رواية جديدة حان الوصال لأمل نصر الفصل 47 - 2 - الإثنين 13/1/2025
قراءة رواية حان الوصال كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية حان الوصال
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة أمل نصر
الفصل السابع والأربعون
2
تم النشر يوم الإثنين
13/1/2025
أما هو، فسعادته كانت تتجاوز سعادتها بمراحل. ألقى كل عُقد الماضي خلف ظهره، متجاوزًا أفكارًا قميئة ترسخت في عقله منذ مولده، وقد تيقن بالتجربة أن لا قيمة لأي شيء أمام راحة قلبه وبهجته.
— "مبسوطة يا بهجة؟"
سألها هامسًا، مقربًا وجهه منها، يتأمل ملامحها بشغف. تلك العينان الصافيتان، بخضرتهما المتوهجة اليوم، كحجر زمرد نادر لا يضاهي جماله شيء. اللعنة على غبائه الذي كاد أن يفقده هذا السحر! وليذهب عالم المال والأعمال والسلطة والجاه أمام نظرة واحدة منها وابتسامة خلابة كتلك التي تبادله بها الآن.
— "أنت بتسألني يا رياض؟ أنا مش مبسوطة، أنا طايرة! عارف يعني إيه طايرة؟ ربنا يخليك ليّا، حققت لي أمنية ما كنتش أتصوّر إنها تحصل أصلًا."
رفع كف يدها إلى شفتيه، يطبع قبلة على ظهرها، ثم همس بشغف:
— "كده بقى، محدش له حجة يمنعك عني. حتى لو خطفتك ورُحت بيكي المريخ، محدش هيجرؤ يحط عينه في عيني. لا أخوكي العبيط اللي بيرقص مع أصحابه هناك ده، ونسي حتى ييجي يبارك لنا، ولا الكابتن شادي اللي مشغول بالرغي مع مراته على جنب لوحدهم، وبرضو نسي ما يبارك لنا."
ضحكت، تتطلع نحو الاثنين، اللذين كانا بالفعل منشغلين عنها. بدا أنهما قد سلّما الراية ودفة الشراع، تاركين شأنها، لتسوقها رياح الاطمئنان والأمان مع وليفها بعد التشتت والعذاب. التفت كلٌّ منهما إلى شؤونه الآن.
— "أممم..."
زامت شفتيها بمرح، وعلّقت علي حديثه:
— "منسوش يا عمّ الخبيث! هما بس مستنيين الدنيا تخف شوية، وهييجوا يباركوا ويرقصوا كمان. ولا انت صدّقت إنهم سابوا مكانهم؟ دي مجرد استراحة بس."
— "لا والله!"
قالها ضاحكًا، ليقترب أكثر مردفًا بوعيد:
— "طب خلي حد فيهم يقدر يحوشني عنك تاني. ده أنا هنسيكي طريق بيتكم أصلًا لسنة قدّام!"
قالها وضحكاته تملأ المكان. اضطرت هي إلى دفعه بمرفقها ليصمت عن عبثه، وقد أشعل الخجل وجنتيها وبدا عليها الاضطراب واضحًا. تمالكت نفسها بصعوبة وهي تنبهه إلى قدوم مصطفى عزام وزوجته.
— "مبروك يا ابن خالتي."
قالها مصطفى، وهو يمد يده مصافحًا. ثم جذبه من كفه ليضمه إليه بعناق أخوي.
— "مبسوط لفرحتك يا حبيبي."
شعر رياض بصدق الكلمات في نبرته، فرد عليه بحرارة، متناسيًا مآسي الماضي والذكريات القبيحة، التي لم يكن لأي منهما يدٌ بها.
أما بهجة، فقد تلقفت الصغير من نور وقبّلته، متبادلة مع والدته الحديث بودّ:
— "أنا مبسوطة أوي إنك جيتي ونوّرتي الفرح. لا وجايبة الأمور ده معاكي، ده كان واحشني أوي!"
عبرت نور عن فرحتها هي الأخرى:
— "حبيبتي، ده هو اللي فرحان بيكي! ما شوفتيش اترمى عليكي إزاي أول ما شافك؟ اتعلّق بيكي من أول مرة شافك فيها. انتي جميلة يا بهجة، وأنا فرحانة ليكي أوي."
— "مش قد فرحتي بيكي والله."
قالتها بهجة، ليدور بينهما حديث سريع، ثم انضم إليهما الرجلان بألفة ومحبة، والتقطوا معًا صورًا تذكارية.
وفي مدخل القاعة، حيث كانت بهيرة تدلف مستندة على ذراع ابنها، تمتمت بغيظ:
— "شايف يا عدي؟ أخوك اللي جري يبارك لابن خالته؟ طبعًا، فرحان إنه ما يبقاش لوحده في العيلة متجوز من أصل وضيع!"
أغمض عدي عينيه بضيق، مستهجنًا قولها:
— "ماما، أرجوكي، بلاش الكلام ده. إحنا جايين نعمل الواجب مع خالتو ورياض. دا انتي بنفسك بتقولي إنه حبيبك."
عبست ملامحها المجعدة بضيق، قائلة:
— "ما هو فعلًا كان حبيبي وما زال. كان دايمًا راقي وبيفكرني بالمرحوم الباشا والدي، أرستقراطي ومأصل لجدوده الباشوات. ما كانش يشبه أبوه المستهتر ولا والدته اللي طول عمرها شاردة عن أصلها الكريم. واديه في الآخر لفّ لفّ، وبقى زيهم... رايح يتجوز خدامة!"
— "ماما!"
تمتم بها محذرًا:
— "خدي بالك، الكلام ده يضرّنا إحنا كمان معاه. العروسة من عيلة متوسطة وخلاص، مش عايزين نزود عن كده."
طرقت بعصاها وهي تغمغم بضيق:
— "وأنا اللي ملجمني ومخليني ساكتة عن المهزلة دي غير اسم العيلة. غاصبة عن نفسي أحضر فرح مش متقبلاه ولا مستوعبة حدوثه، بس عشان اسم العيلة. منك لله يا نجوان، دايمًا تعباني من صغري لحد شيبتي."
❈-❈-❈
في إحدى ردهات القصر المنزوية بعض الشيء، وقفت تنتظر بقلق يعصف بها.
تدفعها المسؤولية لتحمل ما لا تطيق، ولكن شيئًا ما يحثها على التجاوز والتقبل. أو ربما هو أمر مختلف عن كل ما سبق، ولكنها تريده.
"أنا جيت ومعايا آدم"،
هتفت بها عائشة وهي تسحب الأخير من يده، والذي علق بدوره:
"هي دي نوجة اللي قولتي عليها؟"
تطلعت إليه نجوان بحنين جارف، وقد تأثرت بنبرته التي تحدث بها، بالإضافة إلى الشبه العجيب الذي هزّ قلبها من الداخل. شعرت وكأنها شجرة تتقاذفها الرياح بشدة، ذلك القاسي الذي خدعها ورحل قبل أن تواجهه، تاركًا خلفه قطعة طبق الأصل منه.
أتلعنه في مماته الآن، بعدما ترك وراءه ما يعكس الماضي بأبشع صوره؟ أم تحتضن الصغير الذي يعيد إليها روحها التي فقدتها مع الراحل؟ ورغم كل أفعاله، لا تزال حتى الآن لا تحمل له حقدًا أو كراهية.
"هاي يا طنت"،
قالها آدم وامتدت كفه نحوها بكل ذوق تعلمه. أمسكته هي دون أدنى تفكير وسحبته إليها لتقبّله على وجنتيه وتخاطبه بصوت بحّ لفرط ما يكتنفها من مشاعر:
"ما تقوليش يا طنت يا قلبي، قولي يا نوجة، زي عائشة ما بتناديلي".
سمعت الأخيرة لتضيف بمرح:
"أيوة يا آدم، نوجة دي حبيبتي وصاحبتي وكل حاجة. دي أحلى ست تشوفها في حياتك أصلًا".
"أصلًا"،
ردّدها آدم ضاحكًا ساخرًا من طريقتها. فتدخلت نجوان قائلة:
"طب إيه رأيك تيجي تعيش معايا الشهر اللي هيقضيه رياض بره مصر مع عروسته، وتحكم بنفسك إن كانت هي بتبالغ ولا أنا فعلًا كده..."
سمع منها آدم وتوجّه نحو عائشة مستفسرًا بحيرة. تابعت نجوان لتطمئنه:
"عشان تطمّن أكتر، عائشة كمان هتقضي معايا الفترةدي. أنا جهّزت أوضتين، واحدة ليها وواحدة ليك. ها، إيه رأيكم أنتوا الاتنين؟"
سمعت عائشة، فهتفت بفرح:
"أنا طبعًا جاية! هقضي الشهر كله معاكي يا نوجة"،
ولفت ذراعيها حول خصرها تعبيرًا عن فرحتها. مما شجع آدم أيضًا على الموافقة:
"أنا كمان موافق، مدام هلعب مع عائشة".
"أيوة بقى"،
قالتها عائشة، بينما اقتربت نجوان من الصغير لتقبّله أعلى رأسه:
"ده بيتك وبيت والدك يا حبيبي، وأنت هتيجي تنور مكانك".
❈-❈-❈
ترجّل من سيارة الأجرة التي توقفت بالقرب من القصر والهاتف على أذنه يتحدث مع صديقه والد طلال، الذي كان يتابع معه:
"أيوة يا سيدي، نزلت أنا ومراتي من العربية. بس أنت متأكد إن ده القصر فعلًا اللي معمول فيه الفرح؟ ... آه، ماشي ماشي، هاخد طريقي دوغري زي ما قلتلي. جايلك أهو".
أنهى المكالمة والتفت ليسحب زوجته بضجر:
"ما تمدّي رجليكي بقى يا ولية، الفرح قرب يخلص، مش كفاية عطّلة البيت والعيال اللي كانو ماسكين في رقابينا".
ردّت هي بعَتب:
"الله! برضو التأخير هتجيبه في العيال؟ ما المساكين سكتوا واتراضوا. أنت اللي اتأخرت عند الحلاق! هنكدب بقى؟"
نفث دخانًا من أنفه بضيق شديد، وردّ بنبرة غاضبة:
"يعني المشكلة بقت في الحلاق؟ مش في عيالك اللي نهبوا تلت آلاف جنيه مراضية بأكل من برا عشان يوافقوا يسبونا نمشي لوحدنا؟ اسكتي، اسكتي! أنا مبقوق ومعبّي ومش عايز أتكلم لانفجر. أنا قربت أشحت بسببكم".
تجاهلته وأشارت إلى القصر بانبهار:
"يا حلاوة يا ولاد! ده إحنا داخلين في قصر فعلًا. إيه ده؟ إيه ده؟ بقى أنت عندك بنت أخ متجوزة باشا من بتوع زمان ومخبي عليّا يا خميس؟ الله يسامحك. طب قولي عشان أعمل الواجب".
"واجب!"
تمتم بها خميس زاجرًا بنظرة مشتعلة، يودّ لو يفرّغ بها غضبه. فما يعانيه منها من ابتزاز متعمد طوال الوقت، يجعله يلعن الساعة التي رآها بها.
يفضّل لو عاد به الزمن ليتجنب خطأ الزواج منها، فقد اكتشف أن نار درية أرحم من جنتها. على الأقل، الأخرى لا تعايره طوال الوقت بكلمات مبطّنة تنقص من قدره كرجل أمام امرأة مثلها لا يقدر عليها إلا الله.