رواية جديدة رواية في فبضة فهد لهالة زين - الفصل 23 - الأحد 28/12/2025

الفصل 23 من رواية في فبضة فهد للكاتبة هالة زين رواية جديدة تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية

 

قراءة رواية في قبضة فهد كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر


رواية في قبضة فهد

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة هالة زين


الفصل الثاني والعشرون 


تم النشر السبت

20/12/2025


استيقظت ميلا على صوت الباب يُغلق خلف يمان بقسوةٍ لم تحتمل التأويل....فقفزت من فراشها والتقطت ثوبها على عجل وارتدته بيدٍ مرتجفة، ثم خرجت تبحث عنه في أرجاء الغرفةو الممر تم  الدرج …ولكن كان لا أحد.


اندفعت نحو الشرفة...رأته في الأسفل...واقفًا بين رجاله بعدما أستدعاهم علي عجل كان  صوته حاد و أوامره تُلقى بلا تردد...ثم إستقل سيارته و أدار المحرك، وانطلق.


لا وداع ولا حتي إلتفاتة صغيره ..ولا حتى نظرة تجعلها تغفر له فعلته وتركه لها بهذه الطريقه  …رغم أنها تعلم جيدا أنه  رآها واقفة في الشرفه هناك.


شعرت بالصفعة متأخرة وكانت صفعه  موجعة، داخل صدرها لا على خدّها.


أغمضت عينيها بقوة و كأنها تعاقب نفسها، وهمست بغضبٍ مخنوق

ميلا : غبية...غبيه يا ميلا … ضعيفة وهتفضلي طول عمرك ضعيفه ..كلمه منه تجيبني وكلمه تانيه توديني...واحد زيه وراني الويل وذلتي أدام أهلي وأدام نفسي ودبحني يوم جوازي منه  ..…أنا  إزاي كنت سهله كده واستسلمتله بالسهوله دي ؟  أكيد أخد اللي عاوزة مني ومشي بعد أثبت لنفسه اني واحده رخيصه من بتوعه....زي زي ليل بالظبط ما فارقتش عنها حاجه .


عادت للداخل بخطوات بطيئة وكل خطوة أثقل من سابقتها.

كل الكلمات التي قالها لها و القسوة وكل الإهانات و التهديد…كلها مرت أمام عينيها كصورٍ مشوّهة،ثم صورة واحدة فقط ظلت عالقة في ذهنها هي… حين لان قلبها وإستسلمت له رغم كل ذلك .


جلست في زاوية الغرفة،ضمت ركبتيها إلى صدرها،وانهارت.


كان بكاء صامت في البداية ثم تحول الي شهقات لم تستطع كتمها.


كانت تلوم نفسها أكثر مما تلومه...تلوم قلبها الذي يخون عقلها في كل مرة، وضعفها الذي يتسلل الي جسدها  كلما اقترب منها.


جلست في  تلك الزاوية المظلمه ..لم تكن زوجة يمان الفهد ...ولا ابنه سعد العماري ..ولا ابنه أخت آدم الشمري بل كانت  سيدة هشه وامرأة ضعيفه خانها قلبها ووقعت بعشق من لم يكن عليها الاقتراب منه ....كانت فقط الفتاه الضعيفه  ميلا…


فتاه  أُنهكت...واكتشفت صباحًا...أن الدفء الذي حسبته أمانًا

كان مجرّد عاصفة أخرى مرّت فوق قلبها...وقلبت حياتها مرة أخري رأسا علي عقب .


لم يكن حال يمان أفضل منها…

بل ربما كان أشدّ اضطرابًا، وأكثر قسوة على نفسه حيث قاد سيارته كأن الطريق عدوٌّ يجب أن يُهزم، قبضته مشدودة على المقود، وعيناه زائغتان لا تريان إلا شبحها...صورة ميلا لم تفارقه منذ أغلق الباب خلفه، لا بثوبها، ولا بنظرتها، بل بتلك اللحظة التي استسلمت له  فيها وسلمته قلبها وعقلها بل كل ما كان يقاومه.


كان الغضب ينهشه…

غضب من ندالته معها منذ أن عرفها ...ومن نفسه التي تعشقها ، ومن ضعفه تجاهها كلما إقترب منها ...والذي بدأ يكرهه أكثر من أي شيء آخر ...أغمض عينيه بقوه وهو يشد يده عليه المقود .


يمان : يا تري أخرتي معاكي ايه يا بت العماريه  ؟


كان هذا السؤال الذي  تردّد في رأسه بلا إجابة، يطارده مع كل إشارة مرور...وكل منعطف...فعصبيته كانت حاضرة في كل تفصيلة....ضغط على الفرامل بلا داعٍ....وهو يسبّ الطريق، وسبّ الرجال، وسبّ العالم كله… ثم صمت فجأة.

وحل صمتٌ ثقيل، أخطر من الصراخ...فالمستقبل كان يقف أمامه كحائطٍ أسود....وتهديدٌ لم يُحسم...سرٌّ قد ينفجر في أي لحظة...وعدوٌّ لا ينام....وامرأة يعشقها ومضطر للتخلي عنها لسلامتها …وطفل قد يكون يكرهه احيانا ولكنه يحسب من نقاط ضعفه.


كان يعلم أنه يسير على حبلٍ مشدود،خطوة للأمام قد تنقذه،

وخطوة خاطئة قد تُسقط كل شيء ...اسمه، سلطته، ابنه، وميلا.


أدرك فجأة أنه لا يخاف الفضيحة،ولا الحرب،ولا حتى الخسارة.


كان يخاف شيئًا واحدًا فقط…أن يأتي يومٌ لا يجد فيه ميلا حيث اعتاد أن تكون مؤخرا ، ويزيد الذي يهتم لامره مهما فعل واظهر غير ذلك  وأن يكون هو السبب في إختفائهم من حياته يوما  .


ضغط على أسنانه بقسوة ...ثم أخرج هاتفه فجأة وكأنه اتخذ قرارًا حاسمًا.لم يتصل بأي شخص عادي بل ضغط رقمًا محفوظًا باسمٍ واحد فقط، اسم يعرف أن صاحبه لا يُسأل، بل يُطاع وهو أحد رجال الدوله المسؤلين .


جاءه الصوت من الطرف الآخر واثقًا متحكمًا


باسل : أيوه يا يمان باشا … عاش من سمع صوتك يا راجل..وألف ألف مبروك علي الجواز مع انها جات متأخرة أنا عارف  ؟


أجاب يمان بلهجة مرحه بشئ من الصرامة لا تحتمل المجاملة


يمان : ماستغناش عن خدماتك يا سياده اللوا  ...إحنا تحت النظر ..بس حضرتك عارف الأشغال....والموضوع جه بسرعه وانت عارف الصعيد وتقاليده وعاداته. 


باسل : كان الله في العون يا باشا ..أؤمرني.


تنهد يمان وهو يقود ثم أخذ  يركن السياره بجوار الرصيف 


يمان :هبعتلك رقم عاوز أجيب أراره ..بس في منتهي السرعه والسريه .


قال اللواء  بنبرة تحذير خفيفة


باسل : واضح إن الموضوع كبير علشان يمان باشا هو اللي يكلمني بنفسه فلو فيه حاجه أنا وراك ورقبتي سداده ياباشا .


تنهد يمان بحده واردف 


رد يمان : هو أكبر مما تتخيل يا سياده اللوا ...وابني  واقع في النص. وإنت عارف الباقي  بقى


صمتٌ قصير ثم تنفس اللواء باسل بعمق 


باسل : خليك هادي يا باشا و إبعتلي الرقم  وإديني بس دقايق  يكون عندك كل المعلومات عنه .. اسمه ومكانه و هو تابع لمين…ومين اصلا ابن  الكل....اللي بايع نفسه وعاوز يلعب من يمان باشا الفهد .


ضحك يمان ضحكة قصيرة بلا أي مرح


يمان : عشمي فيك في محله يا سياده اللوا .


أغلق يمان الهاتف وأرسل  الرقم في رسالة ثم ضيق عينيه وهو يحدق بالطريق أمامه دون أن يراها وعندما شعر أن هذه الدقائق صارت دهرا خرج من  السيارة ووقف يستند  عليها  جانب الطريق وأنتظر .


بعد ساعه 


تسلّل صوت إلى أذن ميلا أولًا كهمهمات غاضبة، ثم ما لبث أن تحوّل إلى سبابٍ فظٍّ يمزّق سكون الصباح.

قفز قلبها في صدرها، واتجهت بخطواتٍ مترددة نحو الباب، حتى تبيّن لها الصوت بوضوح…كان صوت والده  داليدا.


صباح  : إنتي كنتي فين يا قليلة الأدب؟ كنتي بايته  برّه فين ياللي متربتيش ؟ ومع مين؟


تصلّب جسد ميلا، وقبل أن تستوعب ما يحدث، اخترق الصمت صوت صفعة، ثم صرخة داليدا المكتومة....


فتحت ميلا الباب بعجلة علي أثرهم ، لتصطدم بالمشهد كطعنةٍ في صدرها.


داليدا كانت واقفة في منتصف الردهة، شعرها مبعثر، عيناها محمرتان، وذراع أمها مشدودة بقسوة حول معصمها، بينما تنهال عليها ضربًا وشتائم لا ترحم.


صباح : بقيتي شمال؟ ومابقيتش عارفه أحكمك...وخلاص عيارك فلت ومابقاش همك حد يابنت صباح ... وخلاص  فضحتيني  قدّام اللي يسوي واللي مايسواش وخليتي  سيرتك علي كل لسان ...رجعالي الصبح وسيباني نايمه علي وداني طول الليل أتاريكي بايته بره .


اندفعت ميلا دون تفكير تجاههم .


ميلا : في ايه يا طنط مش كده! حرام عليكم! بتعملي فيها كده ليه .


التفتت الأم إليها، لا ترحيب ولا سلام … بل شرٌّ أعمى...فزادت قبضتها على داليدا، وصرخت.


صباح :  إدخلي بيتك الله لا يسيئك يابت إيف وخليني أربي بنتي ..إنتي خلاص إتجوزتي وبقيتي في عصمه راجل ...خليني أربي الصايعه دي لحسن عيارها فلت خلاص وما بقتش عارفه ألمها .جايالي دلوقت من ساعه ما كانت عندك إمبارح ...أسأليها كانت فين بنت الكل....دي 


صفعة أخرى، وصوت بكاءٍ اختنق في صدر داليدا.


هنا لم تحتمل ميلا.


تقدّمت خطوة، ثابتة رغم ارتجافها، وقالت بصوتٍ واضحٍ حاسم.


ميلا : يا طنط داليدا كانت معايا وبايته عندي … أنا جيت إمبارح متأخر ولما رنيت عليها نزلتلي والكلام أخدنا وباتت عندي في الشقة زي أيام ماما  الله يرحمها .

.

ساد صمتٌ مفاجئ، كأن الهواء انقطع فتجمّدت الأيدي، وتعلّقت العيون بميلا...تابعت، ونبرتها أقوى وأكثر ثقه .


ميلا : صدقيني كانت نايمة معايا تحت ...مش برّه...ولا مع حد...ولا زي ما بتقولي ....فلو عايزه تحاسبيها ، حاسبيني معاها أنا كمان.. أنا أدامك  أهو .


وقفت ميلا أمام داليدا بحمايه ...بينما حدّقت الأم فيهما  بريبة، خاصه مع صمت و شحوب وجه إبنتها  سليطه اللسان علي غير المعتاد ...الي أن  انفجرت بميلا


صباح :  أنا متأكده انك بتكدبي عشان تحميها؟ أعمل فيكم إيه  طول عمركم أخوات وبتداروا علي بعض...ومابقدرش أمسك عليكوا حاجه .


اقتربت ميلا من داليدا، سحبتها من بين يديها ووضعت ذراعها حول كتفيها كدرع حامي .


ميلا : وهو أنا هكدب ليه بس يا  طنط..هو احنا لينا حد علشان نروح ولا  نيجي عليه ما ديكي شيفانا زي بعض مقطوعين من شجرة ...وأهلي في الصعيد وخالي مقطعيني بسبب موضوع الطار ده .


اندفعت صباح إلى داليدا مرة أخري  كعاصفةٍ سوداء، عيناها تقدحان شررًا، وصوتها يسبق خطاها.


وقفت داليدا قبالتها، كتفاها متهدلان، وقلبها يخفق كطائرٍ محبوس فقالت صباح بحدّةٍ قاطعة


صباح : اسمعي بقى ، انا صبرت عليكي كتير ..بس لهنا وخلاص فاض بيا ...هتوافقي علي  العريس اللي جاي النهارده آهو مهندس كبير زيك  ولقطة... وكان بيدور علي عروسه قبل مايسافر ...وآهو هيتجوزِك وتسافري معاه الخليج، وتستقري هناك… وتغوري من هنا خالص وتريحيني من همك .


رفعت داليدا رأسها بصعوبة، وصوتها خرج مكسورًا لكنه ثابت


داليدا : مش موافقة يا ماما…إرحميني أبوس إيدك .. أنا تعبانة، ومش قادرة أتكلم ...مش هتبقي إنتي والزمن عليا .


ضحكت صباح ضحكةً جافة، ثم اقتربت خطوة، وصفعتها بالكلمات قبل اليد


صباح : تعبانة؟ تعبانه من ايه ياروح أمك ...إنتي خلاص كبرتي ...ولو قطر الجواز فاتك  هتقعدي بايرة  جنبي العمر كله ...فمتتبتريش يابنت بطني علشان قطر الجواز ما يفرمكيش وتبوري وتقعدي في أرابيزي ...خلاصه القول أنا خلاص قررت ورديت عليهم وبلغتهم انك موافقه علي الجواز دي 


مسحت داليدا علي وجهها وهي تصرخ بوجه أمها 


داليدا : قلتلك مش موافقه هو ايه بالعافيه يا ماما .


حاولت داليدا التراجع، لكن اليد كانت أسرع...وصفعةٌ حادة أخري  دوّت في المكان، فاختنق الهواء في حنجرتها حيث صرخت داليدا، لا من الألم، بل من الانكسار....


اقتربت صباح أكثر، قبضت على ذراعها بقسوة، وعيناها تلمعان بعنادٍ أعمى


صباح :وهيبقي غصب عنك بعد كده مش بمزاجك ... مش هفضل  أستنى مزاجك العمر كله وأنا شيفاكي ورده بتدبل أدام عنيا ...فالنهارده هتوافقي يعني هتوافقي ... برضاكي أو غصب عنك ....أنا خلاص مش هعيشلك العمر كله ..وعاوزة أسلمك لراجل يقدرك ويصونك وأطمن عليكي معاه وأشيل احفادي وافرح بيهم .


انسحبت الكلمات من فم داليدا، وبقيت فقط  الدموع عالقه بأهدابها .


عندما زاد الهرج وعلا ... والجيران بدؤوا يفتحون الأبواب والنوافذ والفضيحة تكاد تكبر ككرة نار.


لم تنتظر صباح  هذا ليحدث فجذبتهم الاثنان من أوصالهم  وأدخلتهم للداخل ومالت علي ميلا تقبلها وسألت 


صباح : تعالي يا ميلا قوليلي ...مالك يا حبيبتي  وشك تعبان كده ليه انتي كمان...  وباين عليكي انك معيطه ....وايه اللي جابك  وانتي لسه عروسه ما كملتش كام شهر ...لحقتي تتخانقي مع جوزك ولا إيه ؟


تنهدت ميلا وأخذت داليدا الصامته الباكيه  معها بخطواتها سريعة الي غرفتها .


ميلا : مافيش حاجه  يا طنط اطمني بس جيت أطمن علي الشقه وأنضفها وأبص عليكم ..بس إفتكرت ماما الله يرحمها فعيني دمعت ... وبعدين مانتي عارفه ظروف جوازي ...بلا عروسه بلا زفت .


ربتت علي كتفيها ثم امآت لها وذهبت ناحيه المطبخ .


صباح :  فيكي الخير  يا حبيبتي وتعيشي وتفتكري ... طب ادخلوا عقلي صاحبتك وإنصحيها  وخليها تفرح قلبي ...علي ما احضرلكم الفطار...تنهدت ميلا  بلا فائده ثم  أغلقت الباب خلفها  بقوة، كأنها تفصل بين عالمين ،وذهبت في الداخل حيث انهارت داليدا.


حيث بكت كما لم تبكِ من قبل، بينما احتضنتها ميلا بقوة تبكي هي الاخري ، هامسة في أذنها.


ميلا : إهدي يا داليدا وقوليلي كنتي فين ...وايه اللي حصل ومرجعك الصبح كده ..ومالك متخشبه ومش طالع لك صوت ليه علي غير عادتك  ؟ إيه اللي حصل يا حبيبتي ؟


جلست داليدا على طرف فراشها ..كتفاها منكمشان، يداها ترتجفان وهي تمسح بقايا دموعٍ لم تجف بعد.


كانت ميلا أمامها تحاول أن تواسيها وتجرها للحديث وهي تمسح دموعها وتنظر إليها بعينين ممتلئتين قلقًا وصبرًا.


تنفّست داليدا بعمق، وكأنها تجمع شتات روحها، ثم قالت بصوتٍ مبحوح


داليدا : من ساعة ما خرجت من عندِك إمبارح …وأنا  حياتي اتقلبت جحيم...يا ميلا ....وأمي جات كملت عليا باللي قالته ...أنا في مصيبه ومش عارفه أخرج منها إزاي .


رفعت ميلا رأسها ببطء مستفهمه .


ميلا : اهدي يا حبيبتي وإحكيلي جري ايه … ومصيبه ايه دي أنا سامعاكي .


ابتلعت داليدا ريقها، وعيناها تهربان إلى الفراغ


داليدا :أصل ...أصل  أنا و خالك إتجوزنا  !!!


صفعت ميلا صدرها ووجنتيها بخضه 


ميلا : يا نهارك  أسود يا داليدا هو مش كاتب كتابه علي الحربايه بنت الفهد وهيتجوزها يوم الخميس الجي..ورضيتها علي نفسك تكوني زوجه تانيه ...ملعون أبو الحب اللي يذل صاحبه كده ...عقلك كان فين ..ده صباح هتخلي سنتك وسنتي أسود من بعض .


نظرت لها داليدا لها بغضب لتفكير صديقتها .


داليدا : إنتي بتقولي إيه يا ميلا هو انتي مش عارفاني..أنا لا يمكن أقبل وضع ذي ده أبدا بس إنتي عارفه  خالك الجاااحد ....كل اللي تم ما كانش  بمزاجي ... ده خالك الزفت ده   أخدني من أدام بيتك ...وفضل يضغط عليّ، ويهددني، ويقول يا أتجوزه يا يضيعني...كنت فاكرة إنه  بيهدد عادي ... بس لما رفضت اني أكون  زوجة تانية…وأتجوزه 


ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة


داليدا : طلع كل الشر اللي جواه من ناحيتي  ...


اقتربت ميلا أكثر، قلبها يخفق


ميلا : يعني إيه؟عملك ايه ..تقصدي ايه بالكلام ده ؟ أوعي يكون قربلك غصب عنك .


أكملت داليدا، وصوتها ينكسر


داليدا : لا ما عملش كده ...بس جرجرني  علي القسم زي الحراميه  ..ولفقلي تهمه كانت هتخليني أقضي اللي باقي من عمري كله  في السجن .


شهقت ميلا وعينيها كادتا أن تخرجا من مكانهما. 


ميلا : يا نهار أبوك أسود يا خالي ...هو مش خالي بس طول عمره  واطي معاكي الصراحه  ....يعني اتجوزِك في القسم .


هزّت داليدا رأسها ببطء وهي تمسح دموعها بغضب 


داليدا : كتب عليا غصب عني كان محاصَرني أوي  ...وهددني بمستقبلي ..اول مره أحس اني مكسوره  أوي كده يا ميلا ...وإني تحت ضرس حد ...  ده من جبروته خلي ضابط القسم  شاهد علي جوازنا ...شوفتي جبروت كده في الدنيا 


سكتت لحظة، ثم نظرت لميلا نظرةً موجعة.


داليدا : بس أنا كنت لسه متعلقة بأمل صغير وقلت ان فيه حب في قلبه ليا طالما متمسك بيا كده … و باقي عليا ..كنت فاكرة إن كده  خلاص… كل حاجه  انتهت  وبقينا لبعض .


اقتربت ميلا، أمسكت بيدها

ميلا : أمال حصل إيه تاني ؟


أغلقت داليدا عينيها بقهر.


داليدا : بعد ما خرجنا من القسم …وقف بالعربية قدّام الفيلا  بتاعه جوزك ....افتكرت إنه رايحلك علشان نبلغك بجوازنا ....بس اداني مفتاح الفيلا الصغيره اللي جنبكم …وقالّي أنه إشترهالي وكتبها بإسمي وهي مفروشه وجاهزة للسكن…


وأغمضت عينيها وهي تعض علي أصابعها بغضب 


داليدا : قالها وهو مبتسم...وكأنه بيديني ثمن  اللي هيعمله فيا علشان أسكت وأرضي .


ارتجفت شفتاها ثم نزلت دموعها حسره علي حديث آدم معها  


سألت ميلا بحذر


ميلا : وبعدين…؟


فتحت داليدا عينيها، والدموع تتساقط بلا مقاومة


داليدا : عاوز يجي يطلبني النهارده من صباح   …و الخميس الجاي هيتجوز ني أنا والحربايه  بنت عم جوزك مع بعض  في يوم واحد علشان ينتقم من يمان علي اللي عمله فيكي... ويقهر قلبي في أحلي ليله في حياتي ...عاوزني أكون أداه في إنتقامه ليكي .


اتسعت عينا ميلا


ميلا : يا نهاره أسود....إنتي بتقولي  إيه ....وأمك هتوافق علي الكلام ده  ..ولو وافقت فكرك يمان ولا عيله الفهد هيسكتوله ...دي هتبقي جنازه مش جوازه .


أومأت داليدا بغضب  واردفت بخوف


داليدا : ماهو ده اللي أنا قلتهوله ...فرد عليا بمنتهى البرود…

إن ده مش شغلي...وانه مبيعملش حاجه حرام وإن ده حقه انه يتجوز البنت اللي بيحبها ، وإن عليهم هما  يتقبلوا  الأمر الواقع اللي إتحطينا فيه .


انهارت هي  وانحنت للأمام وهي تخفي وجهها بين كفيها .


داليدا : أنا مش عارفه  أعمل إيه ...أنا اتدفنت بالحيا وأنا عايشة يا ميلا…لا عرفت أهرب…ولا عرفت أقاوم…

ولا حتى أصرخ وأطالب بحقي وأقول لا ...مادنيش فرصه أتوجع حتي.


ضمّتها ميلا بقوة، دموعها تنساب دموعها  هي الأخرى


ميلا : إحنا اتظلمنا أوي في الحكايه دي يا داليدا 


تمسكت داليدا بها كالغريق


داليدا : أنا خايفه قوي ...أول مره أخاف منه كده …وأخاف من اللي جاي…ومن رد فعل  صباح ومن نفسي.


همست ميلا بثباتٍ يولد من الألم.


ميلا : إهدي يا حبيبتي ..أنا معاكي ..ومهما حصل… مش هسيبك  لوحدك...المشكله دلوقتي في الناس اللي أمك عزمتهم دول ..وخالي اللي عازم نفسه وكأن البيت بيته  علشان يطلبك من صباح هنعمل فيه ايه  .


وبين ذراعيها إرتمت وبكت داليدا بحرقة وبينما كان القدر، في مكانٍ آخر، ينسج خيوط مواجهةٍ أقسى…وأيامٍ قادمة لا تعرف الرحمة....أمسكت ميلا  بيد داليدا  بقوة، وكأنها تخشى أن تتركها للحظة فتنهار من جديد، وقالت بصوتٍ مبحوح لكنه حاسم


ميلا : تعالي… ننزل شقتي تحت ما ينفعش تفضلي هنا علشان صباح لو جات لقتنا متشحتفين كده هتصبح علينا بالشبشب وهي مش ناقصه كفايه اللي إحنا فيه .


لم تنتظر ردًا وجذبتها برفق من مرفقها بعجلة وخرجتا من الشقة قبل أن يعلو صوت صباح مرة أخرى.


صباح : الفطار يا حبايبي 


ميلا : إحنا هننزل ننام يا صبوحه ما نمناش من إمبارح إفطري إنتي وإحنا لما نصحي هنيجي نفطر .


كان قلب داليدا يخفق بعنف ليس خوفًا على نفسها فقط بل خوفًا من أن ترى أمّها ضعفها… أن تراه مكشوفًا، عاريًا، بلا أقنعة ...نزلتا السلم سريعًا ...وصدى شتائم صباح ما زال عالقًا في الجدران ...يلسع الروح قبل الأذن.


فتحت ميلا  باب شقتها، وأدخلت داليدا  أولًا، ثم أغلقت الباب خلفهما بإحكام، وأدارت المفتاح مرتين، وكأنها تحاول أن تغلق العالم كله بالخارج.


أسندت ظهرها إلى الباب وأغمضت عينيها  وزفيرٌ مرتجف خرج من صدرها


داليدا : مش عارفه هقولها ايه ..ولا هقولها إزاي ...دي ممكن تروح فيها .


اقتربت ميلا منها، وضعت كفها على كتفها بحنان


ميلا : ما إحنا مش هنقولها ...يا ذكيه احنا هنقول ان آدم جي يخطبك بس وكلميه قوليله ما يجبش سيره كتب الكتاب ده دلوقتي .


ابتسمت داليدا ابتسامة باهتة، وجلست على الأريكة


صباح عمرها ما كانت حنينة معايا وربتني كأني ولد مش بنت يا داليدا ...وهتدوس عليا المرة دي علشان تجبرني أتجوز وتفرح بيا …بس المرة دي غير كل المرات يا ميلا دي خلاص قررت وبتنفذ .


ساد الصمت لحظات، صمتٌ ثقيل لكنه أقل قسوة من الضجيج في الخارج....


فشقة ميلا  الصغيرة بدت كملاذٍ مؤقت، جدرانها تشهد على وجعٍ لم يُحك، وعلى صداقة تحاول أن تصمد وسط العاصفة.


وفي تلك اللحظة، لم تكن الشقة مجرد مكان…

بل كانت حصنًا صغيرًا يحمي قلبين متعبين من عالمٍ لا يرحم الضعف.


ميلا : اهدي بس يا حبيبتي وتعالي ناميلك شويه في أوضه ماما .


كادت  ميلا أن تُفتح  باب غرفه والدتها  بهدوءٍ نسبي، بينما داليدا ما تزال تمسح بقايا دموعها، تتنفس باضطرابٍ واضح. تبادلت الاثنتان نظرةً سريعة، ثم انفجرت داليدا تهمس بغضبٍ مكتوم


داليدا :ومين هيجيلوا نوم في اليوم الاسود ده بس يا ميلا .


وقبل أن تُكمل، انفتح باب غرفة إيف فجأة.

خرج آدم بنصف جسده، شعره مبعثر، وعيناه نصف مغمضتين، وصوته أجش كمن اقتُلع من النوم عنوة.


آدم : ممكن توطّوا صوتكم شوية؟ الواحد مش عارف ينام!


تجمّدت ميلا في مكانها، واتسعت عيناها بذهول، بينما شهقت داليدا شهقةً مكتومة، وحدقت فيه وكأنها ترى شبحًا.


ميلا : خالو ... قالتها ميلا بعدم تصديق...وهي تنظر لمفتاح الباب .


داليدا : آدم ..إنت بتعمل إيه هنا؟ خرج السؤال من داليدا حادًا، مرتعشًا.

مرّر آدم يده على وجهه بتثاقل، ثم أسند كتفه إلى إطار الباب وقال ببرودٍ مصطنع


آدم : نايم… في أوضة أختي ذي مانتوا شايفين . واضح إن المفاجأة كبيرة قوي عليكم...ومش قادرين تستوعبوها .


اقتربت ميلا خطوة، خفّضت صوتها دون وعي.


ميلا : بس… أنت دخلت هنا إزاي ده أنا لسه مغيره الكالون ؟


قاطعها بنبرةٍ حادة، وفيها شيءٌ من الغضب المكبوت


آدم : زي ما جوزك دخل بالظبط ياختي .


ساد الصمت فجأة حين سألت داليدا 


داليدا:  هو يمان كان هنا هو كمان ؟


تبادلت ميلا وداليدا نظرةً سريعة، وفي عيون كلتيهما سؤالٌ واحد نطقاه بنفس واحد .


_انت عرفت كل ده إزاي ؟


ابتسم آدم ابتسامةً جانبية، لا تصل إلى عينيه، وأضاف بصوتٍ منخفض لكنه قاطع


آدم : إنتوا الاتنين تحت عنيا انفاسكم بتتعد وتتحسب وتوصلني....

ارتجفت داليدا، وشحب وجهها، بينما شعرت ميلا بانقباضٍ حاد في صدرها.

لم تكن الصدمة في وجوده فقط…بل في كونه كان شاهدًا صامتًا على كل ما حدث منذ قليل من والده داليدا  .


اقترب آدم بخطواتٍ بطيئة، عيناه مثبتتان على وجنة داليدا.

فالاحمرار الواضح، وآثار الأصابع التي لم تُخفِها الإضاءة الخافتة، أشعلت شيئًا مظلمًا في صدره.


مدّ يده دون أن يستأذن، وأمسك ذقنها برفقٍ يناقض العاصفة التي تعصف داخله، أدار وجهها قليلًا ليرى العلامات بوضوح.

تصلّبت أصابعه، وانقبضت قبضته الأخرى بقوة حتى ابيضّت مفاصلها.


قال بصوتٍ منخفض لكنه خطير


آدم :مين عمل فيكي كده؟


حاولت داليدا أن تُبعد وجهها، لكن صوته شلّها للحظة.

ترددت، ثم قالت ببرودٍ مصطنع


داليدا : مش مهم مين ...المهم انه اتعمل بسببك .


رفع نظره إليها بحدة


آدم : قلت مين؟


تدخلت ميلا بصوتٍ متوتر

ميلا : دي أمها يا خالو … طنط صباح ..أصلها كانت قلقانه عليها أوي .


في اللحظة نفسها، تغيّر وجه آدم.

فقد هدوءه تمامًا، شدّ على قبضته أكثر، وكأن اسمها وحده كافٍ ليوقظ فيه رغبة عمياء في التدمير.


اقترب خطوة، ومدّ يده مرة أخرى، هذه المرة لم يمسكها… بل مسّد وجنتها بأطراف أصابعه بحنانٍ صادم، حنان لا يليق برجلٍ اعتاد القسوة.


قالها بصوتٍ خفيض، دافئ، خطير.


آدم : أكيد علشان ما رجعتيش البيت إمبارح ؟


لكن داليدا انتفضت فجأة، دفعت يده بعيدًا عنها بقوة، وكأن لمسته أحرقتها....عيناها اشتعلتا غضبًا وكرامة مجروحة.


داليدا : إبعد ...إياك تلمسني تاني إنت فاهم ؟إنت ملكش أي حق علشان تلمسني كده .


تراجع آدم خطوة، ليس خوفًا… بل صدمة....وحدّق فيها طويلاً، كأن كلماتها أصابته في موضعٍ لم يتوقعه.


تقدمت ميلا بخطوة، محاولة كسر التوتر


ميلا : خالو... صباح ناوية تعمل قرايه فاتحه  داليدا النهارده… على واحد من الجيران وهتجوزها في أسرع وقت علشان الراجل مسافر .


رفع آدم حاجبه ببطء، وكأن الخبر لا يعنيه على الإطلاق.

ابتسم ابتسامة باردة، خالية من أي انفعال.


آدم : خطوبة ايه دي وهي مراتي ؟


ثم نظر إلى داليدا  نظرة عابرة وهو يفتح لها باب غرفه إيف ، وقال بلا مبالاة قاتلة


آدم : إدخلي نامي يا داليدا ..وريحي نفسك وجسمك علشان تفوقي ....حماتك جايه بالليل وماحبش أنها تشوفك مرهقه كده ..


واقترب خطوة للأمام، صوته صار أوضح وأقسى وكثر حسمًا


آدم : علشان الخطوبة اللي هتتم بالليل دي … هي خطوبتي أنا وأنتي .


شهقت داليدا بعنف.


داليدا :يا نهار أسود ...ده لو  أمي  عرفت اللي حصل هتروح فيها يا آدم .


لكن آدم لم ينظر إليها.

كان ثابتًا، كمن اتخذ قرارًا لا رجعة فيه.


آدم:  قلت أدخلي نامي يا داليدا علشان تقومي فايقه .


ساد الصمت كان صمت ثقيل، خانق، وكأن الغرفة بدأت تضيق عليهم جميعًا.


ميلا شعرت بقلبها يهبط في صدرها.

أما داليدا… فكانت تقف بين غضبٍ يكسرها، وخوفٍ تعرفه جيدًا الخوف من رجلٍ إذا قال سأفعل…فهو يفعل.


دخلت داليدا الغرفة بخطواتٍ مترنّحة، كأن جسدها سبق روحها إلى الاستسلام تبعتها ميلا في صمت، أغلقت الباب خلفهما برفق، وفتحت الدولاب الصغير الذي لا يزال يحتفظ بملابس والدتها… تلك الرائحة التي تشبه الأمان ... فناولتها قطعة قطنية ناعمة وقالت بهدوء


ميلا.  خدي يا ديدا غيري…علشان تعرفي تنامي مرتاحه يا حبيبتي  .


لم تجب داليدا وأخذتها  وبدّلت ملابسها بآليةٍ باردة، وما إن لامست  رأسها الوسادة حتى غابت عن الوعي وذهبت الي نوم عميق ، كأن النوم كان ينتظرها خلف الباب منذ ساعات حيث توقفت أنفاسها على إيقاعٍ هادئ، بينما وقفت ميلا تحدق فيها طويلاً… تشفق عليها، وتغضب لها، وتخاف عليها في آنٍ واحد.


خرجت ميلا من الغرفة وأغلقت الباب دون صوت.


بحثت بعينها عليه كان في الشرفة، كان آدم يقف نصف جسده غارقًا في الظل بينما الدخان يتصاعد من بين أصابعه، وعيناه معلّقتان في فراغٍ لا يُرى ...لم يلتفت إليها رغم شعوره بوجودها خلفه ..ولم يقل شيئًا.


اقتربت ميلا خطوة، ثم أخرى، وقالت بصوتٍ منخفض لكنه ثابت


ميلا : علشان خاطري يا خالو لو سمحت… سيب داليدا برّه اللي بينك وبين يمان...هي ملهاش ذنب في اللي حصل .


سحب نفسًا عميقًا من سيجارته، ثم أخرجه ببطء.

وضحك ضحكة قصيرة، بلا مرح، خرجت من صدره.


آدم : وأنتي  كمان ماكانش  ليكي   ذنب.


التفت إليها أخيرًا، عيناه مظلمتان وصوته جامد


آدم : لا هي… ولا إنتي … ولا أبوكي ...ولا أختي الله يرحمها ...ولا حتي يوسف أخوكي اللي أهلك في الصعيد مش عارفين انه عايش ومكتوب علي إسمي  أصلا كان له  ذنب ...بس اللي حصل مش هيتنسي.


قالت برجاءٍ واضح وهي تتشبث بيده 


ميلا : أرجوك يا خالو فكر تاني ..بابا وماما خلاص بقوا عند اللي خالقهم ..ويوسف أخويا في أمان تحت جناحك عايش بأمان في حمايتك  .. بس داليدا ممكن تتكسر…و تتأذي وساعتها هتخسرها للأبد .


هزّ رأسه نافيًا، وكأنه أغلق الباب على أي نقاش


آدم: اللي يتكسر يتصلّح ...بس اللي يتساب… بيضيع يا ميلا لو ولاد الفهد حسوا إنك لوحدك هيفرموكي وأنا مش هسمحلهم بده .


شعرت ميلا بالعجز.. عرفت هذا الوجه، هذا القرار الذي لا يلين.

انسحبت ببطء، بلا كلمة أخرى… بلا فائدة.


دخلت الحمّام، تذكرت ما حدث من يمان أمس فأغلقت الباب، وتركت الماء ينساب فوقها، علّه يغسل ثقل لمساته من فوق جسدها بعد يوم طويل لم يعد يُحتمل..


خرجت ميلا ، بوجهٍ شاحب وشعرٍ مبلل، وجسد واهي اتجهت نحو غرفة داليدا لتطمئن عليها .


فتحت الباب… فتوقفت.


كان آدم  هناك...جالسًا في أحد أركان الغرفة المظلمه ، ظهره إلى الحائط ورأسه مائل قليلًا و عيناه معلّقتان بداليدا النائمة...لم يكن الغضب في ملامحه الآن… بل شيءٌ آخر.... قد يكون عشق ؟....او ندم؟أو قد يكون  خوفٌ لا يريد الاعتراف به؟


تبادلت نظرة صامتة معه...لم يتكلم...ولم تتحرك.


فأغلقت الباب بهدوء، كأنها تحميهما من العالم… ومن نفسيهما.

خرجت إلى الصالة، أطفأت الأنوار واحدة تلو الأخرى، وجلست وحدها وفي صدرها سؤالٌ واحد يطرق بلا رحمة


كم قلبًا يجب أن ينكسر… قبل أن تنتهي هذه الحرب؟


بعد مده ليست بكبيره طرق الحراس الباب طرقًا خفيفًا لكنه  حاسمًا...انتفض له  قلب ميلا قبل أن تتحرك قدماها حيت فتحت الباب بحذر، لتجد اثنين من رجال يمان يقفون باحترامٍ مبالغ فيه .


الحارس : صباح الخير يا هانم  … يمان بيه بيبلغ حضرتك تجهزي وإحنا هنكون في  العربية منتظرين حضرتك علشان ترجعي الفيلا .


حدّقت في وجهيهما كأنها لم تسمع جيدًا...ثم خرج صوتها ثابتًا على غير ما تشعر به


ميلا : بلغوه اني مش هرجع النهارده ..خالي جوه وتيته جميله كمان جايه بعد العصر  وهنقعد مع بعض اليوم كله .


تبادل الرجلان نظرة سريعة، فأعاد أحدهما بنبرة أقل حدّة


الحارس : بس دي أوامر يا هانم … نرجع  حضرتك للبيت النهارده .


ضحكت ضحكة قصيرة، موجوعة، خرجت منها رغمًا عنها.


ميلا : تمام بلغوه إن هرجع بس بالليل متأخر .


اشتدّ ظهرها، ورفعت رأسها بعنادٍ لم تعهده في نفسها من قبل


ميلا : ومالوش لزوم وجودكم بلغوه إن  خالي هيبقي يوصلني .


سحب أحد الحراس هاتفه وهمّ بالاتصال، لكنها سبقتهم وأغلقت الباب بهدوءٍ حاد… ذلك الهدوء الذي يسبق الانفجار.


أسندت ظهرها إلى الخشب، وانزلقت ببطء حتى جلست أرضًا.

أنفاسها تتلاحق و صدرها يعلو ويهبط، وعقلها يصرخ


ميلا :هو فاكر إيه؟فاكر إني شنطة يتبعتلها عربية؟


مرت أمام عينيها صورته وهو يغادر دون وداع، نظرته الجامدة وصمته القاسي…قبضت يدها على قميصها عند صدرها.


بينما في الخارج، كان أحد الحراس يقول في الهاتف بصوتٍ منخفض 


الحارس :  باشا إحنا أدام بيت الهانم … المدام رافضة ترجع وبتقول لحضرتك هترجع بالليل وخالها وجدتعا هيوصلوها .


وفي مكانٍ آخر، كان يمان يسمع الجملة ذاتها…وجمر الغضب بدأ يتوهّج من جديد أمام عينيه .وهو يغلق الهاتف بوجوههم ويكسر القلم أمامه لنصفين ثم يرميه بعيدا .


مسحت دموعها وارتدت ملابسها علي عجل ثم  استأذنت خالها بنبرةٍ هادئة لا تشبه العاصفة التي بداخلها، أخبرته أنها ستشتري فستانًا لها وآخر لداليدا لأنها ليست ملابس لائقه ...

 لم يمنعها، فقط نظر إليها طويلًا، كأنه يقرأ ما تنويه دون أن ينطق ...أعطاها بطاقته رفضت بالبدايه لكنه أرغمها بالقبول 


عندما غادرت ميلا الغرفه  خلع آدم معطفه ثم قميصه وتمدد خلف داليدا ضامما جسدها إليه وكأنها ستهرب من بين يديه وذهب هو الآخر في نوم عميق.



خرجت ميلا من الشقة بخطواتٍ سريعة، وأقسمٌت في صمت  يتكوّر في صدرها أنها ستجعله يأتي أسفل اقدامها.


ما إن وطئت قدماها خارج الباب حتى انتظم الحرس تلقائيًا وقفوا في صفٍّ واحد، رؤوسهم مرفوعة احترامًا تقدّم أحدهم وسأل بأدبٍ مشوب بالحذر


الحارس : تحبي نجهّز العربية يا هانم ؟


هزّت رأسها بلا تردّد


ميلا : لا، متشكره  مش عايزة عربية… هروح مكان قريب من هنا .


تبادل الحارس نظرة سريعة مع زميله، ثم قال بحزمٍ مهذّب


الحارس : مينفعش يافندم  أوامر  يمان باشا … إن حضرتك ما تخرجيش لوحدك من غيرنا .


رفعت حاجبها، ونبرتها جاءت قاطعة


ميلا : وأنا قولت لا...مش عاوزه حد منكم معايا .


همّت أن تتحرّك، لكنها وجدت الطريق يُسدّ فجأة فقبل أن تنفجر بوجوههم جاء صوت مألوف من الخلف


قاسم : صباح الخير يا ابله  ميلا.


استدارت، لتجد المعلّم قاسم واقفًا، بابتسامته الهادئة وشاربه الكثّ تنفّست بعمق، محاولة كبح توتّرها.


نيلا :صباح النور يا معلم قاسم.


نظر إليها بعينٍ فاحصة، ثم سأل بلطف


قاسم : طمنيني عليكي … عاملة إيه يا أبله ؟ محتاجة  أيوتها حاجه ؟مش علشان الست إيف راحت للي خلقها ..يبقي خلاص ...الحاره كلها حبايبك واخواتك هنا...وتتمني تخدمك 


تردّدت لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لا تخلو من التعب عندما تذكرت والدتها .


ميلا : تمام الحمد لله يا معلم … كتر خيركم إنتوا طول عمركم أهلي .


هزّ رأسه وكأنه يعرف أن( تمام ) هذه الكلمه  كذبة مهذّبة منها  ثم قال بفخر


قاسم : انتي جايه النهارده علشان قرآيه فاتحه أبله داليدا بنت الست الصباح مش كده .


اتسعت عيناها قليلًا، لم تتوقّع الخبر انتشر بهذه السرعة.


قاسم : أصل أنا اللي هعلّق النور والزينة في الشارع كله أصل  المهندس فارس حبيبنا وابن جارنا الاستاذ محمود… فرحة تستاهل يعني .


ابتسمت ميلا تلقائيًا، ابتسامة صادقة هذه المرة.


ميلا : تسلم إيدك  يا معلم… ونجاملك في الأفراح انشاء الله .


اقترب خطوة وأضاف بنبرة ودودة


قاسم :إنما خارجه كده وسايبه العروسه لوحدها ورايحة علي فين .

ابتسمت بغلب علي وقاحته في السؤال 


ميلا : رايحه السوق هجيب شويه حاجات 


لم يتردّد وأردف 


قاسم : طب ما أوصلك في سكتي ؟ أنا رايح محل النور والكراسي اللي في أول السوق .


التفتت نحو الحارس، وكأنها تحسم الأمر


ميلا : خليك إنت أنا هروح مع المعلم قاسم خلاص .


أغلقت ميلا أذنيها عن بقية الحديث، وتقدّمت مع قاسم.

كانت خطواتها ثابتة، وداخلها يقين واحد فقط أن يمان سيعلم بخروجها من المنزل وحدها ومع من .....مع قاسم .


تردّد الحارس ولكنه رضخ عند إصرارها ثم أخرج هاتفه جانبًا بسرعة وأدار ظهره قليلًا وهو يتحدث بصوتٍ منخفض.


الحارس : باشا… مدام ميلا خرجت  كانت رايحه السوق قابلها  المعلم قاسم ومشيت معاه وما رضيتش تآخد حد فينا .


ما إن أنهى الحارس المكالمة حتى انخفض صوته، وكأن الهواء نفسه توتر.

كان يمان في الطرف الآخر، صامتًا لثانيتين فقط… ثانيتان كانتا أخطر من أي صراخ ثم انفجر صوته  حادًا كنصل  السكين


يمان : وانت سبتها تمشي معاه ليه ؟ هو أنا مش محرج عليكم تسيبوها تخرج لوحدها .


الحارس : يا باشا… هي ما رضيتش وقالت رايحة تشتري حاجات من السوق  ....وهو


قاطعه بزئيرٍ مكبوت 


يمان :اقفل مانا مشغل معايا شويه نسوان ما بتعرفش تتصرف .


أغلق الهاتف بعنف، قبضته تهوي على المكتب حتى ارتجّت الأوراق ....وعروقه برزت للخارج من الغضب ، وصدره يعلو ويهبط كوحشٍ جُرِح في أعمق نقطة.


استدار فجأة وهو يمسك الهاتف مره أخري ويصيح بالحارس 


يمان :الحراسة كلها تتحرك وراها دلوقتي .. تبقوا وراها وقريبين منها خطوة بخطوة، سامعين؟و لو بعدت متر واحد ولا رحت مكان  من غير ما أعرف ...هتبقي أخر دقيقه ليكم معايا .فاهمين.؟


ثم خطف مفاتيح سيارته واندفع خارج الشركه  بخطواتٍ سريعة، صعد السيارة وأدار المحرك بعنف، فانطلقت كالرصاصة غضبه كان أعمى…والغيرة كانت تحرق قلبه وروحه .


في الجهة الأخرى، كانت ميلا أكثر هدوءًا مما يُتوقع.


عند أول السوق  ابتسمت للمعلم قاسم بلطف


ميلا : متشكرة قوي يا معلم… كفاية لحد هنا.


نظر لها بحنين عاشق حتي النخاع 


قاسم : خلي بالك من نفسك يا ابله ؟


تنحنحت ميلا وإستدارت تبتعد عن نظراته 


ميلا :شكرا يا معلم قاسم 


ما إن ابتعد حتى رفعت يدها و أوقفت تاكسي بسرعة وانزلقت إلى المقعد الخلفي.


ميلا : وسط البلد يا أسطي .


انطلقت السيارة، ومع كل متر كانت تبتعد فيه، شعرت بخفة غريبة، كأنها لأول مرة تخرج من قفص غير مرئي وداخلها كانت تعرف…أنه يعرفها جيدًا…وسيلحق بها ولكنها هذه المرة لم تهرب خوفًا.

هربت لتثبت لنفسها ...وله....أنها ما زالت تملك قرارها.


جلست في المول بعد قليل ترتشف قهوتها وتتأمل الواجهات الزجاجية تحاول أن تختار فستانًا لداليدا وآخر لها من خلف زجاج العرض ...و تحاول أن تتنفس كأنها امرأة عادية… لا زوجة رجلٍ يحاصر العالم باسمه.


لكن في الخارج…كان يمان يقترب.وغضبه يسبق خطواته.


دخل يمان المول كما لو أنّ المكان قد انقسم له دون أن يطلب.

لم يرفع صوته، لم يصرخ، لم يهدد… وهذا ما جعله أكثر رعبًا.


تقدّم بخطواتٍ ثابتة، كتفاه مشدودتان، عينيه تمسحان المكان ببرودٍ قاتل وبدلته الداكنة ونظارته السوداء و حضوره الطاغي، والهالة التي تحيط به جعلت الحراس والموظفين يتنبهون دون أن يفهموا أنه رجل مهم ....ولكن لماذا شعروا فجأة أن الهواء أثقل في حضورة .


فبعض المتسوقين التفتوا دون وعي والسيدات خفّضن أصواتهن وأحد أفراد الأمن استقام في وقفته لا إراديًا.


كان يبدو علي هيبته  كمن لا يبحث…بل يعرف إلي أين يذهب .


أما ميلا، فكانت أمام واجهة أحد المحال، تمسك فستانًا بلون هادئ، تبتسم بخفة وهي تتخيل داليدا ترتديه.رفعت رأسها مصادفة…

فتجمّدت ولكن المفارقه أن قلبها هو من رآه أولًا، قبل عينيها.


بينما هو لم يقترب فورًا ولم ينادي  اسمها.

وقف على بعد خطوات، ينظر إليها بنظرةٍ لا تشبه غضبه المعتاد كانت نظرة صامتة…وثقيلة…وكأنها تسألها لماذا فعلت ذلك وليس كيف فعلتي ذلك ؟


وهنا جاء رد الفعل غير المتوقع.منها فبدل أن تسحب نفسها،

وبدل أن تتوتر أو تهرب وضعت الفستان مكانه بهدوء، أغلقت الحقيبة التي بيدها، واستدارت ناحيته بثبات.


اقتربت هي ووقفت أمامه و رفعت ذقنها قليلًا، وصوتها خرج هادئًا على عكس العاصفة بينهما.


ميلا :متقلقش… مش ههرب يا يمان بيه .


ارتبك لثانية.. كانت ثانية واحدة فقط… لكنها كانت كافية ليشعر أن الأرض ليست تحت قدميه كما اعتاد.


خفض صوته، وهو يميل قليلًا ليكون قريبًا منها دون أن يلمسها


يمان : إنتي فاكرة إنك هتفلتي بعملتك دي ؟


نظرت في عينيه مباشرة، بلا خوف


ميلا : عمله إيه دي؟  أنا واحده  خارجة تشتري هدوم علي بعد شارعين تلاته من بيتي … مش أسيرة في سجن بتستأذن علشان تخرج حسن سير وسلوك.


ساد صمت قصير....كان قصير… لكنه مشحون.


ثم حدث ما لم يتوقعه أحد.


ابتسم يمان ابتسامة صغيرة، جانبية، لا تحمل سخرية… بل دهشة حقيقية...كأنها فاجأته بقوتها أكثر مما فاجأته بعصيانها.


يمان : واضح إن اللي حصل بينا إمبارح غيرك . وهيخليكي تتمردي علي حياتك معايا .


قالها بهدوءٍ مخيف ليستفزها 


ردّت بنفس الهدوء والثقه 


ميلا : لا… خالص هو بس فوقني .وعرفني قيمتي عندك إيه .


في تلك اللحظة...أدرك يمان أن دخوله المهيب للمول لم يكن هو المشهد الأقوى في هذه المقابله …بل وقوفها أمامه بكبرياء  دون خوف هو الاقوي .



أمسك يمان يدها بعفويةٍ حتي ينصرفا و كأن القرار محسوم، وكأنها ستتبعه دون نقاش.


لكن ميلا توقفت فجأة، شدّت يدها منه برفقٍ حازم، ونظرت إليه بنظرةٍ لا تقبل المساومة.


ميلا : انا لسه ما خلصتش  أنا جاية هنا أشتري فساتين وحاجات ، ومش همشي غير لما هاشتريهم.


انعقد حاجباه  وصوته خرج منخفضًا لكنه مشدود


يمان : يعني إيه؟


ميلا : يعني هخلّص اللي أنا عايزاه الأول.ومش همشي غير لما أخلص اللي أنا جايه علشانه. 


لثوانٍ، بدا كأنه سيعترض…ثم زفر ببطء، وترك يدها، وقال بنبرة لا تخلو من التحدي


يمان :اتفضلي...اتزفتي بس بسرعه .


نظرت له ميلا بطرف عينيها وأردفت 


ميلا : طالما مستعجل إمشي وماتسربعنيش لاني مش مستعجله زيك ...وسيبلي الجارد وخلاص .


نظر لها بغضب وهو يخلع نظارته وقال ببرود علي وشك الانفجار 


يمان : ثواني لو ممشيتيش أدامي دلوقتي وخلصتيني أعملي حسابك مافيش لا شوبنج ولا مرواح الحاره الزفت دي تاني .


زفرت بغضب وهي تدبدب بقدميها في الأرض كالطفل الغاضب.


 تجاهلت وجوده وأخذت  تنتقل من محلٍ إلى آخر وتختار وتقارن و تسأل، وتقيس…وكأن يمان غير موجود.لم تنظر إليه ولم تطلب رأيه.


كانت تتحرك بثقةٍ جديدة، بثباتٍ أدهشه وأغاظه في آنٍ واحد.

أما هو، فكان يسير خلفها بصمت ...عيناه لا تفارقها غيرته تشتعل كلما لاحظ نظرة إعجابٍ عابرة من أحد البائعين،وفخره يتسلل له  رغماً عنه…كلما اوقفت نظراتهم وإقتربت منه تحدثه بأي هراء  وكأنها تبعد النظرات عنها و تخبر الجميع أنها ملكه وحده حتي ولو كانت ترفضه .


عندما انتهت، حملت الأكياس وتوجهت إلى صندوق الدفع.

أخرجت محفظتها، وقدمت البطاقة بثبات.

في اللحظة نفسها، امتدت يد يمان بالبطاقة السوداء.


يمان : بتعملي إيه ؟


لم تلتفت إليه، وقالت بهدوء قاطع


ميلا : إنت شايف ايه ؟


وأخرجت بطاقة أخرى، رفعتها أمامه بوضوح.


ميلا : هدفع هكون يعني هعمل ايه ؟


لم يفهم في البداية.

ثم فهم… عندما قرأ إسم آدم علي البطاقه 


وفهمها بطريقته الخاصة وفي حركة مفاجئة، خطف البطاقة من يدها…وألقاها أرضًا.صوت سقوطها كان أعلى من اللازم.

مال نحوها وصوته خرج خفيضًا لكنه حاد كالنصل


يمان : إنتي مسؤولة مني… طالما مراتي وعلي إسمي ..أنا ماحدش يصرف علي مراتي غيري .


رفعت عينيها إليه ببطء، وفيهما خليط من الغضب والكرامة المجروحة.


انحنت، التقطت البطاقة من الأرض، نظفتها بيدٍ ثابتة، وقالت دون أن تنظر إليه


ميلا : للأسف إنت فاهم المسؤولية غلط مش كل حاجه بتتشري بالفلوس.


ساد صمت ثقيل بينهما...ولكنه قد وصل لذروته في الغضب 


العاملون حولهم تظاهروا بالانشغال، لكن التوتر كان محسوسًا.

ثم…مدّ يمان يده، سحب الأكياس، ودفع الحساب دون كلمة أخرى.وعندما انتهى، التفت إليها وقال بهدوءٍ غريب


يمان : أنا اقدر أشتري كل حاجه  بالفلوس ...والفلوس اللي أنا دفعتها دي كانت مقابل الليله بتاعه إمبارح أتمني تكون كافيه .

توقف لحظة، ثم أكمل ....أصلي مش بحب أكون مديون لحد وخصوصا لو الموضوع عجبني وعاوز أكررة .


لم تجبه.لكن قلبها…كان أول من سمع هذا التقليل والإذلال والسخط ، وأول من ارتجف له.


يا تري ماهو الرد المناسب الذي يليق بهذا الفهد ؟استيقظت ميلا على صوت الباب يُغلق خلف يمان بقسوةٍ لم تحتمل التأويل....فقفزت من فراشها والتقطت ثوبها على عجل وارتدته بيدٍ مرتجفة، ثم خرجت تبحث عنه في أرجاء الغرفةو الممر تم  الدرج …ولكن كان لا أحد.


اندفعت نحو الشرفة...رأته في الأسفل...واقفًا بين رجاله بعدما أستدعاهم علي عجل كان  صوته حاد و أوامره تُلقى بلا تردد...ثم إستقل سيارته و أدار المحرك، وانطلق.


لا وداع ولا حتي إلتفاتة صغيره ..ولا حتى نظرة تجعلها تغفر له فعلته وتركه لها بهذه الطريقه  …رغم أنها تعلم جيدا أنه  رآها واقفة في الشرفه هناك.


شعرت بالصفعة متأخرة وكانت صفعه  موجعة، داخل صدرها لا على خدّها.


أغمضت عينيها بقوة و كأنها تعاقب نفسها، وهمست بغضبٍ مخنوق

ميلا : غبية...غبيه يا ميلا … ضعيفة وهتفضلي طول عمرك ضعيفه ..كلمه منه تجيبني وكلمه تانيه توديني...واحد زيه وراني الويل وذلتي أدام أهلي وأدام نفسي ودبحني يوم جوازي منه  ..…أنا  إزاي كنت سهله كده واستسلمتله بالسهوله دي ؟  أكيد أخد اللي عاوزة مني ومشي بعد أثبت لنفسه اني واحده رخيصه من بتوعه....زي زي ليل بالظبط ما فارقتش عنها حاجه .


عادت للداخل بخطوات بطيئة وكل خطوة أثقل من سابقتها.

كل الكلمات التي قالها لها و القسوة وكل الإهانات و التهديد…كلها مرت أمام عينيها كصورٍ مشوّهة،ثم صورة واحدة فقط ظلت عالقة في ذهنها هي… حين لان قلبها وإستسلمت له رغم كل ذلك .


جلست في زاوية الغرفة،ضمت ركبتيها إلى صدرها،وانهارت.


كان بكاء صامت في البداية ثم تحول الي شهقات لم تستطع كتمها.


كانت تلوم نفسها أكثر مما تلومه...تلوم قلبها الذي يخون عقلها في كل مرة، وضعفها الذي يتسلل الي جسدها  كلما اقترب منها.


جلست في  تلك الزاوية المظلمه ..لم تكن زوجة يمان الفهد ...ولا ابنه سعد العماري ..ولا ابنه أخت آدم الشمري بل كانت  سيدة هشه وامرأة ضعيفه خانها قلبها ووقعت بعشق من لم يكن عليها الاقتراب منه ....كانت فقط الفتاه الضعيفه  ميلا…


فتاه  أُنهكت...واكتشفت صباحًا...أن الدفء الذي حسبته أمانًا

كان مجرّد عاصفة أخرى مرّت فوق قلبها...وقلبت حياتها مرة أخري رأسا علي عقب .


لم يكن حال يمان أفضل منها…

بل ربما كان أشدّ اضطرابًا، وأكثر قسوة على نفسه حيث قاد سيارته كأن الطريق عدوٌّ يجب أن يُهزم، قبضته مشدودة على المقود، وعيناه زائغتان لا تريان إلا شبحها...صورة ميلا لم تفارقه منذ أغلق الباب خلفه، لا بثوبها، ولا بنظرتها، بل بتلك اللحظة التي استسلمت له  فيها وسلمته قلبها وعقلها بل كل ما كان يقاومه.


كان الغضب ينهشه…

غضب من ندالته معها منذ أن عرفها ...ومن نفسه التي تعشقها ، ومن ضعفه تجاهها كلما إقترب منها ...والذي بدأ يكرهه أكثر من أي شيء آخر ...أغمض عينيه بقوه وهو يشد يده عليه المقود .


يمان : يا تري أخرتي معاكي ايه يا بت العماريه  ؟


كان هذا السؤال الذي  تردّد في رأسه بلا إجابة، يطارده مع كل إشارة مرور...وكل منعطف...فعصبيته كانت حاضرة في كل تفصيلة....ضغط على الفرامل بلا داعٍ....وهو يسبّ الطريق، وسبّ الرجال، وسبّ العالم كله… ثم صمت فجأة.

وحل صمتٌ ثقيل، أخطر من الصراخ...فالمستقبل كان يقف أمامه كحائطٍ أسود....وتهديدٌ لم يُحسم...سرٌّ قد ينفجر في أي لحظة...وعدوٌّ لا ينام....وامرأة يعشقها ومضطر للتخلي عنها لسلامتها …وطفل قد يكون يكرهه احيانا ولكنه يحسب من نقاط ضعفه.


كان يعلم أنه يسير على حبلٍ مشدود،خطوة للأمام قد تنقذه،

وخطوة خاطئة قد تُسقط كل شيء ...اسمه، سلطته، ابنه، وميلا.


أدرك فجأة أنه لا يخاف الفضيحة،ولا الحرب،ولا حتى الخسارة.


كان يخاف شيئًا واحدًا فقط…أن يأتي يومٌ لا يجد فيه ميلا حيث اعتاد أن تكون مؤخرا ، ويزيد الذي يهتم لامره مهما فعل واظهر غير ذلك  وأن يكون هو السبب في إختفائهم من حياته يوما  .


ضغط على أسنانه بقسوة ...ثم أخرج هاتفه فجأة وكأنه اتخذ قرارًا حاسمًا.لم يتصل بأي شخص عادي بل ضغط رقمًا محفوظًا باسمٍ واحد فقط، اسم يعرف أن صاحبه لا يُسأل، بل يُطاع وهو أحد رجال الدوله المسؤلين .


جاءه الصوت من الطرف الآخر واثقًا متحكمًا


باسل : أيوه يا يمان باشا … عاش من سمع صوتك يا راجل..وألف ألف مبروك علي الجواز مع انها جات متأخرة أنا عارف  ؟


أجاب يمان بلهجة مرحه بشئ من الصرامة لا تحتمل المجاملة


يمان : ماستغناش عن خدماتك يا سياده اللوا  ...إحنا تحت النظر ..بس حضرتك عارف الأشغال....والموضوع جه بسرعه وانت عارف الصعيد وتقاليده وعاداته. 


باسل : كان الله في العون يا باشا ..أؤمرني.


تنهد يمان وهو يقود ثم أخذ  يركن السياره بجوار الرصيف 


يمان :هبعتلك رقم عاوز أجيب أراره ..بس في منتهي السرعه والسريه .


قال اللواء  بنبرة تحذير خفيفة


باسل : واضح إن الموضوع كبير علشان يمان باشا هو اللي يكلمني بنفسه فلو فيه حاجه أنا وراك ورقبتي سداده ياباشا .


تنهد يمان بحده واردف 


رد يمان : هو أكبر مما تتخيل يا سياده اللوا ...وابني  واقع في النص. وإنت عارف الباقي  بقى


صمتٌ قصير ثم تنفس اللواء باسل بعمق 


باسل : خليك هادي يا باشا و إبعتلي الرقم  وإديني بس دقايق  يكون عندك كل المعلومات عنه .. اسمه ومكانه و هو تابع لمين…ومين اصلا ابن  الكل....اللي بايع نفسه وعاوز يلعب من يمان باشا الفهد .


ضحك يمان ضحكة قصيرة بلا أي مرح


يمان : عشمي فيك في محله يا سياده اللوا .


أغلق يمان الهاتف وأرسل  الرقم في رسالة ثم ضيق عينيه وهو يحدق بالطريق أمامه دون أن يراها وعندما شعر أن هذه الدقائق صارت دهرا خرج من  السيارة ووقف يستند  عليها  جانب الطريق وأنتظر .


بعد ساعه 


تسلّل صوت إلى أذن ميلا أولًا كهمهمات غاضبة، ثم ما لبث أن تحوّل إلى سبابٍ فظٍّ يمزّق سكون الصباح.

قفز قلبها في صدرها، واتجهت بخطواتٍ مترددة نحو الباب، حتى تبيّن لها الصوت بوضوح…كان صوت والده  داليدا.


صباح  : إنتي كنتي فين يا قليلة الأدب؟ كنتي بايته  برّه فين ياللي متربتيش ؟ ومع مين؟


تصلّب جسد ميلا، وقبل أن تستوعب ما يحدث، اخترق الصمت صوت صفعة، ثم صرخة داليدا المكتومة....


فتحت ميلا الباب بعجلة علي أثرهم ، لتصطدم بالمشهد كطعنةٍ في صدرها.


داليدا كانت واقفة في منتصف الردهة، شعرها مبعثر، عيناها محمرتان، وذراع أمها مشدودة بقسوة حول معصمها، بينما تنهال عليها ضربًا وشتائم لا ترحم.


صباح : بقيتي شمال؟ ومابقيتش عارفه أحكمك...وخلاص عيارك فلت ومابقاش همك حد يابنت صباح ... وخلاص  فضحتيني  قدّام اللي يسوي واللي مايسواش وخليتي  سيرتك علي كل لسان ...رجعالي الصبح وسيباني نايمه علي وداني طول الليل أتاريكي بايته بره .


اندفعت ميلا دون تفكير تجاههم .


ميلا : في ايه يا طنط مش كده! حرام عليكم! بتعملي فيها كده ليه .


التفتت الأم إليها، لا ترحيب ولا سلام … بل شرٌّ أعمى...فزادت قبضتها على داليدا، وصرخت.


صباح :  إدخلي بيتك الله لا يسيئك يابت إيف وخليني أربي بنتي ..إنتي خلاص إتجوزتي وبقيتي في عصمه راجل ...خليني أربي الصايعه دي لحسن عيارها فلت خلاص وما بقتش عارفه ألمها .جايالي دلوقت من ساعه ما كانت عندك إمبارح ...أسأليها كانت فين بنت الكل....دي 


صفعة أخرى، وصوت بكاءٍ اختنق في صدر داليدا.


هنا لم تحتمل ميلا.


تقدّمت خطوة، ثابتة رغم ارتجافها، وقالت بصوتٍ واضحٍ حاسم.


ميلا : يا طنط داليدا كانت معايا وبايته عندي … أنا جيت إمبارح متأخر ولما رنيت عليها نزلتلي والكلام أخدنا وباتت عندي في الشقة زي أيام ماما  الله يرحمها .

.

ساد صمتٌ مفاجئ، كأن الهواء انقطع فتجمّدت الأيدي، وتعلّقت العيون بميلا...تابعت، ونبرتها أقوى وأكثر ثقه .


ميلا : صدقيني كانت نايمة معايا تحت ...مش برّه...ولا مع حد...ولا زي ما بتقولي ....فلو عايزه تحاسبيها ، حاسبيني معاها أنا كمان.. أنا أدامك  أهو .


وقفت ميلا أمام داليدا بحمايه ...بينما حدّقت الأم فيهما  بريبة، خاصه مع صمت و شحوب وجه إبنتها  سليطه اللسان علي غير المعتاد ...الي أن  انفجرت بميلا


صباح :  أنا متأكده انك بتكدبي عشان تحميها؟ أعمل فيكم إيه  طول عمركم أخوات وبتداروا علي بعض...ومابقدرش أمسك عليكوا حاجه .


اقتربت ميلا من داليدا، سحبتها من بين يديها ووضعت ذراعها حول كتفيها كدرع حامي .


ميلا : وهو أنا هكدب ليه بس يا  طنط..هو احنا لينا حد علشان نروح ولا  نيجي عليه ما ديكي شيفانا زي بعض مقطوعين من شجرة ...وأهلي في الصعيد وخالي مقطعيني بسبب موضوع الطار ده .


اندفعت صباح إلى داليدا مرة أخري  كعاصفةٍ سوداء، عيناها تقدحان شررًا، وصوتها يسبق خطاها.


وقفت داليدا قبالتها، كتفاها متهدلان، وقلبها يخفق كطائرٍ محبوس فقالت صباح بحدّةٍ قاطعة


صباح : اسمعي بقى ، انا صبرت عليكي كتير ..بس لهنا وخلاص فاض بيا ...هتوافقي علي  العريس اللي جاي النهارده آهو مهندس كبير زيك  ولقطة... وكان بيدور علي عروسه قبل مايسافر ...وآهو هيتجوزِك وتسافري معاه الخليج، وتستقري هناك… وتغوري من هنا خالص وتريحيني من همك .


رفعت داليدا رأسها بصعوبة، وصوتها خرج مكسورًا لكنه ثابت


داليدا : مش موافقة يا ماما…إرحميني أبوس إيدك .. أنا تعبانة، ومش قادرة أتكلم ...مش هتبقي إنتي والزمن عليا .


ضحكت صباح ضحكةً جافة، ثم اقتربت خطوة، وصفعتها بالكلمات قبل اليد


صباح : تعبانة؟ تعبانه من ايه ياروح أمك ...إنتي خلاص كبرتي ...ولو قطر الجواز فاتك  هتقعدي بايرة  جنبي العمر كله ...فمتتبتريش يابنت بطني علشان قطر الجواز ما يفرمكيش وتبوري وتقعدي في أرابيزي ...خلاصه القول أنا خلاص قررت ورديت عليهم وبلغتهم انك موافقه علي الجواز دي 


مسحت داليدا علي وجهها وهي تصرخ بوجه أمها 


داليدا : قلتلك مش موافقه هو ايه بالعافيه يا ماما .


حاولت داليدا التراجع، لكن اليد كانت أسرع...وصفعةٌ حادة أخري  دوّت في المكان، فاختنق الهواء في حنجرتها حيث صرخت داليدا، لا من الألم، بل من الانكسار....


اقتربت صباح أكثر، قبضت على ذراعها بقسوة، وعيناها تلمعان بعنادٍ أعمى


صباح :وهيبقي غصب عنك بعد كده مش بمزاجك ... مش هفضل  أستنى مزاجك العمر كله وأنا شيفاكي ورده بتدبل أدام عنيا ...فالنهارده هتوافقي يعني هتوافقي ... برضاكي أو غصب عنك ....أنا خلاص مش هعيشلك العمر كله ..وعاوزة أسلمك لراجل يقدرك ويصونك وأطمن عليكي معاه وأشيل احفادي وافرح بيهم .


انسحبت الكلمات من فم داليدا، وبقيت فقط  الدموع عالقه بأهدابها .


عندما زاد الهرج وعلا ... والجيران بدؤوا يفتحون الأبواب والنوافذ والفضيحة تكاد تكبر ككرة نار.


لم تنتظر صباح  هذا ليحدث فجذبتهم الاثنان من أوصالهم  وأدخلتهم للداخل ومالت علي ميلا تقبلها وسألت 


صباح : تعالي يا ميلا قوليلي ...مالك يا حبيبتي  وشك تعبان كده ليه انتي كمان...  وباين عليكي انك معيطه ....وايه اللي جابك  وانتي لسه عروسه ما كملتش كام شهر ...لحقتي تتخانقي مع جوزك ولا إيه ؟


تنهدت ميلا وأخذت داليدا الصامته الباكيه  معها بخطواتها سريعة الي غرفتها .


ميلا : مافيش حاجه  يا طنط اطمني بس جيت أطمن علي الشقه وأنضفها وأبص عليكم ..بس إفتكرت ماما الله يرحمها فعيني دمعت ... وبعدين مانتي عارفه ظروف جوازي ...بلا عروسه بلا زفت .


ربتت علي كتفيها ثم امآت لها وذهبت ناحيه المطبخ .


صباح :  فيكي الخير  يا حبيبتي وتعيشي وتفتكري ... طب ادخلوا عقلي صاحبتك وإنصحيها  وخليها تفرح قلبي ...علي ما احضرلكم الفطار...تنهدت ميلا  بلا فائده ثم  أغلقت الباب خلفها  بقوة، كأنها تفصل بين عالمين ،وذهبت في الداخل حيث انهارت داليدا.


حيث بكت كما لم تبكِ من قبل، بينما احتضنتها ميلا بقوة تبكي هي الاخري ، هامسة في أذنها.


ميلا : إهدي يا داليدا وقوليلي كنتي فين ...وايه اللي حصل ومرجعك الصبح كده ..ومالك متخشبه ومش طالع لك صوت ليه علي غير عادتك  ؟ إيه اللي حصل يا حبيبتي ؟


جلست داليدا على طرف فراشها ..كتفاها منكمشان، يداها ترتجفان وهي تمسح بقايا دموعٍ لم تجف بعد.


كانت ميلا أمامها تحاول أن تواسيها وتجرها للحديث وهي تمسح دموعها وتنظر إليها بعينين ممتلئتين قلقًا وصبرًا.


تنفّست داليدا بعمق، وكأنها تجمع شتات روحها، ثم قالت بصوتٍ مبحوح


داليدا : من ساعة ما خرجت من عندِك إمبارح …وأنا  حياتي اتقلبت جحيم...يا ميلا ....وأمي جات كملت عليا باللي قالته ...أنا في مصيبه ومش عارفه أخرج منها إزاي .


رفعت ميلا رأسها ببطء مستفهمه .


ميلا : اهدي يا حبيبتي وإحكيلي جري ايه … ومصيبه ايه دي أنا سامعاكي .


ابتلعت داليدا ريقها، وعيناها تهربان إلى الفراغ


داليدا :أصل ...أصل  أنا و خالك إتجوزنا  !!!


صفعت ميلا صدرها ووجنتيها بخضه 


ميلا : يا نهارك  أسود يا داليدا هو مش كاتب كتابه علي الحربايه بنت الفهد وهيتجوزها يوم الخميس الجي..ورضيتها علي نفسك تكوني زوجه تانيه ...ملعون أبو الحب اللي يذل صاحبه كده ...عقلك كان فين ..ده صباح هتخلي سنتك وسنتي أسود من بعض .


نظرت لها داليدا لها بغضب لتفكير صديقتها .


داليدا : إنتي بتقولي إيه يا ميلا هو انتي مش عارفاني..أنا لا يمكن أقبل وضع ذي ده أبدا بس إنتي عارفه  خالك الجاااحد ....كل اللي تم ما كانش  بمزاجي ... ده خالك الزفت ده   أخدني من أدام بيتك ...وفضل يضغط عليّ، ويهددني، ويقول يا أتجوزه يا يضيعني...كنت فاكرة إنه  بيهدد عادي ... بس لما رفضت اني أكون  زوجة تانية…وأتجوزه 


ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة


داليدا : طلع كل الشر اللي جواه من ناحيتي  ...


اقتربت ميلا أكثر، قلبها يخفق


ميلا : يعني إيه؟عملك ايه ..تقصدي ايه بالكلام ده ؟ أوعي يكون قربلك غصب عنك .


أكملت داليدا، وصوتها ينكسر


داليدا : لا ما عملش كده ...بس جرجرني  علي القسم زي الحراميه  ..ولفقلي تهمه كانت هتخليني أقضي اللي باقي من عمري كله  في السجن .


شهقت ميلا وعينيها كادتا أن تخرجا من مكانهما. 


ميلا : يا نهار أبوك أسود يا خالي ...هو مش خالي بس طول عمره  واطي معاكي الصراحه  ....يعني اتجوزِك في القسم .


هزّت داليدا رأسها ببطء وهي تمسح دموعها بغضب 


داليدا : كتب عليا غصب عني كان محاصَرني أوي  ...وهددني بمستقبلي ..اول مره أحس اني مكسوره  أوي كده يا ميلا ...وإني تحت ضرس حد ...  ده من جبروته خلي ضابط القسم  شاهد علي جوازنا ...شوفتي جبروت كده في الدنيا 


سكتت لحظة، ثم نظرت لميلا نظرةً موجعة.


داليدا : بس أنا كنت لسه متعلقة بأمل صغير وقلت ان فيه حب في قلبه ليا طالما متمسك بيا كده … و باقي عليا ..كنت فاكرة إن كده  خلاص… كل حاجه  انتهت  وبقينا لبعض .


اقتربت ميلا، أمسكت بيدها

ميلا : أمال حصل إيه تاني ؟


أغلقت داليدا عينيها بقهر.


داليدا : بعد ما خرجنا من القسم …وقف بالعربية قدّام الفيلا  بتاعه جوزك ....افتكرت إنه رايحلك علشان نبلغك بجوازنا ....بس اداني مفتاح الفيلا الصغيره اللي جنبكم …وقالّي أنه إشترهالي وكتبها بإسمي وهي مفروشه وجاهزة للسكن…


وأغمضت عينيها وهي تعض علي أصابعها بغضب 


داليدا : قالها وهو مبتسم...وكأنه بيديني ثمن  اللي هيعمله فيا علشان أسكت وأرضي .


ارتجفت شفتاها ثم نزلت دموعها حسره علي حديث آدم معها  


سألت ميلا بحذر


ميلا : وبعدين…؟


فتحت داليدا عينيها، والدموع تتساقط بلا مقاومة


داليدا : عاوز يجي يطلبني النهارده من صباح   …و الخميس الجاي هيتجوز ني أنا والحربايه  بنت عم جوزك مع بعض  في يوم واحد علشان ينتقم من يمان علي اللي عمله فيكي... ويقهر قلبي في أحلي ليله في حياتي ...عاوزني أكون أداه في إنتقامه ليكي .


اتسعت عينا ميلا


ميلا : يا نهاره أسود....إنتي بتقولي  إيه ....وأمك هتوافق علي الكلام ده  ..ولو وافقت فكرك يمان ولا عيله الفهد هيسكتوله ...دي هتبقي جنازه مش جوازه .


أومأت داليدا بغضب  واردفت بخوف


داليدا : ماهو ده اللي أنا قلتهوله ...فرد عليا بمنتهى البرود…

إن ده مش شغلي...وانه مبيعملش حاجه حرام وإن ده حقه انه يتجوز البنت اللي بيحبها ، وإن عليهم هما  يتقبلوا  الأمر الواقع اللي إتحطينا فيه .


انهارت هي  وانحنت للأمام وهي تخفي وجهها بين كفيها .


داليدا : أنا مش عارفه  أعمل إيه ...أنا اتدفنت بالحيا وأنا عايشة يا ميلا…لا عرفت أهرب…ولا عرفت أقاوم…

ولا حتى أصرخ وأطالب بحقي وأقول لا ...مادنيش فرصه أتوجع حتي.


ضمّتها ميلا بقوة، دموعها تنساب دموعها  هي الأخرى


ميلا : إحنا اتظلمنا أوي في الحكايه دي يا داليدا 


تمسكت داليدا بها كالغريق


داليدا : أنا خايفه قوي ...أول مره أخاف منه كده …وأخاف من اللي جاي…ومن رد فعل  صباح ومن نفسي.


همست ميلا بثباتٍ يولد من الألم.


ميلا : إهدي يا حبيبتي ..أنا معاكي ..ومهما حصل… مش هسيبك  لوحدك...المشكله دلوقتي في الناس اللي أمك عزمتهم دول ..وخالي اللي عازم نفسه وكأن البيت بيته  علشان يطلبك من صباح هنعمل فيه ايه  .


وبين ذراعيها إرتمت وبكت داليدا بحرقة وبينما كان القدر، في مكانٍ آخر، ينسج خيوط مواجهةٍ أقسى…وأيامٍ قادمة لا تعرف الرحمة....أمسكت ميلا  بيد داليدا  بقوة، وكأنها تخشى أن تتركها للحظة فتنهار من جديد، وقالت بصوتٍ مبحوح لكنه حاسم


ميلا : تعالي… ننزل شقتي تحت ما ينفعش تفضلي هنا علشان صباح لو جات لقتنا متشحتفين كده هتصبح علينا بالشبشب وهي مش ناقصه كفايه اللي إحنا فيه .


لم تنتظر ردًا وجذبتها برفق من مرفقها بعجلة وخرجتا من الشقة قبل أن يعلو صوت صباح مرة أخرى.


صباح : الفطار يا حبايبي 


ميلا : إحنا هننزل ننام يا صبوحه ما نمناش من إمبارح إفطري إنتي وإحنا لما نصحي هنيجي نفطر .


كان قلب داليدا يخفق بعنف ليس خوفًا على نفسها فقط بل خوفًا من أن ترى أمّها ضعفها… أن تراه مكشوفًا، عاريًا، بلا أقنعة ...نزلتا السلم سريعًا ...وصدى شتائم صباح ما زال عالقًا في الجدران ...يلسع الروح قبل الأذن.


فتحت ميلا  باب شقتها، وأدخلت داليدا  أولًا، ثم أغلقت الباب خلفهما بإحكام، وأدارت المفتاح مرتين، وكأنها تحاول أن تغلق العالم كله بالخارج.


أسندت ظهرها إلى الباب وأغمضت عينيها  وزفيرٌ مرتجف خرج من صدرها


داليدا : مش عارفه هقولها ايه ..ولا هقولها إزاي ...دي ممكن تروح فيها .


اقتربت ميلا منها، وضعت كفها على كتفها بحنان


ميلا : ما إحنا مش هنقولها ...يا ذكيه احنا هنقول ان آدم جي يخطبك بس وكلميه قوليله ما يجبش سيره كتب الكتاب ده دلوقتي .


ابتسمت داليدا ابتسامة باهتة، وجلست على الأريكة


صباح عمرها ما كانت حنينة معايا وربتني كأني ولد مش بنت يا داليدا ...وهتدوس عليا المرة دي علشان تجبرني أتجوز وتفرح بيا …بس المرة دي غير كل المرات يا ميلا دي خلاص قررت وبتنفذ .


ساد الصمت لحظات، صمتٌ ثقيل لكنه أقل قسوة من الضجيج في الخارج....


فشقة ميلا  الصغيرة بدت كملاذٍ مؤقت، جدرانها تشهد على وجعٍ لم يُحك، وعلى صداقة تحاول أن تصمد وسط العاصفة.


وفي تلك اللحظة، لم تكن الشقة مجرد مكان…

بل كانت حصنًا صغيرًا يحمي قلبين متعبين من عالمٍ لا يرحم الضعف.


ميلا : اهدي بس يا حبيبتي وتعالي ناميلك شويه في أوضه ماما .


كادت  ميلا أن تُفتح  باب غرفه والدتها  بهدوءٍ نسبي، بينما داليدا ما تزال تمسح بقايا دموعها، تتنفس باضطرابٍ واضح. تبادلت الاثنتان نظرةً سريعة، ثم انفجرت داليدا تهمس بغضبٍ مكتوم


داليدا :ومين هيجيلوا نوم في اليوم الاسود ده بس يا ميلا .


وقبل أن تُكمل، انفتح باب غرفة إيف فجأة.

خرج آدم بنصف جسده، شعره مبعثر، وعيناه نصف مغمضتين، وصوته أجش كمن اقتُلع من النوم عنوة.


آدم : ممكن توطّوا صوتكم شوية؟ الواحد مش عارف ينام!


تجمّدت ميلا في مكانها، واتسعت عيناها بذهول، بينما شهقت داليدا شهقةً مكتومة، وحدقت فيه وكأنها ترى شبحًا.


ميلا : خالو ... قالتها ميلا بعدم تصديق...وهي تنظر لمفتاح الباب .


داليدا : آدم ..إنت بتعمل إيه هنا؟ خرج السؤال من داليدا حادًا، مرتعشًا.

مرّر آدم يده على وجهه بتثاقل، ثم أسند كتفه إلى إطار الباب وقال ببرودٍ مصطنع


آدم : نايم… في أوضة أختي ذي مانتوا شايفين . واضح إن المفاجأة كبيرة قوي عليكم...ومش قادرين تستوعبوها .


اقتربت ميلا خطوة، خفّضت صوتها دون وعي.


ميلا : بس… أنت دخلت هنا إزاي ده أنا لسه مغيره الكالون ؟


قاطعها بنبرةٍ حادة، وفيها شيءٌ من الغضب المكبوت


آدم : زي ما جوزك دخل بالظبط ياختي .


ساد الصمت فجأة حين سألت داليدا 


داليدا:  هو يمان كان هنا هو كمان ؟


تبادلت ميلا وداليدا نظرةً سريعة، وفي عيون كلتيهما سؤالٌ واحد نطقاه بنفس واحد .


_انت عرفت كل ده إزاي ؟


ابتسم آدم ابتسامةً جانبية، لا تصل إلى عينيه، وأضاف بصوتٍ منخفض لكنه قاطع


آدم : إنتوا الاتنين تحت عنيا انفاسكم بتتعد وتتحسب وتوصلني....

ارتجفت داليدا، وشحب وجهها، بينما شعرت ميلا بانقباضٍ حاد في صدرها.

لم تكن الصدمة في وجوده فقط…بل في كونه كان شاهدًا صامتًا على كل ما حدث منذ قليل من والده داليدا  .


اقترب آدم بخطواتٍ بطيئة، عيناه مثبتتان على وجنة داليدا.

فالاحمرار الواضح، وآثار الأصابع التي لم تُخفِها الإضاءة الخافتة، أشعلت شيئًا مظلمًا في صدره.


مدّ يده دون أن يستأذن، وأمسك ذقنها برفقٍ يناقض العاصفة التي تعصف داخله، أدار وجهها قليلًا ليرى العلامات بوضوح.

تصلّبت أصابعه، وانقبضت قبضته الأخرى بقوة حتى ابيضّت مفاصلها.


قال بصوتٍ منخفض لكنه خطير


آدم :مين عمل فيكي كده؟


حاولت داليدا أن تُبعد وجهها، لكن صوته شلّها للحظة.

ترددت، ثم قالت ببرودٍ مصطنع


داليدا : مش مهم مين ...المهم انه اتعمل بسببك .


رفع نظره إليها بحدة


آدم : قلت مين؟


تدخلت ميلا بصوتٍ متوتر

ميلا : دي أمها يا خالو … طنط صباح ..أصلها كانت قلقانه عليها أوي .


في اللحظة نفسها، تغيّر وجه آدم.

فقد هدوءه تمامًا، شدّ على قبضته أكثر، وكأن اسمها وحده كافٍ ليوقظ فيه رغبة عمياء في التدمير.


اقترب خطوة، ومدّ يده مرة أخرى، هذه المرة لم يمسكها… بل مسّد وجنتها بأطراف أصابعه بحنانٍ صادم، حنان لا يليق برجلٍ اعتاد القسوة.


قالها بصوتٍ خفيض، دافئ، خطير.


آدم : أكيد علشان ما رجعتيش البيت إمبارح ؟


لكن داليدا انتفضت فجأة، دفعت يده بعيدًا عنها بقوة، وكأن لمسته أحرقتها....عيناها اشتعلتا غضبًا وكرامة مجروحة.


داليدا : إبعد ...إياك تلمسني تاني إنت فاهم ؟إنت ملكش أي حق علشان تلمسني كده .


تراجع آدم خطوة، ليس خوفًا… بل صدمة....وحدّق فيها طويلاً، كأن كلماتها أصابته في موضعٍ لم يتوقعه.


تقدمت ميلا بخطوة، محاولة كسر التوتر


ميلا : خالو... صباح ناوية تعمل قرايه فاتحه  داليدا النهارده… على واحد من الجيران وهتجوزها في أسرع وقت علشان الراجل مسافر .


رفع آدم حاجبه ببطء، وكأن الخبر لا يعنيه على الإطلاق.

ابتسم ابتسامة باردة، خالية من أي انفعال.


آدم : خطوبة ايه دي وهي مراتي ؟


ثم نظر إلى داليدا  نظرة عابرة وهو يفتح لها باب غرفه إيف ، وقال بلا مبالاة قاتلة


آدم : إدخلي نامي يا داليدا ..وريحي نفسك وجسمك علشان تفوقي ....حماتك جايه بالليل وماحبش أنها تشوفك مرهقه كده ..


واقترب خطوة للأمام، صوته صار أوضح وأقسى وكثر حسمًا


آدم : علشان الخطوبة اللي هتتم بالليل دي … هي خطوبتي أنا وأنتي .


شهقت داليدا بعنف.


داليدا :يا نهار أسود ...ده لو  أمي  عرفت اللي حصل هتروح فيها يا آدم .


لكن آدم لم ينظر إليها.

كان ثابتًا، كمن اتخذ قرارًا لا رجعة فيه.


آدم:  قلت أدخلي نامي يا داليدا علشان تقومي فايقه .


ساد الصمت كان صمت ثقيل، خانق، وكأن الغرفة بدأت تضيق عليهم جميعًا.


ميلا شعرت بقلبها يهبط في صدرها.

أما داليدا… فكانت تقف بين غضبٍ يكسرها، وخوفٍ تعرفه جيدًا الخوف من رجلٍ إذا قال سأفعل…فهو يفعل.


دخلت داليدا الغرفة بخطواتٍ مترنّحة، كأن جسدها سبق روحها إلى الاستسلام تبعتها ميلا في صمت، أغلقت الباب خلفهما برفق، وفتحت الدولاب الصغير الذي لا يزال يحتفظ بملابس والدتها… تلك الرائحة التي تشبه الأمان ... فناولتها قطعة قطنية ناعمة وقالت بهدوء


ميلا.  خدي يا ديدا غيري…علشان تعرفي تنامي مرتاحه يا حبيبتي  .


لم تجب داليدا وأخذتها  وبدّلت ملابسها بآليةٍ باردة، وما إن لامست  رأسها الوسادة حتى غابت عن الوعي وذهبت الي نوم عميق ، كأن النوم كان ينتظرها خلف الباب منذ ساعات حيث توقفت أنفاسها على إيقاعٍ هادئ، بينما وقفت ميلا تحدق فيها طويلاً… تشفق عليها، وتغضب لها، وتخاف عليها في آنٍ واحد.


خرجت ميلا من الغرفة وأغلقت الباب دون صوت.


بحثت بعينها عليه كان في الشرفة، كان آدم يقف نصف جسده غارقًا في الظل بينما الدخان يتصاعد من بين أصابعه، وعيناه معلّقتان في فراغٍ لا يُرى ...لم يلتفت إليها رغم شعوره بوجودها خلفه ..ولم يقل شيئًا.


اقتربت ميلا خطوة، ثم أخرى، وقالت بصوتٍ منخفض لكنه ثابت


ميلا : علشان خاطري يا خالو لو سمحت… سيب داليدا برّه اللي بينك وبين يمان...هي ملهاش ذنب في اللي حصل .


سحب نفسًا عميقًا من سيجارته، ثم أخرجه ببطء.

وضحك ضحكة قصيرة، بلا مرح، خرجت من صدره.


آدم : وأنتي  كمان ماكانش  ليكي   ذنب.


التفت إليها أخيرًا، عيناه مظلمتان وصوته جامد


آدم : لا هي… ولا إنتي … ولا أبوكي ...ولا أختي الله يرحمها ...ولا حتي يوسف أخوكي اللي أهلك في الصعيد مش عارفين انه عايش ومكتوب علي إسمي  أصلا كان له  ذنب ...بس اللي حصل مش هيتنسي.


قالت برجاءٍ واضح وهي تتشبث بيده 


ميلا : أرجوك يا خالو فكر تاني ..بابا وماما خلاص بقوا عند اللي خالقهم ..ويوسف أخويا في أمان تحت جناحك عايش بأمان في حمايتك  .. بس داليدا ممكن تتكسر…و تتأذي وساعتها هتخسرها للأبد .


هزّ رأسه نافيًا، وكأنه أغلق الباب على أي نقاش


آدم: اللي يتكسر يتصلّح ...بس اللي يتساب… بيضيع يا ميلا لو ولاد الفهد حسوا إنك لوحدك هيفرموكي وأنا مش هسمحلهم بده .


شعرت ميلا بالعجز.. عرفت هذا الوجه، هذا القرار الذي لا يلين.

انسحبت ببطء، بلا كلمة أخرى… بلا فائدة.


دخلت الحمّام، تذكرت ما حدث من يمان أمس فأغلقت الباب، وتركت الماء ينساب فوقها، علّه يغسل ثقل لمساته من فوق جسدها بعد يوم طويل لم يعد يُحتمل..


خرجت ميلا ، بوجهٍ شاحب وشعرٍ مبلل، وجسد واهي اتجهت نحو غرفة داليدا لتطمئن عليها .


فتحت الباب… فتوقفت.


كان آدم  هناك...جالسًا في أحد أركان الغرفة المظلمه ، ظهره إلى الحائط ورأسه مائل قليلًا و عيناه معلّقتان بداليدا النائمة...لم يكن الغضب في ملامحه الآن… بل شيءٌ آخر.... قد يكون عشق ؟....او ندم؟أو قد يكون  خوفٌ لا يريد الاعتراف به؟


تبادلت نظرة صامتة معه...لم يتكلم...ولم تتحرك.


فأغلقت الباب بهدوء، كأنها تحميهما من العالم… ومن نفسيهما.

خرجت إلى الصالة، أطفأت الأنوار واحدة تلو الأخرى، وجلست وحدها وفي صدرها سؤالٌ واحد يطرق بلا رحمة


كم قلبًا يجب أن ينكسر… قبل أن تنتهي هذه الحرب؟


بعد مده ليست بكبيره طرق الحراس الباب طرقًا خفيفًا لكنه  حاسمًا...انتفض له  قلب ميلا قبل أن تتحرك قدماها حيت فتحت الباب بحذر، لتجد اثنين من رجال يمان يقفون باحترامٍ مبالغ فيه .


الحارس : صباح الخير يا هانم  … يمان بيه بيبلغ حضرتك تجهزي وإحنا هنكون في  العربية منتظرين حضرتك علشان ترجعي الفيلا .


حدّقت في وجهيهما كأنها لم تسمع جيدًا...ثم خرج صوتها ثابتًا على غير ما تشعر به


ميلا : بلغوه اني مش هرجع النهارده ..خالي جوه وتيته جميله كمان جايه بعد العصر  وهنقعد مع بعض اليوم كله .


تبادل الرجلان نظرة سريعة، فأعاد أحدهما بنبرة أقل حدّة


الحارس : بس دي أوامر يا هانم … نرجع  حضرتك للبيت النهارده .


ضحكت ضحكة قصيرة، موجوعة، خرجت منها رغمًا عنها.


ميلا : تمام بلغوه إن هرجع بس بالليل متأخر .


اشتدّ ظهرها، ورفعت رأسها بعنادٍ لم تعهده في نفسها من قبل


ميلا : ومالوش لزوم وجودكم بلغوه إن  خالي هيبقي يوصلني .


سحب أحد الحراس هاتفه وهمّ بالاتصال، لكنها سبقتهم وأغلقت الباب بهدوءٍ حاد… ذلك الهدوء الذي يسبق الانفجار.


أسندت ظهرها إلى الخشب، وانزلقت ببطء حتى جلست أرضًا.

أنفاسها تتلاحق و صدرها يعلو ويهبط، وعقلها يصرخ


ميلا :هو فاكر إيه؟فاكر إني شنطة يتبعتلها عربية؟


مرت أمام عينيها صورته وهو يغادر دون وداع، نظرته الجامدة وصمته القاسي…قبضت يدها على قميصها عند صدرها.


بينما في الخارج، كان أحد الحراس يقول في الهاتف بصوتٍ منخفض 


الحارس :  باشا إحنا أدام بيت الهانم … المدام رافضة ترجع وبتقول لحضرتك هترجع بالليل وخالها وجدتعا هيوصلوها .


وفي مكانٍ آخر، كان يمان يسمع الجملة ذاتها…وجمر الغضب بدأ يتوهّج من جديد أمام عينيه .وهو يغلق الهاتف بوجوههم ويكسر القلم أمامه لنصفين ثم يرميه بعيدا .


مسحت دموعها وارتدت ملابسها علي عجل ثم  استأذنت خالها بنبرةٍ هادئة لا تشبه العاصفة التي بداخلها، أخبرته أنها ستشتري فستانًا لها وآخر لداليدا لأنها ليست ملابس لائقه ...

 لم يمنعها، فقط نظر إليها طويلًا، كأنه يقرأ ما تنويه دون أن ينطق ...أعطاها بطاقته رفضت بالبدايه لكنه أرغمها بالقبول 


عندما غادرت ميلا الغرفه  خلع آدم معطفه ثم قميصه وتمدد خلف داليدا ضامما جسدها إليه وكأنها ستهرب من بين يديه وذهب هو الآخر في نوم عميق.



خرجت ميلا من الشقة بخطواتٍ سريعة، وأقسمٌت في صمت  يتكوّر في صدرها أنها ستجعله يأتي أسفل اقدامها.


ما إن وطئت قدماها خارج الباب حتى انتظم الحرس تلقائيًا وقفوا في صفٍّ واحد، رؤوسهم مرفوعة احترامًا تقدّم أحدهم وسأل بأدبٍ مشوب بالحذر


الحارس : تحبي نجهّز العربية يا هانم ؟


هزّت رأسها بلا تردّد


ميلا : لا، متشكره  مش عايزة عربية… هروح مكان قريب من هنا .


تبادل الحارس نظرة سريعة مع زميله، ثم قال بحزمٍ مهذّب


الحارس : مينفعش يافندم  أوامر  يمان باشا … إن حضرتك ما تخرجيش لوحدك من غيرنا .


رفعت حاجبها، ونبرتها جاءت قاطعة


ميلا : وأنا قولت لا...مش عاوزه حد منكم معايا .


همّت أن تتحرّك، لكنها وجدت الطريق يُسدّ فجأة فقبل أن تنفجر بوجوههم جاء صوت مألوف من الخلف


قاسم : صباح الخير يا ابله  ميلا.


استدارت، لتجد المعلّم قاسم واقفًا، بابتسامته الهادئة وشاربه الكثّ تنفّست بعمق، محاولة كبح توتّرها.


نيلا :صباح النور يا معلم قاسم.


نظر إليها بعينٍ فاحصة، ثم سأل بلطف


قاسم : طمنيني عليكي … عاملة إيه يا أبله ؟ محتاجة  أيوتها حاجه ؟مش علشان الست إيف راحت للي خلقها ..يبقي خلاص ...الحاره كلها حبايبك واخواتك هنا...وتتمني تخدمك 


تردّدت لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لا تخلو من التعب عندما تذكرت والدتها .


ميلا : تمام الحمد لله يا معلم … كتر خيركم إنتوا طول عمركم أهلي .


هزّ رأسه وكأنه يعرف أن( تمام ) هذه الكلمه  كذبة مهذّبة منها  ثم قال بفخر


قاسم : انتي جايه النهارده علشان قرآيه فاتحه أبله داليدا بنت الست الصباح مش كده .


اتسعت عيناها قليلًا، لم تتوقّع الخبر انتشر بهذه السرعة.


قاسم : أصل أنا اللي هعلّق النور والزينة في الشارع كله أصل  المهندس فارس حبيبنا وابن جارنا الاستاذ محمود… فرحة تستاهل يعني .


ابتسمت ميلا تلقائيًا، ابتسامة صادقة هذه المرة.


ميلا : تسلم إيدك  يا معلم… ونجاملك في الأفراح انشاء الله .


اقترب خطوة وأضاف بنبرة ودودة


قاسم :إنما خارجه كده وسايبه العروسه لوحدها ورايحة علي فين .

ابتسمت بغلب علي وقاحته في السؤال 


ميلا : رايحه السوق هجيب شويه حاجات 


لم يتردّد وأردف 


قاسم : طب ما أوصلك في سكتي ؟ أنا رايح محل النور والكراسي اللي في أول السوق .


التفتت نحو الحارس، وكأنها تحسم الأمر


ميلا : خليك إنت أنا هروح مع المعلم قاسم خلاص .


أغلقت ميلا أذنيها عن بقية الحديث، وتقدّمت مع قاسم.

كانت خطواتها ثابتة، وداخلها يقين واحد فقط أن يمان سيعلم بخروجها من المنزل وحدها ومع من .....مع قاسم .


تردّد الحارس ولكنه رضخ عند إصرارها ثم أخرج هاتفه جانبًا بسرعة وأدار ظهره قليلًا وهو يتحدث بصوتٍ منخفض.


الحارس : باشا… مدام ميلا خرجت  كانت رايحه السوق قابلها  المعلم قاسم ومشيت معاه وما رضيتش تآخد حد فينا .


ما إن أنهى الحارس المكالمة حتى انخفض صوته، وكأن الهواء نفسه توتر.

كان يمان في الطرف الآخر، صامتًا لثانيتين فقط… ثانيتان كانتا أخطر من أي صراخ ثم انفجر صوته  حادًا كنصل  السكين


يمان : وانت سبتها تمشي معاه ليه ؟ هو أنا مش محرج عليكم تسيبوها تخرج لوحدها .


الحارس : يا باشا… هي ما رضيتش وقالت رايحة تشتري حاجات من السوق  ....وهو


قاطعه بزئيرٍ مكبوت 


يمان :اقفل مانا مشغل معايا شويه نسوان ما بتعرفش تتصرف .


أغلق الهاتف بعنف، قبضته تهوي على المكتب حتى ارتجّت الأوراق ....وعروقه برزت للخارج من الغضب ، وصدره يعلو ويهبط كوحشٍ جُرِح في أعمق نقطة.


استدار فجأة وهو يمسك الهاتف مره أخري ويصيح بالحارس 


يمان :الحراسة كلها تتحرك وراها دلوقتي .. تبقوا وراها وقريبين منها خطوة بخطوة، سامعين؟و لو بعدت متر واحد ولا رحت مكان  من غير ما أعرف ...هتبقي أخر دقيقه ليكم معايا .فاهمين.؟


ثم خطف مفاتيح سيارته واندفع خارج الشركه  بخطواتٍ سريعة، صعد السيارة وأدار المحرك بعنف، فانطلقت كالرصاصة غضبه كان أعمى…والغيرة كانت تحرق قلبه وروحه .


في الجهة الأخرى، كانت ميلا أكثر هدوءًا مما يُتوقع.


عند أول السوق  ابتسمت للمعلم قاسم بلطف


ميلا : متشكرة قوي يا معلم… كفاية لحد هنا.


نظر لها بحنين عاشق حتي النخاع 


قاسم : خلي بالك من نفسك يا ابله ؟


تنحنحت ميلا وإستدارت تبتعد عن نظراته 


ميلا :شكرا يا معلم قاسم 


ما إن ابتعد حتى رفعت يدها و أوقفت تاكسي بسرعة وانزلقت إلى المقعد الخلفي.


ميلا : وسط البلد يا أسطي .


انطلقت السيارة، ومع كل متر كانت تبتعد فيه، شعرت بخفة غريبة، كأنها لأول مرة تخرج من قفص غير مرئي وداخلها كانت تعرف…أنه يعرفها جيدًا…وسيلحق بها ولكنها هذه المرة لم تهرب خوفًا.

هربت لتثبت لنفسها ...وله....أنها ما زالت تملك قرارها.


جلست في المول بعد قليل ترتشف قهوتها وتتأمل الواجهات الزجاجية تحاول أن تختار فستانًا لداليدا وآخر لها من خلف زجاج العرض ...و تحاول أن تتنفس كأنها امرأة عادية… لا زوجة رجلٍ يحاصر العالم باسمه.


لكن في الخارج…كان يمان يقترب.وغضبه يسبق خطواته.


دخل يمان المول كما لو أنّ المكان قد انقسم له دون أن يطلب.

لم يرفع صوته، لم يصرخ، لم يهدد… وهذا ما جعله أكثر رعبًا.


تقدّم بخطواتٍ ثابتة، كتفاه مشدودتان، عينيه تمسحان المكان ببرودٍ قاتل وبدلته الداكنة ونظارته السوداء و حضوره الطاغي، والهالة التي تحيط به جعلت الحراس والموظفين يتنبهون دون أن يفهموا أنه رجل مهم ....ولكن لماذا شعروا فجأة أن الهواء أثقل في حضورة .


فبعض المتسوقين التفتوا دون وعي والسيدات خفّضن أصواتهن وأحد أفراد الأمن استقام في وقفته لا إراديًا.


كان يبدو علي هيبته  كمن لا يبحث…بل يعرف إلي أين يذهب .


أما ميلا، فكانت أمام واجهة أحد المحال، تمسك فستانًا بلون هادئ، تبتسم بخفة وهي تتخيل داليدا ترتديه.رفعت رأسها مصادفة…

فتجمّدت ولكن المفارقه أن قلبها هو من رآه أولًا، قبل عينيها.


بينما هو لم يقترب فورًا ولم ينادي  اسمها.

وقف على بعد خطوات، ينظر إليها بنظرةٍ لا تشبه غضبه المعتاد كانت نظرة صامتة…وثقيلة…وكأنها تسألها لماذا فعلت ذلك وليس كيف فعلتي ذلك ؟


وهنا جاء رد الفعل غير المتوقع.منها فبدل أن تسحب نفسها،

وبدل أن تتوتر أو تهرب وضعت الفستان مكانه بهدوء، أغلقت الحقيبة التي بيدها، واستدارت ناحيته بثبات.


اقتربت هي ووقفت أمامه و رفعت ذقنها قليلًا، وصوتها خرج هادئًا على عكس العاصفة بينهما.


ميلا :متقلقش… مش ههرب يا يمان بيه .


ارتبك لثانية.. كانت ثانية واحدة فقط… لكنها كانت كافية ليشعر أن الأرض ليست تحت قدميه كما اعتاد.


خفض صوته، وهو يميل قليلًا ليكون قريبًا منها دون أن يلمسها


يمان : إنتي فاكرة إنك هتفلتي بعملتك دي ؟


نظرت في عينيه مباشرة، بلا خوف


ميلا : عمله إيه دي؟  أنا واحده  خارجة تشتري هدوم علي بعد شارعين تلاته من بيتي … مش أسيرة في سجن بتستأذن علشان تخرج حسن سير وسلوك.


ساد صمت قصير....كان قصير… لكنه مشحون.


ثم حدث ما لم يتوقعه أحد.


ابتسم يمان ابتسامة صغيرة، جانبية، لا تحمل سخرية… بل دهشة حقيقية...كأنها فاجأته بقوتها أكثر مما فاجأته بعصيانها.


يمان : واضح إن اللي حصل بينا إمبارح غيرك . وهيخليكي تتمردي علي حياتك معايا .


قالها بهدوءٍ مخيف ليستفزها 


ردّت بنفس الهدوء والثقه 


ميلا : لا… خالص هو بس فوقني .وعرفني قيمتي عندك إيه .


في تلك اللحظة...أدرك يمان أن دخوله المهيب للمول لم يكن هو المشهد الأقوى في هذه المقابله …بل وقوفها أمامه بكبرياء  دون خوف هو الاقوي .



أمسك يمان يدها بعفويةٍ حتي ينصرفا و كأن القرار محسوم، وكأنها ستتبعه دون نقاش.


لكن ميلا توقفت فجأة، شدّت يدها منه برفقٍ حازم، ونظرت إليه بنظرةٍ لا تقبل المساومة.


ميلا : انا لسه ما خلصتش  أنا جاية هنا أشتري فساتين وحاجات ، ومش همشي غير لما هاشتريهم.


انعقد حاجباه  وصوته خرج منخفضًا لكنه مشدود


يمان : يعني إيه؟


ميلا : يعني هخلّص اللي أنا عايزاه الأول.ومش همشي غير لما أخلص اللي أنا جايه علشانه. 


لثوانٍ، بدا كأنه سيعترض…ثم زفر ببطء، وترك يدها، وقال بنبرة لا تخلو من التحدي


يمان :اتفضلي...اتزفتي بس بسرعه .


نظرت له ميلا بطرف عينيها وأردفت 


ميلا : طالما مستعجل إمشي وماتسربعنيش لاني مش مستعجله زيك ...وسيبلي الجارد وخلاص .


نظر لها بغضب وهو يخلع نظارته وقال ببرود علي وشك الانفجار 


يمان : ثواني لو ممشيتيش أدامي دلوقتي وخلصتيني أعملي حسابك مافيش لا شوبنج ولا مرواح الحاره الزفت دي تاني .


زفرت بغضب وهي تدبدب بقدميها في الأرض كالطفل الغاضب.


 تجاهلت وجوده وأخذت  تنتقل من محلٍ إلى آخر وتختار وتقارن و تسأل، وتقيس…وكأن يمان غير موجود.لم تنظر إليه ولم تطلب رأيه.


كانت تتحرك بثقةٍ جديدة، بثباتٍ أدهشه وأغاظه في آنٍ واحد.

أما هو، فكان يسير خلفها بصمت ...عيناه لا تفارقها غيرته تشتعل كلما لاحظ نظرة إعجابٍ عابرة من أحد البائعين،وفخره يتسلل له  رغماً عنه…كلما اوقفت نظراتهم وإقتربت منه تحدثه بأي هراء  وكأنها تبعد النظرات عنها و تخبر الجميع أنها ملكه وحده حتي ولو كانت ترفضه .


عندما انتهت، حملت الأكياس وتوجهت إلى صندوق الدفع.

أخرجت محفظتها، وقدمت البطاقة بثبات.

في اللحظة نفسها، امتدت يد يمان بالبطاقة السوداء.


يمان : بتعملي إيه ؟


لم تلتفت إليه، وقالت بهدوء قاطع


ميلا : إنت شايف ايه ؟


وأخرجت بطاقة أخرى، رفعتها أمامه بوضوح.


ميلا : هدفع هكون يعني هعمل ايه ؟


لم يفهم في البداية.

ثم فهم… عندما قرأ إسم آدم علي البطاقه 


وفهمها بطريقته الخاصة وفي حركة مفاجئة، خطف البطاقة من يدها…وألقاها أرضًا.صوت سقوطها كان أعلى من اللازم.

مال نحوها وصوته خرج خفيضًا لكنه حاد كالنصل


يمان : إنتي مسؤولة مني… طالما مراتي وعلي إسمي ..أنا ماحدش يصرف علي مراتي غيري .


رفعت عينيها إليه ببطء، وفيهما خليط من الغضب والكرامة المجروحة.


انحنت، التقطت البطاقة من الأرض، نظفتها بيدٍ ثابتة، وقالت دون أن تنظر إليه


ميلا : للأسف إنت فاهم المسؤولية غلط مش كل حاجه بتتشري بالفلوس.


ساد صمت ثقيل بينهما...ولكنه قد وصل لذروته في الغضب 


العاملون حولهم تظاهروا بالانشغال، لكن التوتر كان محسوسًا.

ثم…مدّ يمان يده، سحب الأكياس، ودفع الحساب دون كلمة أخرى.وعندما انتهى، التفت إليها وقال بهدوءٍ غريب


يمان : أنا اقدر أشتري كل حاجه  بالفلوس ...والفلوس اللي أنا دفعتها دي كانت مقابل الليله بتاعه إمبارح أتمني تكون كافيه .

توقف لحظة، ثم أكمل ....أصلي مش بحب أكون مديون لحد وخصوصا لو الموضوع عجبني وعاوز أكررة .


لم تجبه.لكن قلبها…كان أول من سمع هذا التقليل والإذلال والسخط ، وأول من ارتجف له.


يا تري ماهو الرد المناسب الذي يليق بهذا الفهد ؟ww3

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة هالة زين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

NextGen Digital... Welcome to WhatsApp chat
Howdy! How can we help you today?
Type here...