيق وهو يرى الألم في ملامحها كأنها تفكر في معضلة، قبل أن يسألها: "إيه اللي حصل؟
ممكن تحكيلي؟"
صمتت لدقائق، احترمها هو.
حقها، ولو أرادت فلتأخذ وقته كله.
نظرت حولها لعدة ثوانٍ بعينين منهكتين، قبل أن تنطق بتعب: "أنا تعبت يا تميم.
تعبت ويمكن دي بجد كلمة قليلة على شعوري.
أنا بقيت حاسة إني مش قادرة أعيش طبيعي.
أبسط حقوقي مش قادرة أحصل عليها.
دقايق لنفسي.
فنجان شاي أو حتى أشم شوية هوا.
متخيل إنسان وقته كله للغير؟
مش بنام.
مش بعرف آكل لقمة من غير صراخ وعياط.
وواحد فيهم على كتفي.
مش قادرة أخد أقل حقوقي."
وأكملت بخجل مرهق: "حتى إني أدخل الحمام.
متخيل أبسط حقوق الإنسان في احترامه لنفسه؟
بقت صعبة.
لو دخلت دقيقة صراخ وعياط والأربعة عايزين يدخلوا معايا.
صراخ طول الوقت.
عياط بطريقة غير طبيعية.
لحظة هدوء حتى.
ينام ده، يصحي ده.
يخف ده، يتعب الثاني.
أنت متخيل إني المفروض أكون زوجة وأم وربّة منزل مثالية؟
أنت متخيل كم المسؤولية اللي محدش حاسس بيها غيري؟
أنا مش ناكرة أو معترضة والله يا تميم.
حاشا لله."
قالتها بأنهار.
"أنا بس كنت عايزة طفل أو اثنين أقدر أديهم حبي وحناني وطاقتي.
بس أنا مهما خدت وسائل منع حمل بحمل.
بحمل وأنا مش مستعدة.
لا جسديًا ولا نفسيًا.
بحمل غصب عني.
وأنا مش قادرة أخد بالي من اللي معايا.
مش ناكرة أبدًا والله والله أبدًا.
كل اللي يشوفني يقولي أحمدي ربنا.
غيرك مش طايل ضفرهم.
ومين قال إني مش عايزة؟
مين دخل جوايا وعرف أنا قلبي فيه إيه؟
أنا عايزهم وبحبهم.
بس عارف لما تكون عايز ومش قادر؟
صعبة أوي صح؟
إنك بجد نفسك،
بس لا في طاقة ولا صحة،
ولا أي حاجة.
مهما حاولت.
الولاد مسؤوليتهم بتكبر معاهم.
بتزيد يوم عن يوم.
محتاجين بدل العين عشرة.
وبدل اليد عشرة.
تحس إني مش ملاحقة.
بين ده وده.
ده عايز وده عايز.
ده بيصرخ وده بتضحك.
ده قاعد على ده.
وده بيخنق ده.
أنت متخيل كمية الدوشة اللي أنا فيها؟
وأن يكون أقصى آمالك في اليوم
إنك بجد تقعد عشر دقائق بهدوء.
وفي الآخر إيه النتيجة؟
النتيجة صفر.
بطلع ست مهملة.
وأم فاشلة.
وزوجة.
وزوجة ناقصة فين عين جوزها؟
زوجة مهملة في نفسها وشكلها.
إزاي يرجع ومكنش على سنجة عشرة؟
إذا مهتمتش بنفسي وشكلي.
أصلي بعمل إيه؟
أنا واحدة مش بتعمل حاجة طول اليوم.
يدوب بس
بروق بس.
بنظف وأمسح.
وأغسل.
وأطبخ وآكل وأشرب وأغير وأحمي.
أصلي بفضل ماسكة للموبايل طول اليوم.
مانا ست فاضية بقي.
مش كده يا تميم؟"
قالتها ساخرة بتعب شديد.
صمت لعدة ثوانٍ قبل أن تسأله بتعب مضنٍ:
"أنت عارف أنا عايشة إزاي وحاسة بإيه؟"
صمتت مرة أخرى،
قبل أن تغلبها مشاعرها،
فانهارت تبكي بحرقة.