-->

الفصل الرابع والاربعون - نعيمي وجحيمها


 

الفصل الرابع والاربعون




وسط الزملاء من عمال المشفى وموظفيها كان يتضاحك ويتفكه بالحديث المرح معهم، وفنجان قهوته بيده، حتى أنه من الاندماج لم يلحظ هذه الواقفة بالقرب منهم، بهيئتها الراقية لفتت انتباه الرجال، فلكزه أحدهم كي ينتبه، فاستدار بجسده ليراها أمامه عن قرب، تسمر محله وخبئت ضحكاته لعدة لحظات بعد أن عرفها، قبل أن يتحرك بخطواته نحوها على تردد:

- ااا السلام عليكم.

القى التحية وردت هي بأسلوبها الناعم دائمًا:

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ازيك يا عماد هو انت مش عارفني؟

تبسم باضطراب ليرد غير مستوعب ما يراه أمامه منها من تواضع في رد التحية وبل وسؤالها عنه وعن أحواله، رغم معرفتها الضعيفة والسطحية جدًا به:

- لا حضرتك طبعًا وهل يخفى القمر، انتِ ميرفت هانم، بس انا بقى اللي مستغرب انك تفتكري موظف غلبان زيي، خرج من شركة الريان بقالوا شهور. 

رفعت النظارة السوداء عن عينيها لتُظهر التعاطف في كلماتها إليه:

- ازاي بس ما افتكركش؟ هو انت ناسي انك صلحتلي الكمبيوتر بتاعي قبل كدة، انا منساش اي وش شوفته أبدًا خصوصًا لما يكون إنسان على خلق زيك، دا غير كمان يعني.....

صمتت قليلًا لتبدوا وكأنها تبحث عن كلمات، قبل أن تستطرد بلهجة خبيثة:

- بصراحة انا مقدراش انسى الظلم اللي وقع عليك من جاسر الريان لما ضربك وطردك قدام الموظفين كلهم من غير سبب .

أظلم وجهه بعد تذكيرها الصريح لما حدث له من هذا الرجل ومازال يترك في قلبه وجيعة حتى الاَن، ولا يظن أنه سيشفى منها أبدًا، فرد بنبرة تحمل بداخلها الألم مشمول بإحساس الظلم الذي يشعر به:

- ربنا ينتقم منه بقى، طردني ظلم من شركته بعد ما خطف مني حب عمري، واتجوزها غصب عنها منه لله.

انتبهت لعبارته الأخيرة فانطلقت برأسها إشاراتٍ لحديث مشوق، فتمالكت لتسأله بنبرة تبدوا عادية رغم اللهفة الشديدة بداخلها:

- خلي بالك من كلامك يا عماد، إيه اللي انت بتقوله ده؟ وهو جاسر الريان هين عشان يتجوز سكرتيرته غصب عنها؟

تشدق لها قائلًا بانفعال حقيقي من واقع ظنه:

- عليا النعمة زي ما بقولك كدة، الباشا اتلم على والدها وربط معاه بغير رضاها، انا عارف انها كانت بتحبني، غادة بنت عمتها أكدتلي بكدة لما حكتلي، بس هي قالتلي انه راجل عربي ومقالتش على إسمه أكيد من الخوف.

شعور بالفرحة غمرها غير طبيعي وهي تردد بداخلها، 

- حبيبتي ياغادة، حبيبتي!

أما هو فاستطرد:

- على العموم انا سيبت عزبته اللي فرحان بيها وربنا كرمني بشغل هنا في المستشفى، لكن حقي في سرقة اللي بحبها لا يمكن هاسامح فيه.

رسمت على وجهها التأثر مع قصته، رغم دفوف الفرح التي تدوي بداخلها بصخب يجعلها تود الرقص بوسط المشفى وأمام الجميع، وردت برزانة:

- أكيد طبعًا الأرزاق على الله، بس انت ماقولتليش، 

شغال إيه هنا بقى؟

أشار لها بيده الحرة نحو إحدى الغرف القريبة:

- انا بشتغل هنا بوردية الصبح، مراقب ع الكاميرات اللي بتشمل المستشفى كلها.

ذهبت بأنظارها نحو الغرفة التي يشير إليها، قيمتها سريعًا بنظرة متفحصة قبل أن تعود إليه، تعتلي وجهها إبتسامة مصطنعة تردف له بدعم:

- يا ماشاء الله، ربنا يوفقك بجد، انت تستاهل كل خير، هاتصدقني لو قولتلك اني ضميري كان مأنبني دايمًا عنك، وكان نفسي الاقيك وامسكك أي شغل يخصني، بس انت قولت الارزاق على الله، ربنا يوفقك.

استجاب يرد لها بابتسامة ودودة:

- ربنا يبارك فيكِ يا هانم، صحيح على رأي اللي قال، صوابع الإيد مش زي بعضها، يعني شوفي اهو انتِ متواضعة ازاي؟ وصاحبنا دوكها مفتري ازاي؟ مع أنكم من نفس الطبقة.

أردفت تنهي حديثها بالسؤال الأهم برأسها قبل تستدير وتتركه:

- عماد هو انت لو جاتلك الفرصة عشان تقابل زهرة، هاتحاول تاني معاها؟ ولا انت خلاص استسلمت للأمر الواقع؟

أجابها على الفور بحميتهِ القديمة وتهوره الذي أدى لصرفه من العمل قبل ذلك:

- أكيد طبعًا هاكلمها واحاول معاها تاني، دي وحشاني قوي وجاسر الريان فارض عليها حراسة ومضيق عليها من الكل النواحي عشان ماتخرجش من إيده ولا عن طوعه، بس انا حاسس إنها لو لقت فرصة ممكن تحاول المرة دي وتختار اللي هي عايزاه، ياما نفسي تتخلى عن خوفها وماتبقاش بقى جبانة كدة على رأي غادة .

- تاني غادة.

غمغمت بها مرة ثانية بداخلها قبل أن تنهي المقابلة معه وتكمل بابتسامة منتشية 

- انا قولت من الأول، حبيبتي والله.



❈-❈-❈



وصل إلى مقر عمله بخطوات مهرولة يصعد الدرجات الرخامية ثم إلى المصعد حتى الطابق المنشود ، يُمني نفسه برؤيته بعد غيابها بالأمس؛ الذي اظلم العالم بعينيه وجعله يُحصي الدقائق والساعات الطويلة حتى يمضي هذا اليوم الكئيب بدون رؤيتها، 

وصل غرفتها بقلب يضرب بسرعة تجعله يريد القفز من صدره حتى يسبقه في رؤيتها، 

أطرق بخفة على باب غرفتها قبل أن يدفعه بمرونة ليلج إليها بالداخل ، جالسة على مكتبها بهيئتها العملية تعمل على بعض الملفات أمامها تخطف الأنفاس بروعتها وجمالها الاَسر، جاهد للسيطرة على لهفته الشديدة نحوها في إلقاء التحية:

- صباح الخير.

ردت بعملية وكأن شيئًا لم يحدث بينهم قبل ذلك مع رفع رأسها أليه بنظرة سريعة:

- صباح الخير اتفضل يا طارق؟

تقدم ليجلس أمامها وقال في مباردة لبدء حديثه معها:

- حمدلله ع السلامة، يارب يكون سبب الغياب خير .

رفعت رأسها إليه تجيبه :

- خير يا طارق والحمد لله، شكرا ع السؤال.

شعر بعدم الإرتياح مع كلماتها المقتضة في الحديث تحمحم يجلي حلقه، وقال متابعًا لفتحه موضوع اخر :

- انا بقى اتأخرت النهاردة بسبب قهري لو لسة ما تعرفيش يعني، عامر باشا والد جاسر تعب أوي الليلة اللي فاتت واتنقل ع المستشفى،

- يا نهار أبيض معقول؟ طب هو عامل إيه دلوقت؟ 

سره انتباهها لحديثه، فاستطرد يسترسل

- لا الحمد لله الموضوع عدى على خير، انا لما سمعت الصبح، خطفت رجلي وعلى طول روحت اشوفه، هو عدى مرحلة الخطر خلاص، بس لسة بقى المشوار طويل في علاجه. 

- ان شاءالله يعدي على خير دا كمان، 

تمتمت بها لتكمل بعد ذلك سائلة:

- بس انا مستغربة اوي، ان زهرة ما قالتش ولا اتصلت .

رد يحادثها بتأثر:

- ما هي باتت ليلتها في الإنتظار مع جوزها يا كاميليا، أكيد يعني مش هايجي في بالها تقلقلك معاها.

أومأت رأسها بتفهم لتسبل أهدابها أمامه صامتة ، فلم يقوى على التهرب أكثر من ذلك، فقال يعبر عما بصدره نحوها:

- كاميليا انا عايز اعتذرلك عن موقف الليلة، انا كنت شارب وفقدت السيطرة على مشاعري، لكن والله انا اتغيرت عن الاول و........

- خلاص يا طارق، كفاية بقى مش عايزة اسمع السيرة دي تاني، انا ما صدقت نسيت ومش عايزة افتكر تاني

قالتها بمقاطعة سريعة؛ جعلته يكمل بحماس:

- كوبس قوي الكلام دا عشان انا كمان مش عايز افتكره، كاميليا انتِ غالية عندي قوي وانا لا يمكن اقصد أهينك ولا اقل من قيمتك، ارجوكي حطي الكلام دا كويس في بالي، دي غلطة ومش هاتتكرر تاني، انا لا ........

- خلاص يا طارق عرفت، اسمعني انت بقى.

قاطعته للمرة الثانية ولكن هذه المرة لتوقفه حتى تستطيع قول ما تريده، ازدردت ريقها بتوتر يكتبنفها منذ جلوسه أمامها، ثم قالت بثبات مزيف

- انا روحت جيبت الشبكة امبارح ويةن الخميس الجاي ان شاء الله، هاتبقى خطوبة رسمي وكتب كتاب.

قالتها وانتظرت لترى رد فعل منه على صفحة وجهه، ليخيم الصمت بينهم لعدة لحظات؛ ظلت بهم مترقبة وهو يبادلها النظر وكأن لسانه انعقد عن الرد أو درجة استيعابه أصبحت صفر حتى لا يفهم ما قالته، أو هي الصدمة التي تخطف الشخص عن الواقع لمدة من الوقت قبل أن يشعر بأثارها، وبين هذا وذاك ، باغتها فجأة بمباركته :

- الف مبروك، ربنا يتم بخير. 

لفظ عبارته ونبض فجأة مغادرًا يتركها بحالة من التخبط وألم شديد يضغط على صدرها، ويجثم على أنفاسها بثقل يكاد ان يخرج بخروج روحها من الجسد


❈-❈-❈


خرجت من المصعد بعد أن هبطت به للطابق الأرضي، في طريق خروجها للعودة لمنزلها، تفرك بأبهامها على ساعدها الذي انسحبت منه عينة التحاليل التي قامت بها منذ قليل، اتصلت بسائقها الذي أخبرها أنه في انتظارها في السيارة، ولكن وقبل أن تقطع الرواق الاَخير، تفاجأت بإحداى الفتيات توقفها:

- زهرة هانم زهرة هانم.

التفت إليها تسألها بأندهاش:

- إنتِ بتندهيلي أنا؟ 

أجابتها الفتاة بلهجة مؤكدة 

- أيوة حضرتك مش انتِ برضوا مرات جاسر الريان؟

أومأت لها زهرة برأسها فتابعت الفتاة:

- طب حضرتك في واحدة هانم منتظراكِ هناك في الأؤضة اللي في وشك دي، هي اللي نبهت عليا عشان اندهلك.

قطبت تسألها باستغراب:

- هانم مين دي اللي هاتسأل عليا هنا في المستشفى؟

أجابتها الفتاة على حسب ما حفظت:

- أنا معرفش إسمها، بس هي ست كبيرة وشكلها حلو .

- ست كبيرة وشكلها حلو ؟

رددت خلفها باستفسار، فردت الفتاة وهي تحرك كتفيها:

- أيوة يا فندم زي ما بقولك كدة، عن إذنك بقى .

تابعت زهرة تنظر في اثر الفتاة التي انصرفت من أمامها، تفكر بحيرة عن هوية المرأة التي تريدها، خمنت بتعجب مع المواصفات التي ذكرتها الفتاة؛ أن تكون لمياء التي تركتها قبل قليل أمام غرفة زوجها المريض هي من تريدها؟ ولكن لما فضلت الإختلاء بها بعيدًا عن جاسر؟ في خضم التساؤلات الكثيرة برأسها لم تجد سوى أن تذهب بنفسها وتتأكد.


❈-❈-❈


وصلت إلى الغرفة المذكورة تطرق بخفة على الباب الذي اندفع على الفور معها، فولجت لداخلها تهتف بتوتر:

- مساء الخير، حد موجود هنا؟

قالتها وعيناها تتلفت في الأنحاء بحثًا عن المرأة المذكورة؛ لتجفل على الفور برؤية اَخر شخص تتوقع رؤيته؛ والذي انصعق بدوره لرؤيتها، ونهض عن كرسيه من أمام الشاشات الكثيرة قائلًا بعدم تصديق:

- مش معقول! هو أنا بحلم ولا بيتهيألي؟ آنتِ يا زهرة ياللي واقفة قدامي؟ ولا انا شوقي ليكِ عملي هلاوس ولا إيه بس؟

كان يتفوه بالكلمات وهو يتقرب منها ليتأكد من رؤيتها، عكسها هي التي ارتجفت ودب في قلبها الخوف بقلقٍ امتزج بذهولها لرؤيتها المفاجأة له، وعيناها انتقلت على الفور نحو باب الغرفة تريد الذهاب .

أومأت له تهز برأسها بحركات غير مفهومة وهي ترتد بأقدامها للخلف، فباغتها بغلق الباب بقفزة سريعة منه جعلتها تخرج عن صمتها صارخة:

- إنت قفلت الباب ليه؟ إفتح الباب يا جدع انت.

خطا نحوها يخاطبها بلهفة أذهبت الحكمة عن عقله:

- عايزة تخرجي وتمشي ليه؟ هو انا لحقت اتكلم ولا حتى اسلم عليكِ؟

ازدردت ريقها بصعوبة تحاول التماسك وردت بصوت فضحه الإهتزاز:

- أنا لا عايزة اتكلم ولا اسلم حتى يا عماد، سيبني اخرج وامشي أحسن. 

تابع بتقدمه نحوها مدفوعًا بصدمته من كلماتها:

- تاني يا زهرة، عايزة تهربي مني وتنكري اللي حاساه جواكي ناحيتي، فيه إيه؟ هو الراجل ده بيعذبك ولا ماسك عليكِ ذلة، عشان يخوفك الخوف دا كله؟  

- خوف وكلام فارغ إيه إللي بتقوله، مالك انت باللي بيني وبين جوزي؟ افتح الباب يا عماد وبلاش جنانك ده، أنت بعتلي هنا ليه أساسًا؟

هتفت بكلماتها علّه يسمع ويعود عن تهوره، فما كان منه إلا ان ازداد هياج صوته وهو يواصل التقدم نحوها وهي تواصل التراجع:

- انا ما بعتلكيش، إنتٍ اللي جيتي برجليكِ لوحدك عشان تشوفيني، وبرضوا بتلفي وتحوري في الكلام، أنت إيه يا شيخة فاكراني غبي ومش هافهم؟ 

تلجم لسانها عن الرد عليه مع هذه الحدة المفرطة منه ، وقد توسعت عيناها بذهول وخفقت دقات قلبها بتسارع شديد مما بدر لذهنها من مخاوف تتواتر لرأسها مع اقواله الغريبة وهو يتحدث بثقة غير مفهومة، بالإضافة لغلقه باب الغرفة عليهم، ليزداد الخوف بداخلها مما قد يحدث لو علم زوجها بهذا الحديث، وهي الأعلم بحجم غيرته الشديدة رغم حنانه المفرط. 

جاهدت لتخاطبه بثبات ونبرة هادئة لمهادنته رغم عواصف الغضب التي تدور نحوه بداخلها:

- طب ممكن توسع كدة من قدامي، الباب مقفول علينا والمنظر مش حلو .

تسمر غير قادر على الحركة يتطلع إليها بشوق جارف بعد أن هدأت نبرتها معه وعادت لرقة حديثها الدائم، وقد أعادته إلى ذكرياته السعيدة معها في العمل السابق، فخرج صوته بتحشرج يغمره العتاب:

- وحشتيني أوي يا زهرة، رغم كل الوجع اللي شايله جوايا منك، لكن والله قلبي ما قادر يقسى ولا ينساك أبدًا.

عند هذه النقطة واحتدت عيناها زهرة لتُظهر القوة أمام هذا المعتوه لتُنحي مشاعر الشفقة التي دائمًا ما تشعر بها تجاهه، وقالت بقسوة تدعيها أمامه:

- لو ما فتحتش الباب دا حالًا او بعدت عن وشي ، انا هاتصل بجوزي او الحراس بتوعي يجوا يعلموك الأدب.

قابل تهديدها بابتسامة مستخفة يرد عليها:

- والنبي أيه؟ يعني انتِ تيجيلي الأوضة عشان تبصي عليا وتشوفيني واما اجي انا اكشفك، واكشف خوفك يا جبانة بتهدديني انك هاتكلمي المحروس جوزك، طب وريني كدة.

وصل احتقانها منه لأقصاه، ولم تعد بها قدرة على مهادنته، تناولت هاتفها من الحقيبة أمامها قائلة بتهديد اَخير قبل التنفيذ رغم عدم نيتها بمهاتفة زوجها نفسه:

- سامحني يا عماد بس انت اللي اضطرتني لكدة.

راقبها غير مصدق حتى راَها تضغط على زر الأتصال، فاشتعل غيظه ليدفع الهاتف من يدها حتى أسقطه أرضًا فصرخت بوجهه غاضبة:

- إنت اتجننت با عماد اقسم بالله اصرخ وألم عليك المستشفى كلها.

- لمي الناس واعملي نفسك مش فاهمة ماهي دي أخلاق العبيد. 

قالها هادرًا بغضب قبل أن يستدير مجفلًا على دفع باب الغرفة بقوة، ليطل أمامه جاسر الريان بغضب وحشي صائحًا:

- إبعد عنها يا حيوان. 

شهقت زهرة بذعر مع دخول زوجها، الذي لا تعلم كيف عرف بمكانها رغم مغادرتها له منذ وقت ليس بقليل، عكس عماد الذي ظل على جموده يراقب تقدم جاسر الريان نحوه بتحدي غبي، رغم تحفز الاخر وهيئته التي تثير الرعب بقلب من يراه.

- الباب كان مقفول ليه؟

قالها جاسر بهدوء ما يسبق العاصفة، وكان رد الاخر بكل برود :

- عادي الهوا هو اللي قفله 


❈-❈-❈


لطمت زهرة بكفيها على وجنتيها بارتياع فهذا الأحمق يتعمد استفزاز زوجها الغاضب من الأساس غير أبهًا بما قد يفعله في هذه اللحظة التي يوشك فيها على قتله، ومعه حق، تقربت تمسك بذراع جاسر حتى تبعده لتصرف عنه شياطينه:

- تعالي نخرج يا جاسر، وسيبك من البني اَدم المجنون ده .

اوقفها بنظرة نارية يشيب لها الولدان من عمق النيران المتأججة بداخله فالتصق لسانها بسقف حلقها غير قادرة على الإكمال، لتلتف رؤسهم فجأة على قول عماد :

- دلوقتِ بقيت مجنون يا زهرة، وجوزك بقى هو العاقل؟ بعد ما اتجوزك بنفوذه وخطفك من اللي بتحبيه وبيحبك.

صرخت بوجهه بقهر:

- اخرس يا أخي حرام عليك، بطل افترا .

ردد عماد ساخرًا:

- أيوة أيوة كملي، مش قولتلك دي أخلاق العبيد.

وكأن بيده أشعل الفتيل، لم يقوى جاسر على المقاومة أكثر من ذلك ، فهجم عليه يطلق وحوشه الساكنة بداخله نحو هذا المدعو عماد، وانقض يكيل له باللكمات والضربات حتى دفعه بقوة على احد الشاشات لتقع على الأرض مهشمة وهو بجوارها وجاسر فوقه لا يعطيه فرصة للرد وزهرة بالقرب تصرخ ليتركه حتى لا يتسبب بقتله، حتى امتلأت الغرفة بالبشر التي تجمعت على الصرخات، واندفع موظفي المشفى والأمن يرفعوه عنه بصعوبة، بعد أن امتلأ وجه الاخر بالدماء، وقف يلهث من فرط غضبه شاعرًا بالرغبة الشديدة في العودة لإكمال ما يفعله

وزهرة تبكي محلها وعلى وشك الإنهيار، دلف مجفلًا مدير المشفى ومعه عدد من الرجال قاموا بصرف الجميع من الغرفة، ولم يبقى سوى جاسر ومعه زهرة، 

وعماد في الأرض يحاول النهوض برفقة رجلي أمن من موظفي المشفى. 

تسائل مدير المشفى بصوت جزع:

- معلش يا جاسر باشا، احنا جينا عالصريخ وكنا عايزين نعرف باللي حصل؟

نزع جاسر ذراعي الرجال عنه ليجيب بحدة:

- الكل..... ده كان بيتحرش بمراتي .

قالها والتفت الوجوه نحو زهرة التي تماسكت لترد:

- أيوة فعلا هو دا اللي حصل، حتى بالأمارة رمي من إيدي التليفون لما حبيت اتصل بجوزي أو البودي جارد بتوعي .

دنى الرجال نحو الجهة التي تشير إليها، ليتيقن الجميع من صدق حديثها مع رؤية الهاتف أسفل احد المقاعد ، تناوله احد الرجال ليُعطيه للمدير الذي بدوره ناوله لزهرة، يكرر الأسف والاعتذار مع الوعد على محاسبة الموظف بصرفه من العمل، فهدأ غضبه قليلًا ليسحب زهرة من يدها ويخرج بها من الغرفة بصحبة المدير الذي ظل يثرثر بكلمات الاعتذار حتى ينأى بنفسه وبالمشفى عن غضب جاسر الريان لما يمثله من مكانة هامة بالدولة، ومازالت بعض التجمعات الفضولية متناثرة في رواق المشفى تترقب وتتابع حتى أجفل الجميع حتى جاسر وزهرة ومدير المشفي، على الصيحة القوية التي جعلتهم يلتفوا برؤسهم نحوه وهو خارج من الغرفة باَلام جسده يستند على الجدران :

- للمرة التانية برضوا بتسبب في قطع عيشي، يا ظالم يا مفتري، مش كفاية انك خطفت حب عمري وغصبتها على الجواز منك، ولا إيه يا ست زهرة؟

فجأة تحولت كل الوجوه بالنظر نحوها بتساؤل عن صحة قوله، وهي مصدومة تشعر وكأن أحدهم نزع عنها ملابسها لتصبح امام الجميع عارية، تحفز جاسر وتحرك لاستكمال مايفعله حتى لو أدى لقتل هذا الأحمق ولكن زهرة لم تمهله فكل ما حدث كان أكبر من طاقة احتمالاها لتسقط مغشيًا عليها على الأرض، قبل ان تلحقها ذراعي زوجها


❈-❈-❈


والى مكان آخر 

حيث الشركة التي يعمل بها خالد، وقد استدعاه مديره إلى مكتبه، دلف يصافح الرجل بكل احترام ووقار لسنه، كما رحب به الرجل قبل أن يجلسه أمامه قائلًا:

- اهلا أهلا يا عم خالد نورت مكتبنا المتواضع. 

اومأ له خالد بابتسامته المشرقة:

- دا نورك والله يا فندم، ربنا يبارك فيك ويسعدك. 

- ويبارك فيك انت كمان يا بني، حقيقي رغم صغر الفترة اللي قضيتها معانا، لكنك اثبت جدارة أحسن من ناس بقالها سنين شغالة معانا .

قالها الرجل بمدح صريح أخجل خالد الذي رد بابتسامة ممتنة على كلماته يشكره:

- تسلم دا من أصلك من الطيب، انا ما مش بعمل أكتر من شغلي، دي لقمة عيشي يعني لازم احس انها حلال ومن عرقي .

تبسم له الرجل بإعحاب حقيقي يقول له:

- لو كل الناس شافتها زيك كدة، كان حاجات كتير في البلد دي، ياللا بقى خلينا في المهم.

سأله خالد باستفسار:

- إيه هو المهم يافندم؟

أجابه الرجل على الفور :

- خبر حلو يا خالد، الشركة بتاعتنا قررت تخفف عن الموظفين في الشركة وتخصص عدة وحدات بتتمن مخفض، يعني مقدم بسيط وقسط كل شهر على قد مقدرة الموظف ومرتبه. 

حرك رأسه خالد بعدم فهم او تصديق، فتابع الرجل:

- يعني قدم اوراقك يا عم خالد وان شاء تبقى من تتقبل ضمن المجموعة الأولى، اصلهم هايقسموها لدفعات ، 

قطب قليلًا بتفكير ثم قال بتردد:

- هو الخبر الحلو بس معقول ها يقبلوني؟ انا عارف حظي!

شاكسه الرجل بقوله:

- حظ إيه ياعم خالد ؟ دول جاعلين الأولوية في القبول للناس اللي ظروفها صعبة والعرسان ، هو انت برضوا مش من ضمن العرسان وخاطب حسب ما اسمع؟

رد بضحكات مضطربة مع فرحته الشديدة :

- اه عرسان والله العظيم عريس


❈-❈-❈


على طاولة السفرة التي جمعتها مع ابيها ووالدتها ، كانت تتناول طعامها بشرود مع كل كلمة تفوه بها هذا الحارس اللزج المدعو إمام، قليل الزوق وعديم الاحساس، يفرض نفسه ويوبخها بالكلمات القاسية، وكأنه وصياً عليها! تلعن اليوم الذي رأته فيه، ولكن كلماته اصابتها بالقلق، خصوصًا مع هذه التصرفات الغريبة التي تجدها من ماهر، هي رأت بنفسها انفتاحه وتحرره، وجرأة تصرفاته مع الفتيات ومعها هي أيضاً؛ فهي ليست غبية حتى تتغاضى عن شئ كهذا، قد لمسته منه بنفسها، ولكن ما الجديد؟ فهو مثل جميع الرجال من طبقته، ممن يملكون متع الحياة كالمال والشباب والصحة، ولماذا تذهب بعيدًا فجاسر الريان كان كذلك وطارق أيضًا، فلماذا إذن تصعب على نفسها أو تغلق الباب في وجهه؟ هي لابد لها من التريث حتى تصل إلى ما تتمناه، فإن كان هذا طبعه حقًا، فهي ليست لقمة سائغة له، بل هي ذكية وتعرف كيف توقفه عند الوقت الازم للإيقاف، مدامت تشعر بإعجابه بها فلتستغل هذه النقطة لصالحها، وكما نصحتها والدتها قبل ذلك ( شوق ولا تدوق) سوف تفعل وتسير على النهج حتى يأتي صاغرًا يطلب يدها، فهي ليست بهينة أبدًا بل هي غادة بنت آحسان.

خرجت أفكارها الأخيرة بصوت لفت أنتباه والديها ، فسخر عليها أبيها بقوله:

- اسم الله عليها يا حيلتها، انتِ بتكلمي نفسك يابت؟

لوت ثغرها وهي تنحي بجانب وجهها عنه صامتة عن الرد، قبل أن تجفل على نظرات والدتها الحادة هي الأخرى ، فقالت لتهيهم عن مراقبتها:

- سمعتي ياما باللي حصل النهاردة؟ 

لم تجيبها إحسان بل ظلت تحدجها بهذه النظرات الثاقبة وكأنها تكشفها، تابعت غادة رغم اضطرابها:

- الدنيا كانت مقلوبة عندنا في الشركة، حكم عامر الريان ، حما بنت اخوكي بيقولوا عليه تعبان اوي وشكله هايفلسع. 

سمعت منها إحسان تزوم بفمها ساخرة ثم قالت بمكايدة:

- افقعيلي مرارتي أكتر ما هي مفقوعة، على كدة كل العز والهيلمان ده هاتورثوا زهرة مع جوزها، هو كدة محروس اخويا على قد طبعه العفش ومشيه العوج لكنه دايمًا محظوظ

تدخل والدها أيضًا رغم عدم فهمه لمغزى كلمات زوجته:

- أيوة يا اختي، دا كفاية اللي اتعمله عشان يخرج من مصيبته وتلزق في فهمي سنارة ودلوقتي بقى بيستجم في مصحة بهواتي ياكل ويشرب وينام على كيفه.

مصمصت إحسان بشفتيها لتكمل بغيظ اثار حنق غادة التي يصلها مغزى كلماتها:

- أرزاق.


❈-❈-❈


على صخرة كبيرة في منطقة مختصرة عن الأعين بجوار البحر، كان جالسًا، ذراعًا متشبثة بالسنارة التي ألقاها منذ فترة في المياه لانتظار أن تأتي بفريسة من طعام البحر تبتلع الطعم منها، واليد الأخرى كانت ممسكة بالهاتف على أذنه يتابع مع أحد صبيانه اخر الأخبار في حارته بحديث كان محتدً بعصبيته:

- يعني لساها برضوا الحكومة بتراقب؟............ يقبضوا على مين يابا دا بعينهم ......... امممم........... طب خليك انت كدة دايمًا مراقب وعينك صاحية وأي حركة تبلغني بيها واما اشوف انا إيه أخرتهم معايا......... تشكر يا سيحة ما انا عارف ان ورايا رجالة بتسد......... ماشي يانور عيني سلام .

انهى المكالمة ولسانه يغمغم الكلمات بغيظ:

- ماشي يا ولاد ال.... فاكريني لقمة طرية وهاقع بسهولة، لكن وحياة شرفي لكون واخد حقي من الكل واولهم جاسر الريان نفسه، بس تهدي الدنيا شوية وتخف المراقبة ، ان ما عرفتكم كلكم مين فهمي سنارة، ما بقاش انا .


❈-❈-❈


أمام جسدها الساكن على التخت الطبي في المشفى التي لم يتمكن من مغادرتها بعد سقوطها مغشيًا عليها أمام التجمع البشري الذي شهد على المشاجرة وكلمات المعتوه الاَخر، الذي أراد أن يفتعل فضيحة له ولأسم عائلته العريق بأقواله، لا يستوعب حتى الاَن ماحدث، يشعر بالشلل في عقله فاقدًا القدرة على الفهم، إن كان هذا مقصودُا، ام انه محض صدفة، ام انها فعلًا كانت تكن شعورًا لهذا الشخص، يشعر باندفاع الدم بأوردته وكأنها حمم مغلية، يكتنفه امتنان كبير بداخله على غياب وعيها عنه وقت هذه اللحظات العصيبة، وقد تجنبت غضبه الكاسح وقتها، الله وحده الأعلم كم كان سيصبح قاسيًا برد فعله معها، 

اعتدل بجلسته يتناول الهاتف، ليتطلع بهذه الرسائل التي تواترت على هاتفه قبل ما حدث من هذا الرقم الفريب، واحدة تحذره من خيانة زوجته، والأخرى تخبره بلقاء حبيبها القديم، تجاهل الاثنان ولكن مع ورود الثالثة وهي تُنبئه عن مكان تواجدها بهذه الغرفة مع هذا المدعو عماد في نفس المشفى، لم يتمكن من كباح أقدامه عن التحرك مع ذكر هذا الأسم البغيض، والأن وقد حدث ما حدث بعد اخذ وقتٍ بالتفكير، يتسائل بعنف عن هوية المرسل؟ وعن مقصده بإرسال الرسائل إليه؟ وهل هو قريب أم بعيد؟


رفع رأسه على أصوات تصدر منها مع بدء إفاقتها، ظل على جلسته المتحفزة نحوها، يراقب عودتها لوعيها تدريجيًا حتى التقت عيناها بخاصتيه لعدة لحظات ، جعلتها تتذكر كل ما حدث، مع رؤيتها تجهم وجه القديم وانعقاد حاجبيه بشدة، لتعلم بحجم غضبه مع شعورها بالظلم الذي وقع عليها بقول هذا المعتوه وتسببه لفعل فضيحة لها أمام افراد المشفى من موظفي وزائري المرضى، اشاحت بوجهها عنه لتنطلق في موجة بكاء حارقة، واضعة كف يدها على فمها تكتم شهقاتها عنه، 

وصل إليها صوته الغاضب متسائلًا:

- بتعيطي ليه؟

استمرت ببكائها ولم تقوى على الرد، مع علمها بسوء ظنه نحوها الآن والشك الذي سينتابه مع هذا الوضع، وهذا الكلام الذي سمعه، هتف مرددًا مرة أخرى بحدة مع اقترابه منها:

- بقولك بتعيطي ليه؟ مش تردي ؟

حاولت التوقف عن البكاء ولم تستطيع، فردت ما بين شهقاتها:

- وأيه فايدة ان اقولك، ما انت أكيد ظنيت السوء وانا ربنا وحده العالم ببرائتي.

- اتعدلي وبصي عليا وخلي عينك في عيني .

كان قد وصل إليها وأصبح بقربها تمامًا، فالتفت هي إليه، تحاول التماسك لمواجهة غضبه بشجاعة البرئ للدفاع عن نفسه:

- أيوة يا جاسر قول اللي انت عايزه أنا عايزة أسمعك، بس عشان تبقى عارف، انا مستعدة احلف ع المصحف دلوقتي إني من ساعة ما اتجوزتك، دي أول مرة اشوفه فيها ، واول مرة اعرف انه شغال هنا

سمع منها ثم دنى بجسده نحوها بتأني مريب يسألها :

- امال روحتيلوا الأوضة ازاي وانت مش عارفة؟ دخلتي عنده في غرفة مراقب الكاميرات ليييه؟

صرخ بالاَخيرة جعلها تحرك رأسها بانهيار وقبل ينطق فاهاها وجدته يردف بغضبه:

- خرجتي من عندي قبلها يجي أكتر من ساعة والسواق كان مستني يروحك، كل ده كنتي معاه؟

- يا جاسر اسمعني الاو.....

- اسمع إيه؟

صرخ بها يقاطعها غير اَبه بانهيارها ، فنيران قلبه جعلته غير قابل للسماع او السماح:

- نبهت عليكِ من قبل الجواز، البني اَدم ده تقطعي معاه ، عشان كنت شايف بعيني نظراته وإعجابه بيكِ، طردته من شركتي وعجلت بجوزانا عشان أوقف محاولاته معاكِ، على ظن انك مش بتبادليه شعوره، تقدري تقوليلي دلوقتي وبصراحة، ظني كان صح ولا غلط ؟

أومأت برأسها مع شهقاتها المتعالية من البكاء، فهدر كالمجنون يضرب بقدمه على أرجل التخت في الأسفل، يفرغ جام غضبه به:

- امال جايب هو الثقة دي منين؟ بيأكد ويصرخ قدام الناس ان غصبتك على جوازي وخطفتك منه ، كلامه صح ولا كدب؟ قولي واتكلمي، رسيني على بر معاكِ..

- كدب والله كدب. 

أردفت بها مع بكائها الذي تعالى بنشيج، أما هو فقد هدنت صرخاته مع اَلم قدمه فسقط جالسًا على الأرض ولم تعد تحمله قدمه، ظل على استكانته مرهقًا بشدة وهي استمرت في بكائها حتى استنزفت كل طاقتها، ثم دوا صوت طرق انثوي على باب الغرفة، فنهض يعدل من ملابسه، كما تناولت هي إحدى المحارم الورقية لتمسح اثار دموعها، 

دلفت الفتاة الممرضة بعد أن أذن لها جاسر وعاد لجلسته على كرسي بالقرب من زهرة، وقالت بعملية:

- حضرتك انا كنت عايزة اسحب عينة تحاليل من المريضة بأمر الدكتور .

اومأ لها بيده، فخطت الفتاة للداخل رغم تعجبها من تجهمه، وصلت تخاطب زهرة لفرد ذراعها وفور أن انتبهت لوجهها، هتفت مرددة لها بلهفة:

- إيه دة؟ مدام زهرة دا احنا بقالنا ساعات د بنتصل بيكِ عشان نبلغك بنتيجة التحليل اللي......

قطعت كلماتها مجفلة على وجه زهرة، الذي أذبله البكاء، فسألتها بقلق:

- هو انتِ كنتِ معيطة؟

اشاحت زهرة بوجهها عنها لا تريد الرد اما جاسر الذي استرعى انتباهه قول الفتاة، فسألها بحدة :

- تحاليل إيه؟ وهي من امتى حللت عندكم ؟

اصابها الجزع من هيئته فردت تجيبه على تخوف:

- اصلها حضرتك وصلت عندنا النهاردة قريب الساعة عشرة، كانت عايزة تعمل إختبار حمل .

ومض عقله مع تذكره ميعاد مغادرتها من جواره امام الغرفة المتواجد بها أبيه، فتابع يسألها على الفور :

- والنتيجة طلعت أيه؟

ترددت الفتاة قليلًا في قولها امام تحفزه لتستشف ان كان سيعجبه الخبر ام لا، ثم قالت بنبرة متحمسة:

- طلعت إيجابية حضرتك ، يعني المدام حامل. 



يتبع...