-->

رواية روضتني -الجزء الثالث من احببت طريدتي -للكاتبة أسماء المصري -الفصل الثالث عشر

 رواية روضتني الجزء الثالث من احببت طريدتي 
للكاتبة أسماء المصري



رواية روضتني الجزء الثالث

الفصل الثالث عشر


❈-❈-❈


استيقظت على صوت طرقات على الباب؛ فتحركت ونظرت من عين الرؤية فوجدته أنس؛ فزمت شفتيها بضيق وتزمرت بداخلها وتحدثت من خلف الباب:

-مين؟


ابتسم نصف ابتسامة سمجة ورد بصوت ساخر:

-مين إيه يا سكر؟ هكون مين يعني، افتحي انتي قافلة الباب من جوه ولا ايه؟


علمت أنه حاول أن يفتحه كعادته فتحدثت بغضب:

-أنت برده جربت تفتح من غير ما تخبط؟ على فكرة انا مش هسكت على تصرفاتك دي بعد كده.


عاد لابتسامته، ولكنها ظهرت لها من خلف الباب ابتسامة مقتضبة ورد عليها بصوت متضايق:

-أنتي مكبرة الموضوع ليه يا نرمين؟ أنا زي أخوكي يعني، ايه شغل العيال ده؟


هدرت به بحدة:

-أنت لا أخويا ولا اللي أنا بعمله شغل عيال، وأنا وانت فاهمين كويس عمايلك ...وانا عشان مش عايزه اخوك يتصدم فيك بحذرك لاخر مره انك تبعد عني خالص ٠٠وإلااا...


قاطعها فورا بغضب:

-وإلا ايه يا نرمين؟ هتتبلي عليا قدام اخويا وتقوليله اني بضايقك؟


تعجبت من وقاحته ونوت أن تلقنه درسا قاسيا، ولكن أوقفها صوت والدته وهي تسأله بعد أن استمعت لصوت شجارهما:

-في ايه يا بني؟ مالكم بتتخانقوا ليه؟


رد عليها بجرأة تعجبت لها تلك الواقفة خلف الباب:

-تعالي شوفي مرات ابنك بتتهمني بايه!؟


لمعت عينها وهي تفتح فورا وتعقب على حديثه:

-أنت مش هامك بقى؟


ضحك ساخرا ورد بثقة لا مثيل لها:

-واهتم بالهري الفاضي ليه؟ أمي وأخويا عارفين مين هو أنس، ومش معنى أنك مش مستلطفاني يبقى أي كلام فاضي هتقوليه هيتصدق.


اغتاظت منه ونظرت له بغل وكره ووالدته تسأله بتوجس:

-ايه اللي حصل لكل ده يا بني؟ أنا مش قولتلك تطلع تحط لها الطلبات في المطبخ من غير ما تصحيها! ما أنت عارف ظروف شغل أخوك قالب ليلها نهار ونهارها ليل.


رد فورا دون اعطاءها وقت للرد:

-ما ده اللي مضايقها يا أمي، اني حاولت ادخل من غير ما ازعجها.


صرخت فورا بحدة وغضب:

-البيوت لها حرمه، انتو ازاي تسمحوا لنفسكم تتعدوا على خصوصية البيت بالشكل ده؟


دنت منها والدته ورمقتها بنظرات شرسة وغاضبة، وصرخت بها بغضب جحيمي:

-لااااا، اسمعي كويس، أنا ولادي طول عمرهم ايد واحده وواقفين في ظهر بعض من وابوهم عايش، وجوزتهم كلهم مفيش واحده ولا واحد من جواز ولادي عمل عمايلك دي.


تعجبت من ردها الهادر فسألتها بحيرة:

-عمايلي! انا عملت ايه بالظبط؟ عشان مش موافقه انكم تدخلوا عليا وانا نايمه أو لوحدي و...


لم يسعها الوقت للرد ولكن استمعت لصوت مالك المتعجب من المشهد الذي أمامه من شجار قائم بين والدته وزوجته فسأل متوتر:

-في ايه يا جماعه خير؟


حاولت نرمين الرد، ولكن والدته كانت اﻷسبق بالرد عليه صارخة بعنف:

-تعالى شوف مراتك اللي مشغله الكل تحت أمرها ورهن اشارتها بتعمل ايه؟


حاولت الدفاع عن نفسها، ولكن مالك سأل والدته بعد ان رمقها بنظرة جامدة مطالبا اياها بالصمت:

-عملت ايه بس يا ماما فهمني؟


أجابته وهي تصر على أسنانها بالغيظ:

-زعلانه أوي عشان قولت لأخوك يدخل يحط لها الطلبات في المطبخ من غير ما يزعجها ويصحيها، قال ايه بتتعدوا على حرمة البيت! ده كلام يتقال يا بني؟


التفت رامقا زوجته بنظرة حارقة وأشار لها بالدخول وعاد ينظر لوالدته وأخيه وقال بهدوء منافي لما بداخله:

-معلش يا ماما انتوا اكيد عارفين انها طول الوقت لوحدها ويمكن عشان كده بتقول أي كلام، متزعليش منها.


ضحكت باستهزاء وردت عليه بضيق:

-صالح أخوك الكبير لإنها غلطت فيه هو مش فيا، ومتنساش إن ده اللي اترهبن عشان يربيكم ويكبركم ويجوزكم، ميكونش ده جزاته على آخر الزمن.


أوقفها أنس مهدئا اياها:

-خلاص يا ماما ومالك زنبه ايه؟ انا مسامح يا ستي وبعد كده ابقي خلى حد من اخواتي البنات هي اللي تطلع لها طلباتها.


صاحت معترضة:

-لأ طبعا، والله ما يحصل ... ليه! كمان هشغل البنات عندها؟ ما كفايه أنت اللي شايل طلبات بيت أخوك ومعوض غيبته.


التفت مالك ناحيته وربت على كتفه هاتفا:

-حقك عليا أنا يا أنس، امسحها فيا.


ابتسم له اﻻخر واحتضنه رابتا على ظهره وقال بصوت حنون:

-بطل يا واد يا عبيط انت، ده انت آخر العنقود وكلكم ولادي مش أخواتي.


ابعده عن حضنه ودفعه برقة وهو يقول بمزاح:

-يلا خد الطلبات دي وادخل راضي مراتك، أمك هبت فيها برده رعبتها والبت بسكوته اتخضت من صوت زعيقها.


ابتسما ودلف بعد أن حمل معه المشتريات؛ فوجدها تغير ملابسها البيتيه بأخرى وتستعد للمغادرة فرفع حاجبه ونظر لها بفضول وسألها وهو يضع اﻷكياس على طاولة الطعام:

-على فين كده؟


رمقته بنظرة متضايقة وتجاهلته، وامسكت بحقيبة يدها وتحركت صوب الباب؛ فلحقها على الفور وامسكها من ذراعها بحدة وهدر بها:

-قولت على فين؟ ولا خلاص مش هامك حد؟


رمقته بنظرة مغتاظة وقالت بهدوء غريب وكأنها استعادت رباطة جأشها من جديد بعد أن فقدت الكثير من شخصتيها القوية التي عهدها الجميع بها، فقالت بصوت قوي:

-رايحه بيت اهلى، ومش هتناقش معاك في أي حاجه يا مالك لأني زهقت من الكلام و...


قاطعها بغضب:

-والنطع اللي انتي متجوزاه ملوش رأي؟


رفعت شفتها بامتعاض على طريقته الوقحة في الحديث معها وردت بنفس هدوءها:

-طيب  يا مالك شوف أنت تحب ايه؟ أمشي دلوقتي وتبقى تقعد مع ياسين تشوفوا حل للعيشة دي؟ ولا انزل من هنا بعد ما آخد قرار باﻻنفصال النهائي عنك؟


صر على أسنانه بغضب وصاح بها:

-انتي بتهدديني يا نرمين؟ 


ردت بنفس هدوءها الذي اشعله حرفيا:

-ابدا، أنا بقولك على اختيارين ملهومش تالت، وأنت حر اختار اللي تشوفه مناسب.


تحركت صوب الباب فأوقفها صوته المعترض:

كل ده عشان مش عايز مشاكل بينك وبين أهلي؟


التفت له وردت موضحة:

-وانا قولت لك ناخد أي شقة بره عشان المشاكل وأنت مُصر على رفضك، وشوف من امتى وأنا بتكلم في نفس الموضوع ومش شايفه أي اهتمام منك بالعكس تماما، كل مره تراضيهم هم وتمنعني اتكلم وبعدها تعاتبني وتتخانق معايا، فبما اني مش مرتاحه ولا انت مرتاح فدي آخر فرصه انا هديهالك يا مالك، إما انك تختار نكمل مع بعض وهيكون بشرط خروجي من بيت العيله أو رفضك هيكون معناه اختيارك للإنفصال وفي كلتا الحالتين أنا موافقه على اختيارك.


تركته وخرجت من باب المنزل واغلقته وراءها؛ فدفع المقعد الذي بجواره بعنف وغضب وهو يصيح عاليا بضيق، بنفس الوقت كان أنس يقف بنافذة عيادته فوجدها تخرج من بوابة البيت؛ فنزل سريعا ليلحق بها ونادها بصوت عالٍ:

-نرمين.


لم تهتم لنداءه بل اكملت سيرها للامام غير عابئة بأحد، ولكنه أسرع بخطاه ليلحق بها وأوقفها عنوة ووقف أمامها مترصدا تحركاتها؛ فنظرت له بغل وغضب وهدرت به بصوت عالٍ:

-انت عايز فضيحة بقى في وسط الشراع!؟


بلل شفتيه بطرف لسانه، وأمسكها من ذراعها بقسوة آلامتها وتكلم بجدية وحزم:

-اسمعي، أنا أخويا مالك عندي أهم من أي حاجه وأي حد ومش هسمحلك تزعليه أو تقهريه، انتي فاهمه؟


صرخ بنهاية حديثه فابتسمت بسخرية وردت عليه بأسلوب مبطن:

-لااا ... وانت من ناحية بتخاف عليه فأنا ابصم بصوابعي العشرة أنك تخاف عليه أكتر من حياتك، بأمارة ما أنت بتتحرش بمراته.


التفت ينظر حوله ليجد الشارع فارغ من حسن حظه؛ فضغط باظافره ليغرزها بجلدها فتألمت ولكنها آثرت على اخفاء ألمها حتى لا تجعله يشعر بنشوة الانتصار؛ فتمالكت نفسها وانتزعت ذراعها من بين اظافره وهى تهدر بعنف:

-سيب ايدي.


صر على اسنانه وقال بصوت محذر:

-من حسن حظك إن الوقت لسه بدري والشارع فاضي، وإلا كنتي اضطرتيني اوريكي وشي التاني، واياكي تاني مره اسمعك تتهميني اﻻتهام ده.


نظرت له بتقزز وتكلمت بصوت هازئ:

-أنا وأنت عارفين كويس إذا كان إتهام ولا حقيقه! وسكوتي اﻷول مكانش ضعف مني لكن كان خوف على مالك من صدمته فيك، بس صدقني لو وقفت في طريقي تاني مش هيهمني حد وهخلي الناس كلها تعرف حقيقتك.


ابتعدت عنه وتحركت من أمامه لتخرج خارج الشارع الذي تقطن به حتى تجد ما يقلها لمنزل جدها؛ فاوقفت أول سيارة جاءت أمامها وتكلمت وهي تحاول إخفاء عبراتها:

-على عابدين يسطا لو سمحت.


وقبل ان يجيبها بالموافقة غيرت رأيها فورا وصححت:

-ولا اقولك اطلع على كومباوند *** بسرعة لو سمحت.


ابتسم السائق لسعادته بوجهتها الجديدة التي قد تجعله يطلب أجرة باهظة نظرا للمكان الباهظ المتوجهة له، أما هي فأسندت رأسها للخلف على ظهر المقعد الجلدي للسيارة اﻷجرة وهي تفكر بعمق لخطوتها القادمة ما إن رفض مالك تنفيذ طلبها الأول وربما اﻷخير.


❈-❈-❈


حماسة مازن للاستماع لما لديها تقوله جعلت فارس يبتسم على أفعاله التي لا يمل منها أبدا وهو يصيح بها بلهفة طفل صغير:

-ما تقولي يا ياسمين ولا محتاجه عزومه، ايه الحل اللي لقتيه؟


رفعت بصرها عن اﻷوراق التي أمامها وتسائلت بتشويق:

-عايزين تعرفوا الحل؟


مد فارس ساعده وامسك راحتها مقـ ـبلا اياها من كفها وقال بشغف لطالما اظهره للجميع دون خجل:

-قولي يا سلطانه.


اعتدلت بجسلتها على المقعد وامسكت بعض اﻷوراق التي أمامها وفردتها أمامهم، وقالت بعملية شديدة:

-كل الورق اللي قدامي بيظهر الوضع المالي للعالميه والكوارث اللي هتواجهها الشركه ومعاها العيلة لو الشركة فلست، وكل تفكيركم إزاي تنقذوها بأقل الخساير وعشان كده مش لاقين حل.


ابتلعت ريقها ونظرت لزوجها وقالت له موضحة:

-الخسارة لازم تحصل يا فارس، السوق دايما بيقول خساره قريبه ولا مكسب بعيد وطول ما الخساره متقسمه ع الكل؛ فهيكون سهل اننا ننقذ الشركه بكل اللي فيها لو بس اتنازلنا شوية.


ارتشف من قهوتها التي أعدتها بيدها خصيصا له وابتلعها باستمتاع وسألها:

-ايه اللي تايه عني يا ياسمينا؟


أومأت وكأنها تقول انا وراءك وخلف ظهرك حائط صد يستطع حمايتك ولو بأضعف القدرات، اخرجت بعض اﻷوراق ووضعتها أمامه قائلة:

-المستثمرين....


وقبل ان تنطق قاطعها ساجد موضحا:

-الكل بيهرب وعارضين اﻻسهم برخص التراب في البورصة، وكأننا ناقصين خساره فوق خسارتنا؟!


أومأت بتفهم وقالت بعملية:

-احنا هنعرض عليهم عرض إما يوافقوا عليه أو يرفضوا وهنتصرف على أساسه.


لم يعقب اي منهم منتظرين أن تكمل فقالت:

-كل واحد فيهم يساهم قد نسبته من الخسارة زي ما كان بيربح قد نسبته وقت المكسب.


عقب فارس عليها وهو يبتسم نصف ابتسامة باهته:

-الكل بيجري على السهم الربحان، والسهم الخسران محدش بيحاول يخاطر معاه، وللأسف الميديا نشرت صعوبة رجوع المجموعة زي اﻷول وده صحيح، وحطي عليهم إصرار شركة التامين إن اللي حصل بفعل فاعل بالرغم من أنهم ملقوش أي حاجه تدل على ده، بس هم مش هيسكتوا وكلنا عارفين إن آجلا أم عاجلا هيلاقوا سبب الحر يق فكمان هنخسر التعويض، عشان كده في الوقت الحالي العالمية مركب غرقانه والكل بينط منها قبل ما تسحبه معاه، وفي اﻷخر مش هيفضل غير القبطان هيغرق مع سفينته.


تحدث بحزن واطناب فمسحت بكفها على راحته تؤازره وهتفت توضح:

-اكيد فاهمه ده يا حبيبي، بس أنا مستحيل اسيبك تغرق مع المركب وبما اني عرفاك كويس وعارفه انك مستحيل تنط مع اللي بينط؛ فالحل 80% منه هيكون في ايدك.


نظر لها بتعجب فغمزت له وقالت:

-اﻷول قبل ما أقول الفكرة اللي عندي عايزه اسألكم سؤال.


انتبه لها الجميع فقالت متسائلة:

-هو السهم تكلفته كام في العالمية؟


رد ساجد بحزن:

-بعد الهبوط اللي حصل حوالي 300


عادت تسأل:

-وفي كام سهم مطروح للتداول؟


أجابها من جديد:

-15% من اﻻسهم والباقي بتاع مجلس الادارة.


أومأت له وسألته هو بشكل مباشر:

-بس لا انت ولا مازن ليكم في اﻷسهم دي؟


أومأ ساجد مؤكدا:

-ايوه، بابا بس.


بدأ فارس يجمع الخيوط من حديثها فعقب على تساؤلاتها:

-انتي عايزه ساجد ومازن يشتروا اﻻسهم الخسرانه مش كده؟


أومتت وأضافت:

-وبكده الخسارة مش هتكون كبيره لأن في النهاية اﻻسهم راحت لعيلة الفهد، وساعتها لما نقسم الخساره محدش هيعترض لأن كل الموجودين من العيلة ومتضررين زي الكل.


التفتت ترمقه بنظرة متوجسة وسألته بقلق:

-فارس، هو الرصيد اللي في حسابي ده أنت محتاجه؟


رد فورا وهو رافعا حاجبا لأعلى:

-دي فلوسك يا حبيبتي.


ابتلعت ريقها بتوتر وحرج وقالت:

-انا كمان هدخل بالفلوس دي وأشتري اسهم، بس هكتبها باسم الولاد.


لم يهتم لحديثها ورد عيلها:

-دي فلوسك وانتي حره فيها حتى لو عايزه تشتري اﻻسهم لنفسك، ده حقك محدش يقدر يعترض.


وافقته دون تعقيب ولكنه اضاف بتخوف:

-انا بس كنت عايز ائمن مستقبلك عشان لو جرالي حاجه متحتاجيش لحد و...


انتفضت بلهفة وتوجهت ناحيته تسكته براحتها؛ فوضعتها أمام فمه وهي ترد:

-بعد الشر عليك، ربنا يخليك لينا يا حبيبي.


أمسك راحتها وقبلها مبتسما، فهو دائما ما يشعر بالسعادة عندما يجدها ملهوفة عليه بهذا الشكل ليتأكد دوما أنها تحبه لشخصه لا لأمواله، أما هذان المراقبان لهما؛ فنظرا لهما بفروغ صبر فانحنى مازن يهمس لأخيه:

-هو الفيضان العاطفي ده من هنخلص منه ابدا؟


ضحك ساجد على خفة ظله وعقب عليه بسخرية:

-مرار طافح يا بني والله، الله يكون في عونك ده انا بقالي شهر بس بشوفه قدامي ليل نهار وجالي جفاف عاطفي منهم، ما بال أنت بقى اللي قدامهم على طول!


ضحك بخفوت؛ فرد عليه مازن مستطردا:

-اهو بييجي على دماغ أخته.


لم يفهم رده الوقح فرمقه بنظرة متسائلة؛ فأجاب دون حيطة:

-بروح أطلعه عليها، البت هتروح مني وهي لسه في شهور الحمل اﻷولى.


لمعت عين ساجد ناظرا له بحرج ووبخه بحزم:

-الله يخربيت عقلك، يا بني انتي ما بتسترش مجالك ابدا؟


ضحك مازن عالياً لدرجة أن أنتبه له زوج العاشقان وهو يرد على أخيه:

-هتقول زي البوص ما بيقولي (اتلم يا زفت).


صاح مقلدا صوت فارس، فرمقه اﻷخير بنظرات فضولية وسأل ساجد:

-عمل ايه المفضوح ده؟


لم يجبه، بل نظر لمازن الذي انفطر قلبه من كثرة الضحك؛ فجلس فارس ممسكا بيد زوجته وأجلسها بجواره وتكلم بجدية وحزم:

-نركز شويه في الشغل بدل الهزار ولعب العيال ده.


أومأ ساجد بينما تذمر اﻵخر:

-هو ليك حلال ولينا حرام؟ على الأقل إحنا بنهزر مش قاعدين نحب في بعض قدام الناس كده عيني عينك؟


أمسك فارس بفتاحة الأوراق والقى بها تجاهه وهو يصيح:

-الله أكبر من عنيك يا أخي.


عادت الجلسة لجديتها بعد أن هتفت ياسمين موضحة:

-طيب بس قولولي الفكره دي ممكن تنفذوها ولا لا؟


رد مازن على الفور:

-ممكن، بس حتى لو عملناها عمرنا ما هنقدر نرجع المصنع؛ لأن وقتها مش هيكون في سيوله كافيه لده.


واضاف ساجد:

-ده غير المبلغ اللي طالبينه المنظمه الزفت دي من فارس عشان يديونا اﻷمان، وبعد اختفاء ولاد عمي مروان الوضع مبقاش يطمن.


تنهدت وأخرجت زفيرا بحدة وقالت:

-طيب اسمعوني للآخر من غير مقاطعه.


نظر لها ثلاثتهم فأطنبت بحديثها تشرح فكرتها باستفاضة:

-زي ما قولت الخسارة جايه جايه، والذكاء إننا لما نلاقي خسارة اكيده نختار الحاجه اللي هنخسرها، خسارتنا للمصنع اكيد هتقضي على الشركه ومش هتقوم لها قومه، حتى لو فارس ضم المجموعتين كمحاوله لانقاذها في النهاية الجزء الخسران هيجر معاه الكسبان وينزلوا سوا، عشان كده لازم نختار خسارتنا.


لم تجد رد منهم بل وجدتهم منصتون لها باهتمام وجدية فأكملت:

-فارس بالعالميه خسران وبدخول الفهد للمساعدة خسران، فليه منستغلش خسارته للمكسب؟


حتى الآن لم تتضح الصورة لأي منهم؛ فانتظروا بصبر أن تكمل رسم معالم الفكرة الواضحة أمامهم ولكنهم لا يرونها:

-كل مشكلة العالمية دلوقتي تتلخص في 3 حاجات وهم طلبات التصدير اللي عليها شروط جزائية، وبنا المصنع من جديد، واخيرا رواتب الموظفين لحد ما المصنع يرجع يشتغل ومعاهم التعويضات للضحايا وطبعاً كل ده محتاج سيوله مش متوفرة حاليا.


أوما فارس معقبا:

-ده عشان كل الورثه بياخدوا ارباحهم كل سنه من غير ما يفكروا يستثمروا أو يشيلوا قرش للزمن.


وافقته الرأي وهمت باخبارهم بخلاصة فكرتها:

-وعشان كده انا فكرتني هتخليك أنت تخسر اكتر واحد مع اﻷسف، بس على اﻷقل الشركتين هيفضلوا واقفين على رجليهم.


أوما لها منتظرا أن تتحدث فقالت:

-هنحل كل مشكلة بالهدوء لأن لهفتكم لحل كل حاجه خلتكم متفكروش صح وضيعتوا شهر بحاله من غير انجاز، أولا طلبات التصدير.


نظر لها ساجد وامسك براحتيه أوراق تلك الطلبات واستمع لها تقول:

-هنلم كل البضاعه اللي في السوق سواء كانت في مراكز البيع بتاعتنا أو لو كانت عند التجار بالآجل.


قاطعها مازن متسائلا:

-لو بتفكري تطلعيهم للتصدير؛ فاحب اقولك إن خط إنتاج المحلي حاجه والتصدير له مواصفات....


قاطعته مبتسمة وقالت:

-طبعا أنا عارفه إن المحلي غير المستورد، بس لما نلم منتج العالمية من السوق سعره هيعلى و...


رفض فارس على الفور بحدة:

-أنا مش هعطش السوق عشان...


قاطعته موضحة:

-الكل لازم يخسر يا فارس، وتفكيرك المثالي ده هيوقعنا كلنا، السوق لما يحتاج منتج العالمية هيروح لأقرب منتج شبيه وهو الفهد وفي النهاية كله هيصب في مصلحتنا، ولما المشتري يلاقي إن سعر منتج العالمية بنفس سعر الفهد برغم إن الفهد أعلى وأغلى؛ فاﻷكيد انه هيفاضل ويشتري الفهد.


سألها ساجد بحيرة:

-وكل البضاعة بتاعة العالمية دي هنوديها فين بس وهي متنفعش تصدير؟


ضحكت وقالت:

-مين قال متنفعش؟ كل الدول اللي تقبل بالمواصفات المحليه مع تخفيض بالسعر هنبعت لهم.


قاطعها مازن:

-واللي مش هيوافق؟


ردت فورا دون تفكير:

-هنبعت له منتج تصدير.


صاح مازن يتسائل بحيرة:

-منين بس يا عالم؟


أجابته بتساؤل:

-هو في كام خط انتاج تصدير في الفهد واقف؟


فهم فارس ما تحاول قوله ولكنه استمع لاجابة مازن المتسرعة:

_مفيش ولا خط واقف، ولا ينفع نتنازل على ولا خط، عشان كده الفهد كمان هتتاخر في تسليم طلبات التصدير.


هنا قاطعه فارس مؤكدا:

-الفهد عندها احتياطي يوفي طلبات السنه، مش محتاج غير تغيير الرقم الكودي، وخط واحد لو خصصناه للعالميه مش هيخلينا نتاخر بالشكل اللي انت متصوره.


نظر لزوجته وابتسم قائلاً بحب:

-دي فكره هايله وذكيه، كانت رايحه عن بالي فين؟


ابتسمت وربتت على وجهه بحب:

-انت ملخوم في ميت حاجه ربنا يكون في عونك.


ضحك مازن وعقب:

-لا وانتي الصادقه هو أنتي بس شربتي منه الذكاء والدهاء وتفوق التلميذ على اﻻستاذ.


ضحكوا جميعاً واستمعوا لها تكمل حديثها وتوضيحها لمخططها الذي ربما ينجح:

-المهم دلوقتي إننا هنحاول نتفاوض مع المستوردين ومعاهم كمان هنظبط خط انتاج للعالميه جوه قلب مصانع الفهد، وفي نقطه تايهه عنكم هي دي أساس الشغل اللي جاي.


نظروا لها باعجاب من طريقتها المتمكنة بشرح فكرتها:

-انا أول حاجه قولتها إن خسارة فارس هتكون اﻻكبر من كذا جانب بس إن شاء الله لو الفكرة دي نجحت لازم العالمية تعوضه كل الخساير دي.


أومأ ساجد مبتسما وعقب عليها مازحا:

-لما تنجح هخلي عيلة الفهد تكتبله تنازل عن كل حاجه، بس تنجح اﻷول.


ابتسمت واستطردت:

-طيب الحاجه المهمه اللي نسيتوها هي التوكلات اللي بره سواء للفهد أو للعالمية، السوق اﻷوربي كله تقريبا مواصفاته واحده ونقدر نلم كل الأجهزة من مراكز البيع أو التوكيلات دي ونكمل بيها كمان طلبات التصدير، ومظنش ان المستوردين هيزعلوا لو لقوا إن بضاعتهم اتبدلت لمنتجات الفهد اللي أعلى في الجوده وهتكون بنفس السعر.


تدخل مازن بالحديث قائلا:

-أنتي كده بتخلي كل غطا العالمية من الفهد يا ياسمين!


أومأت وأكدت:

-كده أحسن ما يكون غطا العالميه من البنك، لما العالمية تقترض أو تداين للفهد أفضل بكتير ما تكون مديونه للبنك، وبالنهاية أنا لسه بأكد إن خسارة فارس كبيرة في الفكرة دي، بس دي الفكرة الوحيده اللي ممكن تنقذ الشركتين.


سألها ساجد بحيرة:

-طيب والعمال والتعويضات والرواتب؟


أجابته وهي تنظر لزوجها بشبه تأكد لرفضه ما هي مقبلة على طرحه:

-زي ما قولت الكل هيطلع خسران، عشان كده لازم هيكون في تسريح عماله.


وجدت إعتراضه المتوقع فتحدثت قبل أن يتكلم هاتفة:

-اسمعني يا حبيبي، أصلا التسريح بالمعنى المعروف ده هيكون خراب على الكل لأن الشركه ساعتها لازم تدفع مستحقات العمال، عشان كده إحنا هنعمل فكره كويسه جدا هتقلل خساير الموضوع ده كمان.


انتظرها أن تكمل حديثها فقالت:

-الفهد دايما عايزه توظيف وعماله لأنها في توسع دايما وورادي ، عشان كده فكرتي أننا نشغل العمال على ورادي ونقلل عدد الساعات في كل الورادي ونقلل معاها الحوافز شوية، منه هنوفر مرتبات ومنه اﻻنتاج هيزيد...


ليعقب عليها مازن:

-ومنه المكن يتهلك.


عقب فارس على حديثه:

-خطوط اﻻنتاج تتقسم بفترات راحه عشان المكن، دي محلوله مش دي قضيتي دلوقتي.


سألته بحيرة:

-أومال ايه؟


أجابها وهو يزفر انفاسه بضيق:

-كده انا هاجي على موظفين الفهد عشان عمال العالميه، وغير كده في أكيد ناس مش هيكون لها مكان هنعمل فيهم ايه؟


ردت فورا:

-هنخيرهم يروحوا يدورا على شغل بشكل مؤقت على وعد برجوعهم أول ما المصنع يتبني من تاني وساعتها مش هياخدوا مستحقاتهم.


ضحك فارس ورد عليها مبتسما:

-لااااا، انتي لحد شغل ال HR وملكيش فيه يا سلطانه، الكلام ده مينفعش وكل اللي نقدر نعمله اننا نمشيهم ونديهم الشيكات بالآجل ومش هيقدروا يشتكونا عشان الوضع الحالي، بس أنا مش عايز ازنق الغلابه.


احتد مازن أخيراً وهو يرد عليه:

-ما كلنا هنتبهدل، لازم نضحي شويه عشان الشركه تقوم من تاني عل رجليها.


صمت الجميع بعد صياح مازن اﻷخير حتى تسائل ساجد:

-طيب لو فرضنا إن كل ده اتحل بالسهولة اللي انتي بتعرضيها يا ياسمين، هنحل مسألة المنظمه والفلوس المطلوبه من فارس ازاي؟


وقفت ودارت حول نفسها وهي تفكر قليلاً وردت أخيراً:

-أنا من ساعتها وأنا بفكر وزي ما فارس قالي إن الحل الوحيد عشان نكون في أمان إنه يدفع؛ فلازم يدفع.


ضحك فارس وقال:

-هجيب منين مبلغ كبير كده، ثم انا مش هدفع تمن سلاح ومخدرات كمان!


ردت فورا بضيق:

-آه يا فارس هتدفع عشان ولادنا يعيشوا في أمان، وعشان محدش يوجعني فيك وزي ما قولتلي إننا هنضطر نستغنى عن حاجات كتير أوي من ممتلكاتنا أو ممتكلاتك بتعبير أدق، وأنا موافقه على ده ومش هتضايق ولا هشتكي ومش محتاجين غير أنك تقعد تعمل حصر للممتلكات دي وتشوف ايه اللي تقدر تستغنى عنه ونبيعه ونجمع المبلغ من غير ما نضطر نسحب من راس المال بتاع الشركه.

❈-❈-❈


في نفس الوقت وصلت نرمين أمام بوابة ڤيلا فارس ففتح لها الحرس ونزلت من السيارة اﻷجره تبحث بعينها عن زين فلم تجده؛ فاقترب منها أمجد وسألها باحترام:

محتاجه أي حاجه يا هانم؟


أومأت وسألته:

-هو زين فين؟


أجابها:

-ده وقت الراحه بتاعه، اؤمريني أنا يا نرمين هانم.


توترت وشعرت بالخجل ولكنها اضطرت بالنهايه أن تقول:

-معلش ممكن تحاسب التاكسي لأن الكاش معايا مش كفاية.


أومأ لها باحترام وفعل فورا وهاتفهم بالداخل ليخبر الخادمة بقدومها بنفس وقت تمتمها المتذكرة:

-حتى الفلوس بيديها لأمه وأخوه وماشية يا دوب باللي يكفيني، بجد مهزلة.


دلفت من البوابة الداخليه بعد أن أخبرتهم الخادمة بقدومها؛ فانفض اﻻجتماع وتحركوا للخارج فتقابلت مع ساجد ومازن ونظرت لهما وتكلمت بصوت حزين حاولت إخفائه:

-ازيك يا ساجد؟ وشيرين عامله ايه؟


أجابها وهو ينظر لها بقلق من منظرها الحزين:

-الحمد لله، بدأت تعدي الشهور الصعبة، ما انتوا أكيد بتتكلموا مع بعض.


نفت على الفور:

-ابدا والله، أنا نومي ملغبط بسبب شغل مالك وكل ما تتصل تلاقيني نايمه، وكل ما أنا أتصل الاقيها نايمه.


ابتسم وأومأ لها فنظرت لمازن بتوتر لا تستطيع الفارا منه بحضرته:

-ازيك يا مازن وصحتك عامله ايه؟


أجابها فوراً دون النظر اليها:

-الحمد لله زي الفل.


ابتسمت واضافت:

-وچنى أخبارها ايه في الحمل؟


ابتسم واطرق رأسه لأسفل واجاب:

-الطبيعي لكل الحوامل، مجنناني.


ضحكت فأضاف:

-عقبالك.


انهى فارس فقرة الحديث الغير مجدي وتحدث بجدية وعملية:

-يلا روحوا دلوقتي ونكمل بكره في الشركه، أنا تعبت أوي انهارده ومحتاج ارتاح.


خرجا فالتفتت ياسمين فورا لتوأم روحها بلهفة فقد لاحظت تورم عينها واحمرار انفها فتحدثت بتوجس تسألها:

-في ايه؟ 


اشاحت بوجهها عنها وهمست:

-مفيش، جايه اقعد معاكي شوية.


صاحت ياسمين بفروغ صبر:

أنتي يا بنتي فكراني هبله؟ هو أنا أعرفك امبارح ولا ايه؟ في ايه يا نرمين متوجعيش قلبي؟


استمع فارس لها بعد أن ودع ابني عمه فتدخل متسائلا:

-ايه الحكاية؟


التفتت ياسمين ترد بتهرب:

-مفيش يا حبيبي، اطلع أنت ارتاح شوية لحد الغدا ما يجهز.


حرك رأسه موافقا وتحرك للأعلى ليعطي لها مساحة من الحرية للحديث مع ابنة عمها؛ فأخذتها لداخل غرفة المكتب وأجلستها وهي تنظر لها بقلق وسألت بغضب:

-عمل ايه تاني؟


زفرت ببكاء وأغلقت عينها بأسى وقصت عليها الكثير من الأحداث ومنها جرأة أنس المتزايدة معها ولا مبالاة الجميع تجاه تصرفه، فصرت ياسمين على أسنانها وهي تستمع لها تنهي حديثها بقولها:

-انا اسفة يا سو، أنا عارفه اني حيوانه أوي عشا جايه اشيلك همي في الظروف اللي انتي وفارس فيها، بس مش لاقية حد تاني اتكلم معاه حتى اني مرضتش أروح لماما عشان عارفه إن محدش هيريحني هناك.


ربتت عليها وقالت بحنان:

-اطلعي غيري هدومك وتعالي نتغدا ومتشليش هم حاجه خالص، ارتاحي الأول وفكري انتي عايزه إيه ولو عايزه فارس يتدخل هقوله وهو مش هيتاخر.


تنهدت بحزن وأومأت تؤكد:

-هشوف رأيه النهائي الأول وافق اننا نسكن برا بيت العيلة وبعيد عنهم يبقى بلاش فضايح ومتحكيش حاجه لحد، أنا بس كل اللي شاغل بالي إن ماما تعرف وهو أكيد هيتصل بيها وبعدها الأمور هتتعقد اكتر.


اوقفتها وخرجت بها تتوجه لأعلى وصوب غرفة فارغة وقالت:

-الغدا فاضل عليه ساعه، ادخلى ارتاحي شويه ولو عايزه تاخدي شاور هتلاقي هدوم صغرت عليا سيباهم جوه.


ضحكت نرمين وهي تنظر لها ساخرة:

-بعد الولاده خسيتي خالص وفي شهر بقيتي قد الباندا.


وبختها بضربة خفيفة خلف رأسها وهي تضحك وتركتها دالفة لجناحها حيث زوجها النائم بملابسه فنظرت له بحزن على حاله المتعب فاقتربت منه وبدأت بتدليك جسده برقة أناملها فابتسم بزاوية فمه وهمهم لها:

-أممم، ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي.


اكملت تدليكها وهي ترد:

-ويخليك ليا يا حبيبي.


سألها بفضول وقد اعتدل بجلسته على الفراش:

-مالها نرمين؟ أنا واخد بالي بقالها فترة انها مش مبسوطه.


ابتسم وقال بسخرية متوارية:

-اوعي تكون عامله زي اختها؟


ابتسمت ولكنها عادت لوجوم وجهها المتضايق وقالت بحذر:

-مالك طلع غير ما كنا متخيلينه خالص، وهي حتى لو عدت المشكلة بشكل مؤقت فبالنهاية مصير الجوازه دي الفشل مع اﻷسف.


نظر لحزنها فابتسم لها وهو يعقب:

-انا من الاول مرتاحتش للولد ده، بس مكانش ينفع اتدخل عشان موقفي حساس لأن من ناحية كانت خطيبة مازن اللي هو أخويا، ومن ناحيه تانيه راح اتجوز اختي.


زفرت فتضايق وسألها:

-الموضوع كبير أوي كده؟


أومأت له وقبل أن تتحدث معه بالموضوع استلم رسالة على هاتفه ففتحها فورا وقرأ ما بها ليتجهم وجهه وتلمع عين ياسمين وهي تنظر له بخوف وذعر حقيقي.

يتبع...