رواية جديدة ثنايا الروح لرانيا الخولي - الفصل 36 - جـ 1 - الإثنين 22/9/2025

الفصل 36 من رواية ثنايا الروح للكاتبة رانيا الخولي تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية

 

قراءة رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية ثنايا الروح

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة رانيا الخولي


الفصل السادس والثلاثون

الحزء الأول 

تم النشر الإثنين  

22/9/2025


لم يستطع مالك أن ينطق بالحقيقة كلما حاول أن يفتح فمه ليعترف كانت الكلمات تموت في حلقه رأى في عيني روح ثقة مطلقة وحباً لا حدود له، فكيف يجرؤ على تحطيم هذه الصورة؟ كيف يلوث نقاءها بقذارة ماضيه؟ اكتشف في تلك اللحظة أنه يفتقر إلى الشجاعة الكافية للمجازفة، فآثر الصمت والهروب، واختلق عذراً آخر يتعلق بضغوط العمل وقضية قديمة عادت للظهور.


استسلمت روح في النهاية، وإن لم تقتنع تماماً قررت أن تمنحه مساحته، وأن تثق به، مؤمنة بأنه سيبوح لها بما يثقل كاهله عندما يكون مستعداً.


بعد يومين، كانت أجواء السرايا هادئة كانت العائلة مجتمعة في الصالة الكبيرة بعد العشاء، يتبادلون أطراف الحديث في محاولة لاستعادة شيء من الحياة الطبيعية التي فقدوها. كانت روح تجلس بجانب مالك، تشاركه ابتسامة باهتة، بينما كان هو يمسك بيدها بقوة، كأنه يستمد منها الأمان الذي يفتقده.


اهتز هاتفها الذي كان بجانبها على الأريكة معلناً عن وصول رسالة. 

التقطته بلامبالاة، متوقعة أن تكون رسالة من إحدى صديقاتها كان الإشعار من تطبيق الواتساب من رقم غريب، رقم دولي لم تره من قبل.

فتحت الرسالة بفضول، فتجمدت الدماء في عروقها.


لم تكن هناك كلمات فقط ثلاث صور، أُرسلت في تتابع سريع، كأنها طلقات رصاص اخترقت قلبها بصمت.


الصورة الأولى: كانت لمالك بدا أصغر سناً بملامح أقل نضجاً، لكنه هو بلا شك وبجانبه، كانت تقف امرأة فاتنة الجمال، بشعر اشقر طويل وعينين جريئتين. 

كانت تبتسم للكاميرا بثقة، وذراعها يلتف حول خصره بألفة شديدة. 


الصورة الثانية: 

كانت أكثر قسوة وأشد إيلاماً كانت صورة "سيلفي" على ما يبدو، التقطت في غرفة نوم مالك كان مستلقياً على السرير، عاري الصدر، ويبدو عليه النعاس والمرأة نفسها كانت بجانبه، رأسها مستند على كتفه تنظر إلى الكاميرا بابتسامة منتصرة، ابتسامة امرأة تملك الرجل الذي بجانبها.


الصورة الثالثة: لم تكن صورة شخصية بل كانت صورة لوثيقة ورقة مكتوبة بخط اليد، كلماتها واضحة وحادة كشفرة سكين. 

"عقد زواج عرفي"

وكان اسم "مالك سالم الرفاعي" موقعاً في الأسفل، بجانب توقيع آخر باسم "سيدرا رضوان".


شعرت روح بأن قلبها قد توقف عن النبض. 

توقف الزمن وتجمدت الأصوات من حولها لم تعد تسمع ضحكات عائلتها، ولا تشعر بيد مالك التي لا تزال تمسك بيدها كل ما كانت تراه هو تلك الصور، تلك الحقيقة البشعة التي صفعها بها هذا الرقم المجهول.


إذن هذا هو السر. 

هذا هو الحمل الثقيل الذي كان يخفيه لم يكن مجرد علاقة عابرة، بل كان زواجاً.


شعرت بموجة من الغثيان والبرد تجتاح جسدها. 

أرادت أن تصرخ، أن تواجهه، أن تلقي بالهاتف في وجهه وتسأله عن هذه الخيانة.

لكنها كانت محاطة بالجميع لا يمكنها أن تنهار هنا


بقوة لم تكن تعرف أنها تمتلكها، تحاملت على نفسها أخذت نفساً عميقاً، بطيئاً وكأنها تسحب كل الهواء من الغرفة لتمنع نفسها من الاختناق. أغلقت شاشة الهاتف بهدوء تام، ووضعته بجانبها وكأن شيئاً لم يكن.


نظرت إلى مالك، الذي كان لا يزال يبتسم ويتحدث مع عمه. 

نظرت إلى يده التي تمسك بيدها وشعرت فجأة بقذارة لمسته. 

سحبت يدها منه بهدوء متذرعة بأنها تريد أن تشرب الماء.


نهضت وشعرت بأن ساقيها بالكاد تحملانها تحركت بخطوات ثابتة ومدروسة نحو المطبخ، وظهرها مستقيم، ورأسها مرفوع لم يشك أحد في شيء لم يلاحظ أحد البركان الذي انفجر بداخلها، والحطام الذي أصبحت عليه روحها. 

لقد أصبحت خبيرة في إخفاء ألمها، وهذه المرة كان الألم أعمق من أي وقت مضى.


دلفت المطبخ وحينها سمحت لنفسها بالانهيار.

وكأن صدمة واحدة لا تكفي فتأتي ما هي اشد وأقوى.

خيانة أخرى لكن اشد وأقسى مما قبلها

خيانة كسرت روحها قبل ان تكسر قلبها.

لم تستطيع البقاء في المطبخ واسرعت إلى غرفتها كي تنهار بحرية أكثر


شعر مالك بغيابها وتوجه مباشرة إلى المطبخ فلم يجدها

توجه إلى غرفتهما فوجدها جالسة على الأريكة تنظر إلى الفراغ أمامها في صمت مطبق.


رمشت روح بعينيها وشعرت بطعنة حادة باردة تخترق جدار قلبها الذي بنته حولهما وجدته يخفض عينيه أمامها يهرب بنظره من نظراتها المتهمة، وكيف له أن ينكر وقد وضعت كل الدلائل التي تثبت جريمته في حقها أمامه؟ صور، رسائل، تواريخ... ماضٍ كامل كان يجهله، وعاد ليصفعها على وجهها بمنتهى القسوة.


استطاعت بمهارة وقوة لم تكن تعرف أنها تمتلكها، أن تحبس تلك الدموع الخائنة التي تجمعت في عينيها وهددت بالانهيار. 

لا لن تضعف أمامه لا يجب أن يرى ضعفها وذلك الجرح الغائر الذي كان هو سبباً به عليها أن تداويه وحدها، بعيداً عن نظرات شفقته الكاذبة.


تطلعت إليه وكل جزء في كيانها يصرخ من الألم، لكن صوتها خرج ثابتاً، حاداً كشفرة.

_ ليه؟

قالتها وهي تتطلع إليه باتهام مباشر، وشعور مرير بالغدر والخيانة يغمر روحها، وهي تتابع جلدها له بكلمات كانت تخرج من جرحها المفتوح.

_ عملتلكم إيه عشان تغدروا بيا إكده؟ عملت إيه عشان كل واحد فيكم يطعني في ظهري بالشكل ده؟

اقتربت منه خطوة، ثم أخرى كي تجبره على النظر إليها كي لا يهرب من مواجهة حطامها الذي تسبب فيه. صاحت به وقد بدأ صوتها يرتجف من فرط القهر.

_ جولي ليه؟ بص في عيني وجاوبني!

قطبت جبينها بحيرة، وكأن عقلها يرفض أن يستوعب هذا الكم من الخذلان، وتابعت بصوت ضائع.

_ في الأول أخوك... ودلوجت أنت، ليه؟ أنا عملت فيكم إيه؟

قالت كلمتها الأخيرة بصوت عالي، صرخة ممزوجة بالقهر والعجز والألم.


حاول مالك أن يشرح، أن يبرر، لكن ماذا يقول وقد علمت كل شيء؟ حاول يائساً أن يجد أي سبب أي عذر، يخفف به وطأة جريمته أمامها.

_ روح... أنا... أنا كنت وحيد سنين طويلة في الغربة. 

وكنت في الوجت ده بعاني من حبك لأخويا، وبتعذب ليل نهار وأنا شايفك بعيدة عني. 

وبعدين... أنا مهما كان بشر، وليا متطلبات، ولجيتها جدامي بتجدملي كل حاچة بدون مقابل. 

ومكنش عندي أمل واحد في المية إنك ممكن في يوم تكوني ليا عشان أصبر.

تقدم منها خطوة وما إن مد يده ليمسك بكتفها، في محاولة يائسة لتهدئتها، حتى صرخت به صرخة خرجت من أعماق روحها المجروحة.

_ متلمسنيش!

تراجع على الفور وأومأ لها برأسه كي لا تنفعل أكثر من ذلك ويعاد ما حدث من قبل، فتمتم بعذاب حقيقي.

_ حاضر... حاضر مش هلمسك بس أرجوكي اسمعيني يا عمري.

قطبت جبينها بعذاب وضحكت ضحكة ساخرة خالية من أي فرح.

_ عمري؟!

تطلعت إليه بابتسامة مغمسة بالمرارة، ابتسامة كانت أشد إيلاماً من ألف دمعة.

_ للأسف... مبجتش بصدجك مبجتش بصدج أي كلمة بتطلع منك.

نظرت إليه، وعيناها تحملان برودة لم يرها فيهما من قبل.

_ أنت زيك زي عدي، مفيش بينكم فرج بس الفرج الوحيد إنه كان صريح من البداية، ومغشنيش، من يوم ما اتچوزني وهو بيحسسني إني شيء مفروض عليه، شيء تجيل على جلبه.


تطلعت إليه بمرارة، وكأنها تبصق الحقيقة في وجهه.

_ إنما أنت... أنت طلعتني لسابع سما، خليتني أصدق إن فيه حب حجيجي، وإن فيه حد ممكن يحبني بجد.

هزت رأسها بألم ووضعت يدها على جوفها الممتلئ وتابعت بقهر.

_ وفجأة... نزلتني سابع أرض، أنا عاملة زي إنسانة مثيرة للشفقة أخوك اتچوزني غصب عنه عشان جدي فرضني عليه. 

وبعدها أنت... عشان أنا مرات أخوك اللي اتجتل، واللي يا عيني مات وساب مراته اللي لسه عروسة مكملتش شهور، فأخدتني برضه غصب عنك، شفقة وواجب.

قاطعها مالك بلهفة 

_لأ يا روح، انا بحبك وانتِ خابرة إكدة زين.

انتي روحي يا روح، ودي والله ما لمستها وعمري ما لمست حد غيرك، منكرش اني فكرت لاني كنت بموت من غيرك بس والله ما قدرت، وجوازنا كان على أمل إن ممكن أحبها وأكمل حياتي معها بي والله ما قدرت.


أغمضت عينيها بقهر وهي تضع يدها على بطنها كأنها تحمي طفلها من هذا العالم القاسي.

_ مبجتش مصدجة شيء، مبجتش خابرة مين بيحبني ومين لاه.

لولا بنتي... لولا اللي في بطني دي، أنا كنت ريحتكم مني وموتت حالي بس لأ، لازماً أعيش عشانها والحل الوحيد دلوجت... إنك تخلصني منك، زي ما ربنا خلصني من أخوك.

تطلعت إليه بنظرات محملة بالحقد، حقد لم يره في عينيها من قبل وهي تتابع ببطء وقسوة.

_ يعني لو راچل، وعندك ذرة كرامة... تطلجني.


جرحته كلمتها الأخيرة "لو راجل" كخنجر مسموم لكنه أقنع نفسه بأنها مجروحة، وأنها لا تعي ما تقول لذا تحدث بهدوء مصطنع، رغم أن بركاناً من الغضب بدأ يثور بداخله.

_ روح... أنا هعدي اللي جولتيه ده عشان مجروحة...

قاطعته صارخة، وقد نفد صبرها تماماً.

_ بس أنا مش مچروحة! أنا مدبوحة ومعنديش استعداد أكمل حياتي ثانية واحدة مع واحد حقير وخاين زيك ولو رست إني أخلعك في المحاكم وأفضحك، مش هتردد ثانية واحدة فأشرفلك إنك تطلجني دلوجت.


هنا، انقطع آخر خيط من خيوط صبره توحشت نظراته، وبدا له كل شيء أسود. 

شعر بها تضيع من بين يديه تصر على اتهامه بالخيانة، وتهدد بتركه لن يسمح بذلك لن يتركها تفلت من بين يديه بعد أن أصبحت له، بعد أن أصبحت روحه وملكه عاد التملك ليرأس علاقتهما من جديد، وظهرت لهجته الحادة التي لا تظهر إلا في أقصى درجات الغضب. 

جذبها من ذراعها بقوة، يهزها بدون وعي، وهو يغمغم من بين أسنانه.

_ مستحيل أطلجك، ولو السما انطبجت على الأرض مش هنولهالك، ولو رست إني مخرجكيش من الاوضة دي وأحبسك جواه هعملها يا... بنت عمي.


قال كلمته الأخيرة بسخرية وخرج من الغرفة صافقًا الباب خلفه بعنف أغمضت عينيها بانهيار وشعرت بالغرفة تضيق بها.

ارتمت على الفراش وسمحت لتفسها بالانهيار...


❈-❈-❈


خرج أكمل من المرحاض، وقد ترك خلفه تحت الماء الساخن بعضاً من توتر يومه لكنه لم يستطع أن يغسل قلقه العميق أو ندمه اللاذع

كان يرتدي منامة قطنية بسيطة، وقد تجرد من كل ألقاب ومناصب العالم الخارجي ليصبح مجرد رجل خائف على زوجته وطفله. 

تقدم نحو السرير بخطوات خافتة كاللصوص واستلقى بجوارها بروية شديدة حريصاً على ألا يصدر أي صوت قد يزعج نومها الهش.


بمجرد أن استقر جسده بجانبها، شعر بقلبه ينبض بعنف ليس من الشوق بل من شدة الخوف عليها. 

كانت قريبة منه تفصلهما سنتيمترات قليلة، لكنه شعر بأنها كانت على وشك أن تضيع منه إلى الأبد. 

عاتب نفسه بقسوة لم يعاتب بها متهماً في قاعة محكمة منذ أن ذهب إلى شقة ليان، واستمع منها إلى كل تفاصيل معاناة صبر وهو يشعر بأنه شخص آخر شخص لا يعرفه.


متى كان بتلك القسوة؟ هو وكيل النيابة الذي عُرف عنه بأنه لا يصدر حكماً إلا بعد أن يستمع إلى كل الأطراف، ويمنح المتهم فرصة تلو الأخرى ليدافع عن نفسه. 

هو نفسه لم يمنح أقرب الناس إلى قلبه، شريكة حياته حتى فرصة واحدة لتشرح أو تبرر. 

لقد طردها من منزله، من جنتها الصغيرة وتخلى عنها في العراء، ظناً منه أنها عادت لذلك القلب المتيبس، والدها الذي كان هو نفسه يحتقره.


تطلع إليها بلوعة وعيناه تجوبان ملامحها الشاحبة باشتياق موجع. كانت نائمة لكن أثر الألم كان محفوراً على وجهها الهادئ. 

رأى الهالات الخفيفة تحت عينيها، وشحوب شفتيها وشعر وكأن كل علامة من علامات إرهاقها هي طعنة في ضميره. 

في صمت بدأ يعتذر لها ليس بلسانه، بل بقلبه وروحه، يعتذر عن كل كلمة قاسية، وعن كل نظرة اتهام وعن كل ليلة تركها فيها تواجه الخوف والوحدة بمفردها. 

ووعدها وعداً صامتاً ومقدساً بأنه سيعيد لها الأمان الذي حرمها منه بعد أن جعلها تتذوق حلاوته.


لم يستطع المقاومة أكثر رفع أنامله المرتجفة قليلاً، وتحسس وجنتها برقة لا متناهية كأنه يلمس شيئاً ثميناً قابلاً للكسر. 

جالت الذكريات الجميلة بخلده، تلك الفترة القصيرة التي عاشاها معاً ضحكاتها الخجولة، نظراتها المليئة بالحب أحلامها البسيطة التي كانت تتمحور حوله فقط. 

كيف استطاع أن يدمر كل هذا بيده؟


شعرت صبر بلمسته الحانية تلك اللمسة التي كانت تعرفها جيداً، والتي طالما اشتاقت إليها في ليالي وحدتها. 

تسللت اللمسة عبر طبقات نومها المتعب وفتحت عينيها بتثاقل

في البداية كانت الصورة ضبابية، لكنها سرعان ما اتضحت رأت أكمل، حب حياتها مستلقياً بجانبها، يتطلع إليها بتلك النظرة العميقة المليئة بالشوق واللهفة النظرة التي كانت تذيبها وتجعلها تنسى العالم بين يديه.


تمتمت بصوت خافت، صوت حالم لا يصدق ما يراه.

_ أنا بحلم؟... ولا أنا مت وأحلامي بتتحقق؟

أغمض أكمل عينيه بألم وشعر وكأن كلماتها سكين حاد يغرس في قلبه. 

يا الله إلى أي درجة من اليأس أوصلها؟

قال بصوت متحشرج وهو يقرب وجهه منها أكثر.

_ لأ ده ولا ده أنتِ في حضني، ومش هسيبك تبعدي عني تاني أبداً.


تجمعت العبرات في عينيها وقد علمت بفطنتها أنه عرف الحقيقة، لا بد أنه ذهب إلى ليان قالت بعتاب رقيق يقطر ألماً.

_ تعبت أوي من غيرك يا أكمل كل يوم بعيد عنك كان بيقربني للموت أكتر كنت بخاف أنام وبخاف أصحى كنت خايفة على نفسي، وخايفة على اللي في بطني.

وضع أنامله على شفتيها برقة، يمنعها من مواصلة تلك الكلمات التي كانت تمزق روحه إرباً.

_ هششش... خلاص رجعت، ومش هسيبك تاني وهمحي كل الألم اللي سببتهولك، همحي كل دمعة نزلت منك، وكل لحظة خوف عشتيها، همحي كل الحزن اللي كنت أنا السبب فيه، أو غيري.

عند تلك النقطة لم يعد يستطيع الابتعاد ومال عليها

ليوثّق وعده بقبلة عميقة على شفتيها الذابلتين، قبلة كانت تحمل كل ندمه وكل شوقه وكل وعوده. 

كانت قبلة يقسم فيها أن يعيد إليها الحياة التي سلبت منها وأن يلون عالمها الرمادي بكل ألوان الفرح.


ابتعد عنها بصعوبة وقد تذكر تحذير والدته بألا يرهقها أو يقترب منها بحميمية في هذه الفترة الحرجة. 

كان الأمر أصعب قرار اتخذه في حياته أن يبتعد عنها وهي بين يديه بهذا الشكل، لكن صحتها وصحة طفلهما كانت الأهم.

تطلع إليها بابتسامة دافئة ابتسامة طمأنتها ومسحت كل مخاوفها.

_ نامي يا صبر نامي وارتاحي وأوعدك إن بكرة، وكل السنين اللي جاية هتكون أحلى.


أغمضت عينيها وهي تشعر بالأمان يغمرها لأول مرة منذ شهور، بينما ظل هو مستيقظاً طوال الليل، يراقبها وهي نائمة كحارس أمين يقف على حدود مملكته التي استعادها أخيراً.


❈-❈-❈


لم تستطع نغم النوم تلك الليلة كانت عيناها مفتوحتين في الظلام، تراقبان خيوط الفجر الأولى وهي تتسلل خجولة من بين ستائر الغرفة لم يكن الأرق بسبب التعب بل بسبب العاصفة التي تدور في رأسها وقلبها كلما أغمضت عينيها، كانت تعود إليها تفاصيل الليلة الماضية لمساته قبلاته همساته، واستسلامها الكامل الذي لم تكن تتوقعه من نفسها.


لا تعرف هل ما فعلته كان صحيحاً أم خطأ

جزء منها الجزء العقلاني الذي تغذى على الكراهية والثأر لأشهر، كان يصرخ فيها بأنها خانت نفسها خانت مبادئها وخانت ذكرى كل من تأذى بسبب عائلته كان يجلدها بسياط الذنب، ويذكرها بأنها كانت مجرد لحظة ضعف أمام ذلك الحب الذي يغدقها به، حصار من الحنان والصبر نجح أخيراً في اختراق دفاعاتها.


لكن شيئاً آخر بداخلها صوت أعمق وأكثر صدقاً كان يهمس بحقيقة مختلفة داخل قلبها الذي وصفته بالخائن، كان هناك اعتراف مرير وحلو في آن واحد

اعتراف بأن استسلامها لم يكن بدافع الضعف، بل كان تتويجاً حتمياً لذلك الحب الذي كانت تحاول كبته ودفنه حياً تحت ركام من العناد والغضب لقد كان حباً عنيداً، نبت في أرض من الكراهية، لكنه تشبث بالحياة وأزهر رغماً عنها.


تطلعت إليه بجانبها كان نائماً بعمق، يحيطها بذراعيه بقوة حتى في نومه كأنه يخشى أن تكون مجرد حلم جميل سيهرب منه مع أول ضوء للنهار. 

كان نومه هادئاً وقد اختفت تلك القسوة التي كانت ترتسم على ملامحه وهو مستيقظ لتحل محلها سكينة وراحة جعلته يبدو كرجل آخر، رجل لا يعرف سوى السلام مدت يدها بتردد ومسحت على شعره برقة، وشعرت بوخزة من الحنان تجتاحها من هذا الرجل؟ 

السجان أم الحبيب؟ 

الشيطان أم الملاك الحارس؟ 

أم أنه كلاهما معاً؟

لقد أصبح هو عالمها وهذا ما كان يرعبها. 

حبها له لم يعد مجرد شعور بل أصبح إدماناً تعلقاً يخلع الروح، فكرة الابتعاد عنه لم تعد ممكنة بل أصبحت مرادفة للموت. 

وهذا التعلق الجنوني هو ما كان يخيفها أكثر من أي شيء آخر.


شعرت بالاختناق كانت بحاجة إلى الهواء بحاجة إلى مساحة لتفكر لتتنفس بعيداً عن تأثيره الساح

تسللت من بين ذراعيه بهدوء وبطء شديدين حابسة أنفاسها مع كل حركة أخذت هاتفها من على المنضدة وخرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها بصوت خافت بالكاد يكون مسموعاً.


وقفت في منتصف الصالة المظلمة، وشعرت بأنها وحيدة بشكل مؤلم. 

كانت تشعر برغبة عارمة في التحدث إلى أي شخص، أي شخص يمكن أن يفهم هذا التشابك المعقد من المشاعر الذي يمزقها. 

لم تجد أمامها سوى اسم واحد، وملاذ واحد.

روح...

جلست على الأريكة، وفتحت قائمة الاتصال، وإصبعها يحوم فوق اسم أختها. 

كانت مترددة. 

ماذا ستقول لها؟ كيف ستشرح لها أنها استسلمت للرجل الذي خطفها؟ كيف ستعترف بأنها... تحبه؟ لكنها كانت في أمس الحاجة إلى صوت يفهمها دون أن يحكم عليها، صوت يعرف معنى الحب الذي يولد من رحم الألم ضغطت على زر الاتصال، ووضعت الهاتف على أذنها وقلبها يخفق بقوة، منتظرة صوت أختها الذي أصبح طوق النجاة الوحيد لها في هذا البحر المتلاطم من الحيرة.

...

لم تجف عيناها للحظة واحدة ظلت طوال الليل جالسة على الفراش، تحتضن ركبتيها، وتنظر إلى نقطة لا شيء في الظلام، تتمنى أن يكون كل ما حدث مجرد كابوس مزعج ستستيقظ منه في أي لحظة.

لكن شاشة هاتفها التي كانت تضيء من وقت لآخر بالصور المشؤومة، كانت تؤكد لها أن هذا واقع، واقع أقسى من أي كابوس.

الصفحة التالية


NextGen Digital... Welcome to WhatsApp chat
Howdy! How can we help you today?
Type here...