-->

اقتباس - روضتني (الجزء الثالث من رواية احببت طريدتي)

 


اقتباس


رواية روضتني


الجزء الثالث من رواية 


أحببت طريدتي



دلفت وراءه بعد أن وجدته شارداً ووجهه محتقن بالحزن أو الغضب ربما، وكان من الطبيعي أن تستمع له عندما أخبرها أنه يريد البقاء بمفرده قليلاً، و لكنها تعمله جيداً ربما اكثر ما يعلم هو نفسه؛ فلم تعر لأمره المستتر أهمية وتبعته لغرفة مكتبه، فحتى وإن قال أنه يريد الإختلاء بنفسه لانهاء بعض مهام العمل إﻻ انها متأكدة تمام التأكد أن هناك أمراً جللاً قد حدث ولا يريد أن يشعرها به.


رفع رأسه المسندة على مكتبه عندما شعر بها تغلق الباب وراءها، فحاول أن يتماكل نفسه قليلاً، ورمقها بنظرة متضايقة و هتف:

-مش قولتلك محتاج أقعد مع نفسي شويه عشان الحق اخلص الشغل اللي ورايا؟ انتي ليه مبتسمعيش الكلام؟


اقتربت أكثر غير مهتمة بحدته، فهي لن تهتم سوى به وبحالته الحزينة التي تعلمها جيداً، فقالت بصوت مهتز:

-كنت دايماً بتقولي أنا الوحيده اللي مسموحلي أشوفك وأنت بالحالة دي، إيه اللي أتغير دلوقتي؟


أجاب فوراً و بحدة:

-حالة إيه؟ أنا كويس بس مشغول.


اقتربت أكثر حتى باتت تقف بجوار مقعده، وربتت على كتفه وهمست بحب:

-كده برده يا فارس؟ أنت فاكر إنك تقدر تخبي عليا حزنك واللي جواك؟ 


أدار وجهه للناحية اﻷخرى وزفر أنفاسه عاليا وتحدث بحدة قليلا:

-أنا مبقتش عارف أتنفس من حصارك ليا، مش فاهم بقيتي كده ليه؟!


انتفض واقفا بغضب وهو يضيف:

-هو مين فينا الراجل ومين الست؟


تجعدت ملامحها ورددت حديثه بذهول:

-مين الراجل ومين الست؟ إيه الكلام ده؟

اندفع مبتعدا عنها وهو يهدر بها:

-اديني مساحتي يا ياسمين مش معقول كده، أنا بقيت حاسس بخنقه من الأسلوب ده، ومع ذلك بحاول مزعلكيش.


هل يجب عليها الإستسلام اﻵن؟ و ربما اﻻبتعاد مما تراه أمام عينيها من نوبة غضب وشيكة، ستكون هي ضحيتها بالتأكيد، ولكنها حقا لن تهتم فهي تعلم تمام العلم أنه لا يمكن أن يصبح هكذا إﻻ بسبب أمراً جللاً، مصيبة كبيرة وقعت على رأسه لم يتحملها.


وكم من مصائب مرت عليهما بسنين زواجهما واستطاع هو تخطيها! وربما كان اقوى مما يبدو اﻵن؛ لذلك أصرت على الإقتراب منه وسؤاله بصورة مباشرة؟

-طيب ممكن تفهمني مالك؟ من يوم ما مامتك جت هنا واتكلمت معاك وأنت بالحالة دي!


تنفس عاليا وبتوتر وصر على أسنانه صارخا بها:

-ياسمين، أخرجي وسبيني لوحدي وروحي شوفي ولادك، أنا تعبان ومش قادر على المجادله معاكي.


اطرقت عينيها بحزن واخفضت صوتها هامسة بخفوت:

-حاضر يا فارس، اللي تشوفه.


همت بالمغادرة فشعر بحزنها، فلم يمهلها فرصة بالتحرك من أمامه؛ فسحبها فورا داخل حضنه وهمس بجانب أذنها معتذراً:

-حقك عليا، صدقيني أنا عارف أنك قلقانه عليا بس صدقيني أنا كويس، وأول ما هلاقي نفسي قادر أتكلم وأحكي، فأنتي عارفه إن مليش غيرك أفضفض معاه.


رفعت وجهها تنظر لمقلتيه الحزينيتن، وقالت بخوف ظهر على ملامحها:

-أنا وولادك محتاجينك، وأنت لما بتزعل ضغطك بيوصل لمراحل مخيفه بتخوفني عليك اوي، عشان خاطري أرمي أي حاجه ورا ضهرك، وأي مصيبه جديدة ظهرت مستحيل تكون أكتر من اللي مرينا بيه يا فارس.


أومأ لها وهو بداخله يسخر من نفسه؛ فبالرغم من خسارته السابقة والتي لا تقدر بثمن بعد أن مر بالعديد من المصائب التي قد تهدم الجبال وتشق الارض لنصفين، إلا أن تلك المرة المصيبة لا يستعبها عقله.


يُتبع..